xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى
التسجيل

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

المنتدى الادبى

14-09-2006, 04:25 PM
موسى بن الغسان
 
نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- مقدمة وتمهيد

الرواية ، وكان من الأمور الطبيعية في ذلك الوقت في فترة الستينات أن يحدث منع أو مصادرة لكتاب ، ولم يكن الأمر بالطبع وقتها يسمح بالاعتراض ، وما حدث هو أن شيوخ الأزهر قد قرءوا الرواية بعين رجال الدين ، وليس بعين الأدباء والنقاد ، فاعتقدوا أنها تمس الدين ، فأرسلوا شكاوى إلى جمال عبد الناصر الذي اهتم بالموضوع ، والحقيقة أنهم لم يقرءوا الرواية ، فأولاد حارتنا ليس نصا دينيا ، ولكنها عملا أدبيا " ( هكذا وجدت في النص المكتوب ، وفي هذا خطأ نحوي ، والصواب : عمل أدبي)
من هنا أدرت أن أقرأ الرواية ، دون أن أقرأ قبلها شيئا يكون له تأثير على نظرتي الدينية أو الأدبية ، حتى نخرج منها (من خلال القراءة المتأنية ) إلى حقيقة الأمر ، فهل الشيوخ لم يقرءوها كما ذكر نجيب محفوظ في نهاية النص ؟ أم أنهم قرءوها بعين رجال الدين كما ذكر وسط النص ذاته ؟ وهل هناك علاقة بين الرواية والأديان ؟ وهل تتعارض مع العقيدة والدين ؟
هذه أمور تجعل قراءة " أولاد حارتنا " قديمة جديدة ، وتسمح بإعادة الحديث عنها .
وإذا كان هناك الكثيرون ممن تصدوا للرواية وتناولوها ، سواء بالتقريظ أو بالتجريح ، فإن أحدا منهم (فيما أتصور ) لم يوثق نصوصه ، ومن ثم كان اتهام هؤلاء بأنهم لم يقرءوا الرواية ، كما أن أحدا منهم (فيما أعتقد ) لم يربط بين اتجاه نجيب محفوظ في "أولا د حارتنا " وبين اتجاهه في غيرها من الروايات ، حتى نتعرف على فكر الرجل ، ونظرته للدين والعلم .
فالرواية تقع في مائة وأربعة عشر فصلا ، بعدد سور القرآن الكريم ، وهذا أمر فظن إليه كثيرون فقد ذكر ستوري ألن سكرتير الأكاديمية السويدية ذلك في حفل توزيع جوائز نوبل ، حيث قال " وللقراء الكثيرين الذين اكتسبهم نجيب محفوظ من خلال الثلاثة خلفيتها الواسعة التي تصور الحياة المعاصرة جاءت "أولاد حارتنا " كالمفاجأة ، فالرواية تمثل التاريخ الروحي للبشرية ، وقد قسمت إلى فصول بعدد سور القرآن الكريم ، أي 114 فصلا ، وشخصيات الإسلام واليهودية والمسيحية العظيمة تجئ متخفية لتواجه مواقف مملوءة بالتوتر فرجل العلم الحديث يمزج بنفس الجدارة بين إكسير الحب وبعض المواد المتفجرة ، وهو يتحمل مسؤولية موت "الجبلاوي " أو الإله ، ولكنه يفنى هناك بريق أمل في نهاية الرواية . (نجيب محفوظ الأسطورة الخالدة ص 11 خليل تادرس . مطبعة النصر 1989م)
وما من شك في أن هذه الرواية الرمزية قد تعرضت لكثير من الأمور الدينية ، سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية ، أو غيرها وتناولت الكثير من المقدسات الإٍسلامية أو مسيحية أو يهودية أو غيرها ، وتناولت الكثير من المقدسات الإسلامية وهذا ما أثار عليها وعلى كاتبها ردود فعل عنيفة ، مما جعل الرواية لا تظهر في مصر في كاتب كامل ، وإنما نشرت بعض فصولها في الصحف ، بيد أنها نشرت كاملة في بيروت .
ومن ثم فإني أحاول أن أصل إلى رأي في الرواية معتمدا على ما فيها دون تحيز أن تعصب ، وأن أبني ما أقول على ما كتبه الكاتب الكبير في روايته .
وقد بينت هذا البحث على تمهيد وستة فصول ، وخاتمة .
تناولت في التمهيد : نشأة نجيب محفوظ وأثرها في فكره وأدبه .
ثم عرضت في الفصل الأول : مضمون الرواية بإيجاز ، حتى يكون القارئ على بينة بما ورد فيها ، وخاصة أن الرواية لم تنشر في مصر .
وعقدت الفصل الثاني : للرموز التي تناولها الكتاب في روايته ، وما ترمز إليه بالدليل والبرهان .
وفي الفصل الثالث : تناولت الإشارات التي وردت في الرواية ، ومدلولاتها ، من خلال الواقع التاريخي ، مؤيدا ما أراه بالبراهين والحجج الدالة على صدق ما أرى .
وفي الفصل الرابع : تناولت موقف الكتاب في رواياته من الدين والعلم ، من خلال شخصياته ، حتى نصل من خلال ذلك لفكر الكاتب .
أما الفصل الخامس : فقد تناولت فيه الرواية من الجانب الفتي ، ومدى تأثر الرواية بالهدف الذي أراد الكاتب أن يصل إليه من ورائها .
وفي الفصل السادس : تناولت آراء الأدباء وال

أولاد حارتنا رواية رمزية أو لنقل إنها مجموعة من الحكايات التي تحاول اتخاذ التاريخ البشري على مر العصور ميدانا لأحداثها ، فقد اعتمد نجيب محفوظ فيها على الجانب التاريخي اعتمادا كاملا ، ولقد أثارت تلك الرواية ضجة كبيرة ما بين مؤيد ومعارض وقد اعترض عليها الأزهر (كما ذكر نجيب محفوظ في حواره مع الصحفي والكاتب محمود فوزي) وأدى هذا الاعتراض إلى عدم نشرها
يقول نجيب محفوظ (اعترافات نجيب محفوظ ، محمود فوزي ص 88 دار الشباب العربي ) " عندما نشرت هذه الرواية في حلقات مسلسلة في جريدة الأهرام ، اعترض عليها الأزهر بشدة ، وهاجمها الشيوخ ، ثم فوجئت بالمرحوم صيري الخوي يزورني ، ويقول لي : الريس جمال يبقولك أوقف نشر هذه نقاد لرموز الرواية وإشاراتها ، معقبا على كل رأي بما أعتقده .
ثم كانت الخاتمة التي ذكرت فيها بعض ما انتهيت إليه من نتائج من خلال هذا البحث .
وأخيرا :
فإني أرجو أن أكون وفقت إلى الوصول إلى رأي منصف يعتمد على استنتاج صادق .

فإن كان التوفيق فهو من الله عز وجل ، وإلا فحسبي أني اجتهدت . والله من وراء القصد
د . إبراهيم محمد قاسم .




تمهيد : نشأة نجيب محفوظ وأثرها في أدبه .
من المسلم به أن الفن ذو علاقة وطيدة بالحياة ، كما أنه من المؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين المبدع والعملية الإبداعية ، ولذلك فإن الربط بين الكاتب وحياته وبيئته أمر ضروري ، ومن ثم فإن علينا أن نتعرف على نشأة نجيب محفوظ وصداها في أدبه .
ولد نجيب محفوظ في حي الجمالية ، وكان ذلك عام 1911 م في وقت من أوقات التحول الاجتماعي التغيير الجغرافي بالنسبة لسكان القاهرة . ثم انتقلت أسرته إلى العباسية عام 1924 م وإن كان تأثير حياته الأولى في الجمالية أقوى وأظهر في إبداعه الروائي فلم ينس نجيب محفوظ (بعد أن رحل إلى العباسية ) أصدقاء الطفولة في الجمالية ، حيث كان يأتي إليها بين الحين والحين ، وتأثر بها إلى حد كبير . (انظر : نجيب محفوظ الأسطورة الخالدة ص 19، 20 و" نجيب محفوظ يقول " رجب حسن ص 112 الهيئة المصرية العامة )
وقد عاش نجيب محفوظ في تلك الفترة عيشة شوارعية بمعنى الكلمة ، وعرف كثيرا من ألوان الحياة التي صورها في قصصه الحافلة . (انظر الرجل والقمة . بحوث ودراسات . اختيار فاضل الأسود . مقال عباس خضر " نجيب محفوظ نشأته انعكاسها في أدبه " ص 240)
وقد درس نجيب محفوظ في أثناء دراسته الجامعية الفلسفة ، إلى جانب اهتمامه بالأدب ، وهو يقول عن هذه المرحلة : " كنت أمسك بيد كتابا في الفلسفة وفي اليد الأخرى قصة طويلة ، من قصص توفيق الحكيم ، أو يحي حقي ، أو طه حسين ، وكانت المذاهب الفلسفية تقتحم ذهني في نفس اللحظة التي يدخل فيها أبطال القصص من الجانب الآخر ، ووجدت تنفس في صراع رهيب بين الأدب والفلسفة ، صراع لا يمكن أن يتصوره إلا من عاش فيه ، وكان على أن أقرر شيئا أو أجن ، ومرة واحدة قامت في ذهني مظاهرة من أبطال " أهل الكهف " الذين صورهم توفيق الحكيم ، و" البوسطجي " الذي رسمه يحي حقي ، والفلاح الصغير الذي لا يعرف الدنيا أبعد من حدود عيدان الغاب المنتصبة من حافة الترعة في رواية " الأيام " لطه حسين ، وأشخاص كثيرون من أبطال قصص محمود تميمور ، كلهم كانوا يسيرون في مظاهرة واحدة ، وإذا كان نجيب محفوظ قد اهتم بدارسة الأدب والفلسفة ، فإنه قد تأثر كذلك في قراءاته بكثير من الكتاب ، ولكن كان لسلامة موسى أثر قوي في تكوينه الفكري ، حيث وجهه إلى شيئين مهمين ، (كما يذكر نجيب محفوظ ) هما العلم والاشتراكية ، كما شجعه على الكتابة ، وقد أعجبته رواية " عبث الأقدار " ونشرها لنجيب في " المجلة الجديدة " ، كما نشر له بعض أقاصيصه في " الرواية " ومجلتي " (نجيب محفوظ الطريق والصدى د . على شلش ص 89 الهيئة العامة لقصور الثقافة 1993م )
وهو يقول عن أثر سلامة موسى في تفكيره " كان لسلامة موسى أثر قوي في تفكيري ، فقد وجهني إلى شيئين مهمين هما العلم والاشتراكية ، ومنذ دخلا مخي لم يخرجا منه إلى الآن ، وكان الأديب الوحيد الذي قرأ رواياتي الأولى وهي مخطوطة ، قرأ ثلاث روايات ، وقال لي : إن عندي استعدادا ، ولكن الروايات غير صالحة للنشر ، ثم قرأ الرواية الرابعة ، وكانت " عبث الأقدار " وأعجبته ونشرها كاملة " (نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية . فؤاد دوارة ص 219 الهيئة المصرية العامة للكتاب 1989م)
وتأثر نجيب محفوظ كذلك في أدبه بما قرأ لطه حسين والعقاد ، وغيرهما ، ممن يطلق بعض الكتاب عليهم " المنورين" أو أصحاب الدعوة إلى التنوير (انظر نجيب محفوظ الأسطورة الخالدة . خليل تادرس ص 30) وممن كان لهم أثر في كتاباته .
كما كان للمسرح دور أساسي في تكوين وعيه الفكري وثقافته ، وهو يقول عن ذلك : " كنت من أشد المغرمين بالذهاب إلى المسرح ، ولم أكن أترك مسرحية واحدة دون أن أشاهدها (انظر نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية . فؤاد دوارة ص 197)
وقد أعجب بكثير من كتاب المسرح العالمي ، كشكسبير الذي تأثر به كثيرا ، ويوجين أونيل ، وصمويل بيكيت ، ومن كتاب المسرح المصري : توفيق الحكيم ، ونعمان عاشور ، والفريد فرج ، وسعد الدين وهبة ، وعلى سالم (انظر المرجع السابق)
وإذا كان الأدب قد انتصر على الفلسفة في عقل نجيب محفوظ ، فإن أثر الفلسفة ظل واضحا في كتاباته ، حيث لم تتوقف قراءاته الفلسفية وإن قلت بعض الشيء .
وقد سئل عن أثر دراسة الفلسفة في كتاباته فأجاب : " إن الفلسفة دخلت في أكثر من عمل من أعمالي ، والفلسفة تؤثر في الأعمال الأدبية بصور مختلفة ، فهناك شخصيات متفلسفة أو متأثرة في سلوكها وأحاديثها بالأفكار الفلسفية ، وهي كثيرة في رواياتي (انظر المرجع السابق )
وكذلك كان للعلم أثره في تفكيره ، وفي نظرته للأشياء ، كما كان له دور بارز في كتاباته الأدبية ، وفي رواياته بصفة خاصة ، كما سيتضح مما ستعرضه فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وإذا كان نجيب محفوظ قد تأثر بعوامل متعددة كان لها دور في تكوين شخصيته وتشكيل عامله الثقافي ، فقد كان لبيئته كذلك أثرها في تكوينه ، لأن الأديب ابن البيئة ، وامتداد لما فيها من أماكن ومعالم . "ولهذا انعكست قاهرة المعز بكل تفاصيلها ودقائقها في أدب نجيب محفوظ ، فهو يحتفي ويحتفل في أدبه بعاداتها وتقاليدها وموروثاتها الاجتماعية " (انظر اعترافات نجيب محفوظ. محمود فوزي ص 14 دار الشباب العربي القاهرة )
لقد تعلق نجيب محفوظ بالقاهرة ،وبدا تعلقه بها وتأثرها بما فيها في كتاباته بصفة عامة ، وفي رواياته بصفة خاصة ، ولذلك ظهرت القاهرة بأحيائها الشعبية المختلفة في هذه الروايات ، بل وجدنا هذه الأحياء عناوين لبعض رواياته مثل : السكرية ، بين القصرين ، قصر الشوق ، خان الخليلي ، روض الفرج . كما نجد في رواياته وقصصه : مصر القديمة ، القاهرة الجديدة ، ثرثرة فوق النيل ، الحب فوق هضبة الهرم ، وغير ذلك من القصص والروايات التي نجد فيها صدى ارتباط الكاتب ببيئته .
وقد مر نجيب محفوظ في حياته الأدبية بمراحل ثلاث ، حيث بدأ بالمرحلة التاريخية ، فكتب " عبث الأقدار عام 1939م ، و" رادوبيس " عام 1943م و" كفاح طيبة " عام 1944م ثم انتقل إلى المرحلة الواقعية ، حيث كتب " القاهرة الجديدة " عام 1945م وخان الخليلي عام 1946م و" زقاق المدق " عام 1947 م و" السراب " عام 1948م و " بداية ونهاية 1949م . ثم كانت ثلاثياته : بين القصرين ، وقصر الشوق ، والسكرية عام 1957 م ثم كانت المرحلة الفلسفية التي كتب خلالها "أولاد حارتنا" 1959م " واللص والكلاب " 1961م و "السمان والخريف" عام 1962م و "الطريق" 1964 وغير ذلك من الروايات .
وقد فاز الأديب الكبير بجائزة نوبل عام 1988م
كما حصل على الكثير من الجوائز والأوسمة قبل هذه الجائزة ، ففاز بجائزة قوت القلوب الدمرداشية عن رواية "روادوبيس" عام 1943م وفاز بجائزة المعارف عن رواية " كفاح طيبة" عام 1944م وفاز بجائزة مجمع اللغة العربية عن رواية "خان الخليلي" عام 1946م وفاز بجائزة الدولة التشجيعية في الأدب عن رواية " قصر الشوق " عام 1957م وحصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1962م وفاز بجائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1970م وحصل على جائزة رابطة التضامن الفرنسية العربية عن "الثلاثية" ومنح الدكتوراه الفخرية من جامعة المنيا عام 1984م وحصل على قلادة النيل عام 1988 ، ومنح الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة عام 1989م (انظر حول الدين والديمقراطية . نجيب محفوظ ص 244 الدار المصرية النباتية 1990)
وأعمال نجيب محفوظ الأدبية كثيرة ومتعددة ، فقد كتب أكثر من ثلاثين رواية وسبع مسرحيات ، وأربع عشرة مجموعة قصصية قصيرة ، كما قام بالعديد من الترجمات ، وكتب للأطفال ، وله مجموعة مقالات ، وترجمت أغلب أعماله إلى اللغات المختلفة من إنجليزية وفرنسية وألمانية وصينية وسويدية .
وعلى ذلك نجد الكاتب الكبير قد فرض نفسه على الساحات الأدبية بما أنتجه من أعمال ، وما أبدعه من قصصه التي انتشرت وذاعت .
ومن ثم كان لزاما أن تكون وجهات النظر حوله وحول إبداعه الأبي ونتاجه الفكري مختلفة ومتباينة ، ونظرا للآراء والأفكار المتعددة التي طرحها في كتاباته .
من مواضيع : موسى بن الغسان خَـدَعوهـا بـقـولـهم حَــسْـنــاءُ .... لأمير الشعراء/ احمد شوقى
كونداليزا في بيروت
نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ
قصيدة هـــــــــــــــــــــذه ليلتي .. جورج جرداق
الشاعر أحمد مطر
14-09-2006, 04:25 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- الفصل الأول : مضمون الرواية

تبدأ الرواية بمقدمة يقول فيها الكاتب "هذه حكاية حارتنا ، أو حكايات حارتنا ، وهو الأصدق ، لم أشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته ، ولكنى سجلتها جميعا كما يرويها الرواة ، وما أكثرهم ، جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكاية ، يرويها كل كما يسمعها في قهوة حية ، أو كما نقلت إليه من خلال الأجيال ، ولا سند لي فيما كتبت إلا هذه المصادر " (انظر أولاد حارتنا ص 5 دار الآداب . بيروت . الطبعة الخامسة 1986)
ثم تحدث عن البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء ، وقال على لسان أحد ساكنيها في حسرة " هذا بيت جدنا ، جميعنا من صلبه ، ونحن مستحقو أوقافه ، فلماذا نجوع وكيف نضام ؟" (نفس المرجع )
ويجعل هذا الجد لغزا ، يحير العقول ، ولا يستطيع أحد أن يجزم في حقيقته بكلام مؤكد موثوق منه : " وهذا جدنا لغز من الألغاز ، عمر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور ، حتى ضرب المثل بطول عمره ، واعتزل في بيته الكبير منذ عهد بعيد ، فلم يره منذ اعتزاله أحد" (انظر المرجع السابق )
ويتحدث عن الروايات المختلفة في شأن هذا الجد " الجبلاوي " فيقول: "سمعت مرة رجلا يتحدث عنه فيقول : هو أصل حارتنا ، وحارتنا أصل مصر أم الدنيا ، عاش فيها وحده ، هي خلاء خراب ، ثم امتلكها بقوة ساعده ومنزلته عند الوالي ، كان رجلا لا يجود الزمان بمثله ، وفتوة تهاب الوحوش ذكره ، وسمعت آخر يقول عنه : كان فتوة حقا ، ولكنه لم يكن كالفتوات الآخرين ، فلم يفرض على أحد إتاوة ، ولم يستكبر في الأرض ، وكان بالضعفاء رحيما ، ثم جاء زمان فتناولته قلة من الناس بكلام لا يليق بقدره ومكانته ، وهكذا حال الدنيا " (ص 6)
ثم يقول على لسان أحد ساكني الحارة " أليس من المحزن أن يكون لنا جد مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا ؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق ، وأن نعيش نحن في التراب ؟ وإذا تساءلت عما صار به وبنا إلى هذا الحال سمعت من فورك القصص ، وترددت على أذنيك أسماء أدهم وجبل ورفاعة وقاسم ، ولن تظفر بما يبل الصدور أو يريح العقل " (انظر ص 6)
ثم ذكر أنه شهد العهد الأخير من حياة تلك الحارة ، وعاصر الأحداث التي دفع بها إلى الوجود " عرفة " ابن الحارة البار ، وأن أحد أصحاب عرفة يرجع إليه الفضل في تسجيل حكايات الحارة على يد الكاتب ، فقام بتنفيذ اقتراحه . (انظر ص 7)

