xpredo script

العودة   منتدى نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى

كارلوس ماريا دومينغيس

المنتدى الادبى

26-06-2009, 08:14 PM
lovely_yoyo
 
كاتب كارلوس ماريا دومينغيس

كارلوس ماريا دومينغيس


ألغاز الطبيعة




كاتب وناقد أدبي وصحفي، من مواليد بوينس أيرس – الأرجنتين عام 1955، وهو يقيم في عاصمة الأوروغواي مونتفيديو منذ عام 1989.يعتبر من أشهر روائيي أمريكا اللاتينية في المرحلة الراهنة، وقد ألف الروايات التالية:

  • [ ]"خندق فارغاس" (1985)
    [ ]"الدراجات السوداء" (1991)
    [ ]"المرأة المخاطَبة" (1995) ونالت جائزة بارتولومي هيدالغو
    [ ]"بيت الورق" مترجمة إلى اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية ونالت جائزة لوليتا روبيال – لروائيي الأوروغواي (2002) كتب العديد من التراجم مثل:
    [ ]"بناء الليل": حياة خوان كارلوس أونيتي (1993) بالتعاون مع ماريا استير خيليو.
    [ ]"ابن الزنى": حياة روبيرتو دي لاس كارّيراس وأمه كارلا (1997).
    [ ]"تولا إنفرنيسي": انتفاضة الحنان (2001).
نشر أيضاً الكثير من المؤلفات مثل:
  • [ ]"جرائم غراميات ظالمة" (دار نشر أغيلار عام 2001)
    [ ]"جوهرة لكل فأرة، مذكرات لص بنوك" بالتعاون مع داريو خيرو عام (2001)
    [ ]ألف الرواية المسرحية المعروفة " العاجزة " (1998)
    [ ]تم جمع مقابلاته في كتابي "فرجار الذهب" (1999) و" قصص الغبار والطريق " (2003)
في حديث خاص بموقع الإمبراطور قال الروائي كارلوس ماريا دومينغيس أعطى نبذة عن نفسه:
"لقد ترعرعت على ضفاف النهر الفضي (ريو دي لا بلاتا) في حي أوليفوس في ولاية بوينس أيرس الأرجنتينية عندما كانت الحياة على تلك الضفاف أشبه بمهرجان شعبي مترع بالدهشة والمفاجآت، ولم تكن الحكومة العسكرية الدكتاتورية قد خصصت ضفاف النهر بعد. وما لبث استلام حكومة الرئيس كارلوس منعم مقاليد السلطة أن دفع بي إلى شواطئ الأوروغواي. وقد أبدت لي مدينة مونتفيديو آفاقها البحرية، وخضت في عدة أنهار في الأوروغواي بزورق "كانواه" صغير يتسع لشخص واحد. كما أبحرت في النهر الفضي (ريو دي لا بلاتا) بقارب شراعي. وهناك صديق لي من مدينة كاراميلو في الأوروغواي سبح مع جوني ويسميولير (ممثل طرزان) في مياه نهر بارانا، وهذا الصديق جمعني بشواطئ كولونيا وشخصياتها. ولسبب أو لآخر كان النهر ماثلاً دوماً في قصص الخيال التي ألفتها، وفي سيرة حياة أشخاص عبروا النهر الشاسع من ضفة إلى أخرى. ومنذ روايتي الأخيرة " ثلاث ثلمات في بارودتي" دنوت من أبعاد طبيعته، ولشد ما كانت ألغازها عظيمة".
اعترافات جوني
الإهداء: إلى رامون بايس (Ramon Baiez)
الذي سبح مع طرزان وروى لي هذه القصة.
من السهل الاستهزاء بطرزان الآن إذا ما تذكرناه كربيب للقرود يحمل قردة على كتفه ويتدلى من غصن شجرة ليفرشي أسنان التماسيح.
لقد عرفناه في الكتب، والمجلات، والسينما... إلى جانب جين المندهشة، والفيل تانتور. وكيف لا نعجب به ما دمنا رأيناه يلقي بنفسه من أعلى عروض الظهيرة في صالات السينما في مختلف الأحياء فاتحاً ذراعيه ورافعاً صدره كالأسد ثم ما يلبث أن يقرّب يديه إلى بعضهما ويحدودب ثم يقذف بنفسه ويلج في النهر كما تلج الإبرة في ثوب الحرير. وما من أحد منا إلا وقلّد صيحة ذلك الرجل التائه في الأدغال، فقد كانت صيحة تحوّل وحدته إلى انتصار. بيد أني شخصيّاً لا أستطيع الاستهزاء بطرزان بل وأكاد لا أطيق ما تقوله الصحف عنه.
لقد كان يعرف بأن تلك الصيحة تفوق كل ما جرى تصوّره عن الأرض بخيرها وشرّها. وأعرف أنه حاول إطلاقها وأكاد أسمعه من خلال ضحكات ثلة الشبان الذين كانوا يحتفلون باللامعقول. ويطلبون مني تقليده مثلما كنت أفعل في الماضي. وذلك لأنني سبحت مع طرزان، ولأنه ما من أحد من هؤلاء الكادحين الذين لا يسببون الأذى لأحد سيعود لسماع هذه الصيحة من فوهي
– لقد كان عمري 19 عاماً، وكنت أعمل في تصفيف الشحنات في ميناء مونتفيديو.
– الأوروغواي عندما علمت بأنه جاء ليدرب سباحين في مدينة روساريو دي سانتافيه
(1) بدعوة من الجنرال بيرون
(2) وقد سمعت بذلك الخبر من زميل لي في بلدة "كاراميلو"
(3) كان يحمّل معي الأكياس في السفن، كما وكنا قبلها بعدة سنوات نعمل في تحميل الأكياس في العبارات على شواطئ النهر.

