xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

الأوساط العربية كما تتجلي في الحرب اللبنانية

الحوار المفتوح

10-08-2006, 10:51 PM
موسى بن الغسان
 
الأوساط العربية كما تتجلي في الحرب اللبنانية

الأوساط العربية كما تتجلي في الحرب اللبنانية
2006/08/10

محمد شاويش
مقدمة: مفهوم الوسط :
لأجل فهم القوي الاجتماعية العربية الكبري الفاعلة موضوعياً وذاتياً، بصورة واعية وغير واعية، في الصراع السياسي ـ الأيديولوجي في المجتمعات العربية أقترح إدخال مفهوم الوسط إلي تحليلاتنا التي تتناول الثقافة والسياسة والفكر في بلاد العرب، ويتولي هذا المفهوم سد ثغرات مفاهيم أسبق منه من نوع مفاهيم الطبقة و الشريحة الاجتماعية .
وأعني بمصطلح الوسط جماعة من الجماعات المكونة لمجتمع معين تجمعها رؤية موحدة للواقع وللعالم، ولها خيارات سياسية واحدة، وأسلم بتأثير مهم لاجتماعها في مكان جغرافي واحد مستقل نسبياً له تجربته مع الطبيعة ومع الإنتاج المادي لضروريات العيش ومع الجماعات البشرية الأخري وله أفكاره الدينية الخاصة.
ما يجعلنا نميز وجود وسط معين هو اشتراك أفراده بمظهر سلوكي واحد: تعبيرهم عن قيم واحدة ورؤية واحدة للعالم ومواقف سياسية واحدة و مزاج سياسي واحد، ولكن هذا الظاهر تعبير عن لب اجتماعي يقف في الخلفية، هو أثبت منه وأقل تغيراً.
ولعل القارئ سيجد في هذا المصطلح تماثلات معينة مع مصطلح يستعمل في الغرب في علوم مختلفة كالبيولوجيا والكيمياء وعلم الاجتماع هو المصطلح Milieu ولا تخلو هذه الملاحظة من الصحة، غير أن القارئ بالتأكيد سيجد اختلافات في استعمالي لهذا المصطلح عن استعمالاته المعتادة في تلك العلوم الغربية، وسيتضح معني المصطلح وأبعاده مزيداً من الاتضاح فيما آمل في الأمثلة العيانية التي سأتكلم عنها في هذا المقال وفي مقالات أخري إن شاء الله.
وأقصد بالدراسة المدققة للأوساط العربية أن يفهم العرب بعضهم بشكل أفضل، ولا أقصد التوجه الاستشراقي الذي يركز علي الاختلافات العربية بهدف تأبيدها وبالعكس: أريد أن يفهم العرب بعضهم ليتمكنوا من الحوار وليتوصلوا إلي التعاضد علي أساس مستنير بمعرفة كل منهم العميقة بالآخر، تعاضد أساسه غير مشوب بأنواع من سوء الفهم قد تعمل لوحدها لاحقاً لعرقلة العمل المشترك أو قد يثيرها الأعداء المتربصون (ويخطر علي البال هنا أن أذكر بتجربة الوحدة المصرية السورية).

1 ـ عن الأوساط الشامية:

إذا كان الوسط يتجلي من خلال أشكال خارجية (أزياء وقواعد سلوك ولغة)، ومن خلال مزاج (سياسي يجعلنا قابلين للتنبؤ بمواقف الأفراد المنتمين إليه سلفاً من المستجدات السياسية بمجرد وقوع هذه المستجدات، وقبل أن نراها ونسمعها عند هؤلاء الأفراد، فإن علينا في اعتقادي أن نصادر علي وجود لب اجتماعي ثابت للوسط يغير من لونه الأيديولوجي من حقبة إلي أخري، ولكن هذا التغيير يظل في المضمون الظاهر للفاعلية الاجتماعية للوسط، ولا يطال المضمون الكامن المتعلق بمصالح وجودية جوهرية لجماعة معينة تتغير تعبيراتها وتظل هي ثابتة.
قرأت مرة في كتاب لجوزيف أبو خليل (الكتائبي المعروف) أنه قال لمناضل في الحزب القومي الاجتماعي السوري ما معناه: من الطبيعي أن تكون وأنت الأورثوذكسي قومياً سورياً وأن أكون، أنا الماروني، كتائبياً!
لعل مثال ذلك القطاع المسلم من المدن الساحلية في لبنان دال هنا: استمرار التوجه السياسي القومي العربي مع تغير الأشكال التي يأخذها هذا التوجه. وقد تبني المثقفون الشاميون من أصول مسيحية موقفاً فكرياً يمتاز من جهة بانفتاح علي الثقافة الغربية ومشاركة في المقابل في الموقف الشعبي الرافض للاستعمار، وقد قادت التفاعلات المعقدة بين الأوساط الشامية في النصف الأول من القرن العشرين إلي تغلب التوجه القومي المعادي للاستعمار وليس للثقافة الغربية علي الاتجاه الديني التقليدي الذي كان مضاداً للاستعمار وللثقافة الغربية بآن واحد، ومع النصف الثاني من السبعينات ظهر انقسام حاد بين تيار شعبي يتميز بالعداء للثقافة الغربية والاستعمار علي أرضية أيديولوجية جديدة ليست هي الأيديولوجية التقليدية القديمة (الفرق كبير بين الشيخ محمد الأشمر والشيخ عبد الفتاح أبو غدة مثلاً، وكذلك الفرق كبير بين الشيخين الشهيدين عز الدين القسام وأحمد ياسين مع أن الثاني نظرياً أعلن أنه استمرار للأول) وبين تيار جديد موال للثقافة الغربية وللسياسة الغربية بآن واحد ظهر في الأوساط نفسها تقريباً التي كانت سابقاً معادية للاستعمار.
ولنا أن نأخذ مثالاً أيضاً علي العلاقة بين الأشكال الأيديولوجية والسياسية المتغيرة واللب الثابت الوسط الاجتماعي العربي الذي هو فيما أظن الأنشط أيديولوجياً وسياسياً وهو الوسط الفلسطيني، فقد عبر الفلسطيني عن توجهات ثابتة عبر وجوه أيديولوجية مختلفة تراوحت من الإخوان إلي الناصرية ثم الماركسية فالإسلامانية كما تتجلي في خصوصياتها في حركتي حماس و الجهاد . ويمكن لك أن تتنبأ من مزاج الفلسطيني المميز بموقفه حتي من أحداث تحدث في أماكن بعيدة عنه في العالم، فمن الصعب عليه مثلاً أن يتعاطف مع معارضة شافيز في بوليفيا، أو أن لا يتعاطف مع معارضة مانديلا لنظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا، وهو يجد نفسه أوتوماتيكياً تقريباً متعاطفاً مع الكاثوليك ضد البروتستنت في إيرلندا!، ولا شك أن المزاج المعارض للفلسطيني هو مصدر إزعاج للأنظمة العربية يجعله مرشحاً دوماً للاضطهاد، وللقيام مجبراً بدور كبش الفداء في كل تغيير سياسي (كما نري في النموذج العراقي الآن)، وكل انقلاب في توجهات قوة سياسية أو اجتماعية عربية باتجاه التحالف مع أمريكا يجد تجلياً تلقائياً له بالكراهية ضد الفلسطينيين.

2 ـ وسطان لبنانيان متناقضان في الموقف من الحرب القائمة:

في عدد واحد من جريدة النهار (النهار الجمعة 4 تموز ـ يوليو 2006 ـ السنة 73 ـ العدد 22733) نشرت رسالتان موجهتان إلي الأمين عام لحزب الله حسن نصر الله، وتناقض الرسالتين في رؤية العالم (رؤية العالم المحلي علي الأقل، وبالذات رؤية واقع الحرب القائمة وآفاقها وطبيعتها الكامنة)، وفي مزاج الكاتبين وتمنياتهما، يدلاننا علي وجود أوساط متناقضة يتكون منها المجتمع اللبناني.
والرسالتان في الحقيقة تعبران عن مواقف متناقضة في مسائل حاسمة، والمهتمون بالدراسة التحليلية المطلوبة للفعل الثقافي العربي والفعل السياسي اللذين ينبثق واحد منهما عن الآخر ويتبادلان التأثير دائماً لا يجوز أن يتركوا هذه الحالات الهامة الدالة بدون إشارة ولفت انتباه، وبدون جعلها منطلقاً لتكوين أرضية نظرية أمتن تعين الباحث كما تعين الفاعل السياسي والثقافي العربي علي جعل عملهما مبنياً علي معرفة مستنيرة وليست مرتجلة بالمجتمع العربي الكبير ككل وأجزائه القطرية كل علي حدة.
الرسالة الأولي عنوانها: رسالة إلي السيد حسن نصرالله قبل سقوط الهيكل وكتبها جوزف وهبة ـ طرابلس.
والثانية عنوانها: رسالة إلي السيد حسن نصرالله تدمير لبنان وفلسطين لا يعوّض بتبادل الأسري فقط بل بضمان تحرير شبعا والجولان وإزالة جدار الفصل وكتبها عصام نعمان ـ بيروت.
في الرسالة الأولي يعرف الكاتب نفسه بأنه مناضل قديم عرف مارون الراس والخيام وشقرا وبنت جبيل. ذاق طعم البطولات، هناك، علي تلك التلة الفاصلة بين دولتين وحضارتين وثقافتين، كما ذاق طعم خسارة الارض والرفاق والانتصارات الموقتة، تحت شعارات العودة الي فلسطين وحرب الامة وشرفها وكرامتها . وينتقل إلي التساؤل: هل يعيد التاريخ نفسه، مع فارق بسيط وجوهري ان الامة باتت تمتد الي طهران ومشاريعها النووية، مرورا حصراً بدمشق؟ .
الرسالة تعيد مواقف قوي 14 آذار المعروفة التي يعبر عنها وليد جنبلاط في مقابلاته، وهي اعتبار الحرب القائمة عملاً لصالح إيران، وتحميل حزب الله المسؤولية عن الضحايا والمهجرين، ودعوته لقبول مبادرة السنيورة بإرسال قوات دولية وتبادل الأسري وعودة شبعا ونشر سيطرة الدولة علي جميع أراضيها، ثم البحث في موضوع سلاح الحزب، و المزاج الواضح في الرسالة هو مزاج اليسار الديمقراطي مثلاً (إالياس عطا الله) الذي يكره النظام السوري، ويدعو للعودة إلي بناء دولة عادية، تسالم إسرائيل وتخرج من الصراع العربي الصهيوني لأنها دفعت فوق طاقتها من التضحيات، وكان هذا خطأ كبيراً في رأيهم. (هذه المواقف عبر عنها تائبون يساريون كثيرون علي رأسهم محسن إبراهيم ، أمين عام منظمة العمل الشيوعي وأحد رموز الحركة الوطنية اللبنانية في فترة الحرب الأهلية، في خطاب نقد ذاتي أثار بعض اللغط منذ مدة).
