xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

عندما تصبح حدود الامبراطوريات دامية

الحوار المفتوح

24-02-2006, 08:18 AM
موسى بن الغسان
 
عندما تصبح حدود الامبراطوريات دامية




يستعير هذا المقال عنوانه من أطروحة أستاذ العلوم السياسية الامريكي صموئيل هنتنغتون؛ ولكن الاستعارة هنا معكوسة بعض الشيء. ما أشار إليه هنتنغتون في مقالته وكتابه الشهيرين حول صراع الحضارات أن حدود الإسلام باتت دامية، نظراً لحالة النهوض الإسلامي العالمية التي تصطدم بقوي مسيطرة علي مصائر المسلمين. ولكن ما أغفله أغلب المعلقين علي مقولات هنتنغتون، بما في ذلك المسلمون منهم، ان موضوعة صراع الحضارات تقوم علي الاعتقاد بأن هيمنة النموذج الحضاري الغربي علي العالم تواجه تحديات كبري، وأن هذه التحديات لا تقتصر علي التحدي الإسلامي، وإن كان هذا التحدي يمثل الأهم بينها. وكما كل الأنظمة الحضارية والثقافية المهيمنة عبر التاريخ، فإن القوي الغربية ستواجه هذه التحديات بكل عنف ممكن. القوي المهيمنة لا تتخلي عن مواقعها طوعاً وسلماً. ومن هنا يتولد صراع الحضارات.
بالرغم من وجاهة بعض من جوانبها، فإن أطروحة هنتنغتون، التي تعود إلي دائرة الاهتمام والجدل في ظل حركة الاحتجاج الإسلامية الواسعة علي نشر الرسوم الدانماركية المسيئة لنبي الإسلام (صلي الله عليه وسلم)، ترتكز إلي بعض من الفرضيات الإشكالية. منها، مثلاً، رؤيته للكتل الحضارية، التي تقوم علي تصور لا يأخذ في الاعتبار التداخل الكبير بين الثقافات وأنماط الحياة والاجتماع والقيم الجمالية والأخلاقية. قبل أربعة أو خمسة قرون، كان ممكناً ربما الحديث عن حدود ما بين كتلة حضارية إسلامية وأخري صينية وثالثة مسيحية غربية (وإن بدرجة نسبية كذلك). ولكن التقدم المطرد في حركة الاتصال، من السفن البخارية إلي السكك الحديدية، ومن الطباعة إلي التلغراف، ومن الطائرة إلي الإنترنت، جعلت تلك الحدود وهمية إلي حد كبير. ولا يمكن إغفال الدور الذي قام به النظام الإمبريالي، الذي كان نظاماً عالمياً، وضع شعوباً تمتد من امريكا اللاتينية وجزر الكاريبي إلي جنوب شرق آسيا وأستراليا، تحت سيطرة قوي أوروبية غربية لعشرات السنين. أدخل المستعمرون إلي المناطق المستعمرة لغتهم وثقافتهم وأنماط إدارتهم وأنظمة حكمهم، وربطوا الكثير من البلدان المستـــعمرة بالمركز الأوروبي، اقتصادياً وتجارياً، بروابط لم تنقطع حتي بعد نهاية الاستعمار المباشر.
ثمة أدلة قوية علي الأصول البيزنطية لنظام الحسبة الإسلامي التقليدي، وربما حتي لمؤسسة الوقف التي تركت أثراً بالغاً علي الإجتماع الإسلامي لقرون طوال. ولكن العلاقة بين الثقافات والمواريث الحضارية خلال القرن الأخير فاقت بكثير مجرد التأثير المنقطع والاستعارة الانتقائية. فأنظمة التعليم السائدة في عالم اليوم، بما في ذلك العالم الإسلامي، هي أنظمة غربية. ليس ذلك وحسب، بل ان الكتب المدرسية والجامعية، من حقل الرياضيات إلي المنطق والفلسفة، هي كتب غربية أو تستند إلي مصادر غربية. وما ينطبق علي التعليم، وهو الحقل الأهم لتشكيل المشترك الثقافي في المجتمعات الحديثة، ينطبق أيضاً علي الأنظمة العدلية والقضائية، وحتي علي القوانين ذاتها؛ وينطبق علي نظام الحكم والدولة، ومفهوم هذه الدولة وعلاقتها بالمجتمع؛ وينطبق علي حقلي الاقتصاد والتجارة والتسوق والاستهلاك، قوانين وأنظمة وسلوكاً؛ وينطبق علي حقل الفنون السمعية والمرئية، من الموسيقي إلي الدراما؛ وينطبق بالطبع علي أنماط العمارة وتخطيط المدن. فالحديث عن كتل حضارية صماء يمثل استدعاء للتاريخ أكثر منه استطلاعاً للزمن المعاش؛ وتوفر مؤشرات السياحة الجماعية وحركة الهجرة الكثيفة من الجنوب إلي الشمال، ومن الغرب إلي الشرق، ومن آسيا غير الإسلامية إلي دول النفط، لأسباب ودوافع مختلفة، دليلاً واضحاً علي اضمحلال الحدود الحضارية حتي علي مستوي الإنسان الفرد.