وكان خوليو يكبرني بعشرين عاماً في ذلك الوقت الذي كانوا يعتبرون فيه الرجل مخنّثاً مالم يجرؤ على قطع منطقة الدلتا سابحاً. وكنت أراهم يبحرون مع تيار الأوروغواي باتجاه القطاع الأخضر المترامي على الضفة الأرجنتينية ثم يعودون مع تيار الغروب وسط الضوضاء والمزاح والفكاهات. وكانوا يقضون النهار في جزيرة "القديسة خوليا" ويأكلون الثمار من الشجر، ويأتون مترعين بحكايا نقشتها الشمس على ظهورهم.

وبالطبع فقد كانوا يسخرون من خوفي.
وكنت أستحق ذلك، لأني وحتى بلوغ الخمس سنوات لم أقبل إطلاقاً بمرافقتهم. ولكن ومنذ ذلك الحين لم أعرف سعادة أعظم من الاستسلام للتيار، وجسمي شبه غاطس، وأنا أتمعّن الآفق الأخضر الذي كان يقترب بدون جهد كما ولو كنت أجذبه بخيط نحوي.

إن السبب الأول الذي جعلني سبّاحاً هو الاعتزاز بالذات والكرامة، والثاني هو الإخلاص لتلك العصبة من الشبان التي كان يرأسها خوليو بفضل ميزة ما لبثت أن خفّت - بعد عبوري الأول- لتقتصر على السنتين الوحيدتين اللتين لا يمكن نسيانهما. وبعد بضع سنوات خضت سباق الاثني عشر ميلاً في منطقة البالمار، ثم سباق العشرين ميلاً في كاراميلو، والثلاثين في الأوروغواي.

متيقناً بأني أفضل سباح في المنطقة بشهادة الميداليات التي كسبتها والتي لا أعرف أين وضعتها لاحقاً. وما عشت لا أنسى تشجيع الناس الذين كانوا يتناثرون على ضفاف النهر بمواقدهم، وبسطهم، وزواداتهم، بينما أنا غاطس في الماء مثبتاً قبعتي ومجدفاً بذراعيّ ثم برجلي وهكذا دواليك.. بينما عدستي نظارتي "مغبشتين " ورأسي يعلو تارة وينزل تارة كما ولو كنت ألتقط لهم الصور مع كل تجديفة ذراع. وكنت قد تعلمت سماع صوت العضلات من تحت الماء، والبحث عن أكثر التيارات قوة، وإزالة التشنج بواسطة دبوس معقوف لن أنساه أبداً.
فعندما كنت أشعر بهزة من حمض اللاكتيو في بطة رجلي كنت أغزّ الدبّوس بقوة، وخلال الثواني التي كان يستغرقها امتزاج الحامض بالماء كنت أفكر بخوليو.. وبأم خوليو!! لأن الشتيمة كانت تصدر فظيعة، ومع ذلك كنت أمضي مع النهر ببراعة السمكة شاكراً ذلك السر وشاكراً تراجع الألم.
كنت آنذاك أحضر كل أفلام طرزان، وأدرس أسلوبه، والمهارة التي كان يجوب فيها أنهار أفريقيا ليواجه العدو أو يهرب من الكثير من الوحوش الضارية والتي لم يستثنى الإنسان منها. ولم أختر الأفلام لقصتها أو مغزاها بل لكثرة المرات التي يسبح فيها أو يقذف بنفسه من أعلى الشير.