أما الرسالة الثانية، وهي من المحامي الناصري والوزير السابق عصام نعمان، فتعبر عن رؤية للعالم مختلفة و مزاج مختلف كلياً.
الواقعة الواحدة تذكر في الرسالتين من منظورين متناقضين كلياً: يقول جوزف وهبة مخاطباً نصر الله: الا تري اننا ندفع الثمن الاغلي في التاريخ لقاء تحرير اسير واحد، أو اثنين او ثلاثة؟ وماذا عن مئات الالاف من المهجرين في المدارس وعلي ابواب الدنيا السبعة: اليس في هذا التهجير مساس بكرامات الافراد والوطن؟ أما عصام نعمان فيقول عن الواقعة نفسها: أسيران إسرائيليان مقابل لبنان كله، بشرا حجرا، زرعا وضرعا. فقد أودت آلة الحرب الصهيونية لغاية الآن بحياة نحو 900 ضحية، بينهم نحو 50 من مجاهدي المقاومة، وجرحت وأعاقت أكثر من 3200 جلّهم من الاطفال والنساء والشيوخ، ودمرت او كادت كامل بنية لبنان التحتية من جسور وطرقات، ومرافق ومرافيء، ومستشفيات ومدارس، ومصانع ومزارع، وشردت نحو مليون من السكان.
اذا كان لأسيرين إثنين في تقدير ايهود اولمرت وزمرته الحاكمة كل هذه القيمة والاعتبار، فأي قيمة واعتبار يقتضي ان نعطيهما نحن للمئات من شهدائنا وجرحانا وأسرانا؟ هل يجوز ان يكون للانسان عندنا، لا سيما الطفل البريء، قيمة أدني من قيمة الانسان في الكيان العنصري؟ بل هل يجوز لنا ان نتهاون في حق شعبنا وعمراننا وحاضرنا ومستقبلنا فنرضي بوقف المقاومة علي شروط العدو بعد كل هذه المجازر والخسائر والفواجع؟ .
الأول يستنتج أن الثمن الكبير الذي دفع مقابل الأسيرين دليل علي خطل سياسة المقاومة (ومنعته في تقديري اعتبارات دبلوماسية واعتبارات التوازن الطائفي التي لا يمكن تجاوزها في لبنان من تجريم نصر الله علانية وتحميله مسؤولية تدمير لبنان وإن كان هذا المعني واضحاً بين السطور) ، أما نعمان فالنتيجة التي يتوصل إليها نقيض لما يريده وهبة فهو يري أن الثمن الكبير الذي أجبر أولمرت لبنان علي دفعه دليل علي أننا يجب نحن أيضاً أن لا نقبل بمجرد عودة الأسري اللبنانيين فهو يطالب نصر الله أن يضع شروطاً أعلي بكثير من هذا هي تطبيق جميع قرارات الأمم المتحدة بما فيها القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلي ديارهم، وتطبيق قرار محكمة العدل الدولية بإيقاف بناء جدار الفصل العنصري، وتأليف لجنة تحقيق دولية في جرائم الجيش الصهيوني، ولجنة تحقيق أخري تخمن الأضرار المادية التي ألحقها العدوان بلبنان وإلزام المعتدي بدفع الخسائر التي تسبب بها. وهو يقول إن الحكومة إذا اعتذرت عن تبني هذه المطالب فليبق الكفاح من أجل تحصيل الحقوق التاريخية حياً وحاراً (...) ليبق الصراع مع العدو مستمرا ومتجددا، والكفاح من اجل تحصيل الحقوق غير القابلة للتصرف يبقي حيا وحارا والالتزام بالمقاومة والجهاد يبقي عميقا وملزما ومحفزا. انه تعاقد طوعي مع التاريخ لاعادة صنع التاريخ .

