xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الأخبار والحوادث
التسجيل

لمحات من مذكرات الأب متي المسكينالحواجز بين المسلمين والأقباط مصطنعة وليس لها أصل عرق

الأخبار والحوادث

19-08-2006, 01:21 AM
bob
 
Exclamation لمحات من مذكرات الأب متي المسكينالحواجز بين المسلمين والأقباط مصطنعة وليس لها أصل عرق

قابلت السادات بعلم البابا شنودة
وسط الأحداث الساخنة في المنطقة وأنهار الدماء التي تسيل في لبنان والعراق وفلسطين صدرت هذا الاسبوع مذكرات الأب متي المسكين الراهب والعالم الكنسي الذي عاش بيننا سبعة وثمانين عاما‏,‏ وعندما تصفحت مذكراته وجدتني أقف أمام الكثير منها لبساطتها الشديدة ولرسالتها العميقة التي نحن في أشد الحاجة اليها في هذه الآونة وهي العلاقة مع الله والتحرر من سطوة المال‏.‏ الذي وصفه الأب متي المسكين بأنه‏(‏ الجبار‏)‏ الذي يستعبد كل قوي الانسان الفكرية والعاطفية والجسدية‏,‏

ورغم ان‏(‏ متي المسكين‏)‏ أثير حوله جدل كبير طوال سنوات حياته وبخاصة عندما جلس مع الرئيس السادات في سبتمبر‏1981‏ وقت خلافه مع البابا شنودة إلا ان الرجل ظل صامتا لم يدافع عن نفسه ولم يتحدث عن هذه الواقعة أو غيرها‏,‏ ولكنه ترك لتلاميذه سيرته التي كتبها بقلمه سنة‏1978‏ وطلب عدم نشرها في حياته‏,‏ وعندما رحل عن عالمنا في‏8‏ يونيو‏2006‏ عكف رهبان دير القديس أنبا مقار ـ حيث كان يقيم الأب متي المسكين وحيث يوجد جثمانه الطاهر ـ علي تسجيل مذكراته وطباعتها والتي تضمنت سيرة حياته‏(‏ الطفولة‏,‏ الصبوة‏,‏ الحياة المدرسية‏)‏ ثم الدخول الي الرهبنة وبعدها‏,‏ تم تخصيص باب لما جري مع الرئيس السادات‏,‏ وتم تخصيص باب لشهادات عن الأب متي المسكين‏,‏

بدأت بما نشرته الأهرام عندما رحل الرجل عن عالمنا‏,‏ وما نشر في عدد من كبريات الصحف عنه‏,‏ ومنها الاندبندنت البريطانية وتايم الأمريكية التي اختارته كأحد القديسين الذين يعيشون بيننا وقالت عنه‏:‏

في الدير القديم‏,‏ دير مقاريوس‏,‏ الذي يبعد‏50‏ ميلا شمال غرب القاهرة في الصحراء‏,‏ هناك راهب قبطي يصنع تأثيرا معتدلا فيجتذب نحو‏500‏ زائر كل يوم واسمه متي المسكين‏,‏ أي متي الفقير‏,‏ ومثل المتوحد العظيم القديس انطونيوس‏,‏ كان متي المسكين شابا ثريا‏,‏ صيدليا غنيا عمره‏29‏ عاما أنصت الي قول يسوع بع كل مالك فباع كل ماله من بيتين وعربتين وصيدلية وأعطي الحصيلة للفقراء ومبقيا فقط علي ثوب له‏,‏ كرس نفسه للصلاة والنسك‏,‏ انه خارج العالم ولكنه لايزال فيه ومن قلايته‏,‏ حيث يعيش أساسا علي الخبز والماء كتب أكثر من‏40‏ كتابا ونبذة‏,‏ أكثرها كتب بحثية في أمور الكنيسة‏,‏ ويدير حركة الإصلاح الكاملة للدير الذي كان قد قارب علي الاضمحلال وبالتالي بدأ في إعادة تشكيل الحياة الرهبانية القبطية بشكل عميق الي درجة انه كان أحد الثلاثة المرشحين ليكون بطريركا قبطيا في الانتخابات البطريركية عام‏1971.‏

مذكرات الأب متي المسكين بكل مافيها من تفاصيل والتي تنشر الأهرام لمحات منها تعد بمثابة واحة خضراء وسط صحراء عالمنا الساخنة بالمعارك والحروب‏.‏ وإلي التفاصيل‏.‏