ولكم من مرة وجدتني وسط الصالة المضيئة محاولاً أن أحنّط على الشاشة البيضاء حركات طرزان في الماء، فيما العجوز لوكانور يكنّس أوراق السكاكر المتناثرة في أرض الصالة.

كنت آنذاك فتيّاً، وكان والدي مجرد ذكريات ضبابية في عيني أمي المستسلمتين، وتعلمت أنه ليس باستطاعة المرء أن يفعل كل ما يريده، فالحاجة للعمل كانت درسي الأول، ولكن عندما أبلغني خوليو وهو يئن من ثقل الكيس بأن طرزان موجود في الروساريو توقف نفسي وكادت كلاّبة إحدى الرافعات تحطم رأسي.

بعدها اتخذت القرار الليلي الحاسم، بأن أصرّ نقودي، وأحزم "بقجتي" وأستقل الحافلة باتجاه روساريو. وكان علي أن أدفع مبلغاً مالياً لأشارك في مسابقة إلى جانب الكثير من المنافسين ومعظمهم من السباحيين الأرجنتينيين الذين ينتمون إلى إحدى الأندية الفارهة "النازيك" التي يوجد فيها برك سباحة ومشالح لم أكن قد رأيت شبيها ً لها قط. ومع ذلك فقد كانوا يتدربون أيضاً في نهر بارانا، وقد قررت انتظار دوري. وفي صباح أحد الأيام رأيته!! وكان محاطاً بمجموعة من الشبان ومرتدياً مايوه سباحة أسود اللون، وواضعاً منشفة حمراء على كتفيه.

ومثلما هو معروف فإن كل شئ في الفيلم يظهر أكبر حجماً، وقد كان طرزان عن كثب مذهلاً. إذ كان متوسط القامة ميالاً للطول. وكان ردفاه بعرض الباب، أما ذراعيه ورجليه فكانا أشبه بمجاديف سفينة لم تكن قد علقت في اليابسة قط. ولكم كانت دهشتي عارمة عندما رأيت جيوب عينيه منتفخة، ولحظت بعض الشعرات الشائبة في رأسه. ومع ذلك فقد كان محتفظاً بتلك الخصلة اللولبية السوداء والمتمردة التي كانت تتدلى على جبهته معلنة بأنه من سلالة الأبطال.
وما أن رمقني من فوق رؤوس المحيطين به حتى قذفت بنفسي في الماء وأخذت أسبح.

ذهبت إلى وسط النهر ثم عدت وقذفت بنفسي من جديد ثم عدت، فيما هو يصدر توجيهاته بمساعدة معاون كان يترجم توجيهاته. وعندما بلغت الشاطئ للمرة الخامسة وجدتني أمامه وجهاً لوجه وقد غطس لنصفه في الماء، وكان يرمقني بنظرة غريبة لم أستطع سبر غورها فيما يقول لي شيئاً بالإنجليزية.

وبصرف النظر عما يقوله لم أكن لأستطع تفسير شيئ لأنني لم أكن أعرف من اللغة الانجليزية سوى كلمة (GOOD MORNING) بيد أني دنوت منه فربّت على كتفي قبل أن يردد ذلك الأمر بشفتيه الغليظتين.

وقد تسمّرت في مكاني إذ أنه هزّني قليلاً ودلّ عليّ أمام بقية طلاب المجموعة، ثم هززت برأسي علامة الرضا إذ لم أكن لأقل سوى كلمة نعم. أما طرزان فقد استدار قليلاً ليعود برفقة مساعده، وهو رجل مربوع القامة، منفوخ البطن، وقد تلعثم بادئ الأمر ثم ما لبث أن قال لي بأسلوب فظّ أن "جوني" أحب أسلوبي في السباحة ويعرض عليّ المشاركة في التدريب كمدعو خاص من قبله. هنا بدأت فرائصي ترتعد بينما أقدم هو على حركة لطالما رأيته يكررها في الأيام اللاحقة، حيث نفش شعري بجميع الاتجاهات مثلما تنفش الريح شعر الغاب.

