العودة   منتدى نيو حب > المنتديات العامة > منتدى التاريخ والسياحة

مع الخديوي إسماعيل ( 2 )

منتدى التاريخ والسياحة


27-02-2006, 10:50 AM
موسى بن الغسان
 
مع الخديوي إسماعيل 2

اسراف اسماعيل
إذا لم تكن البلاد هي التي دعت إلي اقتراض تلك الملايين ففيم كانت تنفق إذن ؟ إن الجواب لا يحتاج إلي عناء كبير ، فإن إسراف إسماعيل هو الباعث الأكبر على مأساة القروض.
إن الجانب السيئ من شخصية إسماعيل هو إسرافه وأنفاقه الأموال من غير حساب أو نظر في العواقب ، وهو بلا مراء مضرب الأمثال في هذا الصدد ، فقد كان متلافاً للمال ، وظهر هذا العيب في حياته العامة ، وحياته الخاصة ، ظهر في بناء قصوره ، وتأثيثها ، وتجميلها ، كما ظهر في حياته الخاصة ، في حفلاته وأفراحه ، ومراقصه ، ورحلاته وسياحاته ، وأهوائه وملذاته.
أمثلة من إسراف إسماعيل
بنى الخديوي إسماعيل نحو ثلاثين قصراً من القصور الفخمة ، وكان دائم الرغبة في التغيير والتبديل ، وكان بعض القصور التي يبنيها لا يكاد يتم بناؤها وتأثيثها حتى يعرض عنها ويهبها لأحد أنجاله أو حاشيته.
وذكر العلامة على باشا مبارك عن قصري الجزيرة والجيزة : "أنهما من أعظم المباني الفخمة التي لم يُبن مثلها ، وتحتاج لوصف ما اشتملت عليه من المحلات والزينة والزخرفة والمفروشات ، وما في بساتينها من الأشجار والأزهار والرياحين والأنهار والبرك والقناطر والجبلايات إلي مجلد كبير "، وذكر عن ارض سراي الجزيرة أن مساحتها ستون فداناً ، وأن ما صرف عليها على كثرته قليل بالنسبة لما صرف على سراي الجيزة ، وكانت هذه السراي في منشئها قصراً صغيراً وحماماً بناهما سعيد باشا ، ثم اشتراها إسماعيل من ابنه طوسون مع ما يتبعها من الأرض ومساحتها ثلاثون فداناً ، ثم هدم هذا القصر وبناه من جديد وأضاف أليه أراضى أخرى ، وأحضر المهندسين والعمال من الإفرنج لبناء القصر وملحقاته وانشأ بستانه العظيم وبستان الأورمان ، وبلغت مساحة الأرض التي شغلها سراي الجيزة وسراي الجزيرة وحدائقها 465 فدان ( خمسة وستين وأربعمائة فدان ).
وذكر أن ما أنفق على إنشاء سراي الجيزة بلغ 1.393.374 جنيه
· وسراي عابدين 565.570 جنيه
· وسراي الجزيرة 898.691 "
· وسراي الإسماعيلية (الصغيرة) 201.286 "
· وباقي القصور 2.331.679 "
· من ذلك سراي الرمل 472.399 "

وبالرغم مما وصلت أليه حالة الحكومة المالية من الارتباك وتوقفها عن الدفع في سنة 1876 ، فإن الخديوي استمر في تلك السنة يكمل سراي الجيزة الفخمة التي لم تتم إلا قبيل خلعه.
وتكالف تجميل هذه القصور وتأثيثها ما لا يحصى من الملايين ، فقد بلغت النقوش والرسوم في قصور الجيزة والجزيرة وعابدين مليوني جنيه ونيفاً ، وبلغت تكاليف الستارة الواحدة ألف جنيه ، أما الطنافس والأرائك والأبسطة والتحف والطرف والأواني الفاخرة ، فلا يتصور العقل مبلغ ما تكلفته من ملايين الجنيهات.
ومن أسباب إسراف إسماعيل ميله إلي الملذات ، وهذه مسألة تعد مبدئياً من المسائل الشخصية ، التي لا يصح التعرض لها ، ولكن إذا تعدى أثرها إلي حياة الدولة العامة كانت من المسائل التي لا حرج من الخوض فيها ، وقد تعرض لهذه الناحية الكتاب والمؤرخون حتى الذين كانوا من أصدقاء إسماعيل ، ويلوح لنا أنها كانت من العيوب التي أخذت عليه وهو بعد أمير ، قبل أن يتولى العرش ، فقد ذكر المسيو فردينان دليسبس انه رآه في عهد سعيد قبل أن تؤول ولاية العهد ، وكان عمره وقتئذ خمساً وعشرين سنة ، وقال عنه أنه علي جانب عظيم من الذكاء والحصافة والجاذبية ، وأنه إذا لم ينهمك في ملذاته بمقدار ما هو عليه الآن (سنة 1854 ) فإنه سيعرف قدر نفسه يأتي منه النفع الكبير.
ومما يدعو إلي الأسف أن أمواله التي كانت تتدفق ذات اليمين وذات الشمال لم يكن ينال الوطنيين منها إلا النزر اليسير ، بالنسبة لما ينال الأجانب الذين كانوا يحيطون به ويشملهم بثقته ورعايته ، قال المسيو جابرييل شارم في هذا الصدد : "كان إسماعيل يغترف المال من الخزانة العامة بكلتا يديه ليرضى أهواءه الشخصية فحسب ، بل ليسد نهم الطامعين الملتفين حوله ، فكم من الفرنسيين والإيطاليين والإنجليز كانوا تعساء في بلادهم ، ثم نالوا بعد أن هبطوا مصر الرخاء والنعيم ، لقد كان الخديوي مستعداً على الدوام أن يهبهم المراكز والقصور والمنح ( البقاشيش ) ، أو يعهد إليهم بالتوصيات على التوريدات ، وما كان أشد دهشة السياح إذ يرون في القاهرة أو الإسكندرية جماعة من الأوربيين ليس لهم من المزايا إلا مظهر الرجل الأنيق ، يقومون بمهمة الموردين لنائب الملك (الخديوي ) ، ويربحون من هذه التجارة أرباحاً باهظة ، لا يتصورها العقل ، فليس ثمة وسيلة لجمع الثروة الطائلة أسهل من الحصول على عطاء تأثيث إحدى السرايا الخديوية ، أو توريد بعض الصور أو التحف والطرف ، وكم من أناس جاءوا من أوربا مثقلين بالديون ، فما كادوا يستقرون في القاهرة ويأوون إلي إحدى قاعات الانتظار في سراي عابدين ، حتى صاروا طفرة من أصحاب الملايين ".
وقد فحصت لجنة التحقيق الأوربية سنة 1878 أسباب تراكم الديون والعجز في ميزانية الحكومة ، فكشفت عن تصرفات مدهشة تدل على أقصى أنواع الإسراف والتبذير ، فمن ذلك أن إحدى الأميرات من بيت إسماعيل بلغ المطلوب منها لخياط فرنسي 150 ألف جنيه ، وأن مبالغ طائلة ضاعت في الآستانة دون أن تعرف أبواب إنفاقها ، وأن الخديوي كان يشترك مع إسماعيل باشا صديق في مضاربات البورصة ، وأن الحكومة أرادت يوماً أن تؤدي بعض ما عليها من الدين لأحد البنوك المحلية ، فأعطته سندات من الدين الموحد قيمتها 230 ألف جنيه بحساب السند 31.5 جنيه ، أو بعبارة أخرى لكي تسدد ديناً قدره 72 ألف جنيه حملت البلاد ديناً مقداره 230.000 جنيه.
وقد فحصت لجنة التحقيق قاعدة إسماعيل المتبعة ، حتى في أعمال العمران ، فقد اتفق مع شركة جرنفلد الإنجليزية على إصلاح ميناء الإسكندرية في مقابل 2.500.000 جنيه في حين أن أعمال الإصلاح لم تتكلف سوى 1.440.000 جنيه كما اعترف بذلك اللورد كرومر.
الإقتصاد في عهد إسماعيل

بدأت حالة البلاد المالية مزدهرة في أوائل حكم إسماعيل إذ صادفها الحرب الأهلية الأمريكية التي أدت إلي نقص محصول القطن الأمريكي وصادراته ، وزيادة إقبال المصانع على القطن المصري وارتفاع أسعارة ، فكانت سنوات الحرب سنوات يسر ورخاء لمصر.
كان محصول القطن المصري سنة 1860 لا يزيد عن نصف مليون قنطار تقريباً ، بيع بثمن مقداره 1.107.887 ج ، وبلغ 596.200 قنطار سنة 1861 وبيع في تلك السنة بمبلغ 1.430.880 ج ، ثم صعد في السنوات التالية وتضاعف سعره كما تراه في البيان الآتي :
صادرات القطن متوسط سعر القنطار سنة 1861 596.200 قنطار 280 سنة 1862 721.052 " 460 سنة 1863 1.181.888 " 725 سنة 1864 1.718.791 " 900 سنة 1865 2.001.169 " 635

فترى من هذه المقارنة مبلغ الزيادة الكبيرة في الثمن ، ويتبين منها مقدار ما دخل البلاد من النقد مقابل بيع القطن ن وترى أيضاً مقدار اطراد الزيادة في المحصول ذاته ، ولا غرو فإن ارتفاع أسعار القطن زاد في إقبال الناس على زراعته ، فصار محصوله سنة 1865 أربعة أمثال ما كان عليه سنة 1860.
ويتبين من الجدول الآتي اطراد الزيادة في سعر القنطار من رتبة جودفير مدى السنوات الخمس التي استمرت فيها الحرب الأمريكية مع مقارنتها بالسنتين السابقتين عليها :

السنة أقل سعر للقنطار (بالريال ) أقصى سعر للقنطار ( بالريال ) 1859 10.5 14.5 1860 11 13 1861 11.5 17.5 1862 16 32 1863 30 46.5 1864 37 52 1865 22.5 41

على أنه لم تكد الحرب الأمريكية تنتهي سنة 1865 حتى حدث رد فعل في أسعار القطن ، وبدأت الأزمة في مصر تلك السنة ، لما كان متوقعاً من منافسة المحصول الأمريكي للقطن المصري ، ويتبين من الجدول الآتي تناقص أسعار القطن ومحصوله مدي السنوات التي أعقبت الحرب.

السنة صادرات القطن بالقنطار متوسط سعر القنطار 1865 2.001.169 635 1866 1.288.762 705 1867 1.260.946 450 1868 1.253.455 380 1869 1.289.714 460 1870 1.351.797 390 1871 1.966.215 315

كان من نتائج صعود أسعار محصول القطن في سنوات الحرب الأمريكية أن انغمس الأهالي في الترف والإسراف ، وتوسعوا في النفقات ، واستدانوا من المرابين بفاحش الفوائد بأمل استمرار الصعود في أسعار القطن ، ولم يتبصروا العواقب ، فركبتهم الديون ، وأخذت الحالة تشوء في نهاية سنة 1865 ـ إذا أخذ الدائنون يطالبون بديونهم ، وحدثت أزمة عالجتها الحكومة بالتدخل بين المدينين دائنيهم صونا للثروة العامة ، وضنا بها أن تنتقل إلي أيدي المرابين والتجار والماليين الأجانب ، فتعهدت بسداد ديون الاهليين على أن ترجع بها عليهم.
تأثرت الحالة المالية بسبب هذه الأزمة ، على أنها لم تكن السبب الوحيد لسوء الحالة ، وقد كانت أزمة طارئة لا تلبث إذا عولجت بالحكمة وحسن التدبير أن تزول وتعود البلاد سيرتها من الثبات والتقدم ، ولكن السبب الجوهري لسوء الحالة هو توالي الديون الفادحة التي اقترضها الخديوي إسماعيل ، فإن هذه القروض قد حملت البلاد حكومة وشعباً عبئاً فادحاً عجزت آخر الأمر عن احتماله ، وناهيك بقروض أفضت بالحكومة إلي الإعسار وتدخل الدائنين في إدارتها ، فكان شأنها شأن المدين الذي ركبته الديون وعجز عن السداد ووضعت أملاكه وأمواله تحت الحراسة القضائية.
فالقروض إذاً هي السبب الأساسي لسوء حالة البلاد المالية ، وقد ظهر أثرها في اختلال توازن الميزانية ، إذ ابتلعت فوائد الديون معظم موارد الدخل ، ولم يبق من هذه الموارد إلا النزر اليسير لإنفاقه على حاجات البلاد ومرافقها.
الميزانية في عهد إسماعيل
لم يكن للحكومة ميزانية بالمعنى الذي نفهمه اليوم ، لأن الخديوي لم يفرق بين مالية الحكومة وماليته الخاصة ، بل كان يعتبرهها أمراً واحداً ، وكانت أموال الدول رهن إرادته ، يتصرف فيها كما لو كانت أمواله الخاصة ، ومن هنا جاء الخلل وسوء الإدارة وضياع الأموال بغير حساب ولا رقيب ، ولا يمكن أن يطلق لفظ " ميزانية " على تلك الأرقام الإجمالية التي كانت الحكومة تنشرها عن إيراداتها ومصروفاتها ، لان هذه الأرقام لا تبين حقيقة الإيراد والمنصرف ، ولم تكن مطابقة للواقع ، فإن كثيراً من أبواب الإيراد كانت تغفل في الميزانية ، ولا يعرف أين تذهب متحصلاتها ، ولم يكن من المحتمل أن ميزانية يتولى وضعها وتنفيذها وزير مالية مثل إسماعيل باشا صديق مدة ثماني سنوات متوالية تكون ميزانية جدية يعرف منها حقيقة الدخل والخرج ، بل لابد أن تكون مثال الفوضى والخلل ، ولم يكن للمجلس الخصوصي ( مجلس الوزراء ) ولا لمجلس شورى النواب تأثير فعلي في المسائل المالية ، بل كانت إرادة الخديوي هي القانون ، وأوامره ، حتى الشفوية ، هي النافذة في كل الشؤون.
ميزانية سنة 1871 – 1872
ننشر هنا ميزانية سنة 1871 – 1872 كنموذج للميزانية في ذلك العهد :
الإيرادات
بيان جنيه أموال وعشور الأطيان بما فيها المتحصل من ضريبة السدس 4.523.665 عشور ونخيل 143.035 ويركو ( ضريبة ) أرباب الحرف مربوطة على اعتبار المشغولات 155.580 رسوم المحاكم الشرعية وعوائد مبيعات الأطيان والأملاك وعوائد الأوزان وعوائد الذبيح وغيره 86.780 أموال جهات الوحات 7.920 عوائد زيوت وأملاك 14.015 إيجار أطيان الميري 29.890 عوائد كورنتينه وغيره 600 إيراد الجمارك 492.110 صافي إيراد السكك الحديدية 562.885 صافي إيراد السودان 100.000 إيراد الملاحة 175.000 أرباح أسهم قناة السويس 170.310 أرباح ورق التمغة وتمغة المصوغات وغيره بالمالية 185.000 أموال الالتزامات وهي التزام المطرية والرسالة والنطرون والأسماك وغيره وإيرادات الهاويسات 285.795 إيجار أطيان وأملاك الميري ورسوم مبيعات الأملاك والأطيان بمصر واسكندرية ودمياط ورشيد 185.500 إيراد المحافظات مجموع الإيراد 202.535 7.293.620

المصروفات
مخصصات الخديوي 300.000 مخصصات العائلة الخديوية 110.725 ويركو الاستانة ( الجزية ) 658.335 ديون الداخلية وأعضاء المجلس الخصوصي ( مجلس الوزراء ) 26.800 ديون الجهادية والمدارس الحربية 700.000 ديون المالية وملحقاته 151.710 ديون البحرية ووابورات النيل 210.000 ديون الخارجية 9.015 مجلس الأحكام و مجالس الدعاوي والاستئناف ومجلس التجار ( ( المحكمة التجارية ) 33.610 مديريات الأقاليم بحري وقبلي 148.015 ديون الاشغال العمومية 17.875 مجلس الصحة والاسبتاليات 36.345 دواوين المحافظات 85.225 ضبطيات مصر والإسكندرية 89.280 ديون المدارس ( وزارة المعارف ) ومكتبات الدروس 53.020 ديوان الجمارك 28.300

مرتبات ومعاشات
بيان جنيه مرتبات حريم وإشراقات 17.950 مرتبات أرباب المعاشات والموظفين 213.160 قيمة المرتب إلي الاشخاص المستودعين 42.865 مخصصات الحج الشريف والتكايا 66.770 ربح أسهم قناة السويس الذي أعطي لها لمدة معلومة مقابل ثمن الأملاك والأراضي 170.310 احتياطي 200.000

مخصصات القروض
دفعية قرض سنة 1862 258.500 دفعية قرض سنة 1864 604.785 دفعية قرض سنة 1868 929.460 القومبونية المجيدية 51.480 قرض السكة الحديدية 572.810
دفعيات الأشغال العمومية الجارية وذلك عن المستحق في سنة 1288 هـ
بيان جنيه إنشاء رصيف ميناء الإسكندرية 292.500 إنشاء ميناء السويس 138.870 إنشاء الترعة الإسماعيلية بما فيها عمليات القناطر 115.725 كوبري قصر النيل 28.930 تطهير ترعة المحمودية 53.900 تركيب فنارات السويس مجموع المنصرف 2.825 6.419.095

الزيادة ( المزعومة ) في الميزانية
الإيراد 7.293.620 المنصرف 6.419.095 الوفر ( المزعوم ) 874.525 ج

وكانت الأرقام الأرقام التي كانت الحكومة تنشرها عن الميزانيات السنوية وتقدمها لمجلس شورى النواب مدعاة للشك في صحة هذه الأرقام ، فإن ما ورد فيها من زيادة الدخل على الخرج لا ينطبق على الواقع ، ولما تولت لجنة التحقيق الأوربية فحص الميزانية من سنة 1877 تبين مبلغ ما فيها من العجز وإليك البيان :
السنة الإيراد بالجنيه المنصرف بالجنيه العجز بالجنيه 1877 9.589.900 10.972.100 1.382.200 1878 7.432.982 10.873.548 3.440.566 1879 9.949.000 10.330.000 381.000

الضرائب
لم تكن للضرائب قاعدة معلومة ولا قوانين أو لوائح يعرف منها حدود ما يجبى من الاهليين ومواعيد الجباية ، بل كانت المسألة متروكة لاهواء الحكومة ، وكان يكفي كما احتاج وزير المالية إلي النقود أن يطلب من كل مدير مبلغاً من المال " لاحتياج الحكومة إليه " ، فيصدع المدير بالأمر من غير بحث فيما إذا كانت المديرية أدت ما عليها من الضرائب أم لا ، فيوزع المال المطلوب على المركز ويؤمر كل عمدة بتحصيل نصيبه في هذا المطلوب ، فهوى الحكومة إذاً كان أساس النظام المالي وقاعدة الضرائب في ذلك العصر ، ولم يكن ثمة رقابة على مقدار ما يجبى وما يدخل خزائن الحكومة ، بل كانت الأيدي تتقاسمه من يوم جبايته إلي حين إنفاقه.
كتب القاضي الهولندي فان بملن يصف هذه الحالة كما شاهدها بقوله : " كانت الأمور تجري في عهد الخديوي السابق ( إسماعيل باشا ) ووزير ماليته المفتش ( إسماعيل صدقي ) على المنوال الآتي :
يؤدي المدير كل مرة إلي وزير المالية المبلغ المطلوب منه ، ولا يصل كله إلي حزائن الحكومة ، بل يقتطع الخديوي جزء منه ، ثم يليه المفتش فيقتطع جزء أخر والمدير لا يفوته قبل ذلك أن يستبقي لنفسه نصيباً مما جباه ، ومأموري المراكز يسبقون المدير إلي هذه الوسيلة ، ولم يكن ثمة عقبات تعترض هذه التصرفات ، لأن القوانين المالية كانت مبهمة غامضة ، والضرائب تجبى احياناً مقد مة ، وقد تجبي الحكومة أكثر مما تستحقه ، ولا يستطيع الممولون أن يرفعوا شكواهم ، وإذا شكوا فلا تسمع لهم شكوى ، لأن الحكومة لا تعطي إيصالات بما يدفع لها من الأموال ، لأن الناس يعيشون في جو من الاستبداد والمحسوبية والارهاب " ولم تكن الضرائب موزعة على الأهالي توزيعاً عادلاً ، بل كانت الأهواء تتحكم في إعفاء المتصلين بالخديوي وحاشيته ، وإرهاق الفلاحين بفادخ الأتاوات لسد العجز في ميزانية الحكومة ، وكانت أطيان الخديوي لا تدفع الضرائب ، وبالرغم من قرار مجلس شورى النواب في دور انعقاده الثاني سنة 1868 في تعديل الضرائب وجعل ترتيب درجاتها منوطاً بمندوبي الحكومة ومن يرافقهم من العمد والأعيان فإن العدل كان أبعد ما يكون في ربط الضرائب على الأطيان أو على النخيل.
وقد زادت الضرائب في عهد ‘سماعيل زيادة مطردة ، وبدأت الزيادة منذ تورط في القروض ، إذ لم يجد مورداً لسداد فوائدها السنوية سوى زيادة الضرائب ، فكان يزيدها كلما احتاج إلي المال لينفقة على مطالبه الكثيرة وعلى سداد فوائد الديون.
من أجل ذلك أبتدعت الحكومة أنواعاً جديدة من الضرائب ، كالسدس ، والرأي والأعانة والمقابلة ، وضريبة ترعة الإبراهيمية ، وهي ضريبة إضافية فرضت على الأطيان المنتفعه من هذه الترعة ، وما ربط من العوائد على المباني ، ومعاصر الزيوت ومعامل الدجاج ، وما تقرر على الدواب ، وضريبة المواشي وعوائد الأغنام ، وعوائد دواب الركوب ، والعربات بمصر والإسكندرية وما فرض على الأشخاص مثل الويركو ، أي الضريبة على أرباب الحرف والصناعات ، والضريبة الشخصية ، وعوائد الرخص والقبانية والدلالة على ما يباع من المصنوعات ، وعوائد الصوف ، والدخولية ، وضريبة الملح ، ورسم القيدية وكان يؤخذ بحساب عشرين قرشاً على كل عرض مقدم لأحدى دوائر الحكومة الخ.
وبلغ ما كان يدفع من المال وملحقاتة عن الفدان الواحد في بعض السنوات خمسة جنيعات ونصف كما تقدم بيانه ، ةهة مبلغ ينوء به المالك ويزيد عما يجبى الأن من الضريبة على الفدان عما كان يجبى في عهد سعيد باشا.
كان إزدياد الضرائب على هذا النحو عبئاً فادحاً ، بل ظلماً بالغاً لأن المالك لم يكن يبقى له من غلة أرضه شيء يذكر بعد أداء الضرائب وملحقاتها ، فلا عجب أن تؤدي هذه الحالة بالأهليين إلي الضنك والبؤس ، وكانوا في كثير من الأحوال يضطرون إلي بيع حاصلاتهم بابخس الأثمان ، قبل أوان نضجها ليؤدون من ثمنها قيمة الضريبة وكذلك كانوا يضطرون إلي بيع مواشيهم ، وقد نشأ عن فداحة الضرائب أن هجر كثير من الملاك أراضيهم وتركوها بوراً وقد سمي هؤلاء " المتسحبين " وكثر عددهم بحالة أقلقت بال الحكومة ومجلس شورى النواب ، فوضعت قانوناً لتوزيع أطيان المتسحبين كما تقدم بيانه.
وزاد الحالة بلاء وضنكاً سوء نظام الجباية وما أشتهر عن عمالها في ذلك الحين من الظلم والرشوة والقسوة والأرهاب ، وكانت الحكومة لاضطرارها إلي المال تجبي الضرائب مقدمة ، وخاصة في سنوات العسر المالي ، فكانت تكره الأهليين على أداء الضريبة قبل حلول موعدها بتسعة أشهر وفي بعض الأحيان بسنة كاملة.
وإزدادت حالة الأهليين عسراً وضنكاً بعد فرض نظام الرقابة الثنائية الأوروبية وتأليف الوزارة المختلطة ، فإن العنصر الأوروبي في الحكومة لم يكن يعنيه إلا أن تجبيى الضرائب بمنتهى القسوة لوفاء أقساط الديون ، وجاء نقص النيل سنة 1877 نقصاً جسيماً لم يسبق له نظير في عهد إسماعيل ، فزاد الحالة الأقتصا دية سوءً إذ حرمت أطيان باكملها وخاصة في الوجة القبلي من الزراعة ، وظهرت عواقب هذا النقص سنة 1878 ، فإشتد الكرب بالناس وحدثت بالوجه القبلي مجاعة نشأت عن بوار الزراعة وفداحة التكاليف وإقتضاء الضرائب مقدمة ، ومات بسبب هذه المجاعة عشرة الآف شخص ونيف ، معظمهم من مديريات جرجا وقنا وإسنا ، فكانت هذه الأيام من أسوء ما رأته البلاد من البؤس والشقاء الأقتصادي.
وكان من نتائج زيادة الضرائب والإرهاق في جبايتها أن أضطر الفلاحون من أجل أدائها إلي الاستدانة ، لأن عمال الجباية كانوا يجبون الضرائب بالكرباج لأكراه الأهالي على أداء ما يطلب منهم ، وكان الأهالي يختارون أهون الشرين ، فيستدينون من المرابين ما يطلب منهم من المال ، ومن هنا تفاقمت ديون الأهالي فقد أستهدفوا لأفة الاقتراض بالربا الفاحش ، حتى ركبتهم الديون ، ونزعت أملاك الكثيرين منهم ، وكان المرابون كلهم أو معظمهم من الأجانب ، أو من في حكمهم من الرعايا المشمولين بالحمايات الأجنبية ، فتغلغلوا من ذلك الحين في أملاك الأهالي ، وازداد نفوذهم وسلطانهم ، وأخذو يجمعون الثروات الضخمة، ويستعبدون الأهالي ، ومن ثم تعرضت الملكية العقارية في مصر للخطر.
فحق ملكية الأطيان الزراعية لم يكد يتقرر في عهد سعيد باشا ويتوطد في أوائل عهد إسماعيل حتى أصابة صدع شديد في أواخر هذا العهد ، وذلك على أثر طغيان سيل الإفرنج ، وانتقال الملكية إليهم ، أو اكتسابهم عليها حقوق الرهن التي تجعل حق الملكية في حكم العد ، وتجعل المالك في يد الدائن المرتهن أجيراً واسيراً.
وصف المسيو جابرييل شارم هذة الحالة التي شاهدها بنفسه وصفاً مؤثراً قال فيه :
" إن الحالة التي تستدعي النظر هي مسألة الملكية الزراعية ، فإن الأطيان والمتاجر أخذت تنتقل من عدة سنوات ( كتب هذا سنه 1879 ) إلي أيدي الأوربيين ، ذلك أن الإرهاق في فرض الضرائب على الفلاحين جعل بقاء الأرض في أيديهم أمراً بعيداً عن الإمكان.
" كان الفلاح في عهد سعيد باشا يؤدى الضرائب من غير مشقة ، إذ كان يوفيها من غلة أرضه ، ويبقى له بعد ذلك ما يقوم بأوده ، ويعيش به عيشة رغداً ، في بلاد اشتهرت بقلة تكاليف المعيشة ، وفي أوائل عهد إسماعيل كان الفلاح أحسن حالا وأكثر رغداً ، فإن ارتفاع أسعار القطن الناشىء عن الحرب الأمريكيةجعل إيراده يبلغ الضعف ، وما كان من قبل بثلاثة جنيهات صار يبيعه بثمانية أو عشرة جنيهات ، ولم ير الفلاح يسراً ورخاء مثلما رآه في ذلك العهد ولكن هذا اليسر مالبث أن تبدل عسراً وضنكا ، فقد هبطت أسعار القطن بعد انتهاء الحرب الأمريكية ، وهبط الدخل هبوطاً جسيماً ، وفي الوقت نفسه زادت مطالب الحكومة ، وأخذت الضرائب في ازدياد ، فاضطر الفلاح إلى أن يجود بكل ما كان مدخراً أومخبوءا عنده ، ولم يبقى لديه إلا أرضه ، فإذا ما أرهقته الحكومة في طلب الضرائب اضطر أن يلجأ إلي احد المربين الأجانب ليقرضه بالربا الفاحش ، ويرتهن أرضه ، فإذا ما تأخر عن الوفاء سيق إلي المحاكم فتنزع ملكيته وتباع أرضه بأبخس الأثمان ، وكانم سعر القروض الربوية يبلغ أربعين أو خمسين في المائة ، ولو لوحظ كثيراً أن سيلا من المرابين كانو يتبعون جباة الضرائب في القرى ليقرضوا الفلاحين المال المطلوب منهم بأفحش الفوائد ، وقد تبلغ الفائدة 10 ، أو 12 في الشهر الواحد أى 144 في السنة ".
ويقول المسيو شارم إن هذة الوسيله قد أدت إلى هبوط الأراضى ، فالفدان الذى كان يباع (في اوائل سنى حكم إسماعيل) بثمانين جنيهاً صار يباع ( سنه 1879 ) بثمانية جنيهات فقط ، وأن الأجانب الذين يتملكون الأراضي بطريق المزاد أو بطريق الإكراه كانوا يسومون الأهالي الخسف ويعاملونهم بأسوا أنواع المعاملة.
وكتب القاضي الهولندي ( فان بلمن ) يصف هذه الحالة بما يوافق في الجملة وصف المسيو جابرييل شارم ، وقد كتبت اقوالها في اوقات متقاربة ، قال في هذا الصدد: "انتشر المرابون انتشاراً هائلا في عهد اسماعيل ، ونصبوا شباكهم في طول البلاد وعرضها، يمتصون بها دماء الفلاحين ، ومعظم المرابين من الأروام والأوربيين أوالرعايا المشمولين بالحمايات القنصلية ، والطريقة المخربه التي تجبى بها الضرائب مقدماً كانت في الواقع لصالح الماليين من رعايا القنصليات ، وفي بعض الأحيان كانت الحكومة تقترض من هؤلاء مبلغاًمن المال ، على ان تكل إليهم الرجوع على الفلاحين وجباية الضرائب منهم في جهة معينة ، فكانو يجوبون القرى مصحوبين برجال السلطة ويستخلصون من الأهالى أكثر مما أدوه للحكومة وأكثر من الضريبة المستحقة "
البذخ والإسراف
وزاد الحالة الاقتصادية سوءًا ضروب الإسراف التي ابتدعها الخديوى إسماعيل، فإنها اقتضت خروج أموال البلاد الى غير أهلها ، سواء كانوا وارد أوروبا " ، ففقدت البلاد ملايين الجنيهات تسربت إلى الخارج في وقت هي احوج ما تكون إليها ، ونقص بذالك رأس مال الثروة القومية ، أضعف إلى ذلك تلك الملايين التي انفقها اسماعيل على ضفاف البوسفور ، فقد فقدتها البلاد وابتلعتها تلك العاصمة النهمة إلى المال ، وقد رأيت كم بذل فيها من الرشا لرجال الاستانة ، وكم انفق فيها على إقامة الحفلات والولائم ، وكان لا يكاد يمر عام إلا ويقضى الخديوى بالاستانة أو بأوروبا ردحا من الزمن ينفق فيه الأموال بغير حساب ، وكانت رحلاته وسياحاته في العواصم والمدن الأوربية تكلف البلاد الآلاف بل الملايين من الجنيهات ، وفي عهده ظهرت بدعة اصطياف السراة والأعيان في الخارج ، تلك البدعة التي كلفت البلاد إلى الآنمئات الملايين من الجنيهات.
وكان الخديوي مثالا يحتذيه باشوات القطر وأمراؤه وكبراؤه وأعيانه (والناس على دين ملوكهم ) فقلدوه في البذخ والإسراف ، وتمشى داء الإسراف في مظاهر حياتهم الاجتماعية والشخصية ، كابتناء القصور والاستكثار منها ، والإنفاق من غير حساب على زخرفتها وتأثيثها ، وأسرفوا في حفلاتهم وأفراحهم ، وولائمهم وأسفارهم ، وملاهيهم وأهوائهم ،مما اضطر معظمهم إلى الاستدانة من المرابين والبنوك ، ورهن الأملاك والعقار ، فخربت بيوت عامرة ، وضاعت ثروات طائلة.
استغلال الأجانب مرافق البلاد
ثم ان اصطفاء إسماعيل للأوروبيين وركونه إليهم واجتذابهم إليه ، كل ذلك مكن لهم من مرافق البلاد ، فجاءوا برؤوس أموا لهم واسنثمروها في إنشاء المتاجر والبنوك والبيوت المالية ، والشركات ، والمشارب والملاهي ومحال الدعارة ، فتفتحت الثغرات لخروج ثروة الأهليين إلى أيدي الأجانب ، وامتدت أيدي الأعيان والكبراء والفلاحين وسائر الطبقات إلي الاستدانة من البيوت الأجنبية ليشتروا الأطيان والعقار، فوجدت في البلاد ثروات مادتها أجنبية ، ولا ريب في أن هذا الأساس يؤدى إلى تبيعة الثروة القومية للأجانب ، دولاً وشركات جماعات وافراداً ، فالاستقلال المالي قد أصابه التصدع من هذة الناحية ، فضلاً عن النواحي الأخرى ، وأهمها القروض التي عقدها الخديوى.
صحيح أن بعص رؤوس الأموال الأوروبية قد ساعدت على تقدم البلاد ورفاهيتها ، ولكن هذا التقدم كان على حساب الاستقلال الاقتصادي ، لأن كل تقدم مادته أجنبية هو بالنسبة للأمة أسر واسترقاق ، وذل واستبعاد ، ومهما نالت الأمة من الرفاهيه والثمرات والفوائد الوقتية فإنها لا تعدل تبعيتها وخضوعها لرؤوس الأموال الأجنبية ، هذا إلي أنها تصبح عرضه للازمات والشدائد إذا ما سحب الأجانب أموالهم لأى سبب ما ، فإن هذة الأموال لدخولها في بناء الأمة الاقتصادي تصير جزءًا من كيانها ، وتسعر الأمة بالحاجة إليها ، فتكون اداة تهديد مستمر لها يجعلها أبداً خاضعة لإرادة الأجانب ، محتاجة إلي استرضائهم ، والنزول على إرادتهم ، وامامنا دليل قائم هذة الحقيقة ، وهو أن تقدم الثروة العقارية المصرية بواسطة البنوك والشركات ذات رؤوس الأموال الأجنبية قد أفضى بثروة البلاد إلي أن أصبحت تحت سيطرة الأجانب وتحت رحمتهم ، واصبح أكثر الملاك الواطنيين أجراء للأجانب ، وهذا ليس استقلالاً ولا تقدماً ، بل هو الاستعباد الاقتصادى الذي يستتبع حتما الاستعباد السياسي ، لانه لا يمكن لأمة أن تتحرر سياسياً وهي خاضعة في كيانها الاقتصادي للأموال الأجنبية ، ولا تحتاج هذه الحقيقة لإيقامة الأدلة والبراهين عليها ، فاننا نلمسها بأيدينا في عصرنا الحاضر ، ولقد قام عليها الدليل في عصرإسماعيل فإنه وضع في عنقه إغلال الأسر والذل باعتماده على رؤوس الأموال الأجنبية ، وانتهى به الأمر إلي أن فقد استقلاله أمام نفوذ أصحابها وسلطانهم ، ثم فقد عرشه نزولا على إرادتهم.
ومما ساعد رؤوس الأموال الأوروبية على التغلغل في مرافق البلاد إنشاء المحاكم المختلطة ، فإنها كانت ولم تزل حامية لهذه الأموال وسبيلها إلي تكبيل البلاد والأهليين بقيود الرهون العقارية ونزع الملكية ، والسيطرة على مرافق الأهليين وحقوقهم وأموالهم، وبحسبك أن مصر لم تعرف تلك الرهون ولا عرفت نزع ملكية المدينين بشكل مفزع قبل إنشاء تلك المحاكم ، وبيان ذلك أن الرهن الحيازي كان هو المألوف في مصرقبل إنشاء القضاء المختلط ، ولم يكن ثمة خطر كبير من ورائه ، لأن الفلاح لا يتخلى بسهوله عن أرضه ولا يرضى بتسليمها للدائن منذ البداية طبقاً لأحكام الرهن الحيازي ، فكان طبيعياً ألا تميل نفسه إلى هذا النوع من الرهن يشبه أن يكون تجرداً من الملكية ، فلما أنشئ النظام القضائي المختلط ووضعت قوانينه تقرر الرهن العقاري الجديد الذى بمقتضاه يرتهن الدائن الأرض مع بقائها في حيازة المدين ، على أن يكون للدائن حق نزع ملكيتها جبراً إذا تأخر المدين عن الوفاء ، فهذا النوع الجديد من الرهن قد اغرى الفلاحين والملاك بالتهافت عليه ، لأنه في الظاهر لا يخرج الأرض من حيازة صاحبها ،ولكنه في الواقع كارثة على الملكية العقارية ، لأن السهولة التي يقدم بها المدين على الرهن واطمئنانه بادئ الأمرإلى بقاء ملكه تحت يده ، وقلة تبصره في العواقب ، كل ذلك قد رغب إلى الأهليين الأستدانة بالربا الفاحش وترتيب حقوق الرهن العقاري على أملاكهم ، وقد ابتهجوا بادئ الأمر لهذة الوسيلة التي تمكنهم من الحصول على المال ، ولكنها أدت إلي نزع أملاك المدينين وخروجها نهائياً من أيديهم إلى ايدي المرابين والبيوت المالية الأجنبية ، وليس أسهل أمام المحاكم المختلطة من إجراءات نزع الملكية ، والبيوع الجبرية ، ولا أدعى منها إلي الخراب ، لما تقترن به من قسوة الإجراءات وفداحة المصاريف الرسمية وغير الرسمية ، فالرهون العقارية والبيوع الجبرية هي من الكوارث التي جاءت مع النظام القضائي المختلط والتي أدت إلي تسرب الثروة العقارية إلى أيدي الأجانب ، ولو كان في البلاد مشروع حكيم لحظر هذا النوع من الرهون كما منعه أخيراً بالنسبة لصغار الملاك في قانون الخمسة الأفدنة.
والأمتيازات الأجنبية عامة كانت من عوامل طغيان نفوذ الأجانب المالي ، لأنها فضلاً عن أنها تجعل لهم كياناً مستقلا في جسم الدولة فإنها جعلت أموالهم غير العقارية بمنجاة من الضرائب ، فلم يكونوا يؤدون العوائد الشخصية ولا عوائد الحرف أو عوائد المحلات التجارية والصناعية ، ولم يكونوا يؤدون سوى ضريبة العقارات ، مع ذلك كانوا يتلكأون في أدائها ولا يعترفون إلا بما يروق لهم منها ، ولم يلتزموا بشئ من التكاليف العامة سوى الرسوم الجمركية ، على أنهم كانو أيضاً في هذا يتحايلون على التخلص منها بتنظيم حركة واسعة النطاق من التهريب ، فكان كثير من الواردات يجري تهريبه من السواحل والثغور ، وتقف الامتيازات الأجنبية حجر عثرة في سبيل تفتيش السفن والمنازل وضبط المهربات ، وترتب على تلك الفوضى أن الأجانب استثمروا أموالهم وزادوها أضعافا مضاعفة ، دون أن يشاركوا الأهليين في اعباء الضرائب والتكاليف العامة ، فوقع معظم العبء على عاتق الأهليين ، وفي هذا من الخسران مالا يحتاج إلي بيان.
وصفوة القول إن تبيعة مصر المالية والاقتصادية للأجانب قد ظهرت في عهد إسماعيل ، ثم استمرت واتسع مداها في عهد الاحتلال الانجليزي.
وقد كان السبيل المأمون للنهضة الاقتصادية والعمرانية أن تقوم برؤوس أموال أهلية ، كما سارت في عهد محمد علي ، فليس من ينكر أن التقدم الاقتصادي قد ظهر في عهده ، وتجلي في أعمال العمران التي نهض بها ، كإقامة القناطر ، وشق الترع ، وإقامة المصانع ، واستحداث الزراعات الحديثة وغير ذلك ، ولكونها قامت من غير اعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية كانت نهضة قومية سليمة من عناصر التبعية والاستعباد ، ولا يعترض على ذلك بأن محمد علي لجأ إلي السخرة في اقامة هذه الأعمال ، فإن السخرة كانت أيضاً قائمة في عهد إسماعيل ، وكان الفلاحون يسخرون لا فى الأعمال العامة فحسب بل وفي أملاك الخديوي وحاشيته أيضاً.
التجارة
زادت التجارة الخارجية زيادة مطردة في عصر إسماعيل ، وذلك لازدياد وسائل العمران ونمو الحاصلات الزراعية واتساع المواصلات البرية والبحرية.
وتتألف صادرات مصر في ذلك العهد من القطنوالسكروالأرزوالقمحوالفولوالذرةوالشعيروالعدسوالحمصوالبقولوالتمروالحناءوالحلبةوالزعفران والصدف والسلامكي وبعض المنسوجات والحبال والصوفوالكتانوالنطرونوالأفيونوالشمع وواردات السودانكسن الفيلوالصمغوريش النعام.
وتستورد من الخارج المنسوجات والملبوسات والأثواب الحريرية والسجاد والطرابيش والأجواخ والفحم والأخشاب وأدوات البناء والحديد والنحاس والآلات والأواني والمجوهرات والعقاقير والغاز والزيوت والفاكهة والدخان والأنبذة والمشروبات الروحية والمواشي والخردوات والسكاكين وأصناف العطارة والزجاج والورق.
وكان ميزان التجارة لصالح مصر إذ كانت الصادرات أزيد من الواردات.
وليس لدينا احصاءات دقيقة عن حركة التجارة في ذلك العهد ، فإن البيانات الواردة في تقرير لجنة " كيف " وفي كتاب ( مصر كما هي ) لماك كون ص 171 وص 405 تختلف عن الإحصاءات الواردة في كتاب إحصاء مصر عن سنة 1873 ص 164 و166 وعن إحصاء المسيو فرنسوا شارك رو Roux في كتاب( إنتاج القطن في مصر ) ص 84 و100 على اننا اعتدنا على إحصاء كيف ، وقد أخذنا عنه أرقام الصادرات والواردات من سنة 1850 أي من عهد عباس الأول إلي سنة 1875.
السنة الصادرات بالجنيهات الواردات بالجنيهات 1850 2.043.000 1.621.000 1851 2.155.000 1.681.000 1852 2.270.000 1.575.000 1853 1.848.000 2.001.000 1854 2.087.000 2.141.000 1855 3.286.000 2.527.000 1856 4.029.000 2.568.000 1857 3.104.000 3.149.000 1858 2.533.000 2.715.000 1859 2.565.000 2.494.000 1860 2.535.000 2.604.000 1861 3.422.000 2.568.000 1862 4.454.000 1.991.000 1863 9.014.000 3.063.000 1864 14.416.000 5.291.000 1865 13.045.000 5.753.000 1866 9.723.000 4.662.000 1867 8.623.000 4.399.000 1868 8.094.000 3.582.000 1869 9.089.000 4.021.000 1870 8.680.000 4.502.000 1871 10.192.000 4.512.000 1872 13.317.000 5.005.000 1873 14.208.000 6.127.000 1874 14.801.000 5.322.000 1875 12.730.000 5.694.000
ويلاحظ أن حركة التجارة الخارجية كان معظمها ( ولم يزل ) في ايدي البيوت التجارية الأجنبية ومعظم ما تدره من الأرباح عائد إليها.
الصناعة
يرجع إلي الخديوي إسماعيل الفضل في استحداث صناعة السكر بواسطة المصانع الكبرى التي أنشأها في الوجه القبلي ، وسبق الكلام عنها ، وصناعة الورق بإنشاء مصنع الورق في دار الطباعة ببولاق ، وقد أنشأ العديد من مصانع الغزل والنسيج.
ولكنه لم يوجه همته إلي إحياء الصناعات الكبرى التي ظهرت في عهد محمد على ولم يفكر في إنشاء المعامل التي تنتج من المصنوعات ما ينمي ثروة البلاد وتغنيها عن أن تبقى عالة على الصناعة الأجنبية.
ثم إن اقتباسه عادات الأوروبيين في مأكلهم وملبسهم وطريقة معيشتهم ، جعله يقتني لوازم الحياة الأوروبية وزينتها من أوربا ، وتبعه في ذلك الأمراء والأميرات من آل بيته ، وطبقة الباشوات والكبراء والأعيان ، والمتعلمون ، وسيدات تلك الطبقات الممتازة ، فقلدوه في اقتباس العادات الإفرنجية واقتناء لوازمها وكمالياتها من المصنوعات الأوروبية ، كالملابس والمنسوجات ، وأدوات الزينة والزخرفة ، وأثاث المنازل ورياشها ، والمأكل والمشارب ، وقد اصيبت الصناعة الوطنية من هذه الناحية بضربة شديدة ، لأنها لم تستطع أن توتي مطالب المعيشة الأوروبية وكمالياتها وأزيائها المتغيرة كل يوم ، وعجزت عن مبارات الواردات الأجنبية ، ومن هنا طغى سيل هذه الصناعات على البلاد ، وبارت الصناعات الأهلية القديمة كالنسيج والدباغة والنجارة وصناعات الأساس وما إليها.
ولو اتبع الخديوي سياسة اقتصادية قومية لجعل التحول إلي العوائد الأوربية مقروناً بإنهاض الصناعات الأزمة لها حتى لا تبور الصناعات الأهلية ويطغى عليها سيل المصنوعات الأجنبية ، ولا يسري هذا الرأي على ما استوردته البلاد من المصنوعات الأنتاجية ، كالآلات الزراعية مثلاً أو المواد التي تزيد من ثروة البلاد ، فإن استيرادها من الخارج يزيد من انتاج البلاد الاقتصادي ، ولكن واردات الملبس والأثاث والرياش وما إلي ذلك من الكماليات أدت إلي مراء إلي نقص رأس مال الثروة القومية وتهدم الصناعة الأهلية.
ولا نقول هذا غلواً في النقد ولا إسراف في الرأي ، وإنما هو ما يراه المنصفون من الأوروبيين الذين عاشوا في عصر إسماعيل ، وقد كتب القاضي الهولندي فان بملن يقول في هذا الصدد ما خلاصته :
" إن الخديوي إسماعيل هو أول من مهد السبيل لسيطرة أوربا الاقتصادية على مصر ، فإن أوربا وبخاصة باريس ، قد أفسدت على هذا الأمير دينه وأخلاقه وماله ، وفتنته فتنة شاملة ، فلم يعد يعني إلا بكل ما هو أوروبي ، وبكل ما يراه الأوروبيين واعتزم من يوم أن تولى عرش مصر أن يعيش كملك إفرنجي في قصوره وأثاثه ، ومأكله ومظهره وملبسه ، ومن الأسف أن كل ما انفقه في هذا السبيل لم يعد بالفائدة إلا على أوروبا ، إذ كان يستورد من مصنوعاتها تلك الأشياء الهالكة ، العديمة الجدوى ، وتلك الأسمال التي لم تزد الثروة القومية جنيهاً واحداً ، وكان يدفع أثمانها أضعافاً مضاعفة ، ولأجل أن يستوفي مطالبه الخارقة في هذا الصدد ، لم تكفه الأموال التي يجبيها من شعبهه على فداحتها فأمده أصدقائه الأوروبيون بالقروض الجسيمة ذات الشروط المخربة ، وقد دعي أفراد أسرته والباشوات وموظفي الحكومة إلي تقليد الأوربيين في ملبسهم ومسكنهم وطريقة معيشتهم ، فبادروا إلي تلبية دعوته ، وأخذ الكبراء والثراة يستوردون من أوربا الملابس والبسط والستائر وأنواع الأثاث والعربات ، وأدخل الخديوي الحياة الأفرنجية في قصور نسائه ونساء آل بيته فتهافتت الأميرات وزوجات الباشوات والأغنياء على هذا الدرب الجديد من البذخ تهافتاً شديداً وإسراف أولئك النسوة القليلات الحظ من العلم والعاطلات من العمل في شراء الفساتين التي لا عداد لها ، وإبتياع التحف الثمينة والمركبات الفخمة ، وكسون جميع جواريهن بكل ما ابدعته الأزياء الباريسية من فاخر الملابس ، وسحرتهن بدعة " الموضة " وتغييراتها ، وانقرضت المنسوجات الشرقية والسجاجيد والأرائك وأدوات الزخارف والطوائف القديمة التي كانت تمتاز بمتانة الصنعة والقدرة على البقاء ، ولا تسل عما خسرته مصر من جراء ذلك ، فقد استولى الأوروبيين على التجارة الكبرى وعلى الحياة المالية".
الحكم على عهد إسماعيل
شخصية الخديوي إسماعيل
في شخصية إسماعيل اجتمع الجانب الحسن إلى الجانب السيئ ، وظهرت أثار الجانبين معا في أعماله وسياسته خلال الثمانية عشر عاما التي تولى فيها حكم مصر.
إن أخلاق إسماعيل هي العامل الأول في شخصيته ، فدراسة أخلاقه تعطينا عنه صورة عامة 0 لقد كان بلا مراء آية في الذكاء والفهم وسرعة الخاطر ، وقوة الذاكرة ، ومضاء العزيمة ، وعلو الهمة ، وكان شجاعاً ، لا يعرف الجبن والإحجام ، قوي الشخصية ، عظيم المهابة.
اما ذكاؤه يشع من عينيه البراقتين ، وقد لحظ هذا الذكاء وتبينه كل من عاشروه أو حادثوه من الأصدقاء والأعداء على السواء.
كان يفهم مراد محدثه ويحيط بالأمور ويدرك الأشياء بسرعه خاطر تشبه البرق الخاطف ، وكان قوى الذاكرة يدهش محدثيه بقدرته على استيعاب التفاصيل والدقائق عن الحوادث الماضية ، كبيرها وصغيرها ، رغم مضى السنين على وقوعها.
وتبدو لك قوة إرادته ومضاء عزيمته من الهمة التي كان ينفذ بها مشاريعه فلم يكن يعرف التردد والإحجام وإذا أراد أن ينجز عملاً لا تقف في سبيله عقبة إلا ذللها ، أما شجاعته فحسبك أن تتبينها من السياسة التي رسمها لنفسه في السنوات الأخيرة من حكمه ، حين أدرك سوء نية الدول الأوروبية واعتزم مقاومتها ، فقد علمت ما كان من اصرارتلك الدول على أن يكون لها وزيران أجنبيان داخل هيئة الوزارة المصرية ، ورأيت كيف وقف إسماعيل موقف المعارضة واتبع حيالها خطة المقاومة ، وهي سياسة تقتضي حظاً كبيراً من الشجاعة والاستخفاف بالمخاطر ، وفي سبيل هذه المقاومة غامر بعرشه ، وضحى به فعلاً ، وقليل من الملوك من يضحون بعروشهم في سبيل مقاومة المطامع الإستعمارية.
وكان إسماعيل بلا نزاع محباًَ لبلاده ، وراغبا في تقدمها ،عاملا على أن يسير بها في مضمارالحضارة والعمران ، وساعياً في توسيع ملكها وإعلاء شأنها كما بينا ذلك في فصول الكتاب.
فالذكاء ، قوة الإرادة ، والشجاعة والإيقدام ، والرغبة في إعلاء شأن مصر، هذه هي الصفات التي تمتاز بها شخصية إسماعيل.
ظهرت نتائج هذه الصفات في مختلف الأعمال الي تمت على يده ، فقد سعى ووفق في الحصول من تركيا على اقصى ما يكن من الحقوق والمزايا ، كي يصل بمصر إلي الإستقلال التام ، فهذه نزعة مجيدة تدل على شدة حبه لعظمة مصر ورفعة شأنها.
واتجهت همته إلى توسيع أملاك مصر في افريقية ، فأكمل فتح السودان ووصل بحدود مصر إلى منابع النيل، وشواطى المحيط الهندي ، اي إلى حدودها الطبيعية ، وبذل في هذا السبيل اقصى ما لديه من عزيمة وقوة ، وتلك لعمري صفحة مجيدة من صحائف أسماعيل ، تزين تاريخه ، بقدر ما يزدان بها تاريخ مصر القومي.
وعنى بقوة البلاد الحربية بتنظيم الجيش وإنشاء المدارس الحربية العالية وتسليح الجند بأحدث الأسلحة ، وتزويد الحصون والقلاع بالمدافع الضخمة.
ووجه أيضاً همته إلي إنهاض البحرية المصرية حربية كانت أو تجارية ، فرفع علم مصر على مياه البحرالأبيض المتوسط والبحرالأحمر والمحيط الهندي.
وله على العلم والأداب أياد بيضاء بما أنشأه من المدارس العالية والمعاهد العلمية ، وتجديده عهد البعثات ، فمدرسة الحقوق ، ومدرسة المهندسخانة ، ودار العلوم ، ومدارس البنات ، والمدارس الصناعية ، والمدارس الثانوية والإبتدائية ، ودار الكتب ، والمتحف المصري ، ودار الآثار العربية ، والجمعية الجغرافية ، والنهضة العلمية والأدبية ، والحركة الفكرية التي ظهرت في عهده ، ونهضة الصحافة ، والتأليف ، والطباعة والنشر ، هي من آثاره الخالدة.
وأعمال العمران التي تمت على يده ، كفتح الترع ، وإيقامة الجسور ، والعناية بزراعة القطن واستحداث مصانع السكر ، وإصلاح القناطر الخيرية ، وزيادة مساحة الأطيان الزراعية ، وإنشاء السكك الحديدية والكباري ، والأسلاك البرقية ومصلحة البريد ، وتعمير المدن وتخطيطها ، وتنظيمها ، كل هذه الأعمال قد نهضت بعمران مصر وتقدمها.
