xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

انتصار الدم علي السيف

الحوار المفتوح

13-08-2006, 03:44 PM
موسى بن الغسان
 
انتصار الدم علي السيف

انتصار الدم علي السيف
2006/08/12

د. محمد أحمد الخضراوي
سقوط الأوثان الحضارية
أن للثعلب دينا؟ يخطئ من ظن يوما
أقبلت القديسة الأمريكية رايس ، إلي الشرق الأوسط الجديد في لبوس الراهبات المتبتلات، تظهر التنسك وتحمل بيدها سلة من المبادئ والقيم الإنسانية وأخذت تصلي من أجل اللبنانيين وتنشد أمام الصحافيين ترانيم الخير والمحبة حتي يبعثها الإعلام إلي أرجاء البلد المنكوب. كان طبيعيا أن يستأنس المتابعون للشأن اللبناني بهذه الروح اللاهوتية العالية التي نزلت علي لبنان النازف، تحمل إليه الخلاص من عذابات العدوان وتلقي إليه بسلام البيت الأبيض كبلسمة لجراحات الظلم الصهيوني. لكن، ما راع الناس بعد انصراف الفاتنة رايس من مأدبة العشاء المفتوح الذي جَمَعَ في المعبد الأمريكي (حيث إقامة السفيرــ أولئك الذين فقدوا البوصلة الوطنية)، إلا وقد انهمرت علي المدنيين العزّل آخر العطايا الأمريكية المصممة لإبادة الآمنين، لتعيد صياغة مجزرة قانا في جزئها الثاني بأكثر تراجيدية وأشد فتكا وتدميرا، حيث قتل 39 طفلا تحت أسقف المنازل من جملة 60 مدنيا أحاط بهم الموت من كل جانب وهم نائمون.
كانت صلاة الوزيرة السمراء، قشرية ومظهرية خادعة تماثل دين الثعلب الذي أحكم تزييف الخارج ليظهر به التخشع، ورتب خطابه الديماغوجي المراوغ ليغالط به فرائسه التي أرهقه اصطيادها. غير أن الغابة ما لبثت أن كشفت البعد الدرامي الكامن وراء السيناريوهات الرومانطيقية المخاتلة التي ترسل إلي الجماهير، وفهمت أن الثعلب ينتمي إلي إمبراطورية الشر التي لا يدين رؤساؤها بدين. إن هم إلا كائنات معادية للحرية وللديمقراطية، لا يمكنها أن تتخلي عن المناخات الدموية التاريخية التي صنعت حاضرها الاستعماري. فالقمع حالة عيادية لا تنفك عن الإنسان النرجسي الذي لا يري في الكون غير ذاته المتعالية، ولا يفارق قيمه التعاملية مهما أضاف إليها من الرتوشات والمساحيق المضللة عن الصورة ـ الأصل والوجه الحقيقي. لقد مثلت وزيرة بوش الصغير البلطجة السياسية التي لا سبيل إلي السيطرة علي إرادة الجماهير وعلي بسط النفوذ علي المشرق الجديد من دونها. لا أدري إن كانت واقعيتنا أم وقوعيتنا هي التي حتمت علينا الاقتناع بأن الأمم لا تزول وإن زالت أخلاقها وتبنت الشراسة منهجا للحياة. غير أن فرويد حين كتب عياء في الحضارة الغربية (ص 65) جزم بأن الطبيعة العدوانية تظل تهدد مجتمع الحضارة علي الدوام