وهكذا أصبحتُ جزء من الفريق الذي يضمّ أرجنتينيين ذوي طباع ومشارب وأذواق كنت أجهلها، وأقمت في منشآت النادي طوال الأيام العشرة التي استغرقتها زيارته.
في اليوم التالي وأثناء التدريبات أوضح بأن سرّ الاندفاعة الأولى في السباحة يكمن في البقاء تحت الماء أكبر فترة ممكنة لأن الجسم عندما يكون غاطساً كلّياً ينطلق بسرعة تفوق سرعته وهو عائم.

ودفع بالجميع نحو النهر لكي يتدربوا على الانطلاقة الأولى من إحدى المنصات الخشبية. وبعدها أومأ لي برأسه متحدياً إياي على السباحة في عرض النهر. وخضنا مياه نهر باراناالشاسع تحفّنا نسمة عليلة من تيار بامبا تهب على جانب النهر. وكنت متخلّفاً عنه قليلاً وأنا أحاول التحكّم بوتيرة ذراعيّ وأحاول بنفس الوقت تجاهل انفعالي الناجم عن السباحة مع طرزان في نهر فخاريّ اللون تمتزج مياهه بمياه نهر آخر لتختلط بعدها بمياه البحر حيث كنت سأواصل سباحتي إلى جانب ملك الغابة البعيدة والصمّاء بهذا الأسلوب المترع بكل أمر والذي يُسمَع خلاله الصمت الآتي من تحت الماء، أي صوت القلب والرئتين وتنفّس كل ما خلق منذ نشوء الطبيعة يقطعه انسياب جسدين على سطح مائج ليّن وباتجاه محّدد لا يمكن سبر غوره.

وفجأة وجدته يسبح إلى جانبي أنيقاً كالدلفين يمتطي موجة تفتح ثلماً مثلثاً ثم ما تلبث أن تختفي، وأخذ يلوّح بيده.. ولكثرة إلحاحه فهمت أنه يشير باتجاه الضفة اليمنى حيث العديد من الأشخاص يتابعوننا بنظراتهم بينما كان آخرون يتابعوننا مهرولين.

في البداية لم أفهم، أو بالأحرى لم أشأ الفهم، واستفسرت عينيه واستشفّيت أنه يطلب مني عدم استباقه أمام الناس، وتخفيف وتيرة سباحتي والبقاء متخلّفاً عنه قليلاً. واجتاحتني في تلك اللحظة رغبة بالاستمرار وبتخيّل اللحظة التي سأروي فيها مفتخراً بأنني هزمت طرزان!! ولكن عيناه كانتا تقولان أمراً آخر، ألا وهو استسلام حلم يجابه هزيمة أعمق. وهكذا فبدافع من الخشية أكثر من دافع الرحمة تركته يمضي.

وعندما بلغنا الشاطئ ضمني إلى صدره، ونفش شعري وظل برهة يفكّر، وعرفت أن فكره رحل إلى زمن آخر، وكما لو كان يتذكر شيئاً ويكتشف عالماً آخر أرمز فيه – بكل تأكيد – إلى أمر جميل في شبابه. وقد استشرفت ذلك لأن نظرته كانت بريئة وطيبة كنظرة طفل.

لم يكن من السهل عليّ القبول بأن يكون طرزان ألمانياً ويحمل الاسم العسير اللفظ جوني ويزميولير Jonny Waissmuller ومن خلال اهتمامي بمايقوله الآخرون أصابني ذهول رهيب. فقد عرفت أن جوني كان مصاباً بمرض البوليوميليتيس (poliomyelitis) أي ضمور وضعف عضلات الرجلين، وعرفت أن العلاج دفع به إلى الماء، حيث قفصه الصدري، وذراعاه، وعضلاته المضاعفة بلغت قوة تجاوزت ضعف قدماه، ثم مالبثت رجلاه أن انضمتا أيضاً إلى شموخ التفوق على الخوف. فتلك العاهة حولته إلى بطل أولمبي لمسافة المائة متر، وهو قد أنهى لتوه تصوير فيلمه الأخير " جيم في الغابة".