أدهم :
يذكر الكاتب أن مكان الحارة " كان خلاء ، فهو امتداد لصحراء المقطم الذي يربض في الأفق ، ولم يكن بالخلاء من قائم إلا البيت الكبير الذي شيده الجبلاوي ، كأنما ليتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطريق " (انظر ص 11)
وبعد وصف البيت وذكر حدوده ، انتقل إلى الأحداث التي دارت داخله : "ويوما دعا الواقف أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتاني المتصل بسلالم الحديقة ، وجاء الأبناء جميعا ، إدريس وعبا س ورضوان وجليل وأدهم ، في جلابيبهم الحريرية ، فوقفوا بين يديه ، وهم من إجلاله لا يكادون ينظرون نحوه إلا خلسة " (انظر ص 11)
ويذكر أن صاحب البيت " يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين ، كأنما هبط من كوكب آخر " كما أنه " جبار في البيت كما هو جبار في الخلاء ، وأنهم حياله لا شيء" (انظر ص 11)
ثم تدور الأحداث ، حيث " التفت الرجل نحوهم دون أن يبرح مكانه ، وقال بصوت خشن عميق ، تردد بقوة في أنحاء البهو الذي توارت جدرانه العالية وراء ستائر وطنافس : أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف .
وتفحص وجوههم مرة أخرى ، ولكن لم تنم وجوههم على شيء ، لم تكن إدارة الوقف مما يغري قوما استحبوا الفراغ والدعة وعربدة الشباب ، وفضلا عن هذا فإن إدريس الأخ الأكبر هو المرشح الطبيعي للمنصب " (ص 12) لكن كان اختيار الجبلاوي مخالفا لما كان منتظرا وطبيعيا ، فقد استطرد قائلا : قد وقع اختياري على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافي (ص 5)
وكان ذلك وقع الدهشة في نفوسهم ، والغضب في باطن إدريس الذي قال بإصرار : ولكنني الأخر الأكبر .
فقال الجبلاوي مستاء : أظن أنني أعلم ذلك ، فأنا الذي أنجبتك .
فقال إدريس وحرارة الغضب آخذة في الارتفاع : للأخ الأكبر حقوق لا تهضم إلا لسبب.
فحدجه الرجل بنظرة طويلة كأنما يمنحه فرصة طيبة لتدبر أمره ، وقال : أؤكد لكم أني راعيت في اختياري مصلحة الجميع .
لكن غضب إدريس لا ينتهي فاندفع يقول بغير ضابط : إني وأشقائي أبناء هانم ، من خيرة النساء ، أما هذا فابن جارية سوداء .
وبعد أخذ ورد بين الجبلاوي وإدريس أراد الجبلاوي أن يبين الحكمة في هذا الاختيار فقال : آدهم على دراية بطباع المستأجرين ، ويعرف أكثرهم بأسمائهم ، ثم إنه على علم بالكتابة والحساب " (انظر ص 13-14)
وظل إدريس على غضبه والجبلاوي على إصراره ، بينما رضخ بقية الأبناء لأمره ، مما جعل إدريس يتهمهم بالجبن ، وظل على عناده ورفضه لاختيار الجبلاوي ، وبلغ به الغضب حد الجنون ، حتى قال له الجبلاوي :
اغرب بعيدا عن وجهي .
- هذا بيتي فيه أمي وهي سيدته دون منازع .
- لن ترى فيه بعد اليوم وإلى الأبد " (ص 15)
وبعد حوار غاضب بين الجبلاوي وإدريس ، تم طرد إدريس من البيت الكبير .
وبدأ أدهم يهتم بشؤون الوقف " ويعمل بهمة في تحصيل أجور الأحكار ، وتوزيع أنصبة المستحقين وتقديم الحساب إلى أبيه ، وأبدى في معاملة المستأجرين لباقة وسياسة ، فرضوا عنه ، وعلى رغم ما عرف عنهم من مشاكسة وفظاظة ، وكانت شروط الوقف سرا لا يدري بها أحد سوى الأب ، فبعث اختيار أدهم للإدارة الخوف أن يكون هذا مقدمة لإثاره في الوصية ، والحق أنه يبد من الأب قبل ذلك اليوم ما ينم عن التحيز في معاملته لأبنائه " (ص 2)
ومرت الأيام بأدهم وهو يعمل جادا ، إلى أن كان يوم يسير فيه أدهم في حديقة القصر " ووقف ينظر إلى ظله الملقى على الممشى بين الورود ، فإذا بظل جديد يمتد من ظله واشيا بقدوم شخص من المنعطف خلفه ، بدا الظل الجديد كأنما يخرج من موضع ضلوعه ، والتفت وراءه فرأى فتاة سمراء وهي تهم بالتراجع عندما اكتشفت وجوده ، فأشار بالوقوف فوقفت ، وتفحصها مليا ، ثم سألها برقة :
-من أنت ؟
فأجابت بصوت ملعثم: أميمة " (ص 19)
وذات يوم يمر بالبيت إدريس ، ويمطر الجبلاوي وأهل البيت بلعناته ، ويظل الأخوة كل منهم في شأنه ، حتى تزوج أدهم من أميمة ، ووجد معها سعادة لم يعرفها من قبل .
وفي يوم من الأيام يأتي إدريس إلى أدهم أثناء إدارته للوقف واستقباله مستأجري الأحكار ، وطلب من أدهم أن يسدي إليه معروفا ، وسأله أدهم عن حاجته " فربت إدريس كتف أدهم بامتنان وقال :
- أريد أن أعرف هل حرمني أبي حقي في الميراث ؟
- كيف لي بمعرفة هذا ؟ ولكن إن سألتني عن رأي . فقاطعه إدريس قلقا :
- إني لا أسألك عن رأيك ، ولكن عن رأي أبيك .
- إنه كما تعلم لا يصارح أحدا بما يدور في رأسه .
- ولكنه دور شك قد سجله في حجة الوقف .
فهز أدهم رأسه دون أن ينبس ، فعاد إدريس يقول :
- كل شيء في الحجة .
- لا علم لي بها ، وأنت تعلم أن أحدا في بيتنا لا يدري عنها شيئا وعملي في الإدارة يسير تحت إشراف أبي الكامل " (ص 38)
وظل إدريس يلح على أدهم ويغريه مظهرا له كثيرا من التلطف والمودة إلى جانب إشعاره بما يعانيه من شقاء وتعاسة ، ولكن أدهم لا يبدي موافقته وتستنكر هذا الأمر لعلمه أن أباه قد حرم على الجميع دخول الحجرة التي أودع فيها تلك الحجة ، وعندما يخبر أميمة بما دار بينه وبين إدريس ، إذا بها تحرضه على أن يطلع على الحجة ، حتى انقاد أدهم لذلك ، وتسلل إلى الحجرة في خوف ، ودخلها ، وفتح الصندوق الذي يداخله الحجة ، وفتحها ، ولكن ما لبث أن رأى الجبلاوي أمامه ، حيث فاجأه في تلك اللحظة ، فتجمد أدهم في مكانه " وتخلت عنه قوى الكلام والحركة والتفكير ، وأمره الجبلاوي قائلا :
- اخرج
- لكن أدهم لم يستطع حراكا ، بقي في موقفه كالجماد ، إلا أن الجماد لا يشعر بالقنوط ، وهتف الأب : اخرج . أيقظه الرعب من تجمده فتحرك ، وتخلى الأب عن الباب ، فغادر أدهم الخلوة والشمعة ما تزال تحترق في يده ، ورأى أميمة واقفة وسط الحجرة صامتة ، والدمع ينحدر تباعا من مقلتيها " (ص 47)
وعلم الجبلاوي من أدهم أن إدريس هو الذي دفعه إلى هذا العمل المحرم ، وأن أميمة كانت تحرضه على معاونة إدريس في الاطلاع على الحجة ، ولكن الجبلاوي أمر أدهم وأميمة بمغادرة البيت ، وبمجرد أن خرجا وجدا إدريس يدوي ضحكة ساخرة مخمورة شامتا في أدهم ، الذي أدرك خبث حيلته وسوء طويته ، ويقيم أدهم وأميمة في كوخ بنياه عند الطرف الغربي للبيت الكبير ، وأخذ أدهم يسعى في سبيل رزقه ويعمل بياعا للبطاطا ، يدفع العربة أماه ليل نهار .
ورزق أدهم بذكرين ، وأسماهما قدري وهمام ، وكبر الولدان وراحا يرعيان أغنامهما ، ويتجاذبان أطراف الحديث ، فكان قدري يتحدث عن جده الجبلاوي دون احترام أو توقير ، ولكن رأى همام في جده كان مختلفا (ص 54-72)
وذات يوم رأى قدري فتاة جميلة تتجه نحوهما ، إنها هند ابنة عمه إدريس التي تعلق بها ، وأحبها ، فأخذها قدري وتنحى بها جانبا ، وانشغل عنهما همام بغنمه ، وظل يحدث نفسه عن تلك العداوة والكراهة الشديدة بين الأخوين : أدهم وإدريس (ص 72-82)
وبينما أسرة أدهم جالسة أما الكوخ تتناول عشاءها ، إذا بعم كريم بواب البيت الكبير يبلغهم أن سيده الكبير يدعوهما لمقابلته فورا ، وأحس قدري تحيز جده وتمييزه هماما ، فثار وغضب ، لكن أدهم يأمر هماما بأن يذهب إلى البيت الكبير ، فيفعل ، ويلتقي بالجبلاوي الذي يتيح له الفرصة بالعيش في البيت الكبير ، والزواج فيه ، ولكن قدري يغضب لإيثار همام بذلك ، وتحدث مشادة حامية بينهما تنتهي بمقتل همام ويعود قدري إلى الكوخ دون أخيه ، حيث يتركه في الخلاء دون أن يدفنه ، وحرزن أدهم لذلك حزنا شديدا ، ويخرج مع قدري ليبحثا عن جثة همام ، ثم يقومان بدفنه في إحدى المقابر ، بينما يشمت إدريس في مصاب أدهم (ص 82-108)
وذات ليلة التقى أدهم بالجبلاوي الذي أخيره بعفوه عنه ، بعد أن كان اليأس يملؤه ، ولكن بكاءه وندمه كانا السبب في هذا العفو الذي سعد به أدهم ، كما أخبره الجبلاوي بأن الوقف سيكون لذريته ، وما لبث أن مات أدهم وأميمة وإدريس . (ص 108-112)

جبل
مات أبناء الجبلاوي مبكرين ، ولم يبق من سلالتهم ، إلا الأفندي ناظر الوقف في ذلك الوقت ، وامتلأت الحارة بالزحام والضجيج ، وظهر الفتوات ، حيث كان زقلط أحدهم ، فاتخذه ناظر الوقف منفذا لأوامره ، وعاش الناظر فوق الجميع ، أما الأهلي فتحت الأقدام ، وإذا عجز مسكين عن أداء الإتاوة انتقم منه فتوة الحي شر انتقام ، ونفد صبر آل حمدان ، الذين يقيمون في الحي بحياتهم البائسة برغم كونهم من نسل الجبلاوي ، فقد كانوا يطمعون في الوقف ، وكان الناظر قد أضاع عليهم حقهم فيه . (ص 115-127)
وفي بيت الأفندي تربي "جبل" الذي لم يعرف من الدنيا إلا هذا البيت بالرغم من أنه من آل حمدان ، لكن " هدى" زوجة الأفندي تبنته ، ومال قلبها إليه ، بعد أن حرمها العقم من نعمة الأمومة ، ولما بلغ جبل رشده ولاه الأفندي إدارة الوقف ، وعاش جبل في صراع بين وفائه لمن تنبته ، وعدم تنكره لأصله من الحمدانيين .
وكان جبل غير راض عن الظلم الواقع في الحارة ، وذات يوم يرى "قدرة" أحد فتوات الحي يضرب "دعبس " فاستغاث بجبل ، الذي ركل "قدرة" فألقاه جانبا ، وظل يضربه حتى أغمي عليه ، وفوجئ جبل بأن قدرة قد مات ، فندم جبل ندما شديدا على ذلك (ص127-140)
وبدأ الفتوات يتساءلون عن سر اختفاء قدرة ، وسرت شائعة بأن آل حمدان هم الذين قتلوه ، وأراد زقلط أن يعاقب آل حمدان ، حتى لا يضيع هيبته الفتوات ، وأخذ جبل يدافع عن أهل الحي ، فغضب الأفندي لذلك ، وانتهى الموقف بخروج جبل واختفائه ، وعاد إلى آل حمدان .(ص 140-148)
ورأى جبل مشاجرة بين "دعبس " و"كعبلها " حيث راح دعبس يكيل له الضربات ، فغضب جبل وانقض عليه وقبض على عنقه ، فقال له دعبس "أتريد أن تقتلني كما قتلت قدرة ؟ فدفعه جبل بقوة فارتمى في ناحية ، وتركه جبل وهرب في هدأة الليل (ص 151-153) وخرج في طرقه فجذب سمعه ضوضاء اشتدت حول كشك حنفية ماء عمومية ، ورأى تزاحم الناس لملء أوعيتهم ، وندت صرخات من فتاتين غرقتا في لجة الزحام ، فملأ لهما صفيحتهما ، وجاء أبوهما ، " المعلم البلقيطي الحاوي" عندما تأخرتا ، فعلم ما كان من شهامة جبل معهما ، وعرف البلقيطي قصة جبل ، فأخذه إلى بيته ، وهيأ له عملا معه في ترويض الثعابين ، وزوجه ابنته شفيقة ، واستطاع جبل أن يبرع في ترويض الثعابين والحيات (ص154-171)
ويعود جبل إلى حي آل حمدان خفية ، ويتشاور مع أهل الحي في كيفية الوقوف في مواجهة الفتوات .
وذات ليلة كان جبل قد رغب في المشي منفردا فبدا له شخص ليس كمثله أحد ي الحارة أو الناس جميعا ، وفزع جبل وامتلأ رهبة ، لكن هذا الشخص قال له : "لا تخف أنا جدك الجبلاوي " فطلب جبل أن يراه فقال الجبلاوي " لكنك لن تراني في الظلام ، ثم أخبر جبلا أن النجاح سيكون حليفه . (ص 176-178)
ويعلم الأفندي وزوجه بعودة جبل ، وأنه جاء مطالبا بحقوق آل حمدان ، فيضيق الأفندي بذلك ويتوقع آل حمدان شرا ، ولكن تجري أحداث غريبة في الحارة ، حيث تنتشر الثعابين ، فيتطوع جبل لا ستخراجها ، مستعينا بما اكتسبه من البلقيطي ، لكن نشاط الثعابين لم يتوقف ، فقد ظهر ثعبان ضخم في بيت الناظر ، وأمرت الهانم بدعوة جبل الذي يشترط كلمة شرف باحترام آل حمدان في كرامتهم وحقهم في الوقف ، فرضخ الأفندي ، واستطاع جبل تطهير الحارة من الثعابين ، ولكن الناظر يقرر الخلاص من آل حمدان ، بينما يحاول جبل وأهله أن يحتالوا على الفتوات ، حيث صنعوا لهم كمينا في بيت حمدان ، كما اتفقوا على ترك الباب مفتوحا ، وحفروا في مدخل الدار حفرة عميقة ، بمجرد أن دخل منها الفتوات سقطوا فيها ، وكان الفتوة حمودة أول الهالكين ، وراح الفتوات يصرخون ، لكن ، آل حمدان ظلوا يضربونهم بالنبابيت ، وهم يرددون في الحفرة نظرات ذاهلة ، ويقولون : هذه عاقبة الظالمين . (ص 182-196)
وذهب جبل وأهله إلى بيت الأفندي الذي رجاه أن يقوم بالصلح بين الجميع وأن يعيد لآل حمدان حقوقهم في سبيل عفو جبل عنه . (ص197-201)
وقد حدثت مشادة بين " دعبس " و"كعبلها " فضرب دعبس صاحبه في عينه اليمنى فصفاها ، فكان قرار جبل أنه " عين بعين والبادي أظلم " وأمر كعبلها أن يفقأ عين دعبس على مرأى من الجميع . (ص207-208)

رفاعة
بعد عشرين سنة من العبد عن الحارة ، عاد شافعي ومعه امرأته " عبدة " على أمل أن يعيشا في سلام ، وعلى رجاء أن يخرج الجبلاوي من عزلته ، وإن بقي الشر في الحارة متمثلا في الفتوات "زنفل" ومن بعده " خنفس " وظل فيها ناظر الوقف "إيهاب" (ص 213-217)
ونشأ رفاعة ابن شافعي في الحارة ، وهام بسماع أخبار الجبلاوي وأدهم وجبل ، وقد التقى يوما بعم جواد الشاعر الضرير الذي يتحسس رأسه وقسمات وجهه ويقول له : بديع ، بديع ، ما أشبهك بجدك ، وترد عبدة قائلة : لو رأيت جسده النحيل ما قلت ذلك ، فيقول الشاعر : حسبه ما أخذ ، إن الجبلاوي لا يتكرر (ص 219)
وترى " ياسمين " الفتاة الحسناء رفاعة فتعجب به ، وتحاول مغازلته وإغراءه ، وإن لم يلتفت لها .
وتتوثق صلة رفاعة بالشاعر جواد، وعندما يذهب إلى بيته يرى صورة غريبة فوق جدار الحجرة ، وتخبره امرأة جواد أنها صورة الجبلاوي ، وأن المبيض رسمه على مثال ما يرد من أوصافه في الحكايات . (ص 222-230)
ويحاول تعلم الزار من "أم بخاطرها " امرأة الشاعر لكي يطهر الحارة من الأشرار ، وتوافق بشرط موافقة أبيه على ذلك (ص 234)
ويغيب رفاعة ، ويظل والده يبحث عنه دون جدوى ، وينتشر في الحارة أمر اختفائه ، حتى مرضت عبدة من حزنها على غياب ولدها ، وكان شافعي يعمل في دكانه بعقل شارد وعينين محمرتين من الأرق ، وذات يوم يفاجأ الرجل بابنه قادما ، ويسأله عن سر غيابه ، لكنه لم يجب إلا بأنه ذهب إلى الخلاء لشعوره برغبة ي الوحدة والخلاء (ص 238-242)
وبينما رفاعة يتكلم مع أبيه يوما إذا يقرر أن يبوح بسره ، فقد كان يمر ليلة بمكان أسفل سور البيت الكبير فسمع صوتا غريبا ، كأنما يحدث نفسه في الظلام ، فدهمه شعور بأنه صوت الجبلاوي ، وحاول أن يتمكن من رؤيته لكنه لم ير إلا ظلاما ، ولكنه سأل جده أن يمد يده إليهم ، فأنكر الجد العجوز مطالبته بالعمل ، وطالبه بأن يقوم هو وأهله بدورهم ، فإنه لا يحب الأغبياء الذي لا يعرفون سر قوتهم . (ص246-248)
ويتناهى إلى القوم أن يا سمينة كانت في بيت الفتوة بيومي ، وقد رآها زيتونة تخرج ورائحة الخمر تفوح من فمها ، فقرر خنفس أن يفعل شيئا حتى لا تتعرض فتونته لحرج ، وتعالت الأصوات مطالبة بمعاقبة الفتاة ، بينما رأى رفاعة أن الأولى أن يعاقب بيومي ، وطالب أن يرحم القوم ضعف ياسمينة وذعرها ، ولكن الألسنة تقاذفته ، واتهمه القوم بالسفه والرقاعة ، فاقترح رفاعة أن يتزوجها ، وكان هذا حلا للأزمة (ص252-253)
وكان رفاعة مهتما بتخليص الناس من العفاريت ، فبرئ على يديه الكثير ، وإن اصطفى من مرضاه أربعة، هم زكي وحسين وعلى وكريم (ص 267-268)
وتخون ياسمين رفاعة حيث تذهب إلى بيومي ليلا ، وتشرب معه الجوزة ، وتسخر من زوجها الذي لا عمل له إلا تخليص الفقراء من العفاريت ، فهو مشغول عنها بعفاريت الناس ، ثم كان بينهما ما كان . (ص 270-274)
ويقلق الناظر إيهاب للأنباء التي ترامت باتصال رفاعة بالجبلاوي ، ويجمع فتواته ليروا في أمر رفاعة رأيا ، ويضرب الفتوة " بطيخة " رفاعة أما جمع من الناس ، الذين كادوا يفتكون بالفتوة ، لولا دعوة رفاعة إياهم بالتفرق ، وأرسل بيومي إلى رفاعة ، وطلب منه أن يقلع عن خداع الناس وعاد رفاعة إلى بيته ، لكن الفتوات تربصوا له خارج البيت فاتفق أصحابه على تدبير أمر هروبه من الحارة (ص 274-285)
وغادرت ياسمين الربع ، لكنها ذهبت إلى بيت بيومي ، وأخبرته بما كان من تدبير رفاعة وأصحابه ، فصمم بيومي على الخلاص منه ، وحين هاجم الفتوات دار رفاعة استطاع أصدقاؤه الهروب ، بينما قبضوا عليه وساقوه حيث قتلوه ، وحزن أصدقاؤه لمقتل رفاعة ، واتجهوا نحو موقع الجريمة ، وأخذوا يزيلون الرمال براحاتهم، لعلهم يجدونه حيا ، وإذا بهم يسمعون صوتا يقول : تمهلوا ، فهذا جسده فانخلعت قلوبهم وارتفعت أصواتهم بالبكاء واستطاعوا أن يخرجوا الجثة من الرمال ، وحملوها إلى قبره ، ووقفوا يزيلون دموعهم ، وعندما غادروا المقبرة ، كان النور يصبغ الآفاق بمثل ذوب الورد الأحمر. (ص 286-298)
وترك أصحاب الحارة على أمل أن يتحدوا موته بإحياء رسالته ، وأن ينزلوا العقاب بقاتليه ، وأخذ شافعي وأصحاب رفاعة يبحثون عن جثته ، فلم يعثروا علي شيء ، وتسلل الفتوات بالليل إلى المكان الذي قتل فيه وحفروا مدفنه ، ولكنهم لم يعثروا للجثة على أثر .
وذهب أهل ياسمين إلى بيت بيومي في غيبته ليقتلوها ، ففرت منهم ، وطلت تعدو في الحارة ، حتى انقطع نفسها ، وفجأة رأت نورا ضئيلا ينبعث من كوخ ، فسارت إليه لعلها تجد لها مأوى ، فإذا بها أمام أصدقاء عرفة الأربعة ، فتسمرت أقدامها ، لأنها رأت في أعينهم نظرات الغضب والانتقام ، وكانوا قد عملوا بخديعتها ، وأدركوا أن ياسمين هي التي وشت بهم وخانتهم فقتلوها ، وفي اليوم التالي وجدت جثة ياسمين ملقاة أمام باب بيومي ، وانتشر الخبر سريعا ، ودارى الناس مشاعرهم ، بينما اندفع بيومي كالثور الهائج يضرب بنبوته كل ما يصادفه ، حتى فر الجميع ، وفي اليوم نفسه هجر شافعي وعبدة الحارة ، ولم يعد هناك أي أثر لرفاعة ، وإن بقيت أشياء تذكر به دوما ن وخاصة أصحابه المخلصين الذين ساروا على نهج رفاعة .
وأخذ الناس ي الانتقام من الفتوات بعد موت رفاعة ، وانتصروا عليهم ، وعاد الذين كانوا قد فروا من الحارة في زمن الاضطهاد ، وبدأ عهد جديد ، يقوم على الاعتراف بالرفاعيين ، والولاء والتقديس لرفاعة ووالديه (ص298-305)