3 ـ الوهابية علي مفترق طرق:

لعلي إن ذكرت هنا كيف تلقيت الظاهرة الوهابية إن جاز التعبير لا أكون خارجاً عن الموضوع إذ هذا التلقي يلقي أضواء كاشفة في اعتقادي علي ظاهرة اختلاف الأوساط العربية وطبيعة العلاقات التي يمكن أن تنشأ بينها في حالة التقائها في حيز فاعلية (ثقافية أو سياسية مثلاً) واحد.
منذ أن كنت مقيماً في سورية كانت قناعتي بضرورة معرفة ودراسة ما يجري في المجتمعات العربية الأخري تدفعني لمتابعة ما كنت أستطيع الحصول عليه من أخبار المجتمع السعودي. وكنت في هذا فريداً تقريباً فقد كان الوسط الذي كنت أنتمي إليه آنذاك، وهو وسط وطني ـ علماني يميل إلي اليسار يتعامل باحتقار مع السعودية خصوصاً والخليج عموماً ويعدها بلداً متخلفاً معادياً للتقدم والتحرر العربي عميلاً للإمبريالية ونقطة: لا ضرورة لتضييع الوقت في متابعة أخبار أولئك الناس وأقوالهم وقناعاتهم!.
ولعلي كنت أكثر من غيري من زملائي في الفكر آنذاك مقدرة علي الاقتراب من هذا النموذج الفكري الغريب وهذا الوسط الأبعد إلينا عملياً من فيتنام وكمبوديا وسلفادور! والسبب هو علاقتي القوية بخلاف معظم هؤلاء الزملاء مع التراث العربي واللغة العربية، بل مع علوم الشريعة، وإن يكن بشكلها النظري المجرد (علوم القرآن والحديث وأصول الفقه).
ولم يكن عندي تصور دقيق للاتجاه الوهابي، وكل ما كنت أعرفه عنه أفكار إيجابية تقريباً جاءت من (سمعته الحسنة عند رجال النهضة بصفته حارب الممارسات المتخلفة والبدع الانحطاطية المنتشرة).
لكني حين صرت أستمع لبرامج الإذاعة السعودية الدينية (مثلاً برنامج الفتاوي نور علي الدرب من إذاعة نداء القرآن من مكة المكرمة ) كانت تدهشني نوعاًً ما فتاوي متشددة لم يكن لي بها عهد، ولكني لم أعدها من خصوصيات الوهابية بل عددتها آراء فقهية فردية، ومن هذه الفتاوي تكفير تارك الصلاة والحكم بطلاق زوجته منه، وهو حكم لو نفذ في الشام آنذاك لطلق تسعون بالمائة من نسائها، حيث كانت المحافظة علي أداء الصلاة أمراً نادراً حتي ذلك الوقت! وكذلك الفتوي بوجوب صلاة الجماعة بجميع الأوقات وإلي آخره.
وفي ذلك الوقت أزعجني، لكني كنت بعد لم أصطدم بالظاهرة الوهابية بكل أبعادها، الهجوم علي الشيعة في الإذاعة الرسمية، وكنت أعلم أن الشيعة موجودون في السعودية، فكنت أتساءل: ما هذا البلد الذي يهاجم فيه جزء من مواطنيه في الإذاعة الرسمية التي يفترض فيها أن تعبر عن جميع المواطنين!
من الطبيعي أنه كان عندي شأن بقية زملائي في الوسط، بل شأن قسم كبير من الناس في سورية موقف يحرم التحريض الطائفي ويعده خيانة وطنية، ولم يتضح لي إلا لاحقاً أن هذا التحريم مجهول في السعودية، وأن ما تستفظعه في بلد قد يكون أمراً عادياً في بلد آخر! بل هم يستفظعون استفظاعك إن جاز التعبير!، ففي حواراتي اللاحقة مع بعض السعوديين العاديين المقتنعين بما تعلموه في المدارس (كما هو متوقع من الناس في جميع البلدان) كانوا يعدون موقفي اللاطائفي علي العكس هو الموقف المريب الذي يدل مثلاً علي أني قد أكون شيعياً! (في الحقيقة جزم بعضهم لاحقاً بأني شيعي أو علي الأقل صوفي ! وهما وصفان تستطيع أن تشبههما بوصفي تروتسكي و ماوي عند الشيوعيين الموسكوفيين أيام زمان!) وكان هذا الموقف منهم أمراً مفهوماً وإن لم أفهمه مباشرة لأنه يستند لرؤيتهم للعالم وطبيعة معرفتهم بهذا العالم وتفسيرهم له.
وفي حرب الخليج الأولي عام 1991 سمعت أن بعض الشيوخ الشباب قد اعترض علي موقف الحكومة من الحرب وأن لهم أشرطة في ذلك فاهتممت بالحصول عليها ومن هؤلاء سفر الحوالي وناصر العمر.