وبعد أن كان قد صور فيلما تلو الآخر حدفت به هوليود جانباً. ومنذ ذلك الحين أصبح يقوم بجولات كمدرب لكي يعيش ويدفع ثمن المشروب. فطرزان كان يتناول الويسكي منذ الصباح الباكر، ويكفي أن تنظر إليه مساء لتراه يتلمّس الجدران لبلوغ مقعده البعيد قليلاً عن بقية المهاجع التي كنا ننزل فيها، ونظرته الشاردة وقدماه تمشيان وكما لو كانتا ترقصان رقصة تركية. ولعل أكثر ما فاجأني به كان تحسسه من القرود. إذ لم يكن يكره مخلوقاً في الدنيا أكثر مما يكره القردة "شيتا"!! ففي إحدى جلسات الدردشة نقل المترجم عنه قوله أنها "حشرة جربانة!! بل وذات روح جربانة، لأنها تتحمل وزر أمتار طويلة من شرائط الأفلام التي ألقيت في سلة المهملات بسبب عنادها الذي لا يرحم، ولأنها تتحمل مسؤولية إجباره على تكرار عدد لا يحصى من المشاهد الخطيرة التي كاد يحطّم جمجمته أثناءها في أكثر من مرة". كما وكانت جين أيضاً تكرر على الشاشة المغازلات الكاذبة عن ذلك الواقع المخزي فقد كانت مورين أوسوليفان Moureen Osullivan تكره القردة شيتا، والقردة بدورها تكره الاثنين وتمارس شتى أنواع الانتقام.

ومنذ اليوم الأول للدروس كان الجميع يستجدونه تقليد صيحة طرزان. بيد أن جوني كان يلوذ بالصمت هازّاً برأسه كعلامة رفض، فقد اعتاد على سماع مثل تلك المطالب الملحّة في هذا النادي وذاك في مختلف أرجاء العالم. وكان يطلب من التلاميذ أن يحاولوا تقليده فتبدأ الصرخات المحبطة تتلوها الضحكات تترى كشلال من الفشل. الأمر الذي كان يثير ضحكه. وبالطبع فأنا كنت قد جرّبت ذلك وليس لمرّة واحدة فقط بل مئات المرات. وكنت فخوراً بالنتائج.

وفي إحدى الليالي وإزاء تشجيع الآخرين شحنت رئتيّ بالهواء، وضغطت حلقي لأتمكن من تقليص رقبتي ومطّها، ولكن لأخدش الهواء في معارضة شعورٍ حزينٍ لم أكن أعرفه بالتحديد آنذاك، ثم تعلمت مع مرور السنوات استشرافه، ثم الخوف منه، وفي النهاية احترامه على هامش ما هو معروف. وهذا أمر لم يقال مطلقاً خارج نطاق همسات الماء على جسم السباح المنفتح على الانطلاق وحيداً وسط الدوامة والأمواج والمتطلع لتحقيق غاية لا مندوحة عنها.