كل هذه مآثر عادت على البلاد بالخير العميم ، وإن ننس لا ننسى آخر صفحة ختم بها حياته السياسية ، إذ قاوم المطامع الاستعمارية التي بدت من الدولتين الإنجليزية والفرنسية ، ولو أنه آثر الإذعان والاستسلام لبقي على عرشه يتمتع بهذا الملك العريض ، ولكنه إبي على الدول طلباتها ، وأصر على أن تكون الوزارة خالصة للمصريين ، واستجاب إلي مطالب الأحرار ، وعهد إلي شريف باشا تأليف وزارة وطنية خالية من العنصر الأوروبي ، وأقر مبدأ مسئولية الوزارة أمام مجلس شورى النواب.
ولا شك أن موقفه في هذا الصدد هو دفاع عن استقلال البلاد ، ومناصرة للحركة القومية ، وفي هذا السبيل استهدف لغضب الدول الأجنبية حتى فقد العرش والتاج ، فهو من هذه الناحية ضحية كبرى في سبيل الاستقلال والدستور.
والإقدام على هذه التضحية الغالية ، وما أعقبها من النفي والتشريد والحرمان ، عمل جليل يزين تاريخ إسماعيل.
فالصفحة التي ختم بها إسماعيل حياته السياسية جديرة بأن تسجل في صحائف الحركة القومية بالفخار والإعجاب.
وإذ ذكرنا الحسنات ، فمن الواجب علينا أن ننتقل إلي الأخطاء والسيئات لنؤدي واجبنا نحو الحقيقة كاملة ، فنقول إنه بجانب الحسنات التي ذكرناها ، يوجد الجانب السيئ من شخصية إسماعيل ، وهو بذخه ، وإسرافه ، وعدم تقديره للعواقب ، وضعفه أمام الملذات والشهوات ، وقد أدت به هذه العوامل مجتمعة إلي التبذير في أموال الخزانة العامة ، فلم تكفه الملايين التي كان يجبيها من الضرائب ، بل عمدت إلي البيوت المالية والمرابين الأجانب يستدين منهم القروض الجسيمة ، ولا يخفى أن هذه القروض هي الوسيلة التي تذرعت بها الدول للتدخل في شؤون مصر ووضع الرقابة المالية عليها.
صحيح أن هذه القروض لو استدانتها دولة أوروبية لما كانت في نظر الدول مسوغاً للتدخل في شؤونها ، والعبث باستقلالها ، وإنما كان تدخل الدول في شؤون مصر اضطهاداً مقصوداً منه تحقيق أطماع استعمارية قديمة ، ولكن مما لا نزاع فيه أن الحكمة كانت تقتضي إدراك هذه المقاصد ، وتعرف هاتيك المطامع ، والابتعاد عن شرها ، بدلاً من الوقوع في حبائلها ، وليس من شك في أن الديون هي من الوسائل الفاعلة لتدخل الدول الأوروبية في شؤون الأمم الشرقية ، ولم يكن إسماعيل في حاجة إلي من يبصره بمطامع انجلترا والدول الأوروبية في مصر ،فإن تاريخ محمد على وإبراهيم صفحة ناطقة بتطلع انجلترا إلي وضع يدها على البلاد وما وقوفها في وجه فتوحات إبراهيم وائتمارها بمصر في مؤتمر لندن سنة 1840 ببعيد عن ذاكرة إسماعيل ، فلم يكن ينقصه الاعتبار بالحوادث السياسية ، لأن ما لقيته مصر في عهد أبيه وجده كان جديراً بأن يفتح عينيه ، ويبصره بالخطر الذي يتهدد مصر من ناحية التدخل الأوروبي.
لكن إسماعيل لم يفطن لعواقب التدخل ، لأن ثمة عيباً كبيراً في سياسته عامة ، وهو ركونه الشديد إلي الأوروبيين والدول الأجنبية ، واعتماده عليهم ، وثقته بهم لاحد لها ، وهذه الثقة كانت من عوامل تورطه في القروض الخارجية فقد كان لحسن ظنه بلأجانب لا يحسب حساباً لليوم الذي ينقلبون عليه ، وتتحول تلك القروض أداة للتدخل الأجنبي ، ومن مظاهر هذه الثقة أنه عهد إلي الأجانب من رعايا الدول الاستعمارية بمهمات خطيرة من شؤون الدولة ، وأطلعهم على أسرارها ، ومكن لهم من مرافقها ، ففي عهده تعددت البيوت المالية والشركات الأجنبية التي تغلغلت في البلاد ، وعهد إلي الأجانب بمناصب كبرى من التي كانت الحكمة تقتضي إبعادهم عنها، كتعيين السير صمويل بيكر الرحالة الإنجليزي حاكماً لمديرية خط الاستواء ، والكولونل غردون باشا حاكماً لها من بعده ، ثم حاكماً عاماً للسودان ، والمسيو منزنجر محافظاً لسواحل البحر الأحمر ومديراً لشرقي السودان ، والجنرال استون باشا رئيساً لأركان حرب الجيش المصري ، والأميرال ماكيلوب مديراً للموانئ والفنارات ، والمستر موريس وكيلاً لها ، والمسيو فردريكو مديراً لوابورات البوستة الخديوية ، والمستر كليار مديراً للبريد ثم للجمارك ، وهلم جراً ، كما أنه أسند الكثير من المناصب العالية في دوائره وأملاكه وبطانته إلي موظفين من الإفرنج.
كل هذه التعيينات ترجع إلي إسراف إسماعيل في ثقته بالأجانب والاعتماد عليهم ، وتلك نقطة ضعف كبير في سياسته تبين لنا الفرق بينه وبين محمد علي.
لقد تولى إسماعيل الحكم والطريق أمامه معبد بما قام به محمد على وإبراهيم من جلائل الأعمال فكان مطلوباً منه أن يكمل البناء الذي شاده جده وأبوه ، ويحتفظ باستقلال الدولة التي ألقت المقادير زمامها إليه ، ولم يكن يغيب عن ذهنه أن محمد علي كان يخشى على مصر من التدخل الأجنبي ، فلم يمد يده إلي الاستدانه من الخارج ، ولا رضي أن يعهد إلي الأجانب بالمناصب الخطيرة أو يمكن لهم في البلاد ، وبلغ به بعد نظره أن رفض تخويل شركة انجليزية امتياز مد السكة الحديدية بين القاهرة والسويس ، كما رفض شق قناة السويس ، لكيلا تكون ذريعة للتدخل الأوروبي في شؤون مصر.
فالطريق إذاً كانت مرسومة أمام الخديوي إسماعيل ، ولم يكن مطلوباً منه إلا أن ينهض بأعمال التقدم والعمران معتمداً على مزارد الخزانة العامة ، وهي موارد تكفي للقيام بتلك الأعمال لمن يحسن تدبير شؤونها ، ولكنه تنكب سبيل أبيه وجده ، وتورط في القروض تلو القروض دون حاجة إليها ، ومن غير أن يفكر في طريقة إيفائها أو إيفاء فوائدها حتى ابتلعت هذه الفوائد معظم موارد الميزانية ، ثم عجز عن الوفاء ووقعت الحكومة في الإعسار، وكانت النتيجة أن نالت الدول الأجنبية حقوقاً ومزايا تشل سلطان الحكومة ، وهذه المزايا أشبه ما تكون بالوصاية على مصر.
ولقد ظهرت هذه الوصاية بمظاهر مختلفة ، من إنشاء صندوق الدين ، إلي فرض الرقابة الثنائية على مالية مصر ، إلي تعيين لجنة تحقيق أوروبية تفحص شؤون الحكومة المالية والإدارية ، إلي تعيين وزيرين أجنبيين في الوزارة المصرية لهما حق الفيتو ، أ ي وقف كل عمل تشريعي أو تنفيذي للحكومة ، ولا شك أن هذه الأحداث كما قلنا في مقدمة الكتاب قد تصدع لها صرح الاستقلال الذي نالته مصر بجهودها وتضحياتها العظيمة من عهد محمد على ، فهذه الحالة المحزنة التي وصلت إليها البلاد كانت نتيجة سياسية إسماعيل المالية.
ولا نكران أنه سعى في السنوات الأخيرة من حكمه في أن يتخلص من هذه الوصاية التي اتخذت شكلاً مهينا من التدخل الفعلي في شؤون مصر ، ووقف تجاه الدول الأوروبية موقف المقاومة العنيفة ، ولكن كان ذلك بعد أن تغلغل النفوذ الأجنبي السياسي والمالي في مصر ، فلم يستطيع له دفعا ، وغلبته الدول على أمره.
فإذا نظرنا إلى الأمور في جوهرها وحقائقها ، نجد أن المسألة المصرية قد تراجعت في عهد إسماعيل ، إذا قورنت بما كانت عليه في عهد محمد علي ، ولئن كان إسماعيل قد نال من تركيا مزايا وحقوقاً زادت نظرياً من حدود الاستقلال ، فإن مصر من الواجهة العملية كانت في عصر محمد علي أكثر استقلالاً مما صارت إليه في عهد إسماعيل ، وحسبك دليلاً على ذلك أن إسماعيل باشا هو العاهل الوحيد من ولاة الأسرة المحمدية العلوية الذي خلع بفرمان من السلطان بناء على طلب الدول ، وليس يخفى أن خلع الخديوي بأمر من السلطان هو من أشد المظاهر الهادمة لاستقلال مصر ، لأنة تدخل مهين في سيادتها الداخلية ، ومن تصاريف القدر أن يقع هذا التدخل ضد الخديوي الذى نال من تركيا أقصى ما يمكن من مزايا الاستقلال ، ويرجع ذلك إلي الضعف الذي أصاب البلاد من ارتباك أحوالها المالية وتضعضع قوتها الحربية والمعنوية ، فسهل على الدول أن تتدخل في شؤونها وتعبث باستقلالها ، ولا شك في أن الفرق كبير من هذه الناحية بين حالة مصر في عهد محمد علي وحالتها في عهد إسماعيل.
ففي عهد محمد علي لم يكن ثمة صندوق دين ، ولا نفوذ للأجانب ، ولا رقابة منهم على مالية الحكومة ، ولا وزراء أوروبيون داخل الحكومة ، ولا محاكم مختلطة غالبية القضاة فيها من الأجانب ، فهذه النظم والأوضاع قد تقررت في عهد إسماعيل ، وهى قيود شلت سيادة الحكومة الأهلية ونقصت مزايا الاستقلال الفعلي ، وظلت تنمو وتشتد حتى أواخر عهد إسماعيل ، واستمرت البلاد من بعده تتعثر في أذيال الارتباك المالي والرقابة الأوروبية إلي أن انقلبت الرقابة احتلالا انجليزياً عسكرياً.
والخلاصة أن عصر إسماعيل كان عهد تقدم وعمران ، اختلطت به اخطاء وأغلاط أفضت إلى تصدع بناء الاستقلال المالي والسياسي.
ولو خلت شخصية إسماعيل من عيوبها لجعل من مصر يابانا أخرى ، ولصارت على يده دولة من اقوى الدول المستقلة وأعظمها شأنا.
ولكن هكذا شاء حظ مصرالعاثر أن تتلاحق الأخطاء وتختلط السيئات بالحسنات في تاريخ إسماعيل ، فاغتنمت الدول الاستعمارية الفرصة في أغلاطه ، والضعف الذي انتاب البلاد على عهده ، ووجدت من ذلك سبيلا إلي تحقيق أطماعها في أرض الكنانة ، والضعف في كل عصر آفه الأمم ، ومضيعة لحقوقها ، والقوة هي سياج حريتها واستقلاها ، وقديماً طمع الأقوياء في الضعفاء ، سنة الله في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تبديلا
من مواضيع : موسى بن الغسان راعي البقر والخمير الحُمر في العراق!!
إعادة قراءة للتاريخ
صفحات من التاريخ (3 )
مشروع أمريكي للتنقيب في هرم خوفو وعلماء الآثار يحذرون من خطورته
احمد سعدات: المعتقل الملاحق في سجنه
27-02-2006, 02:11 PM
admin
 
مشاركة: مع الخديوي إسماعيل 2

مشكور على المعلومات القيمة
من مواضيع : admin الصحراء الغربيه ونزاغ المغرب الشقيقة مع الجزائر
دولة تانزانيا
معبد شاولين بالصين
عدد سكان العالم
الزواج فى العصر المملوكى
08-04-2006, 01:20 AM
usama2000
 
مشاركة: مع الخديوي إسماعيل 2

مشكور
من مواضيع : usama2000
04-05-2006, 01:54 PM
amr_mero1
 
مشاركة: مع الخديوي إسماعيل 2

مشكور اخى الكريم
من مواضيع : amr_mero1 لحظة الاغتيال..!!
نبذة تاريخية عن مدينة دمنهور
04-05-2006, 02:34 PM
sweety byby
 
مشاركة: مع الخديوي إسماعيل 2

مشكوووووووور
من مواضيع : sweety byby قصة علم مصر
مسجد الرفاعي بمصر
فلورنسا.. السلام مع النفس أولاً
مرسي مطروح؟؟؟؟؟؟
المجـــــــر تعيش عصرها الثــــــــالث
 

الكلمات الدلالية (Tags)
مع, الحدينى, إسماعيل

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
اخبار العربية سليمان والشاطر وأبو إسماعيل خارج السباق الرئاسي
مع الخديوى اسماعيل (1)
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
قصص الأنبياء
كيف احتل الانجليز مصر ! .......للتثبيت.............(القصة كاملة)

مع الخديوي إسماعيل ( 2 )

الساعة الآن 04:04 AM