بالتقوض والهدم والدمار. أي أن الشر المحض متي ما كان مولّدا للتدبيرات السياسية، أنتج التكاره الحضاري وقاد التطور إلي الإنهيار. وقد حسم المثقفون العرب رأيهم في هذه السطوة الاستعمارية التي تقود العالم إلي صدام الثقافات بدل حوار الحضارات الذي أسسه الرئيس الإيراني محمد خاتمي. فقد تحدث سامي أدهم في العدمية النهيلستية عن فاشستية النص الأمريكي، والعدوانية النصية المتجمّلة بالقناع الديمقراطي (ص125). ووصف إدوارد سعيد المستشرقين بكونهم وسطاء امبرياليين وصانعين للسياسات الغربية (ص 252) وذلك في كتابه الاستشراق الذي أكد أنه أسلوب غربي للسيطرة علي الشرق واستبنائه وامتلاك السيادة عليه (ص39). وبما أن المثقف الغربي عجز عن تجاوز مركزيته كما كتب هشام جعيط في أوروبا والإسلام وعجز عن مغادرة الفكر العدواني القائم علي الأسس الانفعالية وتَمَثــّله (بضم الثاء المشددة) الاسلامَ ذلك التمثّلَ المجبولَ أساسا بالعداوة (ص 18)، فإن عالم الحضارة الفسيحَ، تحوّل إلي مسرح روماني شاذ عن كل حقوق المدنية والمواطنيَّة، وقد زرع الرعب في كافة أرجائه وخيم الموت علي ساحاته.
لقد تبدت استراتيجيا العنف الاستعماري حين زرع الغرب الكيان الاسرائيلي المحتل في جسد الأمة العربية منذ 14 ايار (مايو) 1948، وحوّله من اجتماع لمستوطنين،آفاقيين (شذاذ آفاق) إلي دولة عاتية تمتلك 600 طائرة حربية، و80 بارجة، و9000 من الآليات العسكرية و200 قنبلة نووية ولا تتوقف عن التباكي الدائم وعن الشوشرة والضجيج لتظهر بمظهر المدافع عن النفس والمتخوف من إزالة إسرائيل من الوجود . وذلك من أجل تبرير نظام الآبارتايد الذي تقيمه في فلسطين، والتغطية علي أطماعها التوسعية التي تدفع بها في قرن ما بعد الحداثة إلي الاعتداء علي دول الجوار، وما تزال تعاود، بحسب الأمزجة الحاكمة فيها، استهداف لبنان الذي فقد كل إمكانات القوة منذ أن سقط في حرب طوائفية سنة 1975، حين انفلتت كل موازين الحكمة من عقول المرجعيات، لتتحول الكلمة من العقلانية إلي ألعاب نارية تحصد أرواح المواطنين الأبرياء. وهكذا حتي تشكلت المقاومة الوطنية الإسلامية (1982) لتلغي كل المساومات علي البلاد وعلي العباد، وعاد الفرقاء يستنيرون بالحكمة وبالموعظة الحسنة وينشرون السلام الاجتماعي في أنحاء البلاد. وإذا كان لبنان ثاب إلي رشده وعاد إلي أنواره وإلي عقلانيته الأولي، فإن الوطن العربي ظهرت فيه أمارات لفقدان الرشد واضطراب الوعي وسقوط العزة. فالتيارات التكفيرية بدأت تقرع طبول الحروب الطوائفية لتحول العالم العربي إلي أشلاء جاهزة لإقامة الشرق الأوسط الأمريكي عليها.