وعندما فرغت من التقليد كرّر الباقون السخرية، ولكن جوني لم يضحك، وسمّر نظراته فيّ قائلاً: إن صيحة طرزان ليست آدمية. فهي مزيج من صيحة حيوانات ذات ذبذبات صوتية هائلة ممزوجة بصوت آدمي في إحدى استوديوهات التسجيل!! وساد صمت مستغرب لبرهة من الزمن وأدركت أو خيّل لي بأنني اكتشفت أن اعتراف طرزان – لو صحّ التعبير- يشكل خدمة لمجتمع البشر. فقد أزال عبئاً عن كاهلنا، حتى ولو تركه قائماً أمام ناظرينا، كما ولو كان يحاول الهروب من ذل لا يستحقّه.
وفي تلك الليلة هجع إلى النوم باكراً يتأبط زجاجة الويسكي وهو يترنّح بصورة أثارت أولى السخريات من قبل السباحين، فلغاية ذلك الحين لم يكن أحد قد تجرأ على إظهار الأمر الذي يدور في خلد الجميع، والذي كان اعتراف طرزان يكفي لإفشائه، ألا وهو الاعتقاد بأن الجنرال بيرون لم يجلب سوى رجلاً سكّيراً في الدرك الأسفل من تداعيه الكحولي. بل وجلبه عندما لم تعد له أية قيمة، ولم يكن يجرؤ فقط على التنكّر للأحلام التي كان قد خلقها في صفوف الجمهور لدى معانقته لقردته " شيتا" بل حتى أنه كان يعجز عن إطلاق صيحة طرزان!!
وعندما توجهنا إلى النوم قال أحدهم: "أنا لا أطلب منه أن يطلق الصيحة نفسها وبنفس الزخم، بل!!!" ولكنه انبعج من حشو المال على مدى عدة سنوات، فهل تعتقد بعد ذلك أنني ساذج لدرجة أصدق فيها بأنه لم يكن ولا حتى ليستطيع التعلّم على تقليد الصيحة؟ أو أنه لم يحاول في إحدى المرات أن يفعل ذلك ليرى على الأقلّ كيف تصدر عنه؟
أجاب آخر: "الشئ نفسه يتكرر دوماً!!" فهم يأتون إلى الأرجنتين بعد أن يكونوا قد "تختخوا" وبدأوا بالانهيار. ففي السابق لم يكن لنا وجود بالنسبة لهم، بل وكنا بمثابة عبيد الجنوب، وبعدها يأتون مرتمين عند قدمينا ليأكلوا مثل هذا الشخص. فلكي يتلقف ويتبلعز شرحة لحم تجده على استعداد للتنكر لكنيته. أوتعتقد أن هذا الرجل الذي يعانق زجاجته يصلح كمثال أو كقدوة للرجل الرياضي؟
هنا تدخّل شخص أشقر ذو غرّة قصيرة وقال وهو يرتدي بنطال بيجاما أصفر اللون،" أتعرف حقيقة ما يجري؟ إن طرزان لم يكن ملك القرود بل ملك القِردة، وملك مجّاجي الخمر!!
عندها انتفضت وقد احمرّت عيناي، وعصف برأسي إعصار ملئ بورق السكاكر والشاشات، واندفعت نحو الأشقر ووجهت إليه لكمة طرحته أرضاً. فهجم عليّ أربعة أو خمسة. "ماذا دهاك يا أسود النحس فمع أننا نقيت جوعك فإنك تأتي لتضربنا!! ياله من عقل نتن خرائي!!".
وعلقت بعدها مشاجرة حامية الوطيس غرقت أثناءها تحت وابل من اللكمات والأيدي والأرجل. وبينما نحن في عزّ الشجار انفتح الباب فجأة ودخل طرزان بخصلة شعره اللولبية المتدلّية على جبهته، وبملامح صعقتنا وسمّرتنا، فقد كان يرتدي البنطال ونصفه العلوي عارياً. وكانت مفردات وجهه غير متناسقة من جراء الويسكي والغموض، ولكنه كان مستعداً للانقضاض على فريسته.
وقد انتهزت فرصة الارتباك لأرد لكمة عنيفة إلى ذاك الذي كان قد عضّ أذني. وما ان استدرت حتى شعرت بيد جوني على كتفي، ثم على خنّاقي وقد كادت تقطع نفسي. وهزّني بعنف وأمرني بلملمة حاجاتي والمغادرة مشيراً بأنه لم يأت بي لأجلب له المشاكل. وقد قالها بالإنجليزية ولكن أحدهم ترجمها عنه، ومجرد نظرة إلى ملامح وجهه كانت تكفي لأتيقن من صحة ما قيل.
أزلت الدم عن أذني وأنفي بشرشف السرير وارتديت ملابسي وجمعت حاجاتي بينما كان طرزان يراقبني والباقون يلزمون الصمت المطبق. ولدى خروجنا عاود صراخه آمراً إياي بالمغادرة ورجع إلى غرفته وهو يتبعج موصداً الباب.