قاسم
لم يتغير شيء في الحارة ، الأقدام ما زالت عارية ، والذباب ما زال يلهو بين الزبالة والأعين ، والوجوه ما زالت ذابلة ، والثياب مرقعة ، والبيت الكبير كما هو ، وبيت الناظر إلى اليمين ، وبيت الفتوة إلى اليسار ، وهناك حي حبل وحي رفاعة ، ثم مقام من لا صفة لهم ولا نسب ، وهم الجرابيع ، وهم أتعس أهل الحارة ،وكان لك حي فتوته .
وينشأ قاسم يتيما عقب وفاة والديه ، فيكفله عمه ، زكريا ويحبه ، ثم يرزق زكريا بابنه حسن ، مما جعله يتفاءل بابن أخيه ، وكم تطلع قاسم إلى بيت الجبلاوي مفاخرا بجده ومقام جده .
يأخذ زكريا قاسما للعمل معه في بيع البطاطا ، ويلتقي بالمعلم يحي بائع المسابح والبخور الذي يتوسم فيه خيرا ويعطيه حجابا ليحفظه (ص309-314)
وبدأ قاسم في رعي الأغنام بعد ما كان يبيع البطاطا ، فكان المعلم يحي يمر به ، كما كان قاسم يزور معلمه ، ليسعد بأحاديثه ، حيث يسمع منه أخبار حارته ماضيها وحاضرها .
وكان قاسم يرعى نعجة للسيدة قمر ، وهي السيدة الوحيدة التي تملك مالا في حي الجرابيع ، وهي سيدة أربعينية في عمر والدته .
وكان قاسم يلتقي كثيرا بحسن ابن عمه ، وكذلك صديقه "صادق" الذي كان مقاربا لقاسم في سنه وطوله ، ولكنه أنحل منه عودا ، ثم يمضي الثلاثة إلى قهوة دنجل ليشربوا الجوزة ، حيث كان قاسم مغرما بها وبالشاي المنعنع . (ص317-223)
وتقع في الحارة حادثة سرقة لنجار يدعى "فنجري " فيتهم كل فتوة الحي الآخر ، وتكاد تحدث فتنة بين الأحياء ، ولم يستطع أحد إخماد هذه الفتنة ، إلا بعدما اقترح قاسم أن ينتظروا حتى يطبق الظلام ويستحكم ، ولا يوقدوا في الحارة شمعة واحدة ، كيلا تنحصر الشبهة في حي معين ، وحينئذ سيجد حائز النقود فرصة للتخلص منها في الظلام دون أن يفتضح أمره ، وبالفعل وجدوا محفظة فنجري ،ووجد قاسم نفسه محط الأنظار ، ومحور التعليقات ، وعلا مركزه في الحارة . (ص 324-330)
وذات يوم تفاتحه سكينة خادمة قمر في أمر زواجه ، فيجيبها متسائلا : ومن ذا الذي يرضى براعي غنم ؟ فتقترح عليه أن يخطب سيدتها قمر (ص 332-333)
واتفق قاسم مع عمه علي أن يخطب له قمر الأرمل التي رفضت قبله كثيرا من الأغنياء والفتوات ، فكلما عمها "عويس " الذي وافق مضطرا أما إصرار قمر ، وكان العرس ودارت أقداح البوظة وعشرون جوزة ، حتى غامت الكلوبات بالدخان ، وسطعت رائحة الحشيش المفتخر ، وكان صادق يقدم لقاسم قداح الشراب والجوزة ، كما أفرط حسن في الشراب ، ثم ذهبوا إلى قهوة دنجل ، حيث دارت الجوزة مرة أخرى ، وقدم كل موسر جوزة لقاسم على حسابه وتعالى الآهات من الأفواه المخمورة المخدرة ، ودخل قاسم بقمر وجسده ينفث حرارة ممزوجة بسطول .( ص334-341)
وتولى قاسم إدارة أموال قمر ، وعالج الأمور بخير ما يمكن أن تعالج به , واكتسب ثقة عويس عم قمر ، وكان قاسم كثيرا ما يذهب مع صادق وحسن إلى قهوة دنجل ليشرب الجوزة ، أو إلى الحانة ليشرب البوظة ، كما يحب الاستماع إلى الشاعر وهو يحكي حكاية أدهم وهمام وقدري . (ص 342-344)
وحملت قمر ، واستخفها الفرح لذلك ، وامتلأ قلب قاسم بالغبطة وشاع الخبر ، ثم استقبل بيت قاسم حياة جديدة ، فرزق بإحسان ، وألف البيت ألوانا جديدة من البكاء والقذارة والأرق ، ولكنه ازداد غبطة ورضى .
ولاحظت قمر شرود قاسم كثيرا ، وهبت ليلة من نومها فلم تجده في الفراش ، وقلقت لتأخره ، وأرسلت إلى عمه الذي خرج ومعه حسن وصادق للبحث عنه ، إلى أن وجده نائما عند المعلم يحي الذي أخبرهم أن بعض الجيران وجده مغمى عليه ، فحملوه إلى بيت الرجل .
وعاد قاسم إلى بيته وأخبر السيدة قمر بما حدث له ند صخرة هند ، حين كان وحده في الخلاء ، حيث سمع صوتا يناديه ، ورأى شبح رجل واقف ، ولكنه لم يتبين وجهه ، فقال له : أنا قنديل خادم الجبلاوي ، وأخبره أن جده بخير ، وأنه يعلم كل شيء عن الحارة وأنه ربما اختاره لحكمته يوم السرقة ، ولأمانته في بيته .
وعلمت قمر صدق ما يقول ، لأنه لم يكذب قط ، كما أنه أمين ، لم يطمع في مالها ، ولكنها حاولت أن تتأكد من أن ذلك لم يكن حلما ، فأكد لها أنه وقع ملموس ، فصدقته فيما قال وشعرت أن أيام الراحة ربما تكون ولت . (ص 345-355)
وعلم عمه بالأمر وكذلك عويس عم قمر ، وحسن ابن عمه ، وصادق الذي صدقه، وقال : أتحدى أي مخلوق أن يذكرنا بكذبة صدرت عنه ، فهو عندي مصدق ، وأقسم لكم على ذلك بتربة أمي ، وكذلك قال حسن ، لكن عمه خشي عليه من هذا الأمر ، حذره عويس من مغبة ما يقول ، لكن قاسما أصر وذكر أنه لا يروم مساومة ولا نصيبا في الربع ، وأنه قد اختار سبيله ، وحاول زكريا أن يذكره بما يحظى به من ثراء وفير من مال زوجته ، وأن يقلع عما في رأسه ، فقال قاسم في تصميم عجيب ، لن أقلع عما في رأسي ولو ملكت الوقف كله وحديث . (ص 355-361)
وتحدث مواجهة بين قاسم والناظر الذي استدعاه إلى بيته ، وسأله عن السبب في رفعه دعوى عليه ، فذكر أنها شروط الوقف ، ولكن الناظر اتهمه بالجنون ،وبالطمع في الوقف )
وعندما عاد قاسم إلى البيت وجد به زكريا وعويس وحسن وصادق وغيرهم ، وحاول بعضهم أن يجعله يعيد النظر في أمره ، لكنه صمم على ما هو عليه قائلا : لن أتخلى عن هذا الأمر مهما تكن العواقب . ولن أكون دون جبل أو رفاعة برا بجدي وأهل حارتنا . (ص 375-382)
ووجد قاسم نفسه حبيس بيته ، لا يزوره أحد سوى ابن عمه حسن وشاع خبره في الحارة كلها ، وتطايرت التهم والسخريات ، ورماه آل جبل ورفاعة بالكذب والجنون ، مع أنهم كانوا أولى الناس بتصديقه ورأى قاسم الفتوة سوارس يقبض علي عنق أحد الضعفاء من أبناء الحارة فتصدى له ، لكن سوارس خطف مقطف التراب من فوق رأس امرأة عابرة وألبسه رأس قاسم . وانتهت الموجة بترضية الحاضرين لسوارس ، وإبداء أسفهم لما حدث لقاسم .
ومات الرجل الذي كان يضربه سوارس ، واتهم بعض الناس سوارس وأرجع بعضهم سبب قتله أو موته لما فعله قاسم .
واجتمع قاسم وأصحابه يفكرون في الأمر ، واقترح قاسم أن يهجروا الحارة ، ويهاجروا كما هاجر جبل قديما (ص 383-388) وعجب أهل الحارة لاختفاء أصحاب قاسم ، وشاع خبر هجرتهم ، ومرضت قمر ، وعلمت الحارة بمرضها . ولازمها قاسم وهو في غاية الكآبة والحزن ، وظل بجانبها يرعاها ،ولكنها ماتت وتركته وحيدا ، ولازمه حزن شديد ، وكآبة مضاعفة .
وذات يوم أرسل صادق أخته بدرية بنت الثانية عشر ، لكي تحذر قاسما من فتوات الحارة الذين تآمروا عليه قتله ، وتطلب منه مغادرة الحارة فورا ، وأدرك قاسم أن الفتوات يريدون أن يتخلصوا منه ، فأمر سكينة خادمته أن تأخذ إحسان ابنته ، وتهرب بها خارج الحي . (ص398-399)
واحتل القتلة السطح ، وأحكم الحصار ، ولكن قاسما استطاع أن يفر من الحارة ، وانطلق معه حسن ، ثم انضم إليهما صادق ، الذي تقدمهم في الطريق لخبرته به ، ووصلوا على الحارة الجديدة التي كانت مستيقظة تنتظر القادم إليها ، وانطلقت الحناجر بالأناشيد ، وانضم إليهم المهاجرون الذين سبقوا إلى هناك . (ص 403-406)
واقترح صادق على قاسم أن يتزوج ، ووافقته في ذلك سكينة التي أشارت على قاسم بالزواج من بدرية أخت صادق ، وتم الزواج فعلا . (ص 413-415)
وعلم قاسم وأصحابه بأن سوارس سيتزوج وستسير زفته الليلة ، ففكروا في الهجوم على الحارة ، وفعلا اتجهوا ناحيتها ، وخيل لقاسم أنه يرى شبح قنديل ، وتقدمت زفة سوارس ، وانقض قاسم وأصحابه على سوارس ورجاله ، وقتل سوارس ، و تخذل رجاله بعد علمهم بمقتله ، ففروا ، بينما تجمع رجال قاسم حوله وهم يلهثون ، وتم النصر لهم على أصحاب سوارس .(ص 416-420)
وبعد المعركة جلس قاسم مع بدرية يتناولان الطعام ،فناداها باسم "قمر " خطأ وحاول أن يستدرك ما وقع فيه ، فقالت وهي تلوى وجهها عنه : كانت طاعنة في السن ، ولا جمال لها ، فغضب قاسم وقال في عتاب وحزن شديدين : لا تذكريها بسوء، فمثلها لا ينبغي أن يذكر إلا بالرحمة ، فلاذت بدرية بالصمت .( ص420-421)
ثم جاءت قاسم أغنام الأعداء تساق إليه فهلل أصحابه وانضم إليه الكثيرون من الحارة . لكن أهل الحارة قرروا الانتقام وأحس قاسم بالخطر ودنا من حافة الجبل ، ونظر إلى بيت الجبلاوي فما أحوجهم إلى قوته الخارقة ، ووجد دافعا من أعماقه يدعوه إلى أن يصيح بأعلى صوته قائلا : يا جبلاوي كما يفعل أهل حارته في أحوال شتى .
وتشاور قاسم مع حسن وصادق في الأمر ، ولكن صوتا سمعوه وتلته صرخات تنذر بالهجوم عليهم ، وبدأت المعركة ، واشتد القتال وبعد عراك شديد انتهى القتال ، وفر فتوات الحارة ولكن بعد عناء ونصب وبعد أن سال الدم من أسنان قاسم وذقنه ، بينما قتل من أصحابه ثمانية ومن أعدائه عشرة غير فتوتهم لهيطة . (ص 424-432)
ويستدعي الناظر " جلطة وحجاج " فتوتي آ ل جبل وآل رفاعة واتفق الجميع على أن يكونوا يدا واحدة ، وأن يحاصروا قاسما وأصحابه فوق الجبل ، حتى يموتوا جوعا ، أو يضطروا إلى النزول فتخلصوا منهم ،ولكن أحد الأشخاص انقض على حجاج عند عودته فقتله ، وبدأت التهم تلقى بين حي جبل وحي رفاعة ، وتشابك رجلان من الحيين ، وانهمر الطوب من الجانبين ، وتواصل الاشتباك ، إذا بالجميع يفاجؤون بقاسم أما البيت الكبير ، يتقدم أما عصبة من رجاله ، ففاجأ أهل الحارة ، لكنه توقف فجأة وقال : لا نريد أذى لأحد ، لا غالب ولا مغلوب ، أبناء حارة واحدة ، وجد واحد والوقف للجميع .
ولكن جلطة صرخ بأنها مكيدة ، وانقض هو وأصحابه على قاسم ومن معه ، لكن المعركة انتهت بانتصار قاسم وأصحابه . (ص 433-440)
وسار قاسم وأصحابه إلى البيت الكبير الذي فر منه الناظر وأهله صار قاسم رجل الحارة دون منازع وتولى شئون النظارة ، وعاد الجرابيع إلى حيهم ، وبدأ عهد جديد يمتاز بالعدل والسلام ، وإن وجد من آل جبل وآل رفاعة من يضمرون غير ما يظهرون .
ولم يتغير من شأن قاسم شيء إلا أنه توسع في حياته الزوجية ، كأنما جرى فيها مجراه في تجديد الوقف وتنميته ، فعلى حبه بدرية تزوج حسناء من آل جبل ، وأخرى من آل رفاعة ، وتعشق امرأة من الجرابيع ، ثم تزوج منها ، وقال أناس في ذلك : إنه يبحث عن شيء افتقده مذ فقد زوجته الأولى قمر ، وقال عمه زكريا : إنه يريد أن يوثق أسبابه بأحياء الحارة جميعا . (ص441-443)

عرفة
خلف صادق قاسما بعد موته على النظارة فسار سيرته ، وإن رأى قوم أن " حسن " أولى منه بالنظارة لقرابته من قاسم . وبعد رحيل صادق سأل الدم في الحارة وقتل الناظر نفسه في إحدى المعارك وعادت إلى الحارة العصبيات القديمة ، ولم يعد جبل أو رفاعة أو قاسم إلا أسماء وأغاني ينشدها شعراء المقاهي المسطولون (ص 447-449)
وذات يوم رأت الحارة فتى غريبا قادما من ناحية الخلاء ، وتطلعت نحوه الأبصار فتبسم لهم مترددا وسأل هن بدروم خال للإيجار لقد كان عرفة الذي غاب عن الحارة طويلا ثم عاد إليها مع أخيه ومساعده "حنش" وأصبح محط الأنظار . واستدعاه الفتوة عجاج فذهب إليه وأخبره أنه ساحر ، وأعطاه مادة يتناولها قل " لا مؤاخذة" بساعتين وسيرضى عن صاحبها . (ص 449-454)
ويتردد الزبائن على عرفة ، ويفشوا أمره ، وترسل إليه الهانم امرأة الناظر التي تحلم أحلاما سيئة ، حي قل نومها ، فيرسل عرفة لها بالهدية . (ص 457-459)
وتكاثر زبائن عرفة لكنه لم يفرح بزبون كما فرح بعواطف بنت شكرون ، ويضق من نظرات السنطوري الفتوة لها ، ويذكر أنه يملك الأعاجيب في حجرته ، مع أنه ليس فتوة ، ولا من رجال الجبلاوي ، ولكنه يحوز قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين . (ص 465-471)
ويسأل عرفة عم شكرون المسن : هل رأيت الجبلاوي ؟ فيجيبه يا مغفل ألا تدري أنه اعتكف في بيته من قبل أيام جبل .
وبعد أيام يضرب السنطوري شكرون ، الذي ما يلبث أن يموت ولم يسر في جنازته إلا عواطف ابنته وعرفة ، ثم انضم إليها السنطوري بجرأة وقحة ، وبالتالي تسارع الجيران والمعارف الذين كان الخوف قد منعهم ، ولكن عواطف وجهت للفتوة تهمة قتل أبيها ، وحاول الرجل أن يتلطف معها ، وأشار عرفة عليها بأن تجعل الجنازة تسير بسلام ، إذا به يتلقى ضربات أتباع الفتوة ، ولم يتركوه إلا مطروحا على الأرض في ذهول .
وبعد أيام تزوج عرفة من عواطف وشهد الزواج عجاج فتوة آل رفاعة وغضب لذلك السنطوري فتوة آل قاسم , وكادت تنشب معركة بين الحيين ، لولا تدخل سعد الله فتوة الحارة .
ودار حوار ذات يوم بين عرفة وعواطف فقالت عن جبل ورفاعة وقاسم: أولئك كلفوا بالعمل من قبل جدنا الواقف ، فقال عرفة بضجر جدنا الواقف ؟ كل مغلوب على أمره يصيح كما صاح أبوك " يا جبلاوي " ولكن هل سمعت عن أحفاد مثلنا لا يرون جدهم ، وهم يعيشون حول بيته المغلق ؟ وهل سمعت عن واقف يعبث العابثون بوقفه على هذا النحو وهو لا يحرك ساكنا؟ فقالت : إنه الكبر ، فقال لم أسمع عن معمر عاش طول هذا العمر فقالت : ربك قادر على كل شيء فغمغم قائلا : كذلك السحر قادر على كل شيء . (ص 473-483)
وكان عرفة يحلم بالتسلل إلى البيت الكبير ومعرفة شروط الوقف العشرة ، فسار ذات ليلة تجاهه يتبعه أخوه حنش وشرعا في حفر الأرض تحت السور وفي اليوم التالي راح عرفة يزحف خلال الممر ، حتى صار داخل البيت الكبير ، وأخذ يزحف في حذر شديد ظل يتسلل حتى وصل مخدع الجبلاوي وأشعل شمعة فرأى عجوزا يجاهد للخروج من الغيبوبة الفاصلة بين النوم واليقظة ، فانقض عليه مطبقا يمناه على رقبته بكل قوته وساد الظلام بعدما انطفأت الشمعة وتحرك العجوز حركة همد بعدها ، وتراجع عرفة خائر القوى واتجه نحو الركن الذي ظن الكتاب به ، ثم تسلل خارجا وقد تملكه فزع شديد . (ص 486-494)
وجلجل صوت في السكون ،وإذا بأحد أهل الحارة يقول : مات الجبلاوي ، وحاول عرفة جاهدا أن يؤكد لحنش وعواطف أنه قتل العجوز لا الجبلاوي ، وتناقل الناس أن لصوصا سطوا على البيت الكبير وقتلوا خادم الجبلاوي ولما علم الجبلاوي بالخبر مات متأثرا بالخبر ، وتنازع آل جبلة وآل رفاعة وآل قاسم في مكان دفنه ، لكن الناظر قدري أعلن أنه سيدفن في المسجد المقام بالبيت الكبير . (ص 488-501)
وهرب عرفة من الحارة ، وكان قد استطاع تركيب مادة سحرية ظل يضعها مدة طويلة فذهب في طريقه فلقي الفتوة سعد الله فانقض عليه خلسة وقتله ، ولما طارده القوم وأحس أن أقدام المطاردين تقترب أخرجه الزجاجة التي بها المادة من جيبه وقذفها عليهم ، فدوى انفجار لم تعرفه أذن من قبل وكف الأقدام عن مطاردته. (ص504-506)
وطلب الناظر عرفة وسأله لما قتلت سعد الله ؟ وما الذي دفعه لاقتحام البيت الكبير ؟ وحاول عرفة أن يتنصل من التهمتين ، ولكنه أفضى بسره ، بعد أن اطمأن للناظر وعرف أنه لا يريد الزجاجة السحرية كما أنه يعرض عليه حمايته . (ص507-513)
وقد اختلف أهل الحارة فيمن يخلف سعد الله ليكون فتوة الحارة كلها . ودب الخلاف بين آل جبل وآل رفاعة وآل قاسم ، ولكن الناظر التقى بيوسف فتوة آل جبل وطلب منه أن يكون فتوة الحارة كلها مما أثار عليه حقد عجاج فتوة آل رفاعة والسن طوري فتوة آل قاسم ، الذين استطاعا القضاء على يوسف ، واتفق عجاج والسن طوري على إجراء قرعة انتهت بهزيمة السنطوري لكن أحد الرفاعية يقتله غدرا وتلاقى الحيان في معركة دامية ، وانتهى الأمر بفوز عجاج بالفتوة ، ولكن الناظر يعلن أنه لا يريد في الحارة فتوة ولا فتونة ، وأمر بالقوارير لتنهال من أيدي الخدم على عجاج وأعوانه ، فأجهز عليهم . (516-520)
وانتقل عرفة إلى بيت الفتوة على يمين البيت الكبير ، وقرر الاعتماد على سحره ، لكنه أدرك أن الناظر يريد سجنه في البيت حتى يظل في خدمته بسحره ،وأحس عرفة وعواطف وحنش بالملل واليأس .
ورأت عواطف عرفة في وضع مخل مع خادمة وكانت فضيحة وتركت عواطف البيت رافضة أن تعود إليه ، وعاش عرفة حياة السهرات والعربدة مع الناظر (520-530)
وذات ليلة اعترضه شبح لم يدر من أين أتى ، وأحس أنه رأى هذا الوجه من قبل على عتبة حجرة الجبلاوي ، وأخبرته صاحبته أنها جاءته تنفيذا لوصية الجبلاوي ، وأنه مات وهو راض عنه فلم يصدقها عرفة لكنها أقسمت على صدق ما تقول .
وفكر عرفة في الهرب ، حيث تسلل ومعه حنش في خفة وحذر ، وتوجها إلى حيث تعيش عواطف ليأخذاها معهما ، ولكن ما لبث أن قبض عليه أتباع الناظر ، وجاءوا به إلى الناظر الذي أمر بقتله هو وعواطف بعد أن هرب حنش ، وانتشر خبر مقتل عرفة وفرح الناس لمقتل قاتل الجبلاوي .
وعاد حنش يبحث عن الكراسة التي كان يضمنها عرفة سحره ، ولكن الناظر يبحث عنه دون جدوى ، وانتشرت الأخبار بأن حنش سيتم ما بدأه عرفة ، وتفاءل الناس في الخلاص من الناظر ، وأخذوا يكبرون ذكر عرفة عندما أدركوا ما كان ينشده من خير لهم ، وأخذ الناظر يحكم قبضته على الحارة ، بينما تشبث أهلها بالصبر أملا في الخلاص من هذا الظلم والطغيان . (ص 536-552)
من مواضيع : موسى بن الغسان كلب الوالي
نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ
حسبة برما بمناسبة زيارة ابن الهرمة
عيون وآذان (وهذا كله قبر مالك)
خَـدَعوهـا بـقـولـهم حَــسْـنــاءُ .... لأمير الشعراء/ احمد شوقى
14-09-2006, 04:29 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- الفصل الثاني : رموز الروايةالرواية كما هو واضح من أحداثها وشخصياتها ترمز إلى تطور الحياة البشرية منذ خلق الله عز وجل الإنسان ، ولذلك امتلأت بالرموز والإشارات ، فموضوعها ينبني على حياة الأنبياء والرسل ، بجانب الشخصية الأولى في الرواية ، وهي التي ترمز إلى ذات الله عز وجل .
ولن يكون حديثنا عن رمزية الشخصيات مجرد استنتاج مبني على ما سبق أن قيل ، ولكن سنحاول أن نصل إلى حقيقة هذه الأمور من خلال ما بثه الكاتب في الرواية ، ومن خلال الأدلة التي نستقيها من أحداث الرواية .
وهذه الشخصيات وما ترمز إليه من شخصيات حقيقية :
- الجبلاوي : أهم شخصيات الرواية ، فهو الشخصية الوحيدة التي ظلت موجودة طوال الرواية إلى أن مات حزنا على خادمه ، وهو يرمز إلى الذي العلية ، والدليل على ذلك ما أضفاه الكاتب على تلك الشخصية من أوصاف وصفات لا تكون إلا لله تعالى .
فالكاتب يذكر أنه عاش فيها (يقصد الحارة ) وحده وهي خلاء خراب (ص 5) وهو في هذا يشير إلى مثل قول الله عز وجل "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" وقول الرسول صلى الله عليه وسلم " أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء " وفي العهد القديم : في البدء خلق الله السماوات والأرض ، وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه الله" (سفر التكوين : الإصحاح الأول 1-2)
كما يقول الكاتب في وصف الجبلاوي كذلك : وهو يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين ، كأنما من كوكب هبط . (ص 11)
وفي هذا إشارة إلى أن الله ليس كمثله شيء ، يقول الله عز وجل : " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " (سورة الشورى آية 11) كما يقول الكاتب على لسان جبل في إشارة واضحة : ولكنه بدا لي شخصا ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعا . (ص 176)
وهي إشارة لا تحتاج إلى بيان أو توضيح .
وفي حديث جبل مع الأفندي ، حين ذهب إليه يطالب بحقوق آل حمدان في الوقف ، وفي الحياة الآمنة ، نجد الكاتب يودر على لسان جبل قوله : إنما رددت على مسامعك رغبة من لا ترد له رغبة ، وهو جدك الجبلاوي (ص 185) وفي هذا إشارة إلى قول الله عز وجل :" سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " (سورة مريم آية 35) وقوله تعالى : "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " (سورة يس آية 82)
وفي حديث الكاتب عن قاسم حين دنا من حافة الجبل ، واستقر بصره على البيت الكبير ، بيت الجبلاوي ، الغارق في صمته ، كأنه لا يبالي بصراع الأبناء من أجله ، يقول بعد ذلك : ما أحوجهم إلى قوته الخارقة التي دانت لها البقاع في الزمن الخالي . (ص 426) ثم قوله كذلك بعدها : ووجد دافعا من أعماق قلبه يدعوه إلى أن يصيح بأعلى صوته قائلا : يا جبلاوي كما يفعل أهل حارتنا في أحوال شتى . (ص 426) . وهو في الأولى يشير إلى قدرة الله عز وجل . وفي الثانية إلى توجه الناس بالدعاء إلى الله تعالى ، يقول الله سبحانه "وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما" (سورة يونس آية 12) ويقول سبحانه "وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه" (سورة الزمر آية 8)
وإلى جانب ما سبق فإن الجبلاوي بقي عبر هذا التاريخ الطويل والأجيال المتعاقبة ، وهذا لا يكون من شأن إنسان ، كما أنه كان معتزلا حياة الناس طوال هذا الزمن البعيد ، وكان مختفيا لا يراه أحد ، ولا يعلم الناس عنه شيئا إلا من خلال ما يروى ، ولا يلتقي به أحد وإنما يتصل بمن يريد من خلال وسطاء أو خدم ، وفي هذا رمز لوحي الله عز وجل لأنبيائه ورسله ، يقول الله تعالى :" وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم " سورة الشورى آية 51)

- أدهم : شخصية من الشخصيات الأساسية في الرواية ، والكاتب يرمز بهذه الشخصية لسيدنا آدم عليه السلام ، ويتضح التشابه في الاسمين والدليل على أنه يقصد آدم بهذه الشخصية ما ورد في الرواية من أن الجبلاوي أراد أن يقوم غيره بإدارة الوقف ، استطرد قائلا " وقد وقع اختياري على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافي . (ص 2) وهذا ما يشير إلى قول الله عز وجل : "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " (سورة البقرة آية 30) . وما ورد من أحداث بعد ذلك يؤكد ما نقول ، فعندما اعترض إدريس الأخ الأكبر لأدهم ، رد الجبلاوي قائلا : أؤكد لكم أني راعيت في اختياري مصلحة الجميع . (ص 13) وهو ينظر في ذلك إلى قول الله تعالى : "قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" وفي الرواية أن رضوان رفع رأسه نحو أبيه وقال برقة باسمة : ونحن جميعا أبناؤك ومن حقنا أن نحزن إذا افتقدنا رضاك عنا ، والأمر لك على أي حال ، وغاية مرامنا أن نعرف السبب .
وعدل الجبلاوي عن إدريس إلى رضوان ، مروضا غضبه لغية في نفسه فقال أدهم على دراية بطباع المستأجرين ، ويعرف أكثرهم بأسمائهم ، ثم إنه على علم بالكتابة والحساب . (ص 13) وهو في هذا يشير إلى قول الله عز وجل : " وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين .قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " (سورة البقرة آية 31-33)

- إدريس : من الشخصيات الواردة في الرواية ويرمز به الكاتب لإبليس عليه لعنة الله ، والدليل على ذلك ما ورد في الرواية من اعتراض إدريس على اختيار الجبلاوي لأدهم لإدارة الوقف ، وقول إدريس للجبلاوي :" إني وأشقائي أبناء هانم من خيرة النساء ، أما هذا فابن جارية سوداء" (ص 13) وهذا إشارة إلى قول الله عز وجل على لسان إبليس : "قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " (سورة ص آية 71) وفي الحالتين نجد إبليس أو إدريس كليهما يرد الأمر ، بناء على تميز العنصر من وجهة نظره .
كما دل على ذلك الحديث عن إدريس بالكبر مما يناسب حقيقة إبليس المتكبرة ، فيقول الكاتب على لسان أدهم : وجميع اخوتي متزوجون عدا إدريس المتكبر . (ص 20) ويف القرآن الكريم : "إلا إبليس كان أبى واستكبر وكان من الكافرين" وكذلك "إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين" (سورة البقرة آية 34وص 74)
وفي قول الجبلاوي لإدريس : لن ترى فيه (يقصد البيت ) بعد اليوم وإلى الأبد (ص 16) كما في قول الله عز وجل لإبليس :"قال فاخرج منها فإنك رجيم . وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين" (سورة ص آية 77-78)

- أميمة : إحدى شخصيات الرواية ، ويرمز بها الكاتب إلى حواء ، وبما قصد بالاسم أنها أم البشر والدليل على أنه قصد بها حواء ما يذكره في الرواية من قوله : ووقف أدهم ينظر إلى ظله الملقي على الممشى بين الورود فإذا بظل جديد يمتد من ظله واشيا بقدوم شخص من المنعطف خلفه . بدا الظل الجديد كأنما يخرج من موضع ضلوعه والتفت وراءه فرأى فتاة سمراء وهي تهم بالتراجع عندما اكتشفت وجوده. (ص 19) والكلام هنا واضح في إشارته إلى خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام والله عز وجل يقول "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجال كثيرا ونساء " (سورة النساء آية 1)
قال مجاهد : خلقت حواء من قصيرى آدم (انظر تفسير القرطبي 3/ 1572 والقصيرى : أسفل الأضلاع ) وفي الحديث " إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة . (رواه مسلم) وقد رود في العهد القديم : فأوقع الرب سباتا على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما ، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم ، فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت . (سفر التكوين الإصحاح الثاني 21)

-عباس ورضوان وجليل : من شخصيات القصة الثانوية : وهي ترمز إلى بعض ملائكة الله عز وجل ، والدليل أنه يضفي عليهم صفات الملائكة كالسمع والطاعة ، فيورد على لسان عباس قوله للجبلاوي " سمعا وطاعة وسرعان ما قال جليل وهو يغض طرفه أمرك يا أبي وقال رضوان وهو يزدر ريقه الجاف : على العين والرأس " ( ص 14) وفي هذه إشارة إلى مثل قول الله عز وجل عن الملائكة "يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" (سورة النحل آية 50) وقوله سبحانه "بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلى لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون" (سورة الأنبياء آية 26-28)
وحديثه عنهم بأنهم لا ولد لهم ، حيث يقول على لسان الجبلاوي لأدهم : لعلك تنجب ذرية صالحة لقد ضاع إدريس وعباس وجليل عقيمان ورضوان لم يعش له ولد حتى اليوم ، وجميعهم لم يرثوا عني إلا كبريائي. (ص 26) والملائكة كما هو معلوم لا تتزاوج ولا تنجب .