هذا لا يعني بالطبع ان العالم أصبح مسطحاً، وأن الفوارق والألوان والخصوصيات قد اختفت، أو أنها يمكن أن تختفي نهائياً في المستقبل. التعددية الثقافية والقيمية، التي يشكل المعتقد الديني أحد أهم روافدها، ستبقي ربما ما بقي المجتمع الإنساني. وليس هناك من شك في أن الإسلام يشكل أكثر الروافد الدينية حيوية في العالم المعاصر. وهنا، ربما تقع الإشكالية الرئيسية في فهم هنتنغتون للعالم. فإلي جانب دائرة المشترك الإنساني المتسعة، ثمة خصوصيات عقدية وقومية وثقافية تعبر عن نفسها في صيغ مختلفة، وليس بالضرورة فيما يمكن أن يطلق عليه المكون الجوهري لهذه الخصوصيات. فالخصوصية الإسلامية المعاصرة لا تتعلق، مثلاً، بصوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس في مواقيتها. فهذه ليست موضع صراع وتدافع داخل المجتمعات الإسلامية أو بين الكتلة الإسلامية والقوي الغربية. تعبيرات الخصوصية هي في أغلبها ذات إطار سياسي واقتصادي وثقافي. بل أن اتساع دائرة المشترك، يصبح هو نفسه قوة دفع لهذه التعبيرات. إذ ان القوي المسيطرة لا تترك للتقارب العالمي فرصة التفاعل الطبيعي والسلمي، بل تعمل علي استخدامه أداة إضافية للسيطرة الثقافية والاقتصادية. والسبب، بالطبع، هو النظام الإمبراطوري للقوة (أو القوي) المهيمنة علي الشأن العالمي، وسعيها العنيد وغير العقلاني لتأبيد هذه الهيمنة.
عندما تبدأ في فقدان موقعها المهيمن، تصبح حدود الإمبراطوريات دامية بالضرورة. هذا هو تاريخ الإمبراطوريات، وهذه هي السمة الأبرز للنظام الدولي المعاصر. في حالات القوة والسيطرة المطلقة، لا تحتاج الإمبراطوريات العنف والقوة المسلحة لتأمين موقعها؛ لأن مجرد التلويح بالقوة سيكون كافياً لفرض الطاعة والانصياع. ولكن ما أن تأخذ الشعوب والأمم الواقعة تحت السيطرة في البحث عن الحرية والاستقلال، أو ما ان تلحظ علامات ضعف وتراجع في وضع القوي المسيطرة والمهيمنة، حتي تفتح أبواب جهنم للموت والدمار والحروب: حروب الباحثين عن الحرية والساعين إلي توكيد نظام الهيمنة وتأمينه. اشتعلت حدود الإمبراطورية الرومانية المتأخرة بالحروب المتصلة ضد شعوب الشمال والشرق؛ أما السلام العثماني الطويل، فقد تحول إلي سلسلة من الحروب الدامية منذ بداية القرن التاسع عشر، مرة ضد شعوب البلقان ومرة ضد الشعوب الإسلامية العثمانية. ولكن الغرب الحديث نجح نجاحاً كبيراً في تسليم مقاليد الشأن العالمي من قوة إلي أخري. ويكاد تاريخ النظام الدولي في القرنين الماضيين ان يكون تاريخ التدافع والتنافس والتوافق بين القوي الأوروبية الاستعمارية، وبينها وبين الولايات المتحدة الامريكية. ما ساعد الكتلة الغربية في الحفاظ علي موقعها المسيطر، كان التعقيد غير المسبوق الذي أقامه النظام الإمبريالي للربط بين المركز والأطراف، التراكم الهائل للثروة والقوة في القرنين الماضيين، والنزعة العقلانية النقدية التي ميزت علاقات السيطرة الحديثة.
بيد أن نظام السيطرة والهيمنة الغربي ما كان له ان يتأبد، وكان عليه عاجلاً أو آجلاً أن يواجه تحديات البحث عن الحرية والاستقلال النابعة من الخصوصيات الثقافية والدينية والقومية. في الوقت الذي ما تزال فيه روسيا ما بعد الشيوعية حائرة بين انتمائها الأوروبي الغربي والخصوصية الروسية، تبرز الصين باعتبارها قوة اقتصادية عالمية هائلة، تمتلك الكثير من مقومات التحول إلي قوة عسكرية وسياسية منافسة للكتلة الأطلسية. وبينما يغلب علي القلق الغربي تجاه الصين خطاب التنافس التجاري وأسعار العملات وحقوق الإنسان، فإن حجم الحشد والرقابة العسكرية الامريكية للصين بلغ مستويات مرعبة. ولكن حرباً باردة أو ساخنة ضد الصين ستكون أكثر تكلفة وأثراً علي الشأنين الغربي والعالمي مما كانت الحرب ضد الاتحاد السوفياتي. أولاً، لأن أحداً في العالم لا يعتبر الصين قوة إمبريالية جديدة أو خطراً علي ثقافته ونظامه السياسي. وثانياً، لأن الصين تتحول تدريجياً إلي جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي والتجاري العالمي، يصعب التخلص منه بدون عواقب وخيمة علي الوضع العالمي كله. وفي امريكا اللاتينية، الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، والتي ربطتها دائماً علاقات متناقضة من الإعجاب والكراهية والتبعية بالجار الشمالي القوي، ثمة حركة متسعة للتحرر من السيطرة الامريكية، تغذيها تقاليد كاثوليكية عميقة للعدل الاجتماعي، وحيوية ثقافية متصاعدة في أوساط السكان الأصليين.
وبالرغم مما يبدو من سلوك امريكي متعقل تجاه الديمقراطيات اليسارية الجديدة في امريكا اللاتينية، فليس لنا ان نتوقع استمرار هذا التعقل. وربما لن يمر زمن طويل قبل أن تزدحم سماء العلاقات بين واشنطن والعواصم الامريكية اللاتينية بالقوات المحمولة جواً، والانقلابات العسكرية. ولكن الثمن هذه المرة سيكون باهظاً بلا شك؛ فعالم مطلع القون الحادي والعشرين ليس عالم الستينات من القرن الماضي.
وهناك، قبل ذلك وبعده، العالم الإسلامي، الجار اللصيق بالكتلة الأطلسية، والمنافس التاريخي للغرب الأوروبي، والضرورة الاقتصادية والاستراتيجية لنظام الهيمنة الإمبراطوري. بشيء من التوازن والتأمل التاريخي، يصعب ان نري أحداث السنوات الخمس الماضية مجرد ردود فعل علي هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). ففوق أن الهجمات علي نيويورك وواشنطن، بكل بشاعتها وعبثيتها، لم تترك أثراً ملموساً علي القوة الامريكية الاقتصادية والعسكرية، فإن الحرب علي الإرهاب لم تتعامل مع الإرهاب فقط، ولا حتي مع الإرهاب في شكل رئيسي، بل تحولت إلي عسكرة شاملة للنظام العالمي وللعلاقة مع العالم الإسلامي علي وجه الخصوص. من الحرب علي أفغانستان إلي الاجتياح الإسرائيلي لمناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ومعظم قطاع غزة، ومن غزو العراق إلي تهديد إيران وسورية ولبنان، ثمة شعور امريكي متزايد بالخشية من فقدان السيطرة والهيمنة، وسعي دموي، بالغ العنف، لمواجهة نزعات التحرر والاستقلال مهما كانت التكاليف والعواقب.
كان مطلب الجلاء العسكري الامريكي عن الجزيرة العربية، الذي أسس لهجمات نيويورك وواشنطن، هو مطلب بسيط ومحدود؛ وقد انتهت القوات الامريكية بالفعل إلي الخروج من السعودية، وإن لم يكن من كل الجزيرة. وبالنظر إلي الانهيار المتتالي لكل مبررات غزو العراق، وبشاعة النظام الذي أقامه الاحتلال، من تعذيب وقتل في السجون الامريكية، إلي فرق الموت والاغتيال في وزارة الداخلية، إلي المجزرة شبه اليومية للمدنيين العراقيين الأبرياء، فقد بات خروج قوات الاحتلال مطلباً عراقياً وطنياً ومطلباً أخلاقياً إنسانياً في الآن نفسه. وليس من الصعب رؤية المفارقة المدهشة في رفض الاعتراف بالنفوذ السوري في لبنان، واعتبار لبنان جزءا لا يتجزأ من دائرة النفوذ الفرنسي أو الامريكي. ومن السعي الإيراني لامتلاك التقنية النووية، إلي المطلب الإسلامي باعتذار دنماركي واضح عن الإساءة لنبي الإسلام ومحاكمة المسيء، تبدو قضايا الخلاف بين العالم الإسلامي والكتلة الأطلسية، بسيطة، وممكنة الحل والتفاهم التفاوضي. ولكن الإمبراطوريات لا تتفاهم، بل تسيطر وتهيمن؛ وما ان تستشعر التحدي لنظام الهيمنة والسيطرة حتي تصطبغ حدودها بالدماء. وإن تفاقم الصراع علي مستقبل العالم من المنطقة الإسلامية إلي مناطق أخري، مثل روسيا والصين ووسط آسيا وامريكا اللاتينية، فلنا ان نتصور حجم الرعب الذي ينتظر البشرية. وحتي يولد نظام عالمي جديد، أكثر عدلاً وإنصافاً، فليس لأحد أن يغامر بالتنبؤ بتكلفة هذه الحقبة من التاريخ الإنساني.
د. بشير موسي نافع
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2006\02\02-23\qpt4.htm&storytitle=ffعندما%20تصبح%20 دود%20الامبراطوريات%20داميةf ff