وهناك إلى جانب بركة السباحة أخذت أقلب حقيبتي متمادياً في التفكير بما سأفعله، وكيف يمكنني أن أقول له أي شئ مادام هذا الأجنبي لا يتكلم إلا الإنجليزية أو الألمانية؟!
ذهبت باتجاه الباب، ثم عدت، وترددت من جديد، فأنا وبأي شكل من الأشكال لم أكن أريد الذهاب، وخاصة الآن وقد أخذ العالم يضيع مني ويضيع منه أيضاً.
وجلست في مدخل غرفة نومه إلى جانب الباب، وقبعت غارقاً في العتمة أستمع الراديو الذي تركه جوني مفتوحاً. وبقيت لمدة ساعة على هذه الحال تائهاً بين أغاني التانغو بصوت المطرب الراحل غارديل والمطربة تيتا ميريلو. وبعدها انفتح الباب، واستلقى جوني على العتبة والزجاجة بيده وقد أضاء ظهره نور خافت منبعث من القنديل جعل فمه أكبر حجماً وطال بشعاع أصفر عينه اليمنى وهي عين خلقت لتنظر إلى الليل، وكانت تلك الليلة بدورها قد خلقت من أجلنا نحن الاثنين لو لم يكن الأرجنتينيون قد عكّروا كل شئ.
لم يتأخر في اكتشافي وسط العتمة، ولكنه عاد لينظر إلى النجوم، وبعدها إلى بركة السباحة المضاءة بكشافات نور بيضاء تضفي على الماء شفافية جليدية. ومن ثم جلس أو ارتمى إلى جانبي وأخذ يتحدث ويشرب الثمالة المتبقية في الزجاجة.
لا أعرف ما قاله بالتحديد، ولكنه تحدّث طويلاً بشك كان ينطلق من أعماق الصدر المفتوح والمتوتر كالطبل، بينما كنت أتأمل عينيه وحركات شفاهه، وملامح وجهه المربع الشكل شاعراً بصورة أوضح من أي إيقاع أو كلمة بأنه يردد السؤال الأخرق لرجل تائه في ماضيه. وفي لحظة من اللحظات أخذ كفّاه نحو فمه وفهمت أو تصوّرت على ما أعتقد أنه يتحدّث عن الصيحة الخرافية التي كانوا قد اخترعوها له، والتي لم يحدث أن تمكن أبداً من إطلاقها خارج وهم الشاشة. وهي صيحة عظيمة وضعيفة ظلت عالقة في مخيلات الناس بعد أن سمعوها على مدار سنين طويلة، كما سمعها هو على غرار الباقين ولكنه لم يعد يستطع تكذيبها دون أن يجتاحه شعور لا يطاق بالفشل.
نمت في تلك الليلة على أريكة في غرفته، وفي اليوم التالي قادني من جديد إلى المجموعة واهتم بالإيحاء لهم بأنني الشخص الذي أحظى بحمايته، وأن عليهم أن لاينبتوا ببنت شفة أمامي... ولذلك فعندما تقول الصحف بأن جوني ويزميولير قد مات معتوهاً في إحدى مصحات مكسيكو وهو يحاول إطلاق صيحة طرزان، فإنني أعجز عن تسلية شبان المقهى وذلك مثلما عجزت عن استباقه تلك المرة عندما كنا في النهر، لأن كلانا يعرف أن تلك الصيحة ليست آدمية، وأنها كانت تنطلق من أعماق صدر وحش مستحيلٍ كان الإنسان قد تعلم الوقوف فوقه على قدمين، ليصبح بعدها أقوى من عضلاته، وليتخيل نفسه مخلوقاً آخر، وهذا الصراع لم يكن قد انتهى أبداً





اتمنى ان الموضوع
ينول اعجبكمكارلوس ماريا دومينغيسكارلوس ماريا دومينغيسكارلوس ماريا دومينغيس

يويو
من مواضيع : lovely_yoyo كارلوس ماريا دومينغيس
الاخلاق فى مواجة الجمال
26-06-2009, 08:38 PM
lovely_yoyo
 
حسنا
من مواضيع : lovely_yoyo الاخلاق فى مواجة الجمال
كارلوس ماريا دومينغيس
29-06-2009, 05:35 PM
lovely_yoyo
 
اه ما فى حد عجبو الموضوع على فكرة الموضوع حلو كتير
من مواضيع : lovely_yoyo الاخلاق فى مواجة الجمال
كارلوس ماريا دومينغيس
17-08-2009, 02:02 PM
lovely_yoyo
 
ممممممممممممممممممممممممم ممم
من مواضيع : lovely_yoyo كارلوس ماريا دومينغيس
الاخلاق فى مواجة الجمال
 

الكلمات الدلالية (Tags)
ماريا, دومينغيس, كارلوس

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

كارلوس ماريا دومينغيس

الساعة الآن 12:36 PM.