- قدري وهمام : شخصيتان من شخصيات الرواية التي وردت في القسم الخاص بأدهم ، وهما ولداه ، ويرمز بهما إلى ولدي آدم عليه السلام : قابيل وهابيل وربما يكون الكاتب اختار الحرفين الأولين من الاسمين ، فقدري وقابيل يبدأن بحرف القاف ، وهمام وهابيل يبدأن بالهاء .
والدليل على أنه يقصد بهما قابيل وهابيل ما جاء في أحداث الرواية ، فقد رزق أدهم كما يذكر الكاتب في روايته توأمين وراح أدهم يغمغم وقد استخفه السرور :قدري وهمام قدري وهمام . (ص 68)
وقصة قدري وهمام هي ذاتها قصة قابيل وهابيل كما وردت في القرآن الكريم ، مع شيء من التصرف ، فالجبلاوي يدعو هماما إلى بيته ، ليعيش في هذا البيت ويتزوج فيه مما أثار حفيظة قدري وفي هذا إشارة إلى قول الله عز وجل "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر" (سورة المائدة آية27)
ثم يذكر أن قدري قتل هماما (ص 95) وذلك كما حدث من قتل قابيل هابيل "قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين" .. وقد ذكر القرآن ما حدث في قوله تعالى "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" (سورة المائدة آية 30)

- جبل : من الشخصيات الرئيسة في الرواية ، والكاتب يرمز بهذه الشخصية إلى سيدنا موسى عليه السلام ، وربما وضع الكاتب هذا الاسم من تكليم الله موسى عند الجبل .
والدليل على أن الكاتب قصد بشخصية جبل موسى عليه السلام أن أحداث قصة جبل مقتبسة من أحداث قصة سدينا موسى فجبل يعيش في بيت الأفندي ،وكانت الهانم امرأة الأفندي قد رأته عاريا يستحم في حفرة مملوءة بمياه الأمطار ، فمضت تتسلى بمشاهدته فمال قلبها الذي حرمه العقم من نعمة الأمومة إليه . فأرسلت من حمله إليها وهو يبكي خائفا . (ص 131) وموسى عليه السلام ألقته أمه في اليم بأمر الله ويروى "أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر فأمرت بسوقه إليها وفتحه فرأت فيه صبيا صغيرا ، فرحمته وأحبته ، فقالت لفرعون "قرة عين لي ولك" ... وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون ، فوهبه لها(انظر تفسير القرطبي 7/ 4969 طبعة دار الريان للتراث) والذي يراجع شخصية جبل في الرواية ، والأحداث التي مر بها ، يجد تشابها كبيرا بينها وبين قصة سيدنا موسى عليه السلام ، سواء في مطاردة قدرة فتوة آل حمدان لدعبس وتدخل جبل وقتله قدرة التي تمثل ما كان من إغاثة موسى عليه السلام الإسرائيلي الذي أراد أن يسخره ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فوكز موسى القبطي فقضى عليه . (انظر القرطبي 7/ 4976) أو في هروب جبل في هدأة الليل من الحارة (ص153) الذي يماثل خروج موسى عليه السلام فارا بنفسه نحو مدين (ص154) وقصة جبل مع ابنتي البلقيطي اللتين كانتا تريدان ملء صفيحتهما بالماء (ص 154) تماثل ما كان من أمر موسى بعد أن ورد ماء مدين ، ورؤيته ابنتي شعيب اللتين كانتا تريدان سقي أغنامهما وما كان من أمره معهما .(انظر القرطبي 7/ 4984)
وأحداث قصة جبل تتشابه إلى حد كبير ، يكاد يكون متطابقا مع قصة نبي الله موسى عليه السلام ، ومن أراد أن يستوثق فعليه الرجوع إليها في الرواية فسيكتشف بسهولة ويسر درجة التشابه بين القصتين.

- الناظر أو الأفندي : من الشخصيات التي وردت في الجزء الخاص بجبل ، وهو يرمز على فرعون "والاسم يشير إلى تميزه وسيادته على قومه (الطريق إلى نوبل د محمد يحي ، ومعتز شكري 35 أمة برس للطباعة والنشر 1989م )
وهذا الرمز للشخصية الحقيقية يتضح من أحداث قصته مع جبل التي تشبه إلى حد كبير قصة فرعون مع موسى ، فالناظر يتعالى على آل حمدان ويتخف بهم ويربي جبلا في بيته إلى غير ذلك من الأحداث (راجع ص 122-131) هذا يشابه استعلاء فرعون واستخفافه بقومه ، كما في قول الله عز وجل "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منه يذبح أنباءهم ويستحي نسائهم إنه كان من المفسدين" ( سورة القصص آية 4) والتقاط آل فرعون موسى عليه السلام كما في قول الله تعالى "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين" (سورة القصص آية 8) وغير هذه الأحداث مما يشابه إلى حد كبير قصة فرعون المذكورة في القرآن الكريم .

-الهانم امرأة الأفندي في الرواية وهي ترمز لآسية امرأة فرعون ، فالهانم عاقر كآسية وتعلق قلبها بجبل كما أحبت آسية موسى عليه السلام ، وهدى هانم هي التي تحرت عن موسى ، وطلبت أن تأخذه ليعيش في بيتها ، وينعم بأمومتها ، وآسية امرأة فرعون هي التي قالت "قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذ ولدا" (سورة القصص آية9) والمواقف التي ودرت في الرواية تحدد المقصود بهذه الشخصية تحديدا واضحا لا لبس فيه ولا غموض.
وقد أسماها المؤلف في روايته "هدى" ربما لأن آسية كما هو معلوم آمنت بالله تعالى . واهتدت إلى نور الحق وإلى توحيد الله ، يقول الله عز وجل "وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين" (سورة التحريم آية 11)

- البلقيطي : شخصية وردت في الرواية ويرمز الكاتب بها إلى نبي الله شعيب عليه السلام كما جاء في كتب التفسير أو رعوئيل كما يذكر العهد القديم حيث التقى به موسى عليهما السلام فابنتا البلقيطي ملأ لهما جبل صفيحتهما كما سقى موسى الأغنام لابنتي شعيب والتقى جبل بالبلقيطي الحاوي (ص 158) كما حدث بين موسى وشعيب ، وقص جبل قصته على البلقيطي كما حدث من موسى لشعيب ، وتزوج جبل من ابنة البلقيطي شفيقة كما تزوج موسى عليه السلام من صفوريا ابنة شعيب . وحديث القرآن عن هذا واضح ، يقول الله عز وجل "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهما امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقا لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال نجوت من القوم الظالمين . قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الآمين . قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج" (سورة القصص آية 23-27)
وفي العهد القديم "وكان للكاهن مدين سبع بنات ، فأتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن فأتى الرعاة وطردوهن فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن فلما أتين رعوئيل أبيهن قال : ما بالكن أسرعتن في المجيء اليوم . فقلن رجل مصري أنقذنا من أيدي الرعاة ، وإنه استقى لنا أيضا وسقى لنا الغنم ، فقال لبناته : وأين هو ؟ لماذا تركتن الرجل . ادعونه ليأكل طعاما ، فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل فأعطى موسى صفورة ابنته . (العهد القديم سفر الخروج الإصحاح الثاني 16-22)

- شفيقة وسيدة : ابنتا البلقيطي في الرواية ويرمز بهما الكاتب إلى انتي شعيب عليه السلام وقد تزوج جبل من الصغرى شفيقة كما تزوج موسى عليه السلام من الصغرى صفوريا . (القرطبي 7/ 4989)

- قدرة : فتوة آل حمدان في الرواية ويرمز به الكاتب إلى القبطي الذي وكزه موسى عليه السلام فقدرة قبض بيده على منكب دعبس وشد على منكبه وصفعه على قفاه بقوة تقوس لها ظهره ثم طرب بركبته دبره ، وراح يكيل له الضربات حتى استغاث بجبل الذي تدخل لنصرته وضرب قدرة حتى مات (ص 136-139) وهذا يماثل ما ورد من أن القبطي أراد أن يسخر الإسرائيلي فلما أبى عليه ضربه وقاتله ، حتى تدخل موسى عليه السلام بعد استغاثة المضروب به فوكزه موسى فقضى عليه . (القرطبي 7/ 4976)
وفي العهد القديم "لما كبر موسى خرج إلى اخوته لينظر في أثقالهم فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من اخوته فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل . (سفر الخروج الإصحاح الثاني 11/12)

-دعبس أحد آل حمدان وهو الذي ضربه قدرة فاستغاث بجبل لكي يناصره ، ويرمز به الكاتب إلى الإسرائيلي الذي استغاث بموسى عليه السلام كما سبق .

- ضلمة : أحد الشخصيات الثانوية وهو الذي هدأ من روع جبل بعد أن قتل قدرة وقال له سأدلك على طريق الهرب إذا أردته (ص 152) ويرمز به الكاتب إلى حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون الذي قال لموسى عليه السلام "إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين" سورة القصص آية 20)

- شافعي : والد رفاعة وزوج عبدة ويرمز به الكاتب ليوسف النجار الذي خطب السيدة مريم ، وقد جعل الكاتب "المعلم شافعي " يعمل بالنجارة والدلالة واضحة في هذا ، وجعله متزوجا من عبدة ، وقد ذهب شافعي وعبدة إلى الحارة حيث كانا رجلا في أواسط العمر وامرأة شابة حبلى . (ص 213)
وفي إنجيل متى : فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب ، وأخذ امرأته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعا اسمه يسوع . (الإصحاح الأول 24-25) وإن كان الكاتب قد جعل عبدة متزوجة من شافعي وأنها أنجبت منه رفاعة . فإن هذا مخالف لما جاء في القرآن الكريم وكذلك الإنجيل .

- عبدة : امرأة الشافعي وأم رفاعة ويرمز بها الكاتب إلى السيدة مريم ، وقد جعلها المؤلف تحمل من شافعي مخالفا ما ورد في القرآن الكريم وفي الإنجيل كما قلنا من قبل ولكنه ردد ما قاله اليهود "إن يوسف النجار تعجل قطف الثمرة قبل نضجها.(حكاية أولاد حارتنا د عبد الجليل شلبي ص 35 كتاب اليوم دار أخبار اليوم يناير 1995م)
وربما كان هذا الاسم للدلالة على تعبد السيدة مريم أو إلى ما كان من أن امرأة عمران لما حملت قالت "لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته محررا لعبادة الله . (القرطبي 2/ 1308)

- رفاعة : من الشخصيات الأساسية في الرواية ، ويرمز به الكاتب إلى المسيح عيسى عليه السلام وربما اقتبس هذه التسمية من قول الله عز وجل "بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما" والدليل على أنه يقصد بهذه الشخصية المسيح عليه السلام ما أورده في الرواية من قوله : واقترب رفاعة من الشاعر مبتهجا ، فتناول يده فلثمها وربت الرجل على كتفه وتحسس رأسه في استطلاع وقسمات وجهه وقال بديع ، ما أشبهك بجدك فنور الثناء وجه عبدة وضحك عم شافعي قائلا : لو رأيت جسده النحيل ما قلت ذلك فرد الشاعر : حسبه ما أخذ إن الجبلاوي لا يتكرر . (ص219) والعقيدة عن النصارى أن المسيح ابن الله لأن المسيح هو كلمة الله المتجسد المولود الوحيد الذي لا يكون إلا على صورة المولود منه الذي وصفه الإنجيل بأنه محبة.( سيرة المسيح 2:9كنيسة قصر الدوبارة دار جيل للطباعة 1983) ففي هذا إشارة إلى ما يدعيه النصارى من بنوة عيسى لله سبحانه وتعالى، وفي إنجيل متى "وصوت من السماوات قائلا : هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت " (لإصحاح الثالث 17) ولذلك عاد المؤلف في الرواية ليؤكد هذا المعنى فيما قاله على لسان رفاعة : جدي سمعني وجاءني صوته قائلا : ما أقبح أن يطالب شاب جده العجوز بالعمل ، والابن الحبيب من بعمل . (ص 248) وفي الرواية كذلك الحديث عن رفاعة بأنه المخلص من العفاريت فيقول الكاتب : كان يدعى في الحي بالمعلم رفاعة وكان يدعونه بها في إخلاص ومحبة ، وعرف بأنه يخلص من العفاريت ويهب الصحة والسعادة لوجه الله وحده (ص 267) ومعلوم أن المسيح يطلق عليه في النصرانية "المخلص" وفي إنجيل متى "لأنه يخلص شعبه من خطاياهم " (الإصحاح الأول 21) وكون رفاعة يهب الصحة والسعادة لوجه الله كما ورد في الرواية ، يتفق مع إبراء عيسى الأكمه والأبرص يقول الله عز وجل: " وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله" (سورة آل عمران آية 49) ويقول سبحانه "وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني" وفي إنجيل مرقس "ولما وجدوه قالوا له : إن الجميع يطلبونك فقال لهم لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضا لأني لهذا خرجت . فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين . فأتى إليه أبرص بطلب إليه جاثيا وقائلا له إن أردت تقدر أن تطهرني فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له : أريد فاطهر ، فللوقت وهو يتكلم ذهب عنه البرص وطهر . (الإصحاح الأول 37-41) وهذا الذي ورد في القرآن الكريم وفي إنجيل مرقس وفي إنجيل متى يتفق معه ما ذكره الكاتب من إبراء رفاعة مرضاه ، فهو يقول : أما الذين برئوا على يديه فكان لك منهم قصة يرددها . (ص 268) وقول رفاعة عن نفسه "صديق المساكين يا معلم . (ص270) يشبه ما ورد في إنجيل لوقا : ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه ، روح الرب على لأنه مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق . (الإصحاح الرابع 17-18)
وهكذا نجد كثيرا من الأحداث والإشارات تتفق مع ما ورد عن المسيح علي السلام في القرآن الكريم أو الأناجيل مما يؤكد أن الكاتب قصد بشخصية رفاعة عيسى بن مريم .
وأخيرا فإن ما أورده الكاتب عن مقتل رفاعة ، ثم استخلاص جثته من الرمال ، وانهماك أصحابه في فتح القبر والضياء ينتشر رويدا ، ثم البحث عن الجثة بعد الدفن بأيام ، وعدم العثور على تلك الجثة .(ص 295-300) كل هذا يتفق مع ما ورد في الأناجيل من موت عيسى وإذن الملك بيلاطس بحمل جسد المسيح ومجيء مريم المجدلية وتلاميذه إلى القبر وعدم وجود الجثة داخله . ( إنجيل يوحنا الإصحاح العشرون 1-8)

- ياسمينة : المرأة الساقطة التي تزوجها رفاعة ،ويرمز بها الكاتب للسامرية التي التقى بها المسيح عليه السلام فياسمينة كما ذكر الكاتب لا تعرف معنى الشرف (ص 251) والسامرية امرأة ساقطة قضت حياتها في الآثام ولا تزال مقيدة بها , (سيرة المسيح 1-122) وقد هونت ياسمينة من الخطب بسلوكها عقب المظاهر إذ هرعت إلى بيت عم شافعي وجثت أما الرجل وزوجه باكية ، وسكبت على قدميها بعض ما فاض من قلبها من الامتنان ، ثم أعلنت في حرارة وجد توبتها . (ص 255) كما نجد في النصرانية أنه " أوضح المسيح للسامرية أن باب القبول عند الله مفتوح لكل من يسجد له بالروح والحق . (سيرة المسيح 2/ 125)

- زنفل : أحد فتوات الحارة ، ويرمز به الكاتب إلى هيرودس الملك الذي أرسل وقتل جميع الصبيان الذي في بيت لحم وفي كل تخومها . من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس (إنجيل متى الإصحاح الثاني 16) وكذلك فإن زنفل المجرم الملعون خطف وليد سيدهم بياع لحمة الرأس ثم لم يسمع عن الوليد بعد ذلك أبدا . ثم تأخذه رحمه بطفل في شهره الأول .(ص 215)

- قاسم : من الشخصيات الأساسية في الرواية ، ويرمز به الكاتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اعتمد في هذه التسمية على كنية الرسول "أبو القاسم" والأحداث المرتبطة بشخصية قاسم تكاد تطابق ما ورد في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقاسم ولد يتيما ، وكفله عمه زكريا ، وكان يعمل مع عمه حتى بدأ يرعى الغنم وتزوج من السيدة قمر السيدة الوحيدة التي تملك مالا في حي الجرابيع ، وحبه الخلاء وغير هذه الأحداث التي يمكن مقابلتها مع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .

- زكريا عم قاسم ، ويرمز به الكاتب إلى أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم فزكريا يكفل قاسما بعد أن مات أبواه (ص 310) كما فعل أبو طالب وأخذه ابن أخيه للعمل (ص 312) كما أخذ أبو طالب محمدا في تجارته واصطحاب زكريا قاسما للقاء المعلم يحي الذي يبيع المسابح والبخور (ص 313) كما أخذ أبو طالب محمدا ومر به على الراهب بحيرا (راجع سيرة ابن هشام 1/ 114 نهاية الإرب للنويري 16/ 90-92) وغير ذلك من الأحداث التي تكشف هذه الشخصية بوضوح .

- حسن : ابن عم قاسم ، ويرمز به الكاتب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو ابن زكريا الذي رمز به الكاتب لأبي طالب ، والاسم يشير إلى كنية الإمام علي "أبو الحسن " فحسن كان ملازما لقاسم كما كان الإمام علي كرم الله وجهه ملازما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن هو الصبي الذي صدق قاسما في حديثه عن قاء خادم الجبلاوي (ص 356) كما أن عليا رضي الله عنه كان أول من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم من الصبيان ، كما أن قوما رأوا أن حسن أحق من صادق بالنظارة لقرابته من قاسم . (ص 447) كما حدث من أنصار علي الذين رأوا أنه أحق بالخلافة . (راجع الشيعة وأهل البيت . إحسان إلهي ظهير)

- صادق : أحد أصدقاء قاسم المقربين ويرمز به الكاتب للصديق أبي بكر رضي الله عنه وواضح اشتقاق الاسم من اللقب "الصديق"
وصادق مقارب لقاسم في سنه وطوله ، ولكنه أنحل منه عودا . (ص 322) كما أن أبا بكر كما وصفته ابنته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقالت : كان أبي نحيف الجسم ، خفيف العارضين لا يستمسك إزاره . (انظر الطبقات الكبرى محمد بن سعد 3- 119 دار التحرير للطبع والنشر) وهو أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين . (روضة الأنوار في سيرة النبي المختار : صفي الرحمن المباركفوري ص 23مكتبة دار السلام الرياض)
وصادق يعلن بعد سماع قول قاسم بأنه التقى بخادم الجبلاوي تصديقه المطلق لصاحبه ويقول : إنه رجل صادق أتحدى أي مخلوق أن يذكرنا بكذبة صدرت عنه ، فهو عندي مصدق وأقسم لكم على ذلك بتربة أمي . (ص 356) وكذلك فإن أبا بكر رضي الله عنه لم يتردد في تصديق رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ولذلك فقد قال عليه الصلاة والسلام : ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أمر أبي بكر بن قحافة ما عكم (أي ما تلبث ) عنه حين ذكرته له وما تردد فيه . (سيرة ابن هشام 1/ 159)
وصادق خلف قاسم على النظارة فسار سيرته (ص 447) كما أن أبا بكر رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متأسيا برسول الله مقتديا به .
وكل هذا يكشف عن دلالة هذا الرمز الذي أورده الكاتب في روايته .

- قمر : إحدى شخصيات الرواية وهي التي تزوجها قاسم ، ويرمز بها الكاتب للسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقمر السيدة الوحيدة التي تملك مالا في حي الجرابيع (ص 320) والسيدة خديجة كانت من أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا . (نهاية الأرب 16/97 وانظر سيرة ابن هشام 1/ 119) وقمر كما يذكر الكاتب في روايته سيدة أربعينية (ص 321) والسيدة خديجة رضي الله عنها كانت في الأربعين من عمرها عندما تزوجت من الرسول صلى الله عليه وسلم . وسكينة خادمة قمر تقول لقاسم : لمثلك يدعى ببنت الحلال فقال ضاحكا ومن ذا الذي يرضى براعي غنم (ص 332) ثم تقول له : جرب بختك واخطب سيدة حينا ، فيتساءل من تعنين يا سكينة ؟ فترد : لا تتجاهل ما أعني ليس في حينا إلا سيدة واحدة (ص 333) وكذلك فإن نفيسة بنت منية خادمة السيدة خديجة تذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول له : ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال : وما بيدي أن أتزوج به . قالت : فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال: فمن هي ؟ قالت: خديجة قال : وكيف لي بذلك ؟ قالت: على فأنا أفعل . ( نهاية الأرب 16/97) وقمر امرأة أرمل كما كانت السيدة خديجة رضي الله عنها وقد ماتت قمر في حياة قاسم فحزن عليها حزنا شديدا (ص 395) كما ماتت السيدة خديجة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحزن لذلك حزنا شديدا .

- سكينة : خادمة قمر في الرواية وهي ترمز لنفيسة بنت منية خادمة خديجة كما سبق .