الحياة العائلية
الطفولة‏(1919‏ ـ‏1929):‏

هذه أول مرة أكتب فيها شيئا عن حياتي‏:‏
مواليد‏20‏ سبتمبر عام‏1919,‏ أسرة كبيرة عددا‏,‏ فقيرة معيشة‏,‏ محبة للعلم‏,‏ خمسة أخوة تخرجوا في الجامعة‏,‏ الأكبر تخرج عام‏1933‏ والأصغر عام‏1955.‏

كنت ابن عشر سنوات‏,‏ كنت أصل إلي حلول لمشاكل الحياة ترضيني وتقنعني‏.‏ كنت أستصغر أعمال من هم أكبر مني حينما تأتي خارجة عن أصول اللياقة ولكن دون أن أتكلم أو أظهر نقدي‏.‏

انتقلت إلي الاسكندرية لأعيش مع أخي الأكبر نجيب‏,‏ وكانت والدتي قد توفيت سنة‏1934‏ بعد مرض طويل مضن‏.‏

قدوة الأم المنحنية الساجدة بالصلاة‏!‏
كانت والدتي متدينة جدا بصورة لا يصدقها عقل‏,‏ فكانت وقبل أن تمرض تدخل غرفة خاصة‏,‏ وكنت أتمسك بملابسها بإصرار حتي تسمح لي بالدخول معها‏,‏ وكانت تظل واقفة لعدة ساعات تصلي وتسجد‏,‏ ولاتكف عن السجود مئات المرات‏,‏ وكنت أحاول أن أسجد معها تقليدا‏,‏ بل العجيب اني كنت أحس ان هذا ضروري طالما أمي تسجد فيلزم أن أسجد معها‏,‏ ولكن قواي كانت تخونني فأقف صامتا أتأملها وهي تقوم وتسجد كالساقية دون أن تكل‏,‏ لعدة ساعات‏,‏ وفي يدها سبحة وصليب‏.‏ وما هي الصلاة؟ كان أمرا يحير عقلي‏,‏ ولكن كان يملؤني شعور عجيب بالرغبة الملحة كل مرة لأصلي معها‏,‏ فكنت أترقبها بانتباه شديد حتي تدخل الغرفة‏,‏ فيطير قلبي من الفرح حينما تسمح لي بالدخول معها‏,‏ وأبدأ أسجد‏!!‏

ماتت والدتي سنة‏1934‏ بعد سفري إلي الاسكندرية بعد مرض عضال فالج ـ شلل نصفي ـ دام معها‏7‏ سنوات طوال وصرنا نخدمها أثناءها‏.‏ ولم تتوقف في هذه السنوات عن الصلاة‏,‏ وهي جالسة‏,‏ لأنها كانت لاتستطيع ان تقف أو تتحرك ولا حتي تنطق بأية كلمة إلا كلمة واحدة هي أقدس كلمة عرفها لسان بشري وهي كلمة كيرياليصون‏(‏ يارب أرحم‏)‏ فكانت ترددها مئات المرات‏,‏ لم تشك ولم تتذمر‏,‏ وكنا نحترمها أشد الاحترام ونثق في صلواتها التي نطلبها جدا أيام الامتحانات‏,‏ كما أضفت علي الأسرة كلها التقوي وروح الصلاة‏.‏

كنت طفلا محروما من كماليات الحياة‏,‏ أو قل من جوهريات الطفولة‏,‏ فلا أملك مصروفا أبدا‏,‏ ولا أملك أي شيء مما يملك جميع الأطفال من لعب أو ملابس خاصة أو أطعمة حلوة‏,‏ ولكن لم أكن أشعر بالحرمان أبدا‏,‏ بل كنت راضيا تمام الرضا‏.‏

بدء الاتصال بمدارس الأحد ‏(1940‏ ـ‏1943)‏
ساقتني قدماي مرة ـ وكنت أقطن وقتها بمنيل الروضة عندما ذهبت لمقابلة زميل بمنزله قالوا لي انه موجود الآن في الكنيسة بالجيزة‏.‏ وهناك في الكنيسة كان يحضر اجتماعا للصلاة‏,‏ فحضرته‏,‏ وفي نهاية الاجتماع طلبوا مني أن أصلي‏,‏ وكانت أول مرة في حياتي وأنا في القاهرة أن أدعي للصلاة في وسط الكنيسة‏,‏ فصليت بدون تردد‏,‏ وكنت متحمسا جدا في صلاتي لأني عندما أصلي أكون صادقا مع نفسي وأحس بوجودي في حضرة الله‏.‏

ولكن كانت الصدمة الكبري في مساء يوم كنا مجتمعين فيه في منزل الاستاذ سعد عزيز بالجيزة‏(‏ فيما بعد المتنيح الانبا صموئيل أسقف الخدمات‏)‏ في اجتماع محبة‏.‏ وطرح أحد الاخوة سؤالا عن علاقتنا بالبروتستانت‏.‏ فتبرع أحد المسئولين بالرد الذي يفهم منه ألانتعامل معهم‏,‏ بدأت أنا أتساءل لماذا؟ فتطور الرد الي الأمر‏(‏ وكان المتكلم هنا هو المرحوم المهندس يسي حنا مدير شركة ماركوني اللاسلكية سابقا‏)‏ ألانضع يدنا إلا في يد من يؤمن بمبادئنا‏!‏ فاعترضت وقلت ان هذه عزلة وليست بحسب الانجيل‏,‏ وهنا طرحت أنا سؤالا محرجا ـ ولكن يقطع في الأمر ـ هل لن يدخل الملكوت البروتستانت والكاثوليك؟ وكان رئيس الجماعة جالسا يسمع واسمه ظريف عبد الله‏(‏ فيما بعد المتنيح القمص بولس بولس راعي كنيسة دمنهور‏)‏ فأخذ السؤال من فمي وطرحه للاستفتاء العام للجماعة الجالسة وكانوا نحو‏20‏ شابا‏,‏ فكان الرد بالاجماع إن لابروتستانتي ولا كاثوليكي سيدخل الملكوت طبعا‏!‏ وإلا فما قيمة الارثوذكسية؟ وهنا فهمت أني أمام كارثة إيمانية بل كارثة وطنية وشعبية معا‏,‏ ولكن علي ضوء هذا الاستفتاء بدأت أفهم الأمور من حولي‏.‏

لقد عاني العالم كله من صراع العقائد الدينية تماما كما عاني من صراع الأحزاب السياسية‏,‏ بل لا أخرج عن الواقع كثيرا حينما أقول ان منشأ الصراع العقائدي الديني هو منشأ سياسي دولي ولكن مصر بنوع ممتاز عانت من كلا الصراعين ولاتزال تعاني‏.‏
انها عتمة العقول وضيقها وانحصارها في أفق شخصي ورؤية ضيقة‏.‏

وأدركت انه لافرق بين العلم والسياسية والدين‏,‏ فالكل يحتاج الي قائد أمين جدا ومتفتح جدا وحر جدا‏,‏ كما يحتاج الي تلميذ لايبيع عقله لكل مناد أو يجري وراء القطيع ليدخل أية حظيرة‏.‏ وكان ألعن ما واجهت في اختباراتي ومشاهداتي في أيام شبابي هو رؤيتي كيف يعرض الزعيم رأيه‏(‏ مدرسا كان أو زعيما دينيا أو أمين مدارس أحد‏)‏ علي من يتبعه فيستعبده‏,‏ وكيف يبيع الشباب عقولهم ونفوسهم بسذاجة عن حماس وإخلاص وثقة لمن هم ليسوا أبدا أهلا لهذه الثقة‏,‏ وبمضي الأيام تكتشف الأجيال انه قد غرر بها وأنها سارت وراء شخصيات تافهة أضلتهم الطريق وأفقدتهم الرؤية الصحيحة‏.‏

هذه هي مصيبة هذا الجيل‏.‏
القدوة المسيحية أمام غير المسيحيين
كانت سمعتي في الحي الذي أسكن فيه في منيل الروضة سمعة طيبة‏,‏ فكانت صاحبة المنزل‏(‏ التي تسكن في الدور الرابع وأنا أسكن في الدور الثالث‏)‏ تتبرع لتحكي للجيران عن سلوكي وأخلاقي‏,‏ فكانوا يزدادون احتراما لي‏,‏ وكنت في الحقيقة أحرص علي هذه السمعة لان الطلبة في هذا الحي كانت لهم سمعة في غاية الرداءة‏.‏

وذات يوم لم أخرج‏,‏ وكان باب الفرندة مغلقا بالشيش فقط فكنت أسمع وأنا نائم علي سريري ما يدور بين صاحبة المنزل‏(‏ مسلمة‏)‏ فوقي وبين الجيران أمامي‏,‏ وبدأوا يتكلون عن سلوكي وكيف اني لم أجرح شعور أحد من الجيران قط‏(‏ كانوا مسلمين اتراكا وابنهم معيدا في كلية الزراعة‏),‏ فردت صاحبة المنزل علي استفسارهم منها عن سبب اختلافي عن باقي الطلبة‏(‏ القاطنين في نفس المنزل‏)‏ فقالت لهم لأنه مسيحي‏!!‏
أثرت في هذه الكلمة وادركت قيمة الشهادة للمسيح بالسلوك‏.‏

والعجيب ان صداقتي وحبي للمسلمين كان موضع تساؤل مستمر من المسيحيين وكأنه أمر يؤذيهم‏,‏ فكنت أزداد عجبا وغيرة فأحدثهم عن أصالة الوعي المسيحي انه وعي انساني قبل كل شيء‏.‏

ولكني كنت أبذل جهدا في إزاحة الحواجز التي تحجزني عن المسلمين لانها حواجز موروثة ومتبادلة‏,‏ غير اني كنت أكتشف يوما بعد يوم انها حواجز مصطنعة وليست أصيلة‏,‏ فليس لها أصل عرقي عنصري قط‏.‏

في الجامعة
لم أدرس سوي علوم الكيمياء والصيدلة والفارماكولوجي‏,‏ ولم يسعدني الحظ قط أن وقعت عيني أو يدي علي أي كتاب في الأدب والفلسفة‏,‏ وهذا أمر يذهلني ويذهل كل من يعرف هذه الحقيقة‏!‏ فمنزلنا كان فقيرا للغاية واخوتي درسوا جميعا في كليات عملية‏,‏ فلم أسمع حتي عن اسم أديب حديث أو فيلسوف مع اني كنت في غاية التعطش للأدب والفلسفة‏,‏ ولكن مصاريفي التي كنت أحصل عليها من والدي لكي أعيش في القاهرة وأدرس وأسكن واشتري الكتب وأكل طوال الشهر كانت‏5‏ جنيهات من عام‏1938‏ الي عام‏1943(‏ طبعا غير مصاريف الكلية‏)‏ فلم يكن يتوافر لدي مليم واحد‏.‏

في وسط العمل الناجح ‏(1944‏ ـ‏1948)‏
لمحات من مذكرات الأب متي المسكينالحواجز بين المسلمين والأقباط مصطنعة وليس لها أصل عرقمع البابا شنودة فى زيارة قداسته لدير الأنبا مقار فى 3 نوفمبر 1996م
ولما عملت بعد تخرجي في قسم المستشفيات كانت ماهيتي‏(‏ أثناء الحرب بالأمر العسكري‏)12‏ جنيها فلم تكن تكفي أكلي وسكني‏.‏ ولما انشغلت بشراء وإدارة اجزخانة بدمنهور لم يكن لدي دقيقة واحدة أقرأ فيها‏.‏ ولما تركت العالم ودخلت دير الأنبا صموئيل لم يكن في هذا الدير مكتبة ولاكتاب واحد ولا حتي مجلة قديمة أو حديثة‏.‏

ولكن ازداد حنيني جدا للحرية في الله التي سبق وان حاولت ان أجدها في العلم والسياسة والدين‏,‏ واني لي ان اجد هذه الحرية في عالم مستعبد‏,‏ خصوصا في مصر التي كانت قد قيدت العلم بسلاسل التعصب والاضطهاد والفكر الضيق‏,‏ وقيدت السياسة بأصنام الزعامة التي فرضت نفسها علي الشعب حتي اعتاد عليها الشعب ثم عبدها عن طواعية منهزمة‏,‏ وقيدت الدين حتي جعلته تحت الوصاية‏,‏ وسلسلت الانجيل بسلسلة ربطته في ركن الكنيسة‏,‏ تحله عندما تشاء وتربطه عندما تشاء‏,‏ وتلبسه الثوب الذي تريد‏:‏ ثوبا ارثوذكسيا أو كاثوليكيا أو بروتستانتيا‏.‏

ازداد حنيني لله جدا‏,‏ وازداد حبي له‏.‏ وبدأت أسال‏.‏ أين أجدك يا الله؟ لقد بحثت عنك في كل مكان فما وجدتك‏:‏ لا في العلم‏,‏ ولا في السياسة‏,‏ ولا في تعصبات رجال الدين‏,‏ ولا في المال الذي بدأ يملأ خزانتي‏.‏ فأين أجدك؟ سؤال ظل هو موضوع صلاتي ودموعي بالنهار وأثناء العمل وبالليل أثناء هذه الصلاة‏.‏ طلبت من الله بلجاجة ان يسهل خروجي من العالم لكي أعيش حرا من بني الانسان‏,‏ أو بالأحري لأعيش منتهي حريتي في الله‏,‏ أو علي الاطلاق أعيش في الله‏,‏ كان هذا أمر غير مصدق لي ولجميع أقاربي وأصدقائي‏,‏ وفي ذهني أنا أيضا‏.‏ فقد بلغت درجة من النجاح في المدينة جعلت جميع الاجزخانات تعمل لي ألف حساب‏.‏

هذا بالاضافة الي أن الاجزخانة اشتهرت بالامانة والدقة‏,‏ وبأني رجل اجتماعي أحب الناس والناس يحبونني‏.‏

كذلك فان علاقاتي بأسرتي وأصدقائي كانت تتسم بالمرح وليس فيها ماكان يشير الي أني أعتزم ترك العالم‏.‏ كل هذا جعل خروجي وبيعي للأجزخانة أمرا شاقا جدا علي الناس وعلي‏,‏ لأنه كان يتحتم ان أقابل يوميا مئات من الشخصيات تأتي خصيصا لتقنعني بالعدول عن رأيي‏,‏ وبالأخص موظفو المديرية لأني كنت أعطيهم سلفا مالية تتراوح ما بين‏10‏ ـ‏20‏ جنيها يسددونها علي أقساط شهرية بدون فوائد‏,‏ حتي يصرفوا منها في وقت ضيقهم خصوصا أيام أقساط المدارس‏,‏ وكان معظمهم من المسلمين‏,‏ هؤلاء كانوا أكثر الفئات تأثرا‏,‏ وحاولوا بكل الطرق ان يثنوني عن مسيرتي‏.‏

حتي حدثت المفاضلة الفاصلة‏:‏ بين أن أبقي في العالم أبيع وأشتري وأغتني وأعول أسرة‏,‏ وبين أن أنطلق في رحاب الله أحب وأفرح وأعرف وأنمو بلا قيود‏,‏ فلم تستطع جميع المعوقات وكانت هائلة ومخيفة ان تمنعني عن الانطلاق‏,‏ فانطلقت الي الدير وكنت أول شاب متعلم ولج طريق الرهبنة في جيلي‏,‏ وكان خروجي للرهبنة في عام‏1948.‏

الطريق الي الرهبنة‏(‏ عام‏1948)‏
وخرجت من دمنهور الساعة العاشرة مساء‏,‏ ومعي جنيهان أجرة المواصلات حتي الدير‏.‏
كان خروجا بكل معني الكلمة‏,‏ كنت كطائر ينطلق في الأجواء العليا بفرح لاتعيقه الجاذبية الأرضية‏,‏ لأنه قد فرد جناحيه لتحمله قوة أخري‏,‏ ومن فوق كان ينظر الي كل شيء فيراه صغيرا وصغيرا جدا أصغر من جناحيه الطويلين حينما يلمحهما بعينيه فيمتلئ زهوا بأنه قد صار حرا والدنيا كلها تفر من تحت بصره‏.‏

ذهبت الي الدير مفعما بمشاعر وقوة لا أستطيع قط أن أعبر عنها‏.‏ لم تكن الرهبنة هدفا لي‏,‏ ولكن التحرر من الناس‏,‏ وما يربط الناس بتراب الأرض حتي يطويهم تحت هذا التراب عينه‏.‏ هذا كان هدفي‏.‏ كنت أحب الناس جدا‏,‏ كما سبق ان قلت‏,‏ وكان الناس حتي هذه اللحظة يحبونني ويلاحقونني أينما كنت‏,‏ وهذه هي احدي معطلات حياتي في تكميل مسيرتي نحو الحرية والتحرر من ذاتي‏,‏ ولكني طلبت الرهبنة كأفضل حياة استطيع فيها ان أعيش حريتي مع الله‏,‏ وأتحرر من ذاتي وكل ما يربطني بالأرض عبر الناس‏.‏

الاختبار الرهباني
ومنذ أول يوم دخلت فيه الدير دخلت الحياة مع الله بقوة وبساطة وعمق وهدوء‏,‏ كنت أمضي الليل كله في الصلاة‏.‏

لم تكن الحياة الرهبانية بالنسبة لي حتي هذه اللحظة التي أعيشها الآن الا فحصا وتمحيصا لما كنت قد بلغته تماما قبل دخولي الي هذه الحياة‏.‏

قضيت في ديري الأول ـ دير الأنبا صموئيل بجبل القلمون‏,‏ مديرية بني سويف ـ ثلاث سنين تقريبا كانت ملء الشبع‏,‏ وألفت فيها كتابي الأول حياة الصلاة الأرثوذكسية‏.‏

نزلت من الدير اثر مرض أصاب عيني‏(‏ بمبادرة من المتنيح الارشيدياكون راغب مفتاح‏)‏ واتصل بي أبي الروحي القمص مينا المتوحد في كنيسته بمصر القديمة‏(‏ قبل ان يصير بطريركا البابا كيرلس السادس‏)‏ وطلب مقابلتي للمصالحة‏,‏ لانه كان قد طلب مني ان أنزل من الدير واتركه لألتحق بدير اخر ـ السريان ـ فلم أوافق‏.‏

قابلته وتصافحنا‏.‏ ذهبت لزيارة أديرة وادي النطرون بنصيحة من الاب الروحي نفسه‏,‏ ولكن اسقف دير السريان أمسكني عند دخولي الدير ورسمني كاهنا‏(19‏ مارس‏1951‏ ـ عيد الصليب‏)‏ باسم متي المسكين علي اسم القديس متي المسكين مؤسس دير بأسوان في أوائل القرن الثامن‏,‏ وذلك بسبب وجود راهب اخر في الدير بنفس اسم الراهب متي متاؤس

دعيت بعد مضي ثلاث سنوات في الوحدة في المغارة للذهاب الي الاسكندرية سنة‏1954‏ لأعمل وكيلا للبطريرك أبنا يوساب الثاني‏,‏ فرفضت وأعيدت الي الدعوة برجاء من البطريرك‏.‏ بإلحاح‏,‏ وعاد الاسقف يترجي‏,‏ وبإلحاج فلم استطع الرفض لشعوري بالخجل‏,‏ ولإحساسي بأن الله معي‏,‏ ولأنه لن يضيرني شيئا أن أكون في المغارة أو في الاسكندرية‏.‏

عملت منذ أول لحظة بعقلية منظمة وتخطيط لإعادة أوضاع البطريركية المنهارة‏,‏ فديون البطريركية كانت تزيد علي‏5‏ آلاف جنيه‏,‏ وماهيات الموظفين غير مدفوعة منذ ثلاثة أشهر‏.‏

كان لابد من حصر الموارد وتدبير الدخول‏,‏ فأنشأت دفاتر تسجيل لأول مرة وسجلتها بوزارة الداخلية وختمت صفحاتها‏,‏ دفاتر لكل شيء‏,‏ ورتبت ماهيات ثابتة للكهنة لأول مرة في القطر المصري‏,‏ وكانت الماهيات عالية جدا وقتها‏:‏ يبدأ الكاهن بـ‏25‏ جنيها مرتبا‏(‏ علما بأن خريج الجامعة كان يتقاضي‏12‏ جنيها‏)‏ ـ مع علاوات سنوية بدون توقف‏,‏ مع أثر رجعي جعل أكبر كاهن يتقاضي‏55‏ جنيها‏.‏

وبدأت أعين المسئولين في كل كنيسة لحصر الدخول في الخدمات فارتفع الدخل سريعا‏,‏ مما غطي الديون في ثلاثة أشهر‏,‏ ولكن يظهر من هذا ان الكهنة كانوا يتقاضون من هذه الدخول لأنفسهم ما يزيد علي ثلاثمائة جنيه شهريا للواحد‏!‏

وهنا بدأ تكتل الكهنة للتخلص مني بأية وسيلة‏,‏ حاولوا كثيرا وكثيرا لدي البطريرك‏,‏ واستخدموا وكيل المجلس الملي‏.‏

وبعد أن كنت قد بدأت بترتيب الخدمة ورسامة أول كاهنين جامعيين‏(‏ مينا اسكندر‏,‏ ويوحنا حنين‏)‏ في الاسكندرية‏,‏ وهذا أيضا بدوره أثار حفيظة الكهنة‏,‏ وجعلهم يستميتون في السعي للتخلص مني‏.‏

ففرحت للغاية ـ انه خروج جديد وأخذت الرهبان واتجهنا الي وادي الريان‏,(‏ كنت قد اكتشفته في رحلاتي المتعددة وأنا بدير الانبا صموئيل‏.‏

مع الرئيس السادات
لمحات من مذكرات الأب متي المسكينالحواجز بين المسلمين والأقباط مصطنعة وليس لها أصل عرقمع الرئيس الراحل السادات
حدثت الازمة فجأة باعلان الكنيسة القبطية يوم‏26‏ مارس‏1980‏ الغاء الاحتفالات بعيد القيامة الموافق‏6‏ أبريل‏1980,‏ وبرفضها لاول مرة في التاريخ بروتوكول الحكومة الخاص بالمندوبين المرسلين من قبل رئيس الدولة للتعييد علي الاقباط داخل الكنائس سواء في القاهرة أو الاسكندرية أو سائر المحافظات‏,‏ وتطبيق ذلك ايضا علي كل الكنائس القبطية في كل بلاد العالم بمنع السفراء والقناصل من دخول الكنائس القبطية لتقديم تحية العيد للأقباط‏,‏

كان هذا في نظر بعض السياسيين بمثابة تحد شخصي للرئيس أنور السادات خاصة أن توقيته جاء متزامنا تماما مع استعداده للسفر إلي أمريكا للتفاوض في مشروع‏,‏ الحكم الذاتي للفلسطينيين‏.‏

وقد اجبرني بعض اراخنة الاقباط علي التدخل لحل الازمة‏,‏ ولكن بعد فوات الوقت‏,‏ فقابلت الرئيس السادات مساء السبت‏5‏ ابريل‏1980‏ قبل سفره بيوم واحد إلي الولايات المتحدة‏,‏ وذلك بعلم ورأي قداسة البابا شنودة والمجمع الموسع الذي انعقد في دير الانبا بيشوي كمحاولة لحل الازمة في آخر لحظة‏.‏ فأخبرني الرئيس في هذه المقابلة بانه مستاء من تصرف الكنيسة‏.‏ ثم اقنعني بعض الاساقفة بضرورة مقابلة الرئيس بعد عودته لتقديم مذكرة توضيحية من اللجنة البرلمانية المقترحة لمتابعة شئون الاقباط لتكون بمثابة قناة شرعية بين الكنيسة والدولة‏.‏ وقابلته بالفعل بعد أخذ البابا علما بالمقابلة‏.‏ وقدمت له المذكرة فقبلها ووعد بدراستها‏.‏

ولكنني ادركت خطورة المظاهرات التي رتبها بعض الاقباط في الولايات المتحدة للقيام بها ضد الرئيس في أمريكا امام البيت الابيض وامام الفندق الذي سينزل فيه الرئيس بلير هاوس‏.‏ كل هذا علم به الرئيس السادات قبل سفره مسبقا‏!‏ وقد تم هذا كله بالفعل وبكل تفصيلاته كما نشرته الصحف‏.‏ وقد علمت به وانا عند الرئيس عندما قابلته بعد عودته‏,‏ مما كان له أسوأ الاثر في نفسه‏,‏ اذ اعتبر أن الكنيسة قد ادخلت نفسها كطرف صراع ضد الدولة‏.‏
ويكتب الاب متي المسكين في وثيقة مخطوطة لدينا في سبتمبر‏1981:‏

دعيت لمقابلة السيد الرئيس أنور السادات وطلب مني ابداء الرأي فيما وصلت اليه العلاقة بين الكنيسة والدولة‏.‏ واقترحت اولا مصالحة البابا‏,‏ فرفض الرئيس رفضا باتا‏.‏ فاقترحت حلا وسطا بتعيين لجنة وساطة من بعض الاساقفة مع بقاء البطريرك كما هو‏,‏فرفض رفضا باتا‏.‏

ثم اقترحت تعيين هيئة علمانية من المسئولين الاقباط للتعامل مع الدولة وبقاء الكنيسة بعيدة‏,‏ فرفض ايضا‏.‏

ولما علمت بالنية القاطعة لتوقيف البابا البطريرك وابعاده‏,‏ جاهدت ألا يمس هذا الاجراء الوضع الديني وهو الشق الاول من تنصيبه وهو وضع اليد والصلاة واستدعاء الروح القدس للتقديس‏,‏ فهذا ليس من اختصاص الدولة‏.‏

وفي الحال نشأت الحاجة إلي لجنة اساقفة مؤقتة للقيام بمهام البابوية‏.‏ وطلب مني الرئيس اقتراح اسمائها لانه كانت قد اعدت اسماء أخري غير لائقة قد اقترحت‏,‏ فقدمت اسماء آباء أساقفة ـ تحت ضمانتي ـ إذ اكدت حكمتهم واعتدالهم‏.‏
وان كان يحسب هذا اليوم هو اليوم الاسود في حياتي‏.‏

ملاحظة‏:‏ طلب مني الرئيس في البداية‏,‏ وبإلحاح شديد ان أكون مسئولا فرفضت‏(‏ ذكر لنا الاب متي المسكين انه حينما الح عليه الرئيس السادات في هذا رد عليه قائلا‏:‏ إذ ألححت علي فسوف تفقدني نهائيا‏,‏ ولن تعثر لي علي اثر في أي مكان فيما بعد‏.‏

شهادات
في أحداث الكنيسة المؤلمة في ابريل‏1980‏ وسبتمبر‏1981‏ كان أبونا متي المسكين يخبرنا بمقابلاته سواء مع قداسة البابا أو مع الرئيس أنور السادات‏,‏ ويسرد لنا ما تم في هذه المقابلات من أحاديث‏,‏ لذلك فهناك ما لم يرد في المذكرات المكتوبة وها هي‏:‏
‏1‏ـ اعترض الاب متي المسكين أولا علي قرارات سبتمبر باعتقال المعارضين من السياسيين وبعض رجال الدين مسلمين ومسيحيين كما أخبره بها في هذا اللقاء الرئيس السادات قبل تنفيذها‏,‏ فرجاه الأب متي المسكين ان يتراجع عنها لان العنف يولد العنف فرد عليه الرئيس بأن كل شيء قد أعد ولا يمكن التراجع عنه‏.‏

‏2‏ـ ولما تطرق الحديث الي ما ينوي اتخاذه مع قداسة البابا من‏:‏ اعتقال‏,‏ ومحاكمة‏,‏ وتوجيه اتهامات‏,‏ قال له أبونا متي المسكين‏:‏
ـ يا سيادة الرئيس‏,‏ أي انسان قبطي يتعلم من صغره ان يؤدي مطانية‏(‏ أي سجود للأرض‏)‏ أمام رئيس الكنيسة‏,‏ لذلك فأي مساس برئيس الكنيسة يحدث جرحا عميقا في مشاعر الأقباط‏.‏

وبالمناسبة يا سيادة الرئيس أتوسل اليك ألا تدعوه في خطبك شنودة بل الانبا شنودة أو البابا شنودة لئلا تجرح مشاعر الشعب القبطي في الصميم‏.‏

‏3‏ـ ثم قال له‏:‏ ليس من حقك عزل البابا لانه يظل بابا في الكنيسة طيلة حياته‏.‏
وفعلا لم يستخدم الرئيس كلمة عزل بل استخدم القرار الجمهوري الذي في سلطته فقط‏,‏ فألغاه‏,‏ ثم أعاده الرئيس حسني مبارك بعد ذلك عام‏1984.‏

الرحيل
ولما كملت أيام خدمته مضي الي بيته‏(‏ لوقا‏1:23)‏
وفي فجر اليوم الثامن من يونيه‏2006‏ م‏.‏ أول بؤونة‏1722‏ ش‏.‏ انتقل إلي الامجاد السماوية قدس الأب الروحي لدير القديس أنبا مقار القمص متي المسكين الراهب الناسك والعالم القبطي الكنسي الفاضل عن عمر يناهز السابعة والثمانين بعد مرض قصير الأجل‏,‏ بعد ان حمل مسئولية تجديد الحياة النسكية مع الاحتفاظ بالاصالة الابائية القديمة في اربعة أديرة‏.‏

وبالإضافة الي ذلك حمل مشعل العلم والتنوير اللاهوتي والروحي في الكنيسة مع الالتزام بالأصالة‏.‏

فلتكن صلواته وشفاعته معنا ومع الكنيسة كلها‏.‏
ولتهنأ الأجيال كلها بالتراث الطويل العريض الذي تركه الأب متي المسكين للكنيسة من سيرة حياة عطرة فاضلة وكنز من التعليم المسموع والمقروء وما سيسعد به كل من اراد ان ينهل منه ويعطي الاخرين طلبا للحياة الابدية‏,‏ ولمجد اسم الله القدوس آمين‏.‏
من مواضيع : bob في جريمة غير مسبوقة.. شيعي يضحي بسني تعبيرا عن واجب العزاء لصديقه
السلام.. هو الحل
يطعن نفسه للحصول علي إجازة
هيئة البريد تنفذ أحدث نظام لتوحيد العناوين
الإسرائيليون منقسمون حول المنتصر في حرب لبنان
 

الكلمات الدلالية (Tags)
لآيات, مذكرات, متى, أصل, مصطنعة, مها, من, اللة, المسلمين, المسكينالحواجز, بين, عرق, وليس, والأقباط

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
حدث فى يوم 8 ربيع أول
غزوات الرسول
اتحاد العلماء المسلمين يستلهم الدور التاريخي لطبقة العلماء

لمحات من مذكرات الأب متي المسكينالحواجز بين المسلمين والأقباط مصطنعة وليس لها أصل عرق

الساعة الآن 07:11 AM.