من مواضيع : موسى بن الغسان أشعة الليزر تسيّر الطائرات في الأجواء وتقود سفن الفضاء إلى القمر . تابع حروب المناخ
عن انتصار الامه فى لبنان
الآن نشهد البداية الحقيقية لنهاية الكيان الصهيونى
الأردن: كله يهون فى سبيل رضا الساده
حزب الله.. هل يمكنه الانتصار؟!
15-04-2006, 12:44 PM
mohamed1234
 
مشاركة: عندما تصبح حدود الامبراطوريات دامية

مشكور أخي على الموضوع
من مواضيع : mohamed1234 قصة حنان التي ابكت الجمهور في سوق شرق
قصة غريبة و لكن مفيدة
:: حكـــايـــة رجـــلـ بــلا اســـمـ ::
//___* كيف نجعــل منتدانا مميز وجميل ؟؟ ___\\
15-04-2006, 02:16 PM
اصحاب ولا بيزنس
 
مشاركة: عندما تصبح حدود الامبراطوريات دامية

مشكور اخي موسي
من مواضيع : اصحاب ولا بيزنس ماضي الفتاه مهم اليك
معلومات خفيفه
سوال غريب شويا؟!
النجاح والفشل شتان
ازاي تحب اخت صحبـــــــــــــــــــــــــــــك؟!!!!!!
 

الكلمات الدلالية (Tags)
الامبراطوريات, تصبح, جامدة, جينى, عندما

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
بطولات نادى الزمالك الافريقية وأرجو التثبيت
أنت إنسان رائع
عندما نعشـــق من هو ليس لنــا
انـت انسـان رائع

عندما تصبح حدود الامبراطوريات دامية

الساعة الآن 04:49 PM.