- بدرية : إحدى شخصيات الرواية وهي أخت صادق وقد تزوج منها قاسم ، ويرمز بها الكاتب إلى السيدة عائشة رضي الله عنها فبدرية فتاة صغيرة في الثانية عشرة(ص 397) كما أن عائشة كانت بنت تسع سنين أو عشر عندما تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم ( سيرة ابن هشام 4/201 ونهاية الأرب 18/174) وبدرية تقول لقاسم يوما عن قمر زوجته الأولى : كانت طاعنة ولا جمال لها . فتقوضت قامته المنتصبة في كآبة كأنه تهدم ، وقال في عتاب وحزن شديدين : لا تذكريها بسوء ، فمثلها لا ينبغي أن يذكر إلا بالرحمة فارتد إليه رأسها متوثبا ، لكنها رأت على صفحة وجهه حزنا مخيفا فترددت ، ثم لاذت بالصمت . ( ص 421) والسيدة عائشة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء فذكرها يوما من الأيام فأدركتني الغيرة ، فقلت : هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله بها خيرا منا . فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال : لا والله ما أبدلني الله خيرا منها ، آمنت بي إذا كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني في مالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء ، قالت عائشة فقلت في نفسي لا أذكرها بسيئة أبدا . (نهاية الأرب 18/ 172)

- قنديل : خادم الجبلاوي ، الذي رآه قاسم أو خيل إليه أنه رآه كما يذكر الكاتب ويرمز به في الرواية إلى أمين الوحي جبريل عليه السلام ، ونلاحظ تشابه الاسمين في الوزن وفي الحرفين الأخيرين ، وربما كان الاسم قنديل فيه إشارة إلى كون الملائكة من نور ، كما أن القنديل يتخذ للإنارة والضياء .
والدليل على أن الكاتب يقصد بهذه الشخصية جبريل عليه السلام ، أنه جعله خادما للجبلاوي (ص 352) الذي رمز به للذات العلية ، وهو الذي أرسله إلى قاسم الذي رمز به للرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر الكاتب أن قاسما يخيل إليه أنه رأى شبح قنديل أثناء المعركة التي دارت بين قاسم وأصحابه وبين سوارس ورفاقه من الفتوات (ص418) وذلك إشارة إلى ما حدث في عزوة بدر عندما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ، ثم خفق خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال : أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع (سيرة ابن هشام 2/ 185 ونهاية الأرب 17/24)