الفتاوي الطائرة والوعي المأزوم

إذا كان دعاة التفرقة يتسمون دائما بالرعونة واللامسؤولية،والفوضي، فإن الشيخ البائس صاحب الفتوي التحريضية الذي لم يختر من أجل الظهور الإعلامي إلا موقف المنازلة الطوائفية في هذه اللحظة المفصلية والحاسمة من تاريخ الأمة، قد فقد كل حصافة دينية، وسعي لاشعوريا أو شعوريا إلي تدمير النص المقدس الداعي إلي التوحيد ونبذ الإفتراق والصدامية وهو قوله تعالي وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَيَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ سورة آل عمران 103. وقديما قال الفقهاء: الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها.. لم تفاجئنا المقولة المتكلسة للشيخ المشبوه وقد جاءت توقظ الحساسيات البائدة، وتحاول إعادة تخدير الأمة التي تخلصت من عقالها التاريخي السلبي. فالشيخ الخليجي الذي ينتمي بهذا القول التخذيلي إلي الطابور الخامس ـ طابورالمستشرقين وأدوات الاستعمار، من المثقفين الارتزاقيين والعملاء (أو العلماء) المأجورين، دعا إلي خيانة لبنان، حين نادي بالتخلي عن مساندة حزب الله، وعدم التدخل ولو بالدعاء لدي القدر الإلهي لمنع المجازر عن الأطفال وعن النساء، وحرّم طلب اللطف الإلهي بالمقاتلين المسلـــــمين الذين يدافعون عن كرامة الأمة فنجح كل النجاح في تبرير مذهب شارون الذي يمثله، حسب توصيف قناة المـــــنار أدولف أولمرت الدموي الذي استباح الأموال والأعراض والأنفس والثمرات. وهي مصطلحات دينية تخوّل أوتوماتيكيا الدفاع الشرعي عن كرامة النفـــس البشـــرية دونما فتوي أو فلسفة في الدّين. فـــفي النص النبوي: من قـُتل دون ماله أو عرضه فهو شهــــيد . لذلك، كان حفظ الذّات الإنسانيّة من المسائل المركزية في مقاصد الشريعة الإسلامية وإن عميت عنـــها الفتـــاوي المذهبية والكهنوتية المتخشبة وألحقت بها هذا التشويه الخطير.
لقد حسم عقل النبوة إيجابيا في قضية الصراع التاريخي بين فكر الأنا ورأي الآخر، فأعلن أن الذوات البشرية تتكامل باعتبار وحدة العقل الإنساني، وتنسجم بحكم طبيعة العيش في العالم الالهي المشترك بين مختلف المكونات الوجودية، فأحسن النبي عليه الصلاة والسلام صياغة استراتيجيا حضارية تستند إلي مبادئ روحية وإنسانية تجميعية لا إقصاء فيها. لقد أسس الرسول الكريم دستورا مدنيا بالمدينة المنورة، شرّع (تشديد الراء) به حوار الحضارات بين المسلمين والمسيحيين واليهود، لكنه آخي قبل ذلك بين الأوس والخزرج ونزع من قلوبهم الغل والحقد وإرادة الفتنة الجاهلية التي حاول إيقاظها عبدالله بن أبي بن سلول (اليهودي أو العبري) في مجتمع المدينة، وتنظَّر (تشديد الظاء) لها الفتاوي المذهبية والتكفيرية الخارجة عن حركة التاريخ اليوم. وإذا كانت الواقعية النبوية أسست التواصلات الاجتماعية بين مختلف المكونات الاثنية (العرقية) والطائفية فلكونها أرادت بهذه السياسة الوقائية (من الفتن) توحيد الأمة ضمن بناء متين يحمي من التمزق والضعف والهزيمة. لكن، دون الانزلاق إلي الاستسلامية والتسامح الساذج والتواصلية اللاعقلانية. كان النبي صلي الله عليه وسلم حازما منذ البدء. حيث فرّق وهو في مكة، بين المتآمرين علي المصالح الوطنية وبين المناصرين لقضايا الأمة. وذلك حين مايز بين أبرهة، الملك المسيحي، الذي قدم من أجل تدمير الكعبة وهدم الرمز الديني الأسمي، فجعل الله كيده في تضليل، وبين النجاشي، الملك المسيحي الآخر، الذي قبل للمسلمين لجوءهم السياسي إلي بلاده، وأدان القمع العربي الذي مارسه المجتمع الجاهلي ضد المجموعة الايمانية الأولي، فصلي عليه النبي الكريم صلاة الغائب (صلاة الجنازة عن الميت البعيد جغرافيا) عندما مات. وتلك أعلي مراتب التشريف. الغريب أن الشيخ (صاحب الفتوي) التائه في الأنفاق المذهبية المظلمة، لم يسمع له صوت حين هدّد الصهاينة بغزو خيبر (المدينة المنورة) والوصول الي مكة المكرمة كما وصلوا الي مدينة بيروت، ولم يردّ علي دعوات السياسيين الأمريكيين الذين حرّضوا علي قصف الكعبة المشرّفة بصواريخ تقليدية أو نووية، ولم تصدر منه إدانة لغزو لبنان منذ العام 1982، أو احتلال العراق وأفغانستان، ولم يغضب للإبادة الجماعية والتدمير المنهجي الذي يطال في كل يوم فلسطين والفلسطينيين والمسجد الأقصي الذي يسعي الاسرائيليون الي تقويض بنيانه من الأساس. لقد أثبتت الايديولوجيا المذهبية عجزها عن مواجهة الشر ومقاومة العدوان، وراحت تـتعيش من البلاطات حتي استفحلت