وحين استمعت إلي أشرطة هؤلاء لاحظت لأول مرة كم هو الفارق هائل في المفاهيم والأفكار بين السعودية وبلاد الشام، فسفر الحوالي مثلاً كان يبني رأيه الفقهي في معارضة الحرب، لا علي أنه لا تجوز مناصرة أمريكي علي عربي، أو حتي مناصرة كافر علي مسلم (كما توقعت قبل سماعي له)، بل علي أنه لا تجوز مناصرة الكافر علي الكافر! حيث أن النظام العراقي بعثي كافر وأمريكا وحلفاؤها كفار أيضا! مع إهمال كامل لما يؤخذ في الاعتبار عادة في التحليلات السياسية لأهل الشام من أبعاد تاريخية واقتصادية واجتماعية للسياسة الأمريكية والصهيونية إلي آخره، فتحليل الوهابية الكلاسيكية، كما فهمت آنذاك وإن بصورة غائمة توضحت تدريجيا،ً يهتم بنقطة واحدة فقط هي: ما هي عقيدة الناس؟ وعلي هذا الأساس يتحدد الموقف منهم، فإن كانوا علي العقيدة الصحيحة فحكمهم الولاء، وإن كانوا علي الضلال كفراً أو ابتداعاً فحكمهم البراء الذي يعني العداء المرير الشرس المطلق الذي لا هوادة فيه ولا لين.
وفي شريط لناصر العمر راعني استشهاده ببيتين لعمر أبو ريشة كنا في سورية نسنشهد بهما أيضا، ولكن في سياق آخر مختلف كلياً، وهما البيتان الشهيران:
رب وامعتصماه انطلقت..ملء أفواه الصبايا التي
لامست أسماعهم لكنها..لم تلامس نخوة المعتصم!
ففي سورية كنا نستشهد بهما لوصف نذالة الحكام الذين خذلوا ضحايا الصهيونية ولم يناصروهم أما الشيخ الدكتور ناصر العمر فاستشهد بهما (وهو خطيب مفوه بالمناسبة) لتقريع الحكومة السعودية التي لم تستجب لاستغاثات الطالبات السعوديات ضد المعلمات من ذوات الاتجاه المنادي بتحرر المرأة! والاستشهاد بالبيتين كان بمناسبة هجومه علي المظاهرة الشهيرة التي قامت بها هذه المعلمات في الرياض للمطالبة بحق المرأة في قيادة للسيارة أثناء حرب الخليج الأولي.
وقد توليت عام 2000 لفترة وجيزة الإشراف علي منتدي الخيمة الذي يكتب فيه كثير من أهل السعودية، فأول ما فعلته كان حذف جميع المواضيع الطائفية التي تتهجم علي الشيعة، واستغربت الهجمات الهائلة التي واجهتها من المشاركين في الكتابة ومن كثير من المشرفين الآخرين السعوديين أيضاً، وقد قلت لهم ببساطة ما ظننته بديهياً أن التهجم علي الشيعة وتكفيرهم وتسفيه قياداتهم الدينية المحترمة وإباحة دمهم ما هو إلا دعوة لحرب أهلية في كل الأقطار التي يعيش فيها شيعة ومنها السعودية وقلت لواحد منهم أظنه كان طالباً جامعياً: تخيل نفسك شيعياً وتسمع بأذنك هذه الهجمات الساحقة علي قومك: ألن يخطر علي بالك أن التعايش مستحيل ولا بد من بناء دولة مستقلة للشيعة؟
وقد استغربت رده فقد قال: ما العلاقة بين الكتابة ضد الشيعة والحرب الأهلية؟
اتضحت لي تدريجياً معالم الأفكار الكبري والقيم التي تسود في ذلك الوسط: إنه وسط ((مثل أي وسط) مبني علي تصورات ثابتة و تعيينات للخير والشر، ففي سورية تعد (لحد الآن علي الأقل) الصهيونية هي الشر والخطر الأكبر، وتحرم الطائفية، ليس رسمياً فقط بل في التجربة الاجتماعية، وليس هنا المكان الذي أريد أن أتعمق فيه في وضع الطائفية في سورية الذي هو بالتأكيد أعقد من هذا العرض المبسط نسبياً، أما في السعودية فالشر الأكبر هو الشرك وفقاً للتعريف الوهابي الذي يعيد كليشيهات ثابتة مشيطنة مثل القبورية و الصوفية و الرافضة وشر لا يكاد يقل عنه هو شر البدع وأهلها كالأشاعرة والمعتزلة والمرجئة والزيدية (وبعض المتحمسين يضيفون إليهم الإخوان المسلمين!).
وأرجو أن لا يساء فهم هذا العرض، فيظن أنني أفضل بالمطلق القيم الموجهة للوسط السوري علي تلك الموجهة في الوسط السعودي، وليس قصدي الحكم القيمي هنا، وإلا لربما ذكرت أشياء لصالح السعودية في رأيي منها أنه علي كل حال لا يوجد في السعودية عداء للدين من النوع الذي نراه ضمناً في التجربة البعثية عموماً وبعد عام 1980 خصوصاً، مما يجعل المواطن السوري في حالة فصام شخصية أرجو أنها بدأت الآن تتحلحل وتزول مع زوال تلك الحقبة الهستيرية: حقبة الثمانينات.
وفقاً لمبدأ الولاء والبراء فأي صراع في العالم يجب من جهة أن يتم علي أساس العقيدة الدينية، ويجب فيه الوقوف مع المسلمين (بالتعريف الوهابي طبعاً) ضد الكفار . ولكن من جهة أخري تتم المصادرة (وهي معتادة عند البشر عموماً) أن أفكارنا هي أفكار الآخرين، فكما أننا لا يمكن إلا أن نعاديهم وعلي أساس عقدي، هم كذلك لا يمكن إلا أن يعادونا، والعداء هو العلاقة الوحيدة الممكنة بين المختلفين عقدياً، فلا مجال للمودة بينهم، ومفاهيم من نوع التسامح الديني مجهولة في القاموس الوهابي التقليدي، ويدان من يقول بها، وقد تصدي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان للشيخ يوسف القرضاوي حين قال في كتابه الحلال والحرام في الإسلام إن مودة أهل الكتاب إن لم يحاربونا جائزة، وناصره مشايخ كثر ولكن الشيخ بن باز أجاز نشر الكتاب في السعودية (للقارئ أن يراجع مذكرات القرضاوي التي تنشر في موقعه علي الإنترنيت ويراجع كتاب الشيخ صالح الذي أصدرته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية).
لكن هذه الوهابية الخالصة، والتي لا تزال منتشرة شعبياً ويري القارئ واقعها الفكري بوضوح إن فتح أي منتدي إنترنيت سعودي، نالتها هزة عنيفة مع تحول شباب متحمسين هم تلاميذ لها إلي خصوم للنظام السياسي بعد حرب الخليج الأولي.
هؤلاء تابعوا المقولات نفسها، ليستنتجوا منها ردة علمائهم الكبار وأنهم فقهاء سلطان، لأن هؤلاء لم يطبقوا مبدأ الولاء والبراء في حالة تحالف الدولة مع الأمريكان.
علي الأساس الوهابي التقليدي لا يجوز لنا أن نتوقع أي مقاومة حقيقية للاستعمار والصهيونية، فهذا الأساس كفيل دوماً بتحويل اتجاه البوصلة ليصب في خانة إثارة حروب أهلية عربية، وانني لآمل أن لا يتمدد هؤلاء المقتنعون بهذا الأساس الفكري إلي لبنان وفلسطين فتكون كارثة، ومثال العراق واضح فتكفير الشيعة وإباحة دمهم هي الفتوي الجاهزة التي تساهم بغباء في تنفيذ مشروع التقسيم الأمريكي الصهيوني والذي هو نفسه المشروع الطائفي الشيعي (مشروع الحكيم مثلاً).
ولكن هذا الأساس يتحول أيضاً، ليس فقط في هذا الاتجاه الضار بل يتحول في اتجاه تقارب مع العرب الآخرين، وفي اتجاه تفهم أوسع أفقاً للواقع، وتعديل مهم لرؤية الوهابية للعالم.
هناك عدد كبير من الشباب السعودي الذكي الذي يسير في هذا الاتجاه الجديد النقيض، ولهذا التحول دعاة مشهورون منهم مثلاً الشيخ سلمان العودة، والدكتور محسن العواجي، ومن سلفيي الكويت أذكر الدكتور حاكم المطيري.
وقد كان للفتوي التي تحرم مناصرة حزب الله (للشيخ ابن جبرين) التي نشرت في الحرب اللبنانية الحالية وقع هام علي الوطن العربي وعلي الاتجاه الوهابي نفسه، ففي الوطن العربي ألقيت الأضواء لأول مرة علي مشكلة مزمنة قديمة كانت مجهولة عملياً هي مشكلة تكفير الوهابية للشيعة، وفي صفوف هذا الاتجاه، وفي السعودية بالذات وضعت المقولات الوهابية التقليدية في حالة اهتزاز، إذ أن الشيعة في لبنان يحاربون عدواً مجمعاً عليه، ومن الصعب الادعاء أنهم أعداء أكثر من الصهاينة، ولا شك أن الاشمئزاز العربي العام من تلك الفتوي لم يمر بلا آثار في هذا البلد الذي هو أياً كانت خصوصياته السياسية والاجتماعية والفكرية فهو يظل أولاً وأخيراً جزءاً من محيطه وله المصالح الجوهرية الوجودية نفسها، إنه جزء من الأمة الأكبر، التي مهما تعددت أوساطها تؤول إلي لب يصحح المسار دوماً لأنه هو الجوهر وغيره العرض وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .
كاتب من فلسطين يقيم في برلين

من مواضيع : موسى بن الغسان رحلة في المكان والزمان ـ د.أيمن محمد الجندي
اسود علينا احنا بس................
وول ستريت جورنال: إسرائيل تخسر الحرب وستواجه أعظم إذلال عسكري في تاريخها
بسبب الصلاة .. الأمن الأمريكي يطرد مسلما من الطائرة
إدراج مصر على القائمة السوداء في مكاتب الهجرة الأمريكية
 

الكلمات الدلالية (Tags)
اللبنانية, الأوساط, الحرب, العربية, تتخلى, في, كما

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
مالم ينشر عن حرب اكتوبر ( القصة كاملة ).............للتثبيت..............
اتفاقية جنيف الثالثةبشأن معاملة أسرى الحرب
حرب لبنان وأثرها على المشروع الصهيوني
الأوساط العربية كما تتجلي في الحرب اللبنانية

الأوساط العربية كما تتجلي في الحرب اللبنانية

الساعة الآن 05:42 PM.