- عرفة : الشخصية الرئيسة في الجزء ا لأخير من الرواية ويرمز به الكاتب إلى رجل المادة أو العلم أو العلمانية ، وواضح ما في لفظ "عرفة" من معنى المعرفة والعلم ولذلك جعله الكاتب مجهول الأب (ص451) إشارة إلى أن العلم ليس له أب ولا جنس معين ، كما جعله يصب لعناته على الجبلية والرفاعية والقاسمية (ص454-457-487) إشارة إلى عداء العلمانية للأديان كلها ، ثم جعله يعرف قدره عند المرض والغم والضعف. (ص 453) ويملك الأعاجيب في حجرته ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين (ص 471) إشارة إلى قوة العلم وطاقاته الجبارة كما يزعمون .
وجعله كذلك لا يؤمن بشيء إلا إذا رآه بعينيه وجربه بيديه . ( ص 487) إشارة إلى عدم إيمان العلم المادي بالغيبيات ، واعتماده على التجربة والأشياء الملموسة .
وهكذا تبدوا رموز الرواية واضحة الدلالة تكشف عما ترمز إليه بوضوح ودون خفاء وإن حاول الكاتب أن يلبسها زي الواقعية محاولا إخفاء ما ترمز إليه ،ولكن هذه الغلالة الرمزية الرقيقة كانت تشف عما تحتها وتبرز ما دونها .
من مواضيع : موسى بن الغسان حسبة برما بمناسبة زيارة ابن الهرمة .......لأحمد فؤاد نجم
قصيدة أيظن؟ - الشاعر نزار قبانى
رب ساعدهم علينا
قصيدة مضنــــــــــــــــــــــــاك جفاه مرقده لامير الشعراء أحمد شوقي
السلطان الرجيم ..!!
14-09-2006, 04:30 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- الفصل الثالث : إشارات الروايةرواية أولاد حارتنا من الروايات التي تؤثر الرمز المشحون بالدلالات والإشارات ، وقد حاول الكاتب التخفي وراء هذه الرمز وتلك الإشارات .
وإذا كان نجيب محفوظ يحاول إكساب روايته ثوب الواقع من خلال إلباسها لباسا شعبيا فامتزج ما استوحاه من تاريخ الإنسانية بما تخيله من أحداث ، وكانت له إشارات تصور أنها تخفى على قارئ الرواية ، إلا أن الكثير من هذه الإشارات يمكن إماطة اللثام عنها ، ومقابلتها بما ورد في الكتب الدينية التي وردت فيها تلك الأحداث التاريخية .
يبدأ الكاتب روايته بذكر أنه لم يشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصره (ص5-7) وفي هذا إشارة إلى طور العلم أو مرحلة المادة ، تلك المرحلة التي شهدها كما ذكر .
ويشير الكاتب بقوله عن الجبلاوي "وجدنا هذا لغز من الألغاز ، عمر فوق ما يعمر إنسان أو يتصور حتى ضرب به المثل بطول عمره واعتزل في بيته لكبره مما يحير العقول" (ص 5) وهو يشير إلى ما يراه الماديون من عدم إيمان بالغيبيات .
وقوله : وكم دفعني ذاك إلى الطواف ببيته الكبير ، لعلى أفوز بنظرة منه" إشارة إلى الطواف بالبيت الحرام ، ولذلك قال بعدها "وكم وقفت أمام بابه الضخم أرنو إلى التمساح المحنط المركب أعلاه " (ص 6) إشارة إلى الغزالين من ذهب اللذين ضربا على باب الكعبة فكان أول ذهب حليت به (سيرة ابن هشام 1/ 95- نهاية الأرب 16/48)
وقوله على لسان الجبلاوي "وقد وقع اختياري على أخيكم أدهم ليدير الوقف تحت إشرافي" (ص 12) إشارة إلى قول الله عز وجل "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (سورة البقرة آية 30) وقوله على لسان الجبلاوي كذلك "أؤكد لكم أني راعيت في اختاري مصلحة الجميع" (ص 13) إشارة إلى قول الله عز وجل "قال إني أعلم ما لا تعلمون" (سورة البقرة آية 30)
وقول الكاتب : فأدهم على دارية بطباع المستأجرين (ص 14) إشارة إلى قوله عز وجل "وعلم آدم الأسماء كلها" (سورة البقرة آية 31) وقوله على لسان الجبلاوي موجها كلامه لإدريس "اغرب عن وجهي" (ص 15) إشارة إلى قول الله تعالى موجها كلامه لإبليس لعنه الله "قال اخرج منها مذؤوما مدحورا" (سورة الأعراف آية 18) وقول الجبلاوي لإدريس "لن ترى فيه بعد اليوم وإلى الأبد" (ص 16) إشارة إلى قول الله عز وجل لإبليس "قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين" (سورة الحجر آية 34)
وخروج ظل جديد يمتد من ظل أدهم واشيا بقدوم شخص من المنعطف خلفه ، فبدا الظل الجديد كأنما يخرج من موضع ضلوعه ، والتفت فرأى فتاة سمراء. (ص 19) إشارة إلى خلق حواء من ضلع آدم كما سبق أن بينا وكما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والكتب المقدسة .
وأما قوله على لسان رضوان موجها كلامه لأدهم "أبوك لا يراجع في أمر" (ص21) إشارة إلى قوله عز وجل "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" (سورة الأنبياء آية 23)
وقوله " وكلما أسف أحد على إدريس لعن أدهم" (ص 22) إشارة إلى أن سبب خروج إبليس من الجنة وطرده منها أنه رفض السجود لآدم فكأن آدم في رأي الكاتب كان السبب في هذا الطرد .
وقوله على لسان إدريس موجها كلامه لأدهم "ولأدكن هذا البيت فوق رؤوسكم" (ص 22) إشارة إلى قول الله عز وجل على لسان إبليس لعنه الله "ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا" (سورة النساء آية 119) ومثلها ما ذكره الكاتب على لسان إدريس كذلك في قوله : العار والفضيحة والجريمة ستحل بكم على يدي طردني أبوك دون حياء فليتحمل العواقب . (ص 23)
وقوله على لسان الجبلاوي لأدهم "لقد ضاع إدريس، وعباس وجليل عقيمان ، ورضوان لم يعش له ولد حتى اليوم ، وجميعهم لم يرثوا عني إلا كبريائي ، فاملأ هذا البيت بذريتك" (ص 26) إشارة إلى قول الله عز وجل "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" (سورة النساء آية 1) وإشارة كذلك إلى ما هو معلوم من أن الملائكة لا تتزاوج ولا تتناسل .
ومحاولة تحريض إدريس أخاه أدهم على دخول الحجرة التي بها حجة الوقف (ص 38) إشارة إلى وسوسة إبليس لآدم لكي يأكل من الشجرة المحرمة ، يقول الله عز وجل "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (سورة البقرة آية 35-36) وأما ما ورد من تحريض زوجها لكي يدخل الحجرة المحرمة ، إشارة إلى ما ورد في العهد القديم من أن حواء هي التي حرضت آدم على الأكل من الشجرة المحرمة فقد ورد فيه وكانت الحية أجمل حيوانات البرية التي عملها الرب الإله ، فقالت للمرأة أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة فقال المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل . وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا . فقالت الحية للمرأة لن تموتا . بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون ، وأن الشجرة شهية للنظر ، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا معها فأكل ، فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان. (سفر التكوين الإصحاح الثالث 1/7)
وقول الكاتب عن أدهم "وأمره الجبلاوي قائلا : اخرج " (ص 47) إشارة إلى قول الله عز وجل "قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (سورة الأعراف آية 24) وفي العهد القديم "فأخرجه الرب الإله من جنة عدن لعمل الأرض التي أخذ منها" (سفر التكوين الإصحاح الثالث 23)
وعفو الجبلاوي عن أدهم (ص 68-108) يشير إلى توبة آدم ، وعفو الله عز وجل عنه ، يقول سبحانه "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" – (سورة المائدة آية 27-30)
وقصة قدري وهمام ابني أدهم وما انتهت إليه من قتل قدري أخاه بسبب حقده عليه لتفضيل الجبلاوي إياه (ص 106) إشارة إلى ما ورد من قول الله عز وجل "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين. إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين. فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين " (سورة المائدة آية 27-30)
وقول أميمة لقدري " كيف سولت لك نفسك قتله" (ص 111) واضح في الإشارة إلى الآية السابقة "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله"
وقول الكاتب عن "جبل": " ولما بلغ رشده ولاه الأفندي إدارة الوقف" (ص 131) إشارة إلى قوله عز وجل "ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما" (سورة القصص آية 14)
ومطاردة الفتوة لدعبس الذي استغاث بجبل وتدخل جبل مناصرا دعبس ، وقتله قدره (ص 137) إشارة إلى قول الله عز وجل "ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين" (سورة القصص آية 15)
وقول الكاتب على لسان دعبس موجها حديثه إلى جبل "أتريد أن تقتلني كما قتلت قدره" (ص 151) إشارة إلى قول الله عز وجل "فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهم قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس" (سورة القصص 19)
وبراعة جبل الفائقة على استئناس الثعابين والحيات (ص 171) إشارة إلى معجزة موسى عليه السلام وهي انقلاب العصا حية تسعى ، يقول الله عز وجل "وما تلك بيمينك يا موسى . قال هي عصاي أتوكأ عليه وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى . قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى" (سورة طه آية 17-20)
وقول الكاتب على لسان جبل متحدثا عن الجبلاوي "ولكنه بدا لي شخصا ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعا" (ص 176) إشارة إلى قول الله عز وجل عن ذاته العلية : "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (سورة الشورى آية 143)
وقول الكاتب على لسان جبل متحدثا عن الجبلاوي "وحددت بصري لأتبين وجهه المرتفع في الظلام فقال لي : لن تستطيع رؤيتي ما دام الظلام" (ص 178) يشير بذلك إلى قول الله عز وجل "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني" (سورة الأعراف آية 143)
وقول الكاتب "فضحك الأفندي ضحكة حانقة ، وقال: إنك حاو بحق وجدارة ولكنك لا تقنع بألاعيب الحواة ، وإنما تطمع في اللعب بالوقف كله" (ص 186) يشير إلى قول الله عز وجل على لسان فرعون "قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون" (سورة الشعراء آية 34-35)
وقول الكاتب على لسان جبل "لم يكرم الجبلاوي حيا من أحياء هذه الحارة كما أكرمكم ولو لم يكن يعتبركم أسرته الخاصة ما لاقاني ولا كلمني " (ص187) يشير إلى قول الله عز وجل "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين" (سورة البقرة آية 47-و122) وقول الله عز وجل "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه" (سورة المائدة آية 18) وما يزعمه اليهود من أنهم شعب الله المختار .
وأما دعوة الأفندي وامرأته جبلا أن يطهر بيوتهم من الثعابين مقابل احترام آل حمدان وإعطائهم حقهم في الوقف(ص 190) فإنها إشارة إلى طلب آل فرعون من موسى عليه السلام أن يدعو لهم ربه كي يكشف عنهم ما أنزله بهم من الرجز العذاب مقابل أن يؤمنوا به وأن يرسلوا معه بني إسرائيل ، يقول الله تعالى "ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل" (سورة الأعراف آية 134)
وعدم وفاء الأفندي بوعده لجبل (ص 193) يقابل عدم وفاء آل فرعون بما وعدوا به موسى عليه السلام ، كما يذكر القرآن الكريم في قول الله عز وجل "فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون" (سورة الأعراف آية 135)
وسقوط الفتوات في الحفرة كما يروي الكاتب "وما كادوا يتوسطون الدهليز حتى مادت أرضه بهم ، وهوت بمن عليها إلى قاع حفرة عميقة ، وفي سرعة مذهلة فتحت نوافذ الدور على جانبي الدهليز وانصبت المياه من الأكواز والحلل والطشوت والقرب ، وتقدم رجال حمدان دون تردد وردموا الحفرة بمقاطف الطوب ، ولأول مرة سمعت الحارة الصراخ يصدر عن فتواتها .. وترامت إلى الناس استغاثات ندت عن حناجر لم تألف طوال حياتها إلا السب والقذف ... واختلطت المياه المطينة بالدم ، وكان حمودة أول الهالكين" (ص 196) إشارة إلى غرق فرعون وأتباعه في اليم ثم استغاثة فرعون ، يقول الله عز وجل "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمن به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" (سورة يونس آية 90)
وقوله على لسان رضوان الشاعر "هذه عاقبة الظالمين" (ص196) إشارة إلى قول الله عز وجل "فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين" (سورة القصص آية 40)
وقوله على لسان جبل "عين بعين والبادئ أظلم" (ص 208) إشارة إلى قول الله عز وجل "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين" (سورة المائدة آية 45)
وفي حديث الكاتب عن شافعي وعبدة والدي رفاعة ذكر أنهما تعبا في مسيرهما وأن عبدة كانت حبلى . (ص 213) وفي هذا إشارة إلى عودة يوسف النجار ومريم محتملين كثيرا من العناء كما تذكر الروايات "فأي دافع يكفي ليسوق يوسف مريم من الناصرة إلى بيت لحم محتملين مشقة سفر أربعة أو خمسة أيام في أول فصل الشتاء ومريم على وشك الولادة" (سيرة المسيح 41)
وفي حديثه ذكر أن عم شافعي النجار تسلل هو وامرأته "عبدة" إلى الحارة عائدين بعد غربة طويلة وبعد أن مات زنفل اللعين الذي كان يخطف الصغار ويقتلهم. (ص 213-217) يشير إلى عودة يوسف النجار ومريم إلى أرض إسرائيل بعد موت هيرودس كما تذكر الأناجيل ، ففي إنجيل متى "فلما مات هيرودس إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا : قم وخذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل ، لأنه قد مات الذي كانوا يطلبون نفس الصبي فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل ( الإصحاح الثاني 19-21)
وفي قول جواد الشاعر لرفاعة عندما تحسسه ما أشبهك بجدك (ص 219) إشارة إلى ما يزعمه النصارى من أن المسيح هو كلمة الله المتجسد المولود الوحيد الذي لا يكون إلى على صورة المولود منه الذي وصفه الإنجيل بأنه محبة .( سيرة المسيح 9)
وقول الكاتب عن رفاعة "وعرف بأنه يخلص من العفاريت ويهب الصحة والسعادة لوجه الله وحده" (ص 267) إشارة إلى ما ورد من أن عيسى عليه السلام كان يخرج الشياطين ففي إنجيل مرقس "فكان يكرز في مجامعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين" الإصحاح الأول 39) وما ورد في الأناجيل من تطهير المسيح الأبرص والمفلوج . (ص مرقس الإصحاح الأول 40-41 والثاني 3-5)
وق ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل "وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني" (سورة المائدة آية 110)
وقوله "واصطفى رفاعة من مرضاه أربعة ، وهم : زكي وحسين وعلى وكريم ، اصطفاهم لصداقته فصاروا اخوة لم يعرف أحد منهم الصداقة ولا الحب قبل أن يعرفه" (ص 268) إشارة إلى اختيار المسيح عليه السلام للرسل الأربعة الذين كانوا باكورة تابعيه يوم كان لا يزال مجهولا كما تذكر المسيحية وهم سمعان بن يونا الذي سماه بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا . (انظر سيرة المسيح 185)
ويقول الكاتب : فقال رفاعة برقة (أي عن نفسه) صديق المساكين يا معلم (ص 270) وفي هذا إشارة إلى ما جاء في إنجيل لوقا على لسان المسيح عليه السلام "الرب مسحني لأبشر المساكين" (الإصحاح الرابع 18)
وحديث الكاتب عن خيانة ياسمين زوجها رفاعة بالرغم من أنه الذي أنقذها (ص 301) يشير إلى خيانة يهوذا الذي باع نفسه كما باع سيده بثلاثين من الفضة ، مع أن المسيح جاهد لتربيته في الصلاح ، ويقوده إلى الخلاص (سيرة المسيح 472)
ونهاية رفاعة وما تلاها من روايات عن جثته واختفائها (ص 293-298) إشارة إلى ما ورد في النصرانية عن نهاية المسيح عليه السلام (سيرة المسيح 496-499)
وقول الكاتب وتساءل عرفة في يأس : لماذا تبغون قتلي ؟ فهوى بيومي بنبوته على رأسه بشدة فصرخ رفاعة صرخة عالية وهتف من أعماق قلبه يا جبلاوي . (ص 295) إشارة إلى ما ورد في الإنجيل من صراخ المسيح عليه السلام قبل أن يسلم الروح واستغاثته بربه ففي إنجيل مرقس "وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : ألوى ألوى لما شبقتني الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني . فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا هوذا ينادي إيليا . فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه قائلا : اتركوه لنرى هل يأتي إيليا لينزله فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح" (الإصحاح الخامس عشر 34- 37)
وفي حديث الكاتب عن قاسم ذكر أنه من حي الجرابيع إشارة إلى قريش وربما قصد أنه أهل بؤس وشقاء كما تحدث عنهم فيما بعد وإن أخطأ في هذا الأمر فقد كانت قريش سادة الناس وكان فهر وهو قريش رئيس الناس بمكة (راجع نهاية الأرب 16/17) كما أن هاشم بن عبد مناف والد عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجلا موسرا فكان يخرج في كل عام مالا كثيرا . (المرجع السابق 16/35) وقوله : "وأحب زكريا قاسم كما كان يحب أباه من قبل ولما حملت زوجته عقب انضمام الصغير إلى الأسرة تفاءل به خيرا وازداد عليه عطفا" (ص 310) إشارة إلى كفالة أبي طالب ابن أخيه محمدا فقد قام بكفالته صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب شقيق أبيه واختصه بفضل الرحمة والمودة ، وكان مقلا من المال فبارك الله في قليله حتى كان طعام الواحد يشبع جميع الأسرة . (انظر روضة الأنوار في مسيرة النبي المختار . صفي الرحمن المباركفوري 13، مكتبة دار السلام الرياض )
وحديث الكاتب عن عمل قاسم مع عمه (ص 312) إشارة إلى خروج الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام فقاسم كما يذكر طالما رجا عمه ليأخذه معه ومحمد تعلق بأبي طالب عندما تهيأ للرحيل إلى الشام. (سيرة ابن هشام 1/ 114، نهاية الأرب 16/9)
ولقاء قاسم بعد أن خرج مع عمه بالمعلم يحي الذي يبيع المسابح والبخور والأحجية (ص 314) إشارة إلى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان مع عمه في رحلته إلى الشام بالراهب بحيرى (سيرة ابن هشام 1/115، نهاية الأرب 16/90) ورعي قاسم الغنم (ص 317) إشارة إلى رعي الرسول صلى الله عليه وسلم الغنم .
وقول الكاتب عن قاسم "وكان يخلو إلى نفسه حينا" وقوله "فقد أحب الخلاء والهواء النقي ، وأنس إلى المقطم وصخرة هند وقبة السماء ذات الأطوار العجيبة" (ص 317) إشارة إلى تحنث الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان يرغب في الاعتزال والخلوة بنفسه وقويت هذه الرغبة مع تقدم السن ، حتى كأن حاديا يحدوه إلى الخلوة والانقطاع . فأخذ يخلو بغار حراء . (روضة الأنوار 19)
وقول الكاتب على لسان المعلم يحيى موجها كلامه لقاسم "وأنت شاب مولع بالنساء ترصد عند المغيب فتيات الخلاء" (ص 318) إشارة إلى ما يردده بعض المستشرقين ومن تبعهم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مزواجا "ولم يروا في هذا الجمع بين عدد من النساء لزوج واحد سوى مظهر مادية مسرفة، وإنه لضلال أملاه التعصب الأحمق والهوى المضل. وانحراف عن المنهج العلمي الذي يأبى أن نقيس مسألة تعدد الزوجات بمقاييس عصرية مستحدثة أضرت بالمرأة والأسرة والمجتمع ، من حيث يظن أنها مصلحة منصفة . (سيدات بيت النبوة ، د . عائشة بنت الشاطئ ص 206، دار الريان للتراث 1987)
وفي حديث الكاتب عن حادثة النقود المسروقة في ا لحارة والتي ألقى بسببها كل حي من الأحياء التهم على حي آخر ، ثم ما كان من أمر قاسم وما اقترحه في هذا الشأن من حيلة ترد بها النقود إلى صاحبها دون عراك ، ودون أن يفتضح أمر السارق ، وتوفيق قاسم وسداد رأيه ، ثم ثناء أهل الحارة عليه ، وعلو شأنه (ص 324-329) يشير إلى اختلاف قبائل قريش في رفع الحجر الأسود ، وما وصلت إليه حالهم من اختلاف أدى إلى استعداد كل منهم لقتال الآخر وما كان من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين بسط رداءه في الأرض ، وأخذ الحجر فوضعه فيه ، ثم طلب من كل قبيلة أن تأخذ بطرف من الثوب ووضعه صلى الله عليه وسلم في مكانه . (راجع سيرة ابن هشام 1/ 125، نهاية الأرب 16/ 99-105)
وقول الكاتب على لسان سكينة خادمة قمر ، موجهة كلامها لقاسم : لمثلك يدعى بنت الحلال . فقال ضاحكا : ومن ذا الذي يرضى براعي غنم ؟ ثم إشارتها بأن يتقدم لخطبة قمر . (ص 332) إشارة إلى ما قالته نفيسة بنت منية خادمة السيدة خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال : ما بيدي ما أتزوج به . قالت : فإن كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال: فمن هي ؟ قالت : خديجة . (نهاي الأرب 16/97)
ولقاء قاسم بقنديل خادم الجبلاوي (ص 351) إشارة إلى نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم .
وقول زكريا لقاسم ابن أخيه : أقلع عما في رأسك وارض بما وهبك الله من خير ونعمة ، ورد قاسم على عمه بتصميم عجيب : لن أقلع عما في رأسي ولو ملكت الوقف كله وحدي . (ص 361) إشارة إلى ما قاله أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن أخي إن قومي قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، ورد الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته" (سيرة ابن هشام 1/ 165 ونهاية الأرب 16/ 200)
وحديثه عن تأخر خادم الجبلاوي في الرجوع إلى قاسم وحزن قاسم لذلك . (ص 361) إشارة إلى فترة الوحي عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى شق ذلك عليه وأحزنه . (سيرة ابن هشام 1/ 153، ونهاية الأرب 16/ 176)
وقول الكاتب على لسان قاسم إذا نصرني المولى فلن أحرم النساء من ريع الوقف (ص 362) إشارة إلى توريث النساء في الإسلام .
أما قول المعلم يحي لقاسم : لا عجب فيك إلا اهتمامك بالوقف وسوف يسوقك ذلك إلى متاعب لا حصر لها . (ص 264) إشارة إلى قول ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . ورد الرسول متسائلا : أو مخرجي هم ؟ وأجابه ورقة : نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلى عودي . (فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1/ 30 دار الريان للتراث)
وقول القاسم : لن أتخلى عن هذا الأمر مهما تكن العواقب . ( ص 382) إشارة إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم السابق "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته"
وأما اقتراح قاسم على أصحابه بالهجرة من الحارة. (ص 388) فهو إشارة إلى إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة من مكة .
وموت قمر وحزن قاسم الشديد عليها . (ص 394-396) إشارة إلى موت السيدة خديجة رضي الله عنها وحزن الرسول صلى الله عليه وسلم .
ومجيء بدرية أخت صادق إلى قاسم وقولها على لسان صادق : إنه يقول لك أن غادر الحارة فورا. فإن لهيطة وجلطة وحجاج وسوارس تآمروا على قتلك . (ص 398) إشارة إلى إذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة وإن حاول الكاتب أن يجعل الأمر بعيد عن الوحي ،ونسي قول الله عز وجل لرسول في القرآن الكريم "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (سورة الأنفال آية 30) فقد نزلت بعد تشاور المشركين وتآمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . (راجع تفسير القرطبي 5/ 2833، وابن كثير 2/ 315)
والحارة الجديدة التي كانت مستيقظة تنتظر قاسما . (ص 406) إشارة إلى المدينة المنورة التي كان أهلها من الأنصار ينتظرون مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقول الكاتب : فأطلت رؤوس رجال ونساء ، وتعالى الهتاف والزغاريد ،وانطلقت الحناجر تنشد : "يا محنى ديل العصفورة". إشارة إلى استقبال الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأناشيد ، يقول البراء بن عازب رضي الله عنه : فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به (أي بالرسول) حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون : هذا رسول الله قد جاء (زاد المعاد لابن قيم الجوزية 3/ 61) ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة جعل الولائد يقولون :
طلع البدر علينا من ثنية الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
(فتح الباري 7/ 307)
وإن كان الكاتب يشير إلى هذا الحدث الجليل إشارة فيها من الهزل والسخرية ما لا يحتاج لإيضاح .
وقول الكاتب عن قاسم "وكم سره أن يرى حماسة رجاله وتوثبهم لليوم العصيب أشداء بين الرجال ولكنه يكنون له من الحب ما لم تعرفه حارتهم الممزقة بالبغضاء (ص 412) إشارة إلى قول الله عز وجل "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" (سورة الفتح آية 29)
وزواج قاسم من بدرية أخت صادق (ص 415) إشارة إلى زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنه .
وهجوم قاسم وأصحابه على الفتوات أثناء زفة سوارس وما انتهت إليه من هزيمة الفتوات(ص 418-421) . إشارة إلى غزوة بدر وانتصار المسلمين على المشركين فيها .
وقول الكاتب عن قاسم "وخيل إليه أنه يرى شبح قنديل" . (ص 418) إشارة إلى ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغفى إغفاءة واحدة ، وأخذ القوم النعاس في حال الحرب ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: " أبشر يا أبا بكر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب" وفي رواية "هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع ، أتاك نصر الله وعدته " (زاد المعاد 3/180 سيرة ابن هشام 2/ 185) وإن كان الكاتب قد جعل ذلك مجرد تخيل من قاسم .
وأما قول بدرية في الرواية عن قمر الزوج الأولى لقاسم "كانت طاعنة في السن ولا جمال لها" ثم غضب قاسم وحزنه وقوله لها "لا تذكريها بسوء فمثلها لا ينبغي أن يذكر إلا بالرحمة" (ص 421) فإنه إشارة إلى قول السيدة عائشة عن السيدة رضي الله عنها " هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها ، وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك قائلا : لا والله ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي حين كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء . (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ابن عبد البر 4/ 1824 درا نهضة مصر)
وانضمام الغنام إلى قاسم سائقا معه جميع أغنام الحارة . (ص 424) إشارة إلى سوق الأسارى من المشركين بعد انتهاء غزوة بدر .
ومحاولة انتقام الفتوات وحصارهم قاسما وأصحابه ومعاناة القاسميين قلة الماء (ص 425وما بعدها) إشارة إلى غزوة الخندق التي حاصر فيها الأحزاب المدينة واشتد أثناءها البلاء على المسلمين . (سيرة ابن هشام 3/127-140، نهاية ا لأرب 17/166-178)
وحديث الكاتب عن القتال والاشتباك الذي دار بين حسن ولهيطة وقتل حسن لهيطة (ص 429) إشارة إلى ما كان بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعمرو بن ود ومقتل عمرة على يد علي (سيرة ابن هشام 3/ 135، نهاية الأرب 17/173)
وقول حجاج بعد الهزيمة عن قاسم وأصحابه : لولا اعتصامهم بالجبل لهلكوا عن آخرهم (ص 434) إشارة إلى حفر المسلمين الخندق ، وما كان من نصر الله تعالى المسلمين .
ووقوف قاسم أمام البيت يتقدم في عصبة من رجاله .. وقوله بأعلى صوته "لا نريد أذى لأحد لا غالب ولا مغلوب أبناء حارة واحدة وجد واحد ، والوقف للجميع (ص 439) إشارة إلى فتح مكة "حيث دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ، حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته ، ثم تلا قول الله عز وجل "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" ثم قال : يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : فإني أقول لكم كما قال يوسف لاخوته : لا تثريب عليكم اليوم ، اذهبوا فأنتم الطلاقاء . (زاد المعاد 3/ 407 وسيرة ابن هشام 4/ 34)
ولذلك يقول الكاتب "وهكذا تم النصر لقاسم ، وأصبح رجل الحارة دون منازع ، وتولى شئون النظارة إذ أنه كان لا بد للوقف من ناظر ، وعاد الجرابيع إلى حيهم وعاد معهم كل من هاجر من الحارة خوفا من الفتوات" (ص 441) مشيرا بذلك إلى انكسار شوكة المشركين بعد الفتح ودخول الناس في دين الله ، وهدم الأصنام ، واستقرار الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم .
أما قوله عن قاسم "لم يتغير من شأنه شيء ، اللهم إلا أنه توسع في حياته الزوجية ، كأنما جرى فيها مجراه في تجديد الوقف وتنميته فعلى حبه بدرية تزوج حسناء من آل جبل ، وأخرى من آل رفاعة ، وتعشق امرأة من الجرابيع ، ثم تزوج منها أيضا"
فإنه إشارة إلى زواج الرسول صلى الله عليه وسلم وحسناء آل جبل يقصد بها السيدة صفية بنت حي بن أخطب وكان أبوها سيد بني النضير من اليهود ، والأخرى من رفاعة إشارة إلى السيدة مريم بنت شمعون القبطية التي أهداها المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها ورزق منها إبراهيم ، وأما التي يذكر الكاتب أن قاسما تعشقها ، فيقصد بها السيدة زينب بنت جحش ، وإن كانت الإشارة فيها بعد عن الحق ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها بأمر من الله تعالى ، ولذلك كانت تفخر بنفسها وتقول لنسائه عليه الصلاة والسلام :"أنا الذي زوجني الله من فوق سبع سماوات " (القرطبي 8/ 5277) والله عز وجل يقول في كاتبه : "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا" (سورة الأحزاب آية 37)
يقول الإمام القرطبي : والمراد بقوله تعالى : "وتخشى الناس" إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء ، وتزوج بزوجة ابنه ، فأما ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم هوي زينب امرأة زيد وبما أطلق بعض المجان لفظ عشق فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا أو مستخف بحرمته" (انظر تفسير القرطبي 8/ 5273)
ويعود الكاتب ليشير إلى ما قيل عن زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكمة في تعدد أزواجه ، فيقول عن قاسم "وقال أناس في ذلك إنه يبحث عن شيء افتقده منذ فقد زوجته الأولى قمر ، وقال عمه زكريا إنه يريد أن يوثق أسبابه بأحياء الحارة جميعا ، لكن حارتنا لم تكن بحاجة إلى تفسير أو تعليل لما حدث ، بل الحق أنها إذا كانت أعجبت به لأخلاقه مرة ، فقد أعجبت به لحيويته مرات ، وإن حب النسوان في حارتنا مقدرة يتيه بها الرجال ويزدهون ، ومنزل تعدل في درجتها ، الفتونة في زمانها أو تزيد" (ص 443)
وحينما يذكر الكاتب "أن صادقا خلف قاسم على النظارة فسار سيرته" (ص 447) فإنه يشير إلى خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه وابتاعه منهج الرسول في كل حياته .
وذكره "أن قوما رأوا حسن أحق منه (أي صادق ) بالنظارة لقرابته من قاسم" (ص 447) إشارة إلى ما قاله الشيعة من أحقية الإمام علي كرم الله وجهه بالخلافة .
وهذه كلها إشارات واضحة لا تحتاج إلى بيان أو برهان .
والحديث عن عودة عرفة إشارة إلى تطور العلم الحديث ودور العلم المادي والبحوث العلمية في تقدم الحياة الإنسانية ، ومحاولة العلم الوصول إلى المخترعات والعجائب واعتقاده أن العلم هو البديل للدين .
وحديث الكاتب عن عرفة وأنه مجهول الأب (ص 451) إشارة إلى أن العلم لا جنس له ولا أب له .
والبدروم الذي يسكنه عرفة إشارة إلى المعامل التي تجرى فيها الأبحاث العلمية ، فإذا كان هو وحنش يعملان في حجرة البدروم الخلفية على ضوء مصباح غازي مثبت في الجدار ولم تكن الحجرة تصلح للحياة العادية . (ص 460) فإن الكثير من الأبحاث العلمية قد خرجت من معامل لا تصلح أصلا لشيء ولكن العلم (حسب زعم الكاتب ) لا يأبه بمثل ذلك .
وقول عرفة "وما أنا فتوة ، ولا برجل من رجال الجبلاوي ولكني أملك الأعاجيب في هذه الحجرة ، ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين" (ص 471) إشارة إلى العلمانية التي لا تؤمن بالأديان وإشارة كذلك إلى ما يزعمونه من قوة العلم وقدرته .
وتبدو الإشارة الهزلية في قول الكاتب على لسان عرفة "جدنا الواقف كل مغلوب على أمره يصيح كما صاح المرحوم أبوك "يا جبلاوي" ولكن هل سمعت عن أحفاد مثلنا لا يرون جدهم وهم يعيشون حول بيته المغلق ؟ وهل سمعت عن واقف يعبث العابثون بوقفه على هذا النحو وهو لا يحرك ساكنا ، فترد امرأته عواطف : إنه الكبر فيقول بارتياب : لم أسمع عن معمر عاش طول هذا العمر" (ص 483) فهذا إشارة إلى ما يراهم من عدم ثقة بالأديان كما أنه يستهين بالغيبيات ولذلك نجد الوضوح بعد الإشارة والتصريح بعد التلويح في ا لحوار الذي أداره بين عرفة وامرأته التي تقول "ربك قادر على كل شيء فيرد عرفة كذلك السحر فهو قادر على كل شيء" (ص 483) فقد جعل السحر قادرا على تحقيق كل شيء فلا يعجزه شيء ولا يقف أماه عائق ولذلك فإن آثار قاسم وعدالته (من خلال ما يذكر الكاتب) ولت أما السحر فأثره لا يزول. (ص 484)
وقول عرفة "وحجرتي الخلفية علمتني ألا أؤمن بشيء إلا إذا رأيته بعيني وجربته بيدي (ص 487) إشارة إلى أن العلم المادي لا يؤمن إلا بالأبحاث والتجارب الملموسة . فهو لا يؤمن بغيبيات .
والإيمان بالعمل المادي وبعدم وقوفه عند حد (كما يرى العلمانيون) جعل الكاتب (على لسان عرفة) يقول : أنا عندي ما ليس عند أحد ولا الجبلاوي نفسه ، عندي السحر وهو يستطيع أن يحقق لحارتنا ما عجز عنه جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين. (ص 498) والإشارة إلى قدرة العلم واضحة وإلى الاستهانة بالدين فللعلم (من خلال هذا الزعم ) قدرة مطلقة لا حد لها ولا قدرة للدين عليها .
وأما موت الجبلاوي (ص 516) فإشارة إلى عدم جدوى الأديان من خلال النظرة العلمانية وكأن الأديان قد انتهى عمرها الافتراضي في مواجهة العلم ، فعرفة هو الذي تسبب في قتل الجبلاوي أو موته ، وكأن العلم يجب أن يحل مكان الأديان ، وكأن الدين قد عجز عن مواجهة العلم المادي وعليه أن يذهب في غير رجعة .
واختلاف آل جبل وآل رفاعة وآل قاسم فيمن سيكون فتوة الحارة (ص 520) إشارة غلى اختلاف الأديان الثلاثة : اليهودية والنصرانية والإسلام يما بينها ، وفي صحة كل منها دون ما سواه .
وانتقال عرفة من البدروم إلى بيت الفتوة على يمين البيت الكبير . إشارة إلى أن العلم قد حل محل الأديان ، من وجهة نظر العلمانية وأن الأديان قد انهارت وانتهى دورها .
وقول الكاتب على لسان خادمة الجبلاوي موجهة حديثها لعرفة : لقد قال لي الجبلاوي : اذهبي إلى عرفة الساحر وأبلغيه أن جده مات وهو راض عنه. (ص538) إشارة إلى خضوع الدين لقوة العلم واستكانته وأن الأديان في رأي العلمانيين لا مفر لها أمام العلم الحديث إلا التسليم والرضا بالواقع .
وموت عرفة على يد الناظر بالسلاح الذي قتل به الجبلاوي وفرار أخيه ومساعده حنش ، وفرح أهل الحارة لمقتل عرفة . إشارة إلى استغلال بعض الناس لسلطان العلم وقوته، ثم مناصبتهم العلماء العداء ومحاولتهم القضاء على العلم ، وإن بقي من العلماء من يقدر على مواصلة ما بدأه عرفة ولذلك كانت الإشارة الأخيرة واضحة الدلالة حيث يقول الكاتب على لسان الناس الذين واجهوا شعراء المقاهي الذي يتغنون بقصة الجبلاوي "لا شأن لنا بالماضي ولا أمل لنا إلى في سحر عرفة ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر" (ص 551) فالعلمانيون الماديون يرون أنه لا صلاح إلا بالعلم ، ولا جدوى ولا أمل إلا بالتثبت بأهداب العلم المادي ، أما الأديان فإنها قد صارت من وجهة نظرهم محض هراء لا طائل منها .
من مواضيع : موسى بن الغسان قصيدة مضنــــــــــــــــــــــــاك جفاه مرقده لامير الشعراء أحمد شوقي
الخواجه الامريكانى
120 مثل من اليابان
كلب الوالي ..... لأحمد مطر
من قصيده كـن بـلـسماً ..لاليا ابو ماضى
14-09-2006, 04:31 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- الفصل الرابع : الدين والعلم في روايات نجيب محفوظرواية أولاد حارتنا كما هو واضح مما سبق تعتمد على تاريخ البشرية كلها وتتكئ على الرسالات السماوية ، الحارة رمز للكون كله ، وأولاد هذه الحارة هم الخلق منذ آدم عليه السلام وإلى الآن .
وتقوم الرواية على الصراع بين العلم والدين ، ففي عصر أصبح العلم فيه كأنه إله جديد تمزقت في البعض وشائج ذلك اليقين الديني ويريد أن يقبض عليها من جديد أملا في أن يكون العلم في قدرته يوما ما أن يهبه هذا اليقين الذي تزعزع إن لم يكن قد ذهب (انظر دراسة أدب نجيب محفوظ د . رجاء عيد ص 62، منشأة المعارف الإسكندرية 1974)
وإذا كان نجيب محفوظ قد أراد أن يعيد كتابة تاريخ البشرية بقلمه ، فقد جعل من الأنبياء والرسل في روايته مجرد مصلحين ، وقد اتخذ الكاتب من الرمز ستارا يحاول أن يغطي به على ما أراد أن يتناوله من الشخصيات والأماكن والأحداث ، كما ألبس الكاتب أحداث القصة وشخصياتها لباسا شعبيا ، وأضفى عليها من خياله ما حاول أن يخرج به عن الأحداث الحقيقية بعض الشيء .
وقد اختار الكاتب لأفكاره التي أراد أن يطرحها وتصوره الذي أراد أن يوصله للقارئ طريقه السرد القصصي بمالها من قدرة على اجتذاب وتشويق ، واعتمد على سرده هذا على الرمز والتلميح ، ومحاولة التخفي بعيدا عن المباشرة والتصريح .
وبما قصد الكاتب من روايته تجسيد فكرة العدالة ، واتهم الجبلاوي بالتحيز والتعصب ، إذ أنه اختار أدهم لإدارة الوقف بدلا من إدريس الذي كان ينبغي أن يكون هو المختار.
وتبدو ظاهرة التحيز من خلال زعم الكاتب في قوله لم يبد من الأب قبل ذلك اليوم ما ينم عن التحيز في معاملته لأبنائه وعاش الاخوة في وائم وانسجام بفضل مهابة الأب وعدالته ، حتى إدريس على قوته وجماله وإسرافه أحيانا في اللهو لم يسئ قبل ذلك اليوم إلى أحد من اخوته . (ص 17)
ولنلاحظ قوله " لم يبد من الأب قبل ذلك اليوم" أي أنه لم يكن من قبل متحيزا ، ولكنه في هذا اليوم صار متحيزا لأدهم ، كما أن إدريس "لم يسئ قبل ذلك اليوم إلى أحد من اخوته" ومعنى هذا أن إحساسه وشعوره بظلم الجبلاوي وتحيزه هو الذي أخرجه عن تلك الطبيعة ، وجعله يسئ إلى اخوته فيما بعد ، ومن ثم فإن الذنب ذنب الجبلاوي .
ثم يعود الكاتب للحديث عن هذه العدالة المنشودة ، فيذكر الحوار الذي دار بين جبل والجبلاوي ، حيث يقول الجبلاوي : "أنت يا جبل ممن يركن إليهم ، وآي ذلك أنك هجرت النعيم غضبا لأسرتك المظلومة ، وما أسرتك إلا أسرتي ، وهم لهم حق في وقفي يجب أن يأخذوه ولم كرامة يجب أن تصان ، وحياة جميلة" فيسأله جبل في فورة حماس أضاءت الظلام : "وكيف السبيل إلى ذلك؟ فيقول الجبلاوي : بالقوة تهزمون البغي ، وتأخذون الحق ، وتحيون الحياة الطبيعية" (ص 178)
ولذلك اهتم جبل بتحقيق هذا العدل ، وتمثل هذا في انتصاره لأحد المظلومين "كعبلها" الذي فقأ الفتوة "دعبس" عينه ، فقال جبل : عين بعين والبادي أظلم ، وأمر "كعبلها" أن يفقأ عين دعبس . (ص 208) ولذلك كان جبل كما يذكر الكاتب "أول من ثار على الظلم في الحارة " ولبث بين آله مثالا للعدل والقوة والنظام" (ص 209)
كما أن رفاعة كان يرجو العدل ، وقد كان يرى أنه "إذا وزع الريع (أي ريع الوقف) بالعدل ووجه للبناء والخير ، فهو لخير كل الخير" (ص 305)
كما أن الجبلاوي يرسل خادمه إلى قاسم ليبلغه "بأن جميع أولاد الحارة أحفاده على السواء ، وأن الوقف ميراثهم على قدم المساواة" (ص 353) وعندما رفع قاسم دعوى على الناظر اتهمه بالجنون ثم سأله عن سبب رفع هذه الدعوى عليه ، فأجاب قاسم قائلا: أردت العدل . فسأله الناظر : لمن ؟ فارتسم التفكير في عينيه وهو يقول : للجميع . (ص 378)
ويطبق قاسم هذا المنهج حيث وزع الريع على الجميع بالعدل بعد الاحتفاظ بقدر للتجديد والإنشاء . أجل كان نصيب الفرد ضئيلا ، ولكن إحساسه بالعدل والكرامة فاق كل حد. (ص 442)
فحارة نجيب محفوظ "تموج كما تموج الحياة ذاتها بالنماذج الإنسانية التي تتصارع وتتعايش من خلال فكرة واقعية ، هي محاولة إعادة توزيع ريع "الوقف" الموجود في الحارة على سكانها بالعدل والقسطاس ، ذلك الوقف الذي كان الجبلاوي المتسلط قد حجبه عن الجميع . (انظر حكاية أولاد حارتنا د . عبد الجليل شلبي وآخرين . مقال سمير سرحان 93)
فالكاتب يهدف من روايته إلى تأكيد قيمة العدل ، وإلى محاربة الظلم بكافة أشكاله ، ولكنه جعل الجبلاوي يأمر بالعدل ولا يعدل هو بين أبنائه ، ويدعو إلى المساواة ، وهو يميل إلى التحيز أحيانا .
وإلى جانب محاولة الكاتب تجسيد قيمة العدل ، والتأكيد على مقاومة الظلم ، كان له هدف آخر من روايته وهو التأكيد على دور العلم والمعرفة ، بل ربما كان هذا الهدف هو الأساس في بناء تلك الرواية فقد جعل الكاتب "عرفة" ممثلا للعلم ، وهو يحاول مواجهة مشكلات الحارة ، ويحاول إصلاح ما فسد فيها بمرور الأيام وتعاقب الأجيال ، معتمدا على سحره وعلى أبحاثه .
وقد أعلى الكاتب من شأن العلم المادي التجريبي حيث ظهرت ثقته المطلقة فيه فعرفة لديه من الأعاجيب في حجرته الكثير "ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين. (ص 471)
وقد جعل الكاتب العلم في مواجهة الدين ، بل جعله أقوى في تأثيره من الدين كما يتضح من العبارة السابقة التي ذكرها على لسان عرفة .
ويكرر الكاتب هذا المعنى ويؤكده فيما أداره من حوار بين عرفة وعواطف امرأته ، فهي تقول له : "ربك قادر على كل شيء فصمت مليا ثم غمغم قائلا : كذلك السحر فهو قادر على كل شيء" (ص 483) أي أن السحر قادر على ما يقدر عليه الله تعالى ، هكذا في وضوح ودون رمز أو مواربة ، ثم يقول عرفة : "آه لو كنا جميعا سحرة" فتقول عواطف : "لو" ثم تردف قائلة : في زمن قصير حقق قاسم العدالة بغير سحرك . ولكن عرفة يرفض هذا المنطق ، فيقول "وسرعان ما ولت أما السحر فأثره لا يزول " ( ص 484) أي أن مهمة الدين قد انتهت وصارت المسألة بيد العلم .
ولذلك كانت تلك الثقة المفرطة في العلم فعرفة يتهم الحارة كلها بالجهل والغرور ، وأنها ليس لديها إلا الحكايات والرباب ، أما هو فتبدو ثقته المطلقة فيما يملك في قوله : "أنا عندي ما ليس عند أحد ولا الجبلاوي نفسه ، عندي السحر وهو يستطيع أن يحقق لحارتنا ما عجز عنه جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين" (ص 498) ولذلك فإن الرواية تنتهي بموت الجبلاوي بعد أن كبرت به السن ووهت صحته ، وبقي عرفة بما يملك من قدرة سحرية ومعرفة عجيبة ، حيث أدرك الناس أخيرا أنه الأمل الذي يتشبثون بأهدابه ، فقالوا : "لا شأن لنا بالماضي ، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة ، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر" (ص 551) هكذا تكون المفاضلة في النهاية في صالح العلم الذي جعل الناس يكبرون ذكرى عرفة ، ويرفعون اسمه حتى فوق أسماء جبل ورفاعة وقاسم .
فالكاتب يرى أن الأمل كله في العالم ، وأن الثقة المطلقة لا تكون إلا فيه ، فهو المنقذ للعالم من كل الشرور والمفاسد ، ولا ينبغي الاعتماد على شيء غيره ، ولذلك كان قول عرفة عن رحلته التي قتل أثناءها خادم الجبلاوي : "ولكنها علمتني أنه لا ينبغي أن نعتمد على شيء سوى السحر الذي بين أيدينا" (ص 497)
فالكاتب مؤمن بدور العلم المادي التجريبي ، وهو يثق فيه ثقة مطلقة ، وليس هذا قصرا على فكره في هذه الرواية "أولاد حارتنا" وإنما هو خط انتهجه الكاتب في معظم رواياته ، متأثرا بما قرأه وما شكل شخصيته منذ بداياته الأولى ، حيث كان للعلم أثره في نظرته إلى الأشياء .
فهذا الإيمان المطلق بالعلم ودوره جعل الكاتب يقدم لنا "سالم جبر" الكاتب بجريدة كوكب الشرق في روايته "المرايا" في صورة من يهزأ بالدين ويؤمن بالعلم . فهم يتهكم بأمور الدين ، يقول الكاتب : "وسألته مرة : ألم تأسف على أنك لم تتزوج ولم تنجب ؟ فأجاب بسخرية : الندم عادة دينة سخيفة . (المرايا ص118)
ثم يقول "وركز في أيامه الأخيرة على الإيمان بالعلم إيمانا نسخ إيمانه القديم بالأيديولوجية ، ويتساءل مرارا : متى يحكم العلماء (المرايا ص 119)
كما يقول الكاتب على لسان مصطفى المنياوي في الشحاذ "إني مؤمن بالعلم والعقل" (الشحاذ ص146)
ويقول عن كمال أحد أبطال "قصر الشوق" : لماذا كتب مقالته ؟ لقد تردد طويلا قبل أن يرسلها إلى المجلة ، ولكنه كان يود أن ينعى إلى الناس عقيدته ، لقد ثبتت عقيدته طوال العامين الماضيين أما عواطف الشك التي أرسلها المعري والخيام ، حتى هوت عليها قبضة العلم فكانت القاضية. (قصر الشوق 347)
ثم قال عنه كذلك "وسيكون في تحرره من الدين أقرب إلى الله مما كان في إيمانه به ، فما الدين الحقيقي إلا العلم هو مفتاح أسرار الكون وجلاله ، ولو بعث الأنبياء اليوم ما اختاروا سوى العلم رسالة لهم (قصر الشوق 350)
وهذه المواجهة بين العلم والدين ، وانتصار الكاتب للعلم على حساب الدين ، نجدها كثيرا في روايات الكاتب ، حيث "يمثل نجيب محفوظ في راياته صورة للصراع بين العلم والدين ، ففي عصر أصبح العلم فيه كأنه إله جديد تمزقت في البعض وشائج ذلك اليقين الديني ، ويريد أن يقبض عليها من جديد أملا في أن يكونه العلم في قدرته يوما ما أن يهبه هذا اليقين الذي تزعزع إن لم يكن قد ذهب " (دراسة في أدب نجيب محفوظ د . رجاء عيد ص 62 مكتبة المعارف بالإسكندرية 1974)
إن تلك المواجهة ، وهذا الصراع الذي جعله الكاتب بين الدين والعلم نجده في رواياته المختلفة ، فهذا كمال بطل رواية "بين القصرين" يقول: " أريد عالما يعيش فيه الإنسان حرا ، بلا خوف أو إكراه ، أما الدين فهو أقدم الآثار المتخلفة على وجه الأرض ، فمتى يشب الإنسان عن طوقه ويعتمد على نفسه" (بين القصرين )
وفي "قصر الشوق" نجده على لسان كما كذلك يقول : ولا تقل إن الفلسفة كالدين أسطورية المزاج ، فالحق أنها تقوم على دعائم ثابتة من العلوم، وتتجه بها إلى غايتها" قصر الشوق 398) ونلاحظ هنا قوله : "ولا تقل إن الفلسفة كالدين أسطورية المزاج" ، ثم قوله : "فالحق أنها تقوم على دعائم ثابتة" أي أن الدين أسطوري المزاج ، وأنه لا يقوم على مثل تلك الدعائم الثابتة .
وفي رواية "السكرية" نجد أحمد يقول عن الإسلام : " أعرف أنه دين وحسبي ذلك ، ولا أؤمن بالأديان ". ثم يقول : "بقاء العقيدة أكثر من ألف سنة آية لا قوتها ، ولكن على حطة بني الإنسان ، ذلك ضد معنى الحياة المتجددة" (السكرية ص 135)
وانتصاره للعلم وثقته المطلقة فيه ، وأمله في أن يقضي هذا العلم على الأديان يبدو من قوله في "خان خليلي" على لسان المحامي : " لا غنى عن التسلح بالعلم للمكافح الحق ، لا للاستغراق في تأملاته ولكن لتحرير النفس من أصفاد الأوهام والترهات ، فكما أنقذننا الدينات من الوثنية ، ينبغي أن ينقذنا العلم من الديانات" (خان الخليلي ص 83)
بل إن الكاتب يقول على لسان رياض قلدس في السكرية : "الشيوعية علم ، أما الدين فأسطورة" (السكرية ص152)
ونجد في قصته "الطريق" يقول على لسان إحدى شخصياته : "وأين الله خالق كل شيء وحافظه ؟
ثم يقول الكاتب : أين الله حقا ؟ هو عرف اسم الله ولكنه لم يشغل باله قط ، ولم تشده إلى الدين علاقة تذكر .
ثم يكمل : وسوف يصمت إلى الأبد دون أن ينبس لسانه بجواب يخرجه من حيرته .(الطريق ص 44)
ونلاحظ في روايات الكاتب كثيرا من هذا التشكيك في وجود الله عز وجل على لسان شخصياته ، ففي رواية السراب نجد "كامل" يسأل أمه "أين يوجد الله ؟ فتجيبه بدهشة : إن الله تعالى في كل مكان . فيرنو إليها بطرف حائر ، ويسأل في خوف : في هذه الحجرة ؟ فتقول بلهجة تنم عن استنكار : طبعا ، استغفره على سؤالك هذا" (السراب ص 52)
وفي روايته " المرايا " نجد الكاتب يتحدث عن "صبري جاد " من حملة ليسانس الفلسفة ، وقد ذهب إلى عباس فوزي الكاتب الكبير ، الذي يسأل صبري : ما موقفكم من الدين ؟ فيجيب ببساطة : لا أحد يهتم به ، فيسأله : لم ؟ فيجيب لم يكن موضوع بحث ، ربما لأنه توجد به أشياء غير معقولة ، وتخالف ما ندرسه من العلم" (المرايا ص 157)
ونجد الكاتب يورد على لسان شخصيات رواياته بعض العبارات الساخرة الهازئة بمقدسات الدين ، فهو يقول على لسان السيد أحمد عبد الجواد مخاطبا زبيدة الراقصة : " لماذا لم تتكرمي بضربي ؟ فهزت رأسها وقالت ساخرة : أخاف أن أنقض وضوئي ، فتساءل في لهفة ، أأطمع أن نصلي معها ؟ فتساءلت في دلال ساخر : أتعني يا صاحب الفضيلة ، الصلاة التي هي خير من النوم ؟ فيرد قائلا : بل الصلاة التي هي والنوم سواء" (بين القصرين 88)
وفي روايته "خان الخليلي" يقول عن رشيدي : " ثم وضع راحتيه حول قذاله كمن ينوي الصلاة ، وتمتم قائلا : "بسم الله الرحمن الرحيم، نويت الحب والله المستعان" (خان الخليلي 114)
كما نجده يقول على لسان "ياسين" متحدثا عن أحد الوعاظ : "إنه يؤمن بشيئين .. بالله في السماء وبالغلمان في الأرض إذا تأوه غلام في القلعة" (بين القصرين 391)
ويقول على لسان حسين شداد : إنك تجد دائما وراء الأمور إما الله وإما سعد زغلول"
كما يقول عن ياسين : "وربما أول مرة كذلك يشرب فيها كونياك "راقيا" خارج البيت إذ أنه لا يتناول الجيد منه إلا فيما يقتنى من زجاجات في البيت للاستعمال الشرعي" (قصر الشوق ص 278)
ويقول كذلك على لسان كمال : " لنقرأ الفاتحة بالهيروغليفية " (قصر الشوق ص 182)
وهذه التعبيرات التي تحمل الاستهزاء بمقدسات الدين وقيمه على ألسنة شخصيات رواياته كثيرة ، "في ثرثرة فوق النيل" نجد أنيس زكي يقول لعم عبده الجفير : "متى عشقت امرأة آخر مرة ؟ فيرد : أووه . فيسأله ثانيا : وبعد العشق ألم تجد شيئا يسرك ؟ فيقول الرجل العاشق : قرة عيني في الصلاة ، فيقول أنيس : جميل صوتك وأنت تؤذن . ثم بنبرة مرحة يكمل : ولست دون ذلك جمالا حين تذهب لتجيء بالكيف أو تغيب لتعود بفتاة من فتيات الليل" (ثرثرة فوق النيل ص116)
كما يقول على لسان أنيس ورفقائه حيث يدور الحوار : " وأخشى ما أخشاه أن يضيق الله بنا ، فير آخر : كما ضاق كل شيء بكل شيء ، فيعود الأول قائلا : وكما يضيق رجب بعشيقاته" (السابق ص 19)
كما أن نجيب محفوظ يطرح مشكلات تجعل الشباب الساذج في حيرة وشك بسبب ما يبثه الكاتب في وراياته ، "والمشكلة التي طرحها نجيب محفوظ في "الطريق " في مشكلة بنوة الإنسان ، أهو ابن الطبيعة من الزنا بلا خالق معروف ينسب إليه ، أم أنه ابن شرعي أنجبته الطبيعة من الله ، فهو ابن الله : كما تقول بعض أديان التوحيد مجازا كالمسيحية ، حين يصلي أتباعها قائلين : أبانا الذي في السماوات" (الرجل والقمة . مقال د. لويس عوض ص 163)
وتبلغ العبثية ذروتها في الحديث عن الرموز الخاصة بالذات العلية ، فإذا كان الكاتب في "أولاد حارتنا " قد جعل الجبلاوي رمزا لله عز وجل ، فإن هذه الرمزية لم تتوقف عند هذه الرواية وحدها ، وإن كانت نهاية الجبلاوي الموت ، فإن هذه النهاية في التي انتهجها الكاتب كذلك في رواياته الأخرى .
وإذا كان نجيب محفوظ قد آثر فكرة الرمز في "الطريق" إلا أن الرمز بداهة عن المرموز ، فلم يكن سيد الرحيمي إلا هذه القوة الغامضة التي تتحكم فينا ، لقد بحث وأضناه البحث ، وبلغ به اليأس مبلغه ، وقلم يبق إلا الإيمان بأن سيد الرحيمي مات ، أو أن الله قد مات . (دراسة في أدب نجيب محفوظ ص 69)
ونجد نصوصا لم يقف حيالها الكاتب بما ينبغي لها من إجلال ، بل وجدنا في رواياته إشارات إلى هذه النصوص فيها من المجون والعبث ما فيها . فهو يقول على لسان ياسين : "لو كان لمريم مثل هذا الجسم ، ألا في مثله فليتنافس المتنافسون" (قصر الشوق ص 130)
ويقول على لسان كمال : لم يكن قولا ، ولكن نغما وسحرا استقر في الأعماق كي يغرد دوما بصوت غير مسموع ، ينصب فؤادك إليه ، في سعادة سماوية لا يديها أحد سواك ، كم روعك وأنت تتلقاه ، كأن هاتفا من السماء اصطفاك فردد اسمك ، سعيت المجد كله والسعادة كلها والامتنان كله في نهلة واحدة ، وددت بعدها لو تهتف مستنجدا : "زملوني ،دثروني" (المرجع السابق 21)
ويقول على لسان إبراهيم الفار : "لا حياء في العوامة" (المرجع السابق 90)
ويقول على لسان كمال : "اللهم قل لهذا الحب كن رمادا ، كما قلت لنار إبراهيم كوني بردا وسلاما " (المرجع السابق 234)
وهذه الإشارات تتعدد وتكثر في روايات الكاتب ، حيث يقتبس من النصوص القرآنية ، أو من الأحاديث النبوية في مواقف هازلة ، مما يدل على استهانة بالمقدسات الدينية ، وعبث بالنصوص الإسلامية التي ينبغي أن تحظى بالتقديس والإجلال الكاملين .
ونجيب محفوظ يعبر من خلال شخصيات رواياته كثيرا عن أفكاره وآرائه "فقد وزع نجيب محفوظ تلك التجارب والآراء والمشاعر على أبطال قصصه ، كما يوزع الأب ثروته على أولاده" الرجل والقمة . مقال عباس خضر ص 244)
ومن ثم فإن الكاتب الكبير لا يلتفت كثيرا إلى القيم الدينية ، ولا يهتم بأمور العقيدة ، فقد كانت نظرته للذات الإلهية نظرة غير قائمة على أساس من الدين الصحيح والعقيدة الحقة ، فقد عطل بعض صفات الله عز وجل ، ونال بمن رمز بهم من شخصياته إلى الذات العلية ، وشكك على ألسنة أبطال رواياته في وجود الله .
كما التقى نجيب محفوظ مع العلمانيين في فصل الدين عن الحياة ، وفي تبني المذاهب الداعية لعدم الاهتمام بقيمة الدين ، وأكد إيمانه المطلق بالعلم والمعرفة ، وجعل كل ثقته في الخلاص من الفساد والجهل والتخلف وأمله في مستقبل مشرق في العلم وحده لأن الدين قد انتهى دوره ، كما جاء في مواضع متعددة على ألسنة شخصيات رواياته .
فالعلم المادي في رأي الكاتب هو السلاح السحري القادر على صنع المعجزات ، فليس ثمة منقذ إلا العلم ، وهو يعلق عليه كثيرا من الآمال ، حتى يتغير وجه العالم .
وهذا الخط الواضح نجده في كل روايات نجيب محفوظ أو معظمها ، ومن ثم فليس من باب المصادفة أن يكون "عرفة" رمز العلم في "أولاد حارتنا " صاحب القوة السحرية القاهرة ، وأن يتغلب بسحره أو بعلمه المادي على الجبلاوي رمز الذات الإلهية ، وممثل الدين . وإن ذكر الكاتب أنه "لم يرد قط النيل من الجبلاوي على أنه مرادف للإله عز وجل" أو قوله : "إن هذه الرواية (يقصد أولاد حارتنا ) اتهمت ظلما بأنها تقتل القيم الروحية ، في وقت هي رواية تبحث عن القيم الروحية ، ولا أريد أن أذكر أن الفقرة الأخيرة في هذه الحيثيات (يعني حيثيات جائزة نوبل ) تقول : إن هذه الرواية تناول صاحبها بحث الإنسان الدؤوب عن القيم الروحية. (نجيب محفوظ : الثورة والتصوف ص 212)
ولا أدري أي قيم روحية يقصدها الكاتب الكبير ، وتشير إليها لجنة "نوبل " التي ذكرت في حيثياتها أن "موضوع الرواية غير العادية "أولاد حارتنا" 1959م هو البحث الأزلي للإنسان عن القيم الروحية ، فآدم وحواء وموسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل ، بالإضافة إلى العالم المحدث يظهرون في تخفف خفيف " (اعترافات نجيب محفوظ ص 24)
فأي قيم روحية لأشخاص يظهرون من خلال الرواية ولا هم لهم إلا التدخين وشرب الحشيش والأفيون والجوزة ؟ وأي قيم روحية بعد أن انتهت الرواية بمقتل الجبلاوي أو بموت الإله ؟
يقول ستوري آلن سكرتير الأكاديمية السويدية في حفل توزيع جوائز نوبل : "وللقراء الكثيرين الذي اكتسبهم نجيب محفوظ من خلال الثلاثية بخلفيتها الواسعة التي تصور الحياة المعاصرة جاءت "أولاد حارتنا" كالمفاجأة ، فالرواية تمثل التاريخ الروحي للبشرية ، وقد قسمت إلى فصول بعدد سور القرآن الكريم ، أي 114 فصلا ، وشخصيات الإسلام واليهودية والمسيحية العظيمة تجيء متخفية لتواجه مواقف مملوءة بالتوتر .
فرجل العلم الحديث يمزج بنفس الجدارة بين إكسير الحب وبعض المواد المتفجرة ، وهو يتحمل مسئولية موت "الجبلاوي" أو الإله ، ولكنه لا يفنى ، فهناك بريق أمل في نهاية الرواية " نجيب محفوظ الأسطورة الخالدة ص11)
وإذا كانت رواية "أولاد حارتنا " مليئة بالسكر والشرب والحشيش والأفيون ، فإن روايات نجيب محفوظ كلها مغرقة في هذا الجانب الذي ربما كان يمثل القيم الروحية من وجهة نظر الكاتب ، لكن أخطر ما في هذه الروايات التحيز الواضح ضد الأديان والنيل من ذات الله عز وجل ، وإظهار الأنبياء والمرسلين في صورة البشر العاديين الذي لا يتورعون عن الشرب أو الجنس أو اللغو .
فأولاد حارتنا خاصة ، وروايات نجيب محفوظ عامة تتعرض لقضايا دينية مقدسة ، وتتجرأ في الخوض في أمور كلها من المكانة ما ينبغي ألا يتعرض لها المسلم إلا بما يليق بها من إجلال وتعظيم .
وما من شك في أن ي هذا الحديث الجريء الذي يتعرض لتلك القضايا حديث تستفز كل متدين ، ذلك أن التشكيك في ذات الله أو في عصمة الأنبياء ، أو إعلاء قيمة العلم التجريبي ، على حساب الأديان أمور لا يقبلها مسلم أو غير مسلم ممن يدين بدين سماوي .
وإذا كان الإسلام على وجه الخصوص يدعو إلى العلم ويحث عليه فإن علينا أن ندرك أنه لا خصومة مطلقا بين الإسلام والعلم ، وهذا أمر لا يحتاج إلى بيان ، ولكن الاغترار بالعلم أو إهدار الدين في سبيل التعلق بالعلوم التجريبية المادية أمر لا يصدر من إنسان ذي عقيدة صحيحة .
والواقع أن هذا التركيز على قيمة العلم المادي والإيمان به والثقة المطلقة فيه يبدو من روايات الكاتب المختلفة ، فلم تكن رواية "أولاد حارتنا " مبتورة أو منفردة بهذه السمة ، وإنما امتد هذا المنهج في روايات نجيب محفوظ عامة .
والعجيب أن تثار مثل هذه القضايا على يد كاتب كبير ، مل بالكثير من الثقافات ، وعلى علم بالكثير من أمور الدين الإسلامي ، فكيف يطرح قضايا ، ويتناولها بعيدا عن الحق ، وكيف يتصور أن الدين يناقض العلم أو أن العلم في صراع مع الدين ؟ لا أتصور أن يكون هذا الأمر عن عدم إدراك بما للإسلام من أثر بين في النهضة العلمية ، ولكنى أعتقد أن الكاتب قد خانه التوفيق في هذا الجانب ، وأن تأثره بالثقافة الغربية والكتاب العلمانيين من الدوافع التي أوقعته في هذا المأزق .
من مواضيع : موسى بن الغسان قصيدة أيظن؟ - الشاعر نزار قبانى
أدباء عالميون يعلنون يوم احتلال العراق يوما للأكاذيب السياسية!
نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ
من المهدّ الى اللحدّ
الشاعر أحمد مطر
14-09-2006, 04:31 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- الفصل الخامس : نظرة فنية في هذه الروايةرواية أولاد حارتنا كما هو واضح مما سبق يستخدم فيها الكاتب الرمز ، لكي يستطيع من خلاله أن يعبر عما أراد ، بعيدا عن التعبير المباشر الذي قد يؤخذ على صاحبه .
"فلجأ المؤلف إلى الرمز والتخفي وراء ستار كثيف من الثورية عند تناوله المشكلة أو قضية العلم والدين في المجتمع المصري أو الإسلامي عموما " (الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية . جورج طرابيشي ص 41 دار الطليعة . بيروت 1978م)
لقد جاءت الرواية رمزية بأكملها ، وتعد من أكثر الروايات إيغالا في هذا الجانب "الرمز" فالحارة رمز للإنسانية أو للدنيا بأكملها ، فالكاتب يتخذ من إحدى الحارات المصرية رمزا للكون كله ، وتقوم الرواية على الصراع بين الخير والشر ، وهو أمر ليس جديدا ، ولكن الجديد أن الكاتب أراد أن يعيد كتابة تاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا من خلال نظرته ، فكانت تلك الرواية مخرجه لذلك . فنجيب محفوظ قد "قلد الخط العريض لتاريخ البشر ، واستخدمه قالبا لروايته ، وسكب فيه مضمونا رمزيا يعادله مجازا ، ويتسم بامتداد وتكرار أفكاره وشخصياته وأحداثه ونتائجه" ( مواقف اجتماعية وسياسية في أدب نجيب محفوظ د. إبراهيم الشيخ ص 171 دار الشروق الطبعة الثالثة 1987. )
ولقد استمد الكاتب فكرة هذه الرواية من خلال من قرأ في قصص الأنبياء عليهم السلام . وفي تفاسير القرآن الكريم ، والحديث عن الأنبياء والرسل والملائكة بعيدا عما يليق بهم من إجلال وتقديس ، بأن خلط الحقيقة أو الواقع التاريخي بما أضفاه من تصوير واقعي ومعايشة شعبية لتلك الحارة التي أراد أن يوحي إلينا بأنها من أعماق البيئة المصرية ، فكانت الرواية مزيجا من التاريخية والواقعية ، إلى جانب الرمز الذي امتلأت به الرواية ، ولذلك فهي "رواية غريبة التكوين" (الرجل والقمة . مقال عبد المنعم صبحي ص 408)
لقد أراد الكاتب من خلال تلك الرواية أن "يعد كتابة تاريخ البشرية منذ أن كان الإنسان الأول ، وما الإنسان الأول إلا آدم الذي إليه جميعا ننتمي ، في نظر التفسير الديني للتاريخ ، وهل ممن الممكن أن نتحدث عن آدم دون أن نتحدث عن الله وعن الأرض وعن ملائكة السماء وإبليس ، وعن الحلم المستحيل في استعادة الفردوس ؟
وكيف يمكن أن يكون الله والملائكة وإبليس وآدم شخصيات رواية ؟ أي كيف يمكن الحديث عنهم من غير انتهاك للمقدسات ؟ لقد وجد نجيب محفوظ الحل في تلك الحارة الواقعية الأسطورية ، الحارة الحقيقية ، "الرمز" المحدودة واللامحدودة في آن واحد زمانيا ومكانيا " (الله في رحلة نجيب محفوظ ص 8)
وإذا كان الرمز قادر على إخفاء ما يريد الكاتب من التعبير عنه في ثنايا كتاباته ، فإن تلك الرواية على وجه الخصوص لا تحتاج إلى كثير من العناء في سبيل الكشف عن رموزها ، كما سبق فالرمز فيها واضح "وهو رمز ميكانيكي ولا خفاء فيه ، بل إن الكاتب يلح أن ما يقدمه ليس رواية واقعية ، وإنما هو رمز لأحداث تناولها الدين من قبل" (الرجل والقمة . مقال عبد المنعم صبحي ص409)
ولو راجعنا ما سبق في الحديث عن رموز الرواية ثم في الحديث عن الإشارات فيها لوجدنا هذا واضحا ، وكأن الكاتب يقول : أنا أقصد هذا المعنى أو تلك الإشارة التي وردت في الكتب المتعلقة بالأديان والرسالات السماوية ، ومن ثم ينتقل القارئ من المستوى الرمزي إلى المستوى التاريخي ، مما يفقد القارئ كثيرا من المتعة التي تأتي من التشويق والإثارة ، فالقارئ هنا يتوقع الأحداث حين يكون ملما بالتاريخ .
وبهذه الطريقة حاول نجيب محفوظ أن يلمس طريقا جديدة لروايته ، حيث يهتم فيها بالحديث عما وراء الطبيعة ، أو عن الغيبيات من خلال الخط التاريخي الذي سار عليه ، ولذلك جاءت تلك الرواية مغايرة للمنهج الذي كان عليه الكاتب من قبل في رواياته ، حيث يجد الباحث "نجيب محفوظ يعزف لحنا مغايرا تماما للألحان التي تعود على سماعها من قبل وخاصة في المرحلة الواقعية " (قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ د. نبيل راغب ص 226 الهيئة المصرية العام 1988)