فيها نزعة الهزيمة فتناغمت مع مشاريع الفتك بمبادئ الأمة وهويتها الدينية، وتحيزت الي خياراتها الامبريالية الاستكبارية. وهكذا استدار الزمان بهذه الفئات الهامشية حتي ألبسها منطق بني إسرائيل التاريخي حين رفضوا المقاومة وحمل السلاح مع نبي الله موسي عليه السلام، وجاهروه بالخيانة والوقاحة قائلين: قَالُواْ يَا مُوسَي إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ سورة المائدة 24. فكان طبيعيا أن يصطدم هذا الفكر الانهزامي مع القيم الثورية للكائن الإيماني المعاصر الذي لا يقيم وزنا للسفسطات الإفتائية والمهاترات المدرسية. وبالمقابل، فإن حزب الله اللبناني تعامل مع الواقع الاستعماري طبقا للمنهج الاسلامي المنافي والمناهض لعقلية بني إسرائيل الهروبية. أي أنه تعاطي مع المستكبرين كما تعاطي معهم أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم من البدريين. فحين قرّر النبي الكريم إقامة توازن قوي، مع النظام القريشي القمعي وأخذ يستعد لمعركة بدر، وسأل المساندة الاجتماعية، صدر عن المقداد بن عمرو موقف ممثل للوعي الديني لدي المقاومين المهاجرين القادمين من مكة المكرمة، فأعلن النصرة والولاء الكامل للنبوة، والبراءة من غدر بني اسرائيل التاريخي للأنبياء، وقال: يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسي قَالُواْ يَا مُوسَي إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. (سيرة ابن هشام) وقد بين سعد بن معاذ زعيم الأنصار(سكان المدينة الأصليين) الفارق العملي بين النضالية والانهزام حين قال للنبي الكريم: لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، إنا لصُبُر (بضم الصاد والباء وتنوين الراء) في الحرب، صُدُق في اللقاء (نفس الحركات). فبين أن النصر والهزيمة يكمنان كلاهما في مدي الشجاعة أو الخوف من العدو .
إن المجهود التعبوي الذي انخرط فيه النظام الرسمي العربي متحالفا مع بعض الفتاوي الرسمية (هي الأخري ـ وليست الشرعية)، من أجل رسم صورة نمطية لمقاومة المسلمين في لبنان للعدو الصهيوني، يرتكز علي تأجيج المشاعر التنفيرية وإحداث الصدام بين المسلمين تحت مسمي المغامرة أو التشيّع لرسول الله وآل بيته الكرام واتهامها بالاندفاع والمجازفة كبديل عن العقلانية الاستسلامية، لكنها لم تحقق بهذا العنف القدحي هدفها التخذيلي. إذ تعزز، علي عكس المقصود، الإجماع الشعبي اللبناني والعربي والعالمي، ولم تعد الفتاوي الفضائية المهزوزة تعطل مسار الكرامة الإسلامية الثائرة. لقد أسقطت الشعوب وهْمَ المركز الذي استحوذ بموجبه بعض من استوطنوا المناطق المقدسة واحتكروا العلم الديني (بوصفهم الممثل الشرعي والوحيد للإسلام والمسلمين)، ليبثوا من وراء ذلك التفرقة المذهبية وينشروا القراءات الحرفية والمدرسية للشريعة الاسلامية بعد فصلها عن بعدها الحضاري العالميني (الموجه للعالمين). ولهذا، لم يعد لهذه الفتاوي العلموية (غير العلمية) من وقع عاطفي، بل ردود فعل شاجبة ومستنكرة لها ولكل من يدنسون نصاعة الاسلام ويريدون ليطفئوا الأنوار الالهية بأفواههم المرتجفة. لا جدال في أن العالِم المسلم الموضوعي، حسب منظومة الفهم الديني المستـنير، هو من لا تُعْتمَدُ مقولاته وفتاواه باعتبار انتمائه المذهبي والطائفي، أو بمقامه الجغرافي، بل بالعلم والعمل. أعني بمواقفه العملية والتزاماته الميدانية المتعلقة بالقضايا العربية والاسلامية ضمن الصراعات والممانعات السياسية القائمة ضد القوي الاستكبارية في العالم، في إطار ما يعرف بفقه الواقع وفقه الأزمات. وإلا، فإن اغتيال الهوية الدينية، وقمع الشعوب، والمتاجرة بالقضية الفلسطينية، واعتبارها مشروعا للمقايضة والمزايدات السياسية، قد خضع علي مدي عقود من الزمان لماركوتينغ الفتاوي التجارية المنبجسة من التبعية لمركز القرار ومواقع الهيمنة. ولهذا، كانت مواقف أحرار العالم من المسيحيين والبوذيين والعلمانيين والملحدين أكثر جرأة ودعما لقضايا التحرر من هذا البازار الإفتائي ذي الخط التراجعي الغائب عن الواقع المعيش، وعمَّا يدبر للمستضعفين من مخططات تدميرية داخل المؤسسة الانسانية. وبالنتيجة، ستظل هذه الفتاوي الصفراء تعيش وضعا شيزوفرينيا. أعني، حالة من اللاتطابق بين مطالب الدين اللامنفعية كما دعا إليها النبي الكريم عليه السلام وبين المطالب السلطوية، كما يحددها الأمير في إطار الدنس المادي واللاأخلاقية حسب التفسير الماكيافللي (كما ورد في كتابه: الأمير )

ثقافة المقاومة وتحرير الانسان

حينما تولي سماحة السيد حسن نصر الله قيادة حزب الله عام 1992، لم يكن له من العمر سوي 32 عاما (ولد عام 1960 ببرج حمود ببيروت)، في حين كانت تلك الحقبة من أحلك فترات تاريخ أمتنا الصراعي. فقد تم تدمير العراق بمشاركة عربية (1991)، ووُقِّع (ضم الواو وتشديد القاف) اتفاق أوسلو بدعم عربي (1993) كحجر أساس لبناء الشرق الأوسط الكبير بزعامة اسرائيلية. في ذلك الوقت أيضا، كانت القوي الاستعمارية تتنزه في لبنان باعتباره فضاء مفتوحا لكل عربدة عسكرية لكونه الحلقة الأضعف في خاصرة الجسد العربي، والبلد الأقل كفاءة قتالية من بين دول الطوق. كان طبيعيا لزعيم شاب في أضعف دولة في المنطقة أن ينهزم ويتراجع وينتهي إلي تسويات مذلة كما جميع حكام الأمة، مقابل ثمن بخس ودولارات معدودات لا تدوم. غير أن حركة التحرير الوطني اللبناني المسماة حزب الله، اتخذت لبناء ذاتها استراتيجيا نموذجية أسست لانتصارات المستقبل البعيد: فقد قبلت من جهة وطنية بالواقع الاجتماعي بفسيفسائه الطوائفية فرفضت في كل الأوقات الدعوة الي إقامة دولة اسلامية، ونأت من جهة إيمانية بنفسها، رغم كونها أكبر الطوائف اللبنانية، عن الوليمة السياسية التي تتزايد عليها مختلف القوي الأسرية والعشائرية، فاستطاعت (حركة التحرير) بهذه الشفافيّة المنهجية أن تصنع معادلة جديدة في الشرق الأوسط تقوم علي ممارسة القيم العقائدية في مجتمع متعدد واحترام المفاهيم الكلية للعيش الجماعي في وطن مشترك. كان هذا هو الرأسمال الاجتماعي للمقاومة الذي استقطب مختلف الفئات والشرائح والقطاعات من جميع الطوائف، ما أدي إلي تحجيم الدور الصهيوأمريكي الطَمُوح إلي زعزعة بلد الصنوبر، دون جدوي. إذ لا مكان للمستعمر في مناخ التوافق السوسيولوجي الذي لم تشهد البلاد العربية له مثالا. وبالنتيجة، فإن القوات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًّا خرجت مهزومة منكسرة من لبنان الذي أرادته الرأسمالية العربية ملهي ليليا ومكانا لشم الهواء. ولأول مرة في تاريخ المنطقة منذ 60 عاما، تهزم إسرائيل الأمريكية (في 25 ايار ـ مايو 2000) ومن ِقبَل البلد الأصغر مساحة وعددا وإمكانيات، وإن كان الأكبر عقلا ونضالية. وقد برهن الشيخ حسن نصر الله علي هذه العظمة اللبنانية حين وجه في خطابه الخامس منذ بدء الحرب علي لبنان (في 12 تموز ـ يوليو 2006). وذلك يوم الخميس 3 آب (اغسطس) 2006 تهديدا واضحا وصريحا لإسرائيل: إذا ضربتم عاصمتنا بيروت فسنضرب عاصمتكم تل أبيب وهو تحدّ لم يحلم به عربي في منام قط. بل إنه لم يُعْرَض حتي في الرسوم المتحركة للأطفال علي أساس الخيال السينمائي الذي يسمح باللذة دون تحقيق هذه اللذة. ثم إن الدور النضالي الطلائعي للمقاومة لم يتوقف عن إثبات جدارته السياسية، فتوصل عام 2004 إلي كسر كبرياء العدو وتحرير 450 أسيرا لبنانيا وعربيا من سجون الاحتلال. ولم يتوقف كفاح هذا الشيخ القائد عند هذا الحد، بل إن سيد المقاومة سماحة السيد حسن نصر الله أعلن أن العام 2006 سيكون بشكل استراتيجي عام تحرير الأسري، إذ لا مجال لإذلال أطول للمسجونين اللبنانيين في سجون الاحتلال. وهكذا أنجز حرٌّ ما وعد . فكانت عملية الوعد الصادق التي تم علي إثرها أسر جنديين اسرائيليين. غير أن الكيان الصهيوني الأسير للأجندا الأمريكية والخادم لمصالحها في المنطقة، سارع إلي اجتثاث الروزنامة الكولونيالية من سياقها الزمني، واستبق الضربة الاستباقية المعدة سلفا للاعتداء علي لبنان وتمزيقه علي الطريقة العراقية ضمن مخطط الشرق الأوسط الصهيوأمريكي. أثبتت حركة الكفاح اللبنانية التي يمثلها حزب الله من خلال العدوان الصهيوأمريكي الحالي ثلاثة أمور: الأول هو أنها مقاومة جماهيرية مسلحة طويلة الأمد تقتصر علي الصمود والتصدي للمعتدين علي حرمة لبنان (ولا علاقة لها بالفتن الدّاخلية). وبكلام آخر، ليست المقاومة جيشا نظاميا يعتمد علي آلات وألوية عسكرية تناهض جهاز الدولة، وإنما هي مقاومة شعبية تستمد قوتها من طول المدي الزمني الذي يفعل فعل الموت في الجيوش التقليدية. وهي بهذا، تدعم استقلالية البلاد ودستورها. والأمر الثاني، هو أن النشاط العسكري لحزب الله عملٌ مكمّل لنظامية الجيش اللبناني، وداعم سياسي لدولة لبنانية قوية ذات سيادة واستقلالية عن القرارات النازلة من القوي الامبريالية المهيمنة، عبر العولمة العسكرية علي العالم الحر المقاوم. والأمر الثالث، هو أن المقاومة أسقطت أكذوبة أمريكا الأم الحنون التي تعطف علي لبنان في زمن السلم وتعصف بها في زمن الحرب. وذلك حين تقدم لمستخدميها العرب مآدب ومآكل جماعية (مثل وليمة رايس الشهيرة في عوكر) بينما تُقدِّمُ لاسرائيل قنابل ذكية من أجل أن توقع بالشعوب مجازر جماعية.
لقد أسقطت حرب أدولف أولمرت علي لبنان المستقل القناع عن مسرحية السلام وعن سيناريوهات التطبيع التي لم تكن في الواقع سوي استراتيجيا حربية تحدُّ من جبهات القتال لتوفير الجهد الإسرائيلي العسكري. فمنذ اقتراح السادات الرئيس المصري المقبور معاهدة سلام عام 1971 التي لم تحظ بالقبول إلا بعد حرب أكتوبر (التي دامت ستة أيام) عام 1973 وما ذاك، إلا من أجل إخراج مصر من الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتحويله إلي حليف استراتيجي للكيان الصهيوني المحتل، ومتآمر حسب الطلب الأمريكي علي قضايا الأمة. من أجل هذا، شجع النظام المصري صدام حسين علي حرب إيران علي مدي سبع سنوات، وساعد أمريكا علي تدمير العراق عام 1991 وعلي احتلاله عام 2003، ورفض غزو العراق للكويت، وفي المقابل رضي بالغزو الصهيوأمريكي علي لبنان. السلام إذن مقالة حربية تكتيكية. والدليل أنه منذ اقتراح السلام من قبل السّادات عام 1971 لم يتم الانسحاب من سيناء إلا عام 1982، ليقوم الكيان المراوغ بالاحتلال الفوري للبنان في ذات العام ومن دون أن يتوقف في الأثناء (خلال فترة السلام المزعوم) عن العربدة في المنطقة العربية. فقد هاجم الاحتلال الاسرائيلي المخيمات الفلسطينية في لبنان عام 1975، وظلت اسرائيل تتعقبهم حتي وصلوا إلي الأراضي التونسية فقصف مقر منظمة التحرير وما حوله بحمام الشاطئ في تونس عام 1986، وصُنِّف الاعتداء كالعادة دفاعا عن النفس . ولا ننسي كذلك قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981 دفاعا عن العرض (الإسرائيلي). إذ لا يجب أن ينازعه في الكفاءة التكنولوجية والحربية منازع حتي يبقي واحدا لا شريك له في المنطقة. إذا كانت اسرائيل تدمر لبنان عام 2006 من أجل جنديين مأسورين في أراضيها، وإذا كانت أمريكا قصفت الأراضي الليبية وقـــــتلت الأطفال بموافقة مجلس الأمن عام 1986( نفس تاريخ العدوان الاسرائيلي علي تونس) من أجل موت جنديين في ملهي في ألمانيا إثر انفجار لم يُكشف مدبره، فهذا يعني أن السياسة الرسمية لمجتمع العولمة الجديد هي سياسة إرهابية مسعورة انطــــــلاقا من أمريكا العنصرية، مرورا بنظام الآبارتايد في جنوب إفريقيا وانتهاء بالممارسات النازية للكيان الصهيوني المحتل في فلسطين.
ضمن هذه المعطيات يتأكد أن المقاومة عمل دفاعي استراتيجي ضروري لكل بلد مستضعف في العالم. إذ لا سلام بين من يمتلك الطائرات والبوارج الحربية والقنابل النووية، ومن لا يمتلك إلا بنادق الصيد للدفاع عن النفس وأسلحة كرتونية وألعابا نارية تعرض في المواكب والمناسبات الرسمية لاستقبال أصحاب العظمة. لقد ثبت في الواقع التجريبي أن القانون العالمي لا يحمي المغفلين (والمغفلون هم الضعفاء). كما أن القانون الذي قال عنه بن غوريون انه مِمْسَحة من ورق كما أخبر بذلك روجيه غارودي ـ لا يمكنه أن يصنع معادلة ردع وحجز عن الظلم بإزاء نظام القوة والغلبة. لقد فضحت حرب لبنان 2006 نظرية العدالة الكونية التي باتت قيمة مهدورة في ردهات الأمم المتحدة وخرقة ملقاة في كواليس مجلس الأمن. من أجل هذا الإختلال في المؤسسة الانسانية، جاء في القرآن الكريم أن القوة وحدها هي التي تحجز القوة. قال تعالي: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ سورة الأنفال 60. فدعا جهرة إلي سباق التسلح من أجل إحداث امكانات مادية لرد العدوان وإحداث توازن رعب عبرت عنه نهاية الآية بالقول: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ . وهذا يعني، أن الدفاع عن النفس لا يحصل إلا باكتساب أسباب القوة، وبحجم التسلح الذي يهابه العدو لكونه يمثل نظاما للردع وإمكانا لالحاق الهزيمة بالمعتدين. وما دام النظام العربي الرسمي قد أعلن حالة السلام ، وانصرف إلي تنمية الموارد البشرية ـ البيولوجية (الجسدية) عبر قنوات المجون والسمسرة علي الأجساد العربية (وهي بضاعة مزجاة في عالم الجمال والدلال المعولم). وبالمقابل، ألحق الشلل بمؤسسات الثقافة والصناعة وحركات المجتمع المدني، وانصرف إلي معانقة رايس وتسيفي ليفني (؟) كرمز لبورنوغرافيا السلام، فإن الأمة العربية الاسلامية مطالبة بانتزاع سيادة الشعب، كمضمون جوهري واحد ووحيد للديمقراطية، وحمل الحكومات، الإنكفائية والعاجزة، علي الإستجابة لمطالب الجماهير. وذلك عن طريق الإعتصامات والإضرابات والمسيرات السلمية المتكررة والمواقف النقدية الدائمة، من أجل تهشيم حاجز الخوف والهلع، بهدف تشريك كل الشرائح والقطاعات الشعبية في عملية التحرير. لأن الحاكم العربي، رغم كل ملفاته المشبوهة وتاريخه المعروف بالدناسة، يقوم الارتزاقيون من خلال الهرسلة الإعلامية المحتكَرة من قبل السلطة، بغسيل الآثام والشرور التي ينفثها في المجتمع بتوصيات خارجية متعالية، ويحولون فجوره السياسي إلي مناقبيَّة يصير بموجبها طوطما ومعبودا لدي جماعات المصفقين والانتهازيين الذين ينفخون في حجمه الضئيل ليصير زعيما عالميا، وحكيما كونيا، وفلتة من فلتات التاريخ. إن هكذا حاكمية رعناء لا تنتج تقدما ولا تبدع أسباب التطور بقدر ما تسوق البلاد والعباد إلي الإنهيار. ذلك أنها تنسف الانسان والقانون والمؤسسات بقبضة حديدية من وراء سياسة الواجهة التي تظهر احترام الإنسان والقانون والمؤسسات، زورا وزيفا وبهتانا كما شرحت ذلك حنََّا آرنت (Hannah Arendt) في كتاب لها من جزءين عن التوتاليتارية. وهكذا، فإن الحاكم الشمولي لا يتورع عن تدمير الأخلاق التي من دونها تنعدم مصداقيته لدي المحكومين. لذلك لا يثق أحد بخطاباته الخشبية الباهتة المكرورة والجوفاء لأنها تناقض الواقع اليومي الرازح تحت التسلط والقهر السياسي. وقد لاحظت اليونسكو في كتاب بعنوان المواطن السيد لفيليب أوجيي (Augier)، أن مفهوم الديمقراطية بمعني سيادة الشعب لا يعني شيئا إذا ما اقتصر علي التحليلات والتعريفات اللفظية بمعزل عن الفعل الحضاري وعن الممارسة الموضوعية. فلا يكون للديمقراطية معني، متي ما انفصلت عن الإلتزامات الاخلاقية (ص 15 ـ 16) ولهذا كان سر تفوق المواطن في لبنان وسبب نجاح المقاومة الاسلامية فيه، أن هذا البلد لم يرزح يوما تحت نظام دكتاتوري جائر يكبل إرادة الشعب ويجرها الي فوضي القرون الوسطي التي ما كانت لتتحرر منها أوروبا لولا الثورة الفرنسية.
ضمن هذا السياق، تكون الدعوات إلي الجهاد في لبنان اليوم (رغم تعيُّنه وفوريته) غير منهجية. لأن الحرب هناك، هي حرب تكنولوجيا وعقول واستراتيجيات، لا تحتاج إلي أكوام من اللحوم البشرية تضاف إلي مجزرة قانا والقاع. فالجهاد الملحّ والعاجل هو التحدي الحضاري والسياسي الذي يجب أن تخوضه الشعوب تأسّيا بلبنان من أجل استرداد سيادتها الديمقراطية المهدورة من قبل العصابات التوتاليتارية الحاكمة، وكسب معركة القانون وحقوق الإنسان العربي المسلوبة حتي تتحرر(الشعوب) نهائيا من المحتشدات الكبيرة المُكَبّل أهــــــلُها (المواطنون الأجانب في وطنهم) بأصفاد المذلة والخنوع والرعب الاستخباراتي. غير أن الأمة العربية، وهي تزدري مراجعها الروحية وتــــتنكر لخصائصها الهووية (من الهوية)، لــــن تســـــتعيد مناعتها إلا مــــتي عاودت بناء ذاتيتها الروحيـــة في صياغتها الحضارية الأولي.
و بالمحصّلة، فإن حزب الله حطم أسطورة اسرائيل العظمي بقوة تكنولوجية، وروح تضحوية، وقيم عقائدية في ظل قيادة عقلانية وواقعية مثلها سماحة السيد المناضل حسن نصر الله. هذا الرجل الذي خذله العرب كما خذلوا رسول الله صلي الله عليه وسلم حينما طلب النصرة من أهل الطائف المتآمرين مع أهل مكة. إلا أنه استطاع، منفردا، أن ينتصر كما انتصر رسول الله منفردا، لمَّا أن جاهد الغزاة المحتلين مستنيرا بمنهج النبوة وتعاليم الرسالة الإلهية. وبالمقارنة، فإنه حينما تـُعرض صور الجنود الصهاينة وهم يمسكون بالتلمود وبفتاوي الحاخامات الدموية، مهتزين مترنحين ومتمايلين فوق دبابتهم، فإنهم يستقدمون من التاريخ لوحة حربية، ومشهدا من صراع تاريخي كان أبو سفيان الجاهلي المعتدي يقول فيه: أعْلُ هـُبل (أي أظهر دينك) وكان الرسول عليه السلام يجيب : الله أعلي وأجل. لسنا سواء. قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
إننا، بإزاء التداعي العالمي علي الإسلام والمسلمين بالفعل وبالكلمة وبالصمت، نشهد حربا دينية ونعيش صداما حضاريا متوحشا لا يُحسم بآلات الحرب والدمار، بل بالتوازن المتعقِّل في إطار أخلاقي يُحقُّ الحقَّ، ويوفِّر العدالة، ويُسوّغ العيش المشترك للجميع في عالم لا يستمر ولا يستقر إلا إذا سادته المحبّة وانتشرت فيه رحمة الله رب العالمين.
جامعة الزيتونة تونس

من مواضيع : موسى بن الغسان من أجل فتح الطريق أمام السياحة الفضائية
النصائح العشرون لحسن اتصالك بالآخرين
صحيفة أمريكية: طنطاوي وسليمان خارج ترتيبات نقل السلطة في مصر
أعداء المسلمين كافة
الاحتلال صادر نصف أراضي فلسطينيي 48
 

الكلمات الدلالية (Tags)
الحل, الصيف, انتصار, على

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
عن انتصار الامه فى لبنان
انتصار حزب الله..يفجر المشاكل في إسرائيل

انتصار الدم علي السيف

الساعة الآن 05:53 PM.