ومن الناحية الشكلية نلاحظ أن الرواية في واقع الأمر تنقسم إلى خمس قصص ، وهذا أمر اعترف به الكاتب في افتتاحية "أولاد حارتنا " حيث يقول : "هذه حكاية حارتنا ، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق " (ص 5)
فهناك قصة أدهم ، ثم قصة جبل ، ثم قصة رفاعة ، ثم قصة قاسم ، ثم قصة عرفة ، وكل واحدة من هذه القصص منفصلة تماما عن سابقتها إلا من جانبين ، الأول : هو بطل الرواية كلها "الجبلاوي " الذي يظهر في ثنايا كل قصة من هذه ا لقصص ، وإن كان ظهوره معنويا ، والثاني : الصراع القائم بين الفتوات والمصلحين الذين كانوا أبطال هذه الأجزاء المختلفة من الرواية .
فالشكل الفني "لا ينهض على الحبكة التقليدية في "أولاد حارتنا" بمعنى أننا لا نجد عرض للموقف العام في الفصول الأولى للرواية ، يتبعه تعقيد للخيوط الرئيسية الممثلة لنسيج المضمون ، بحيث تحترم الأحداث ، وتتصاعد إلى قمة العقدة ، ثم تندمج في حدث واحد رئيسي ، يهبط بها إلى السفح أو النهاية " (قضية الشكل الفني ص 230) ومن ثم فإن الحبكة القصصية في الرواية فيما أرى ينقصها شيء من الإحكام والترابط .
وعلى ذلك فإن حكايات الرواية الخمس فيها انفصال في أحداثها وشخصياتها وزمانها ، ولكنها مع ذلك تدخل في إطار الرواية العام ، وفي الحارة التي تجمع كل هذه الشخصيات وتلك الأحداث ، ويربط بينها التاريخ الإنساني "وأولاد حارتنا محاولة روائية تحمل في ثناياها الكثير من الطموح ، لتجسيد وبلورة هذه العلاقة التي تربط بين هذا الإطارات النسبية الزمان والمكان " (المرجع السابق ص 232)
فالذي أوجد علاقة الترابط بين أجزاء الرواية هو التاريخ الإنساني الذي نعرف أحداثه ، ولولا ذلك لافتقدنا هذا الترابط ، "أي أن إحساسنا بامتداد الخط الدرامي يرجع إلى شيء خارج البناء الروائي ، وهذا يوضح أن التاريخ تغلب على الفن ،ولولا الدلالات الرمزية والإيحاءات الدرامية ووعي كل شخص بالشخصية التي وردت في الحكاية السابقة لتحولت الرواية إلى خمس حكايات منفصلة على امتداد التاريخ الإنساني ، ولذا كانت الرواية تبدو أحيانا وكأنها محاولة لإلباس التاريخ ثوبا رمزيا دون محاولة لإعادة تشكيله ، حتى يتحول في الكاتب إلى مادة درامية صالحة لتكوني الشكل الفني " (المرجع السابق 233) وقد أحدث هذا التقسيم شيئا من الحل في وحدة القصة وترابطها ، وإن لم تفقد هذه الوحدة تماما ، فالصراع بين الحق والباطل أو بين الخير والشر يمضي في الرواية من بدايتها إلى نهايتها ، فلقد أدى الفتوات على طول الرواية دور الشر والظلم ، بينما قام المصلحون بدورهم في تحقيق الخير والعدالة . ومع ذلك فإن اعتماد الكاتب على التاريخ أوقعه في الفجوة التي تفصل بين التاريخ و"الدراما" لأنه كان يق التاريخ في الوقت الذي يمسك فيه بقلم الروائي المبدع .

وشخصيات الرواية تأثرت بهذا التقسيم الذي انتهجه الكاتب في روايته ، فالبرغم من عناية الكاتب بتصوير الشخصيات ورسمها ، وإضفاء عنصر الشعبية على تلك الشخصيات ، محاولا إبرازها في ثوب واقعي فقد اهتم الكاتب بسرد الكثير من التفصيلات ، حتى صارت الرواية ضربا قريبا من التاريخ أو مجرد سرد لأحداث تاريخية ، يهتم المؤرخ فيها بالوقوف عند التفاصيل الدقيقة .
ولم يستطع الكاتب أن يكسب شخصياته العمق الفني ، لأن هدفه كان التاريخ أكثر من الرواية ، فكان يرسم صورة من أحداث التاريخ . ولكن الملاحظ أن الكاتب بذل جهده لإبراز هذه الشخصيات وإظهارها في صورة الأشخاص العاديين ، فرفع عنهم القداسة التي تليق بهم ، بالرغم من وضوح الرمز بهذه الشخصيات إلى الله عز وجل وملائكته ورسله عليهم السلام .
وبالرغم من محالة الكاتب تمصير أحداث الرواية وشخصياتها إلا أنها بقيت واضحة المعالم بارزة السمات ، ومن هنا كان عليه أن يحرص على عدم الإشارة إلى تلك الشخصيات إلا بما يليق بها ، لكنه لم يتورع من جعل المصلحين الذي جعلهم رموزا للأنبياء والرسل شاربين الحشيش والمخدرات ، بل مسرفين في الشرب والسكر ، مخالطين للسكارى والحشاشين .
وإذا كان انغماس الكاتب في البيئة الشعبية التي تمتلئ بالمقاهي ، قد ظهر صداه في مظاهر شرب الجوزة أو غيرها من الأشياء التي أوردها في روايته ، فإن هذا لا يعفيه من الوقوع في هذا الأمر ، وربما قصد بالتركيز على هذا الجانب في الرواية ما يراه بعض العلمانيين من أن "الدين أفيون الشعوب " .
وبالرغم من أن الكاتب يزعم أن شخصيات الرواية لا ترمز إلى أحد من الأنبياء والرسل ، كما أن الجبلاوي لا يرمز إلى الله عز وجل . (انظر نجيب محفوظ . الثورة والتصوف د . مصطفى عبد الغني ص 212الهيئة المصرية العامة للكتاب 1994) إلا أن هذا الزعم يواجهه الإشارات المتعددة الموحية بذلك ، وقد سبق أن ذكرت الدليل على ذلك في الحديث عن رموز الرواية .
وبينما تختفي شخصيات الرواية ، حيث إنها تسجل أحداث أجيال متعاقبة نجد الشخصية الوحيدة التي تنفرد بالبقاء على امتداد الرواية شخصية الجبلاوي التي تمثل المحور الأساسي في الرواية وهذا الامتداد لتلك الشخصية عبر الزمن الطويل والأجيال المتعاقبة هو الذي كان الدافع الأول لكشف رمزية الشخصية .
والملاحظ أن الكاتب احتفى كثيرا بعرفة الساحر الذي يمثل المعلم المادي التجريبي ، ولذلك فقد أعلى الكاتب من قيمته ، فقد عرفة الناس " وما كان ينشده من وراء سحره للحارة عن حياة عجيبة كالأحلام الساحرة ، ووقعت الحقيقة من أنفسهم موقع العجب ، فأكبروا ذكراه ، ورفعوا اسمه حتى فوق أسماء جبل ورفاعة وقاسم . (أولاد حارتنا ص 552)
وهذا دليل شغفه بقيمة العلم المادي ، وإعلانه منزلته على الأديان السماوية التي يمثلها في الرواية جبل ورفاعة وقاسم ، بل جعله يبقى بعد موت الجبلاوي ، أو لنقل بعد انقضاء الأديان وانتهاء دورها كما يزعم الكاتب .

أما بالنسبة للبيئة في الرواية فقد اهتم بها الكاتب ، وأضفى عليها طابع الشعبية .
فبالنسبة للبيئة المكانية في الرواية نجد أنها الحارة التي تقع في صحراء المقطم ، وهي رمز للكون كله ، ولذلك لم يذكر الكاتب بجانبها من الأماكن إلا الجمالية والدراسة وباب النصر وبيت القاضي ، وذلك للإيهام بواقعية تلك البيئة .
والسلطة الوحيدة في الحارة سلطة الناظر والفتوات ، في مواجهة سلطة الجبلاوي التي تبدو من حين لآخر .
ولتمصير البيئة المكانية في الرواية أضفى عليها الطابع الشعبي من الأحكار والمقاهي ، والسلاملك ، والغرز ، والعطفة والزقاق ، والكلوبات ، وباعة البطاطا ، وبقجة الملابس والنبابيت ، وغير ذلك من الأشياء التي حاول الكاتب بها إضفاء طابع الواقعية على روايته . وإن بقيت الحارة رمزا للكون كله بما فيه من خير وشر ، وصراع بين الحق والباطل .
وبالنسبة للبيئة الزمانية ، فلم يحددها الكاتب ، وإن ذكر أنه شهد العهد الأخير من حياة هذه الحارة ، وهذا يعني أن الجزء الخاص بعرفة كان في العصر الحديث . بينما تمتد أحداث الرواية السابقة إلى زمن مضى ، حيث سمع الكاتب هذه الأحداث من روايات الرواة ، ومن المنشدين والمغنين .
ولكن على أي حال فقد امتدت المساحة الزمانية لأحداث الحارة طويلا ، حتى تستوعب هذه الأجيال المتعاقبة ، جيلا بعد جيل ،من لدن أدهم وإدريس وجليل ورضوان ، وحتى عرفة وحنش وعواطف ولكن كل هذه المساحة الزمنية إنما هي كذلك رمزا للحياة البشرية منذ بداية الخليقة وحتى الآن "إنه زمان الرجوع الأبدي ، لكنه ليس رجوع التاريخ بل رجوع علم الحياة والطبيعة ، إنه زمن الحياة التي يبدو فيها النظام الأبدي حاضرا في كل حين . (الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ . عبد الرحمن أبو عوف ص 20 الهيئة المصرية العامة للكتاب 1991)

أما الفكرة التي تهدف إليها الرواية فإنها تدور على أهمية العلم وقيمته ، وأنه لا خلاص من الظلم والتخلف والفقر والجهل إلا بالعلم ، أما الدين فإنه غير كاف ، واللجوء إليه لن يخلص الناس من شرور الظالمين ، ولن يرفع الظلم عن كاهل المقهورين ، أو أن الدين قد انتهى دوره ، وحل محله العلم المادي الذي يرمز إليه عرفة الذي انتصر على الجبلاوي رمز الدين ، وصارت مكانته لدى الناس أو عند أهل الحارة فوق مكانة جبل وعرفة وقاسم ، وهذا ما يرجوه كاتب الرواية .
فإذا كانت الرواية تعبر عن حقيقة العدالة والتنظيم والخلاص من الشرور ، ومحاولة الإصلاح ، فإنها ركزت على العلم المادي كوسيلة لتحقيق هذه الأمور .
لقد انتهى دور الدين في نظر الكاتب ، وانتهى رمز الإله ، وبشرنا الكاتب بدين جديد هو العلم ، ولذلك فإنه يؤمن بقوة العلم وسيطرته ، تلك القوة التي لا تحوزها الأديان مجتمعة في رأيه ، ولذلك كانت نهاية الرواية بموت الجبلاوي أو موت الإله , وهروب عرفة بزجاجته السحرية ، أو بقاء العلم برغم ما يصادفه من عقبات وما يحبط به من شرور .

وإذا كانت الرواية كما هو واضح تعرض لشؤون الدين ، وتركز على تاريخ الرسالات السماوية ، فإن الرواية لا تخلو من سخرية وإهانة للرموز المقدسة جميعها .
ففي حديثه عن الجبلاوي الذي يرمز به لله تعالى حيث يجعله الكاتب فتوة حقا ، كما يجعله مرة متحيزا لأحد أبنائه "أدهم" ويجعله مرة مستبدا ظالما ، إلى جانب أنه يعمر طويلا حتى يضعف ، فلا يقوى على مواجهة من يدخل البيت الكبير ويقتل خادمه ، بل إنه يموت حزنا على هذا الخادم الذي قتله عرفة رمز العلم .
أما السخرية برموز الأنبياء والمرسلين فمتعددة ، مما أثار عل الكاتب كثيرا من الجدل ، وألقى عليه كثيرا من الاتهام بالسخرية من الأنبياء ، فلو راجعنا حديثه عن "قاسم" مثلا ، وهو الذي يرمز به للرسول صلى الله عليه وسلم نجد الكاتب وهو يتحدث عن لقائه بقمر التي يرمز بها للسيدة خديجة رضي الله عنها يقول : " وفاز بنظرة أخرى وهو يحييها مودعا ثم ذهب " ( أولاد حارتنا ص 321) كما يقول عن قاسم كذلك : "وكان قاسم مغرما بالجوزة والشاي المنعنع " (ص 322) ويقول في حدثه عن عرس قاسم : " وجاء أهل قاسم وأصحابه ورجال الحي وعلى رأسهم المعلم سوارس ، ودارت أقداح البوظة وعشرون جوزة ، حتى غامت الكلوبات بالدخان ،وسطعت رائحة الحشيش المفتخر ، وتجاوبت الأركان بالزغاريد والتهليل والقهقهة ، وراح عم زكريا (الذي يرمز لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ) يقول في فخفخة من دارت الخمر برأسه : نحن أسرة كريمة أصلها عريق . ( ص 338)
كما يقول الكاتب عن قاسم : "وهو رجل يحب الغناء والطرب" (ص 367)
ومن العجيب أن نجد هذا التركيز على الحشيش والجوزة . والغناء والطرب .
ونلاحظ الإشارات الهازئة والحديث الهازل في قوله في وصف ما يرمز به إلى الهجرة : "وعجب عم شنطح مبيض النحاس من اختفاء صادق ،وكان سعى إليه في داره فلم يجد له ولا لأحد من ذريته أثرا ، وعبد الفتاح الفسخاني كذلك لم يجد لعامله عجرمة أثرا في الحارة ، ولم يعد أبو فصادة إلى مقلى حمدون ، ولم ينذره بغيابه ، وأين حمروش ؟ قال حسونة الفران : إنه اختفى ، كأن نيران الفرن التهمته ، وآخرون ذهبوا بلا عودة , وانتشر الخبر في حي الجرابيع " ( ص 390)
ويقول الكاتب عن قاسم أخيرا : "لم يتغير من شأنه شيء ، اللهم إلا أنه توسع في حياته الزوجية ، كأنما جرى فيه مجراه ي تجديد الوقف وتنميته ، فعلى حبه بدرية تزوج حسناء من آل جبل وأخرى من آل رفاعة ، وتعشق امرأة من الجرابيع ثم تزوج منها أيضا " ص 443) ثم يقول عن إعجاب الحارة به : "بل الحق أنها إذا كانت أعجبت به لأخلاقه مرة ، فقد أعجبت به لحيويته مرات، وإن حب النسوان في حارتنا مقدرة يتيه بها الرجال ويزدهون ، ومنزلة تعدل في درجتها الفتونة في زمانها أو تزيد" ص 443)
وهذه أمور ما كان ينبغي أن يزل فيها كاتب كبير كنجيب محفوظ ، ولا يقنعنا في ذلك أن يتخفى الكاتب وراء الرمز ، الذي استخدمه في الرواية ، وما من شك في أن أي دفاع أو تبرير لا بد أن يعتمد على تزييف الحقيقة الماثلة في الرواية .
" ما يحدث في أولاد حارتنا ليس تصورا أو رؤية ولو من منطلق علماني للتاريخ الديني للبشرية وأعقابه ، بل هو تبرير "أيديولوجي " واحتفال وتكريس للاستعمال الغربي ونتائجه ممثلة في إعلان موت وانتهاء الأديان ، ولا سيما الإسلام لتحل محلها الأديان الغربية الجديدة ، وهي مذاهب العلمانية" (الطريق إلى نوبل ص 133)
إن هذه الرواية قد حولت الرموز لتخدم الهدف الذي يبغيه الكاتب من قصته ، بل إن الكاتب برغم قدرته الفائقة في مجال القصة ، نجده يفتقد هنا الكثير من فنية العمل القصصي ، ولذلك كان اعتذاره في افتتاحية الرواية بأنها مجموعة من الحكايات ، وهي تمثل محاول من الكاتب لانتهاج طريق جديدة للرواية ، أراد من خلالها أن يكتب رواية رمزية تاريخية واقعية ، ومرجع هذا هو شغف الكاتب بتجربة الطرق المختلفة لفن القصة والمعالجات الفنية التي لا تلتزم بمنهج واحد قد يؤدي إلى الرتابة في أعماله ، ويصيب القارئ بشيء من الملل ، بسبب التكرار الذي يمكن أن يقضي على التجديد في الأعمال الأدبية .
وهذا التجديد أو محاولة التغيير دعت نجيب محفوظ إلى كتابة مقدمة أو افتتاحية لروايته ، التي تعد منفردة بهذه الافتتاحية ، فلم يكن سبق للكاتب ا، كتب مقدمات لرواياته ، ولم يكتب هذه المقدمات بعد ذلك ، فأولاد حارتنا رواية انفردت بهذا الشكل ، في محاولة من الكاتب لتطوير رواياته شكلا ومضمونا .
وسوف تبقى الرواية أقرب إلى الروايات التسجيلية ، وإن كان هذا الجانب معتمدا على فكر الكاتب ، لا على أحداث التاريخ الصحيحة ، فهو يعبر في روايته عن رؤيته الخاصة لتلك الأحداث التاريخية.
من مواضيع : موسى بن الغسان نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ
اعترافات كذاب
120 مثل من اليابان
الأقوال المأسورة .......لأحمد فؤاد نجم
قصيدة إلهي لا تعذبني ...............لأبى العتاهية
14-09-2006, 04:33 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ- الفصل السادس : رموز الرواية وإشاراتها بين الأدباء والنقادربما كانت رواية "أولاد حارتنا " من أكثر الروايات إثارة للضجيج واللغط من حولها ، ذلك لأنها عرضت لقضايا حساسة ، فهي وإن كانت رواية رمزية ، إلا أن الرموز فيها كانت واضحة تشي وتنم عن المرموز إلهي دون لبس .
ولأنها رواية تناولت التاريخ الإنساني كله ، وركزت على الأيديان السماوية بصفة خاصة ، وصورت الذات العلية والأنبياء والملائكة يشربون ويسكرون ويلهون ، وهذه الأمور لم يستطع الكاتب أن يخفيها بما أضفاه على تلك الشخصيات من صفات الشعبية .
ثم ثقته المطلقة بسلاح العلم المادي التجريبي الذي يؤمن به الكاتب إيمانا مطلقا يعلو على إيمانه بالأديان كما يتضح من روايته ولذا اختلفت آراء النقاد والدارسين حول هذه الرواية ، وسنعرض في السطور التالية لبعض هذه الآراء ، محاولين التعقيب عليها بما نتصوره .
يقول الدكتور مصطفي عبد الغني : " على العكس من تفسير نص الحيثيات وتفسير العديد من النقاد ، فإن الرواية تتحدث عن حيات تصورت فيها أوضاع مصر في الفترة الناصرية .
إننا نستطيع أن نميز فيها بين ثلاثة عناصر أساسية:
- ناظر الوقف وأتباعه "= الحكومة"
- الفتوة وأتباعه "= الحاكم"
- أولاد حارتنا "=الشعب"

ويلعب بينهم دورا كبيرا أولئك المصلحون الذي يتوالون منذ مجيء البشرية حتى تاريخ هذه الفترة التي نشرت فيها الرواية (نهاية الخمسينات في مصر) ، فإذا أوضعنا في الاعتبار أن الرواية نشرت بعد عدة سنوات من مجيء ثورة 1952م وبالتحديد في عام 1959 فإن المعنى المباشر ، وبعيدا عن التعقيد أن ننظر إلى الحارة على أنها "مصر " وليس إلى "العالم " كما يحاول البعض أن يوهمنا. (نجيب محفوظ . الثورة والتصوف ص54)
ولكن الذي يراجع ما سبق أن ذكرناه في الحديث عن الرموز والإشارات ، والأدلة التي استندنا إليها فيما ذكرنا يدرك أن ما يذكره الباحث لا يثبت أمام الحقيقة ، ولم يأت بما يدل على صحة ما يذكر ، حتى إنه حينما يجد من داخل الرواية نفسها ما يرد رأيه ، يحاول أن يستدرك هذا الأمر ، ولكنه لا يأتي بدليل على ما يرى .
فهو يقول : "والأمر بعد ذلك لا يحتاج لبداهة ، لندرك أن الكاتب وإن عاد في بداية روايته إلى مصر منذ بدء الخليقة ، فإنه لم يقصد قط غير مصر ثورة 1952 ، في هذه الفترة التي وصفها ، وهو يعيشها في ذلك التاريخ "طوره الأخير الذي يعيش فيه " (المرجع السابق 56)
ولكن يرد عليه ما يذكره نجيب محفوظ نفسه حين يقول في افتتاحية روايته : "هذه حكاية حارتنا ، أو حكاية حارتنا ، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق لم أشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته " (أولاد حارتنا ص 5)
ثم يقول : "شهدت العهد الأخير من حياة حارتنا ، وعاصرت الأحداث التي دفع بها إلى الوجود "عرفة" ابن حارتنا البار " (ص 7) فهو لم يشهد عصر أدهم ولا جبل ولا رفاعة ولا قاسم .
فكيف يقصد نجيب محفوظ "مصر ثورة 1952كما يذكر الباحث ؟ فنجيب محفوظ عاصر الثورة ، بل كان وقت مجيء الثورة كاتبا ناضجا لا يحتاج إلى أن يسجل أحداثها كما يرويها الرواة كما يذكر ولم يشهد طورها الأخير فحسب كما تذكر الرواية ولكن الباحث يرى أن نجيب محفوظ ممعنا في الخداع حين يذكر أن أحد أصحاب عرفة (إحدى الشخصيات) قال له يوما : إنك من القلة التي تعرف الكتابة ، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا . ثم يذكر الباحث أن نجيب محفوظ خلال هذا كله يشير إلى أصحاب الحارة "الشعب المصري " فيقول : إنه ليس أدعى إلى السخرية المريرة من الإشارة إلى صلة القربى التي تجمع بين أبناء حارتنا ، كنا وما نزال أسرة واحدة لم يدخلها غريب" نجيب محفوظ . الثورة والتصوف ص 56)
ولكني لا أجد فيما يذكر ما يدل على أن نجيب محفوظ يقصد بما يقصد "مصر " وصلة القربى التي تجمع بين أبناء حارتنا ، والتي يتصور الباحث أنها "المصرية " أرى أن الكاتب يقصد بها الإنسانية ، وما من شك أن أحداث الرواية تدل على ذلك .
ولذلك فإن الباحث يخالف (كما يذكر) حيثيات جائزة نوبل ، حين تشير إلى أن "أولاد حارتنا " هو : البحث الأزلي للإنسانية عن القيم الروحية ، ويرى أن نجيب محفوظ آثر أن يكون التعبير عن القيم الروحية في إطار واحد ، وهو مصر ، وبالتحديد إطار مصر حارتنا أم الدنيا . (المرجع السابق 56-57)
ولكن الباحث لم يذكر دليلا ينهض على ما يقول ويرى ، ولذلك عاد فناقض ما ذكره من قبل ، حيث رأى أن المدلولات العديدة طيلة الحكاية توالت ، "واتخذ الصراع في الظاهر توالى الأحداث منذ هبوط آدم إلى الأرض ، وبما قبل ذلك ، وفي الباطن ، هذا الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر الناصرية حينئذ . (المرجع السابق 58)
أما الدكتور نبيل راغب فيرى أن التاريخ الإنساني برمته قد تحول إلى مضمون شامل لرواية "أولاد حارتنا " كما يرى أنه "مما يؤكد شمولية نظرة الكاتب إلى الكون والأحياء أن " أولاد حارتنا " تنتهي وأمل البشرية كلها متركز في العلم الذي منحه الله للإنسان من خلال العقل المبدع . (قضية الشكل الفني عن نجيب محفوظ ص 225)
ويذكر كذلك أن "المنهج الرمزي يبدأ من عنوان الرواية ، فالأولاد هنا هم البشر سواء كانوا حكاما أو محكومين ، والحارة هي العالم أجمع ، فالارتباط بمكان معين جنب الرواية عنصر التعميم بالحديث في المطلق ، حتى الراوي نفسه لا يعد نفسه خارجا عن نطاق الحارة أو ناظرا إليها من عل ، حتى يوحي إلينا بنوع من الواقعية الملموسة ، لأنه شاهد عيان" 0المرجع السابق ص 225)
ومع أننا نوافق الباحث في بعض ما ذهب إليه ، فإننا نختلف معه في أن "أولاد حارتنا" تنتهي وأمل البشرية كله متركز في العلم الذي منحه الله للإنسان من خلال العقل المبدع ، لأن الرواية تنتهي بموت "الجبلاوي" الذي يرمز لله عز وجل كما سبق أن بينا ، وذلك في الوقت الذي ظل فيه "عرفة " رمز العلم باقيا ، فالرواية تتناول الصراع بين دين الله والعلم التجريبي ، ولم يلمح كاتب الرواية إلى أن العلم منحة من الله ، بل جعله نتاج العقل البشري .
ويرى جورج طرابيشي أن الكاتب لجأ في أولاد حارتنا "إلى التوفيق بين الدين والعلم ، والتأكيد على وحدة هدفهما ، والوصول إلى ما يشبه "علمنة الدين " و " تدين العلم" . (الله في رحلة نجيب محفوظ ص 41)
ولكني أرى أن الكاتب لم يكن قصده التوفيق بين العلم والدين كما يرى طرابيشي ، لأنه لا خصام بينهما ، ولكن نجيب محفوظ أراد أن يجعل العلم بديلا للدين ، وأن يجعل من العلم المنقذ من الأوهام والخرافات التي يتعلق بها السذج والعامة ، ومنها (كما يزعم الكاتب ) الدين .
والدليل على ذلك من الرواية ذاتها ما يختم بها الكاتب روايته حيث يقول : "ومن عجب أن تلقى الناس أكاذيب الرباب بفتور وسخرية ، وبلغ بهم العناد أن قالوا : لا شأن لنا بالماضي ، ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة ، ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر . (أولاد حارتنا ص551)
فأين التوفيق بين الدين والعلم إذا كان الكاتب يرى أن الناس لم يعد لهم أمل إلا في السحر أو ا لعلم التجريبي المادي ، وأنهم لو خيروا لاختاروا هذا العلم المادي على الدين الذي يمثله الجبلاوي .
ولذلك فإن الكاتب يذكر على لسان عرفة رمز العلم أن ما حققه قاسم من العدالة "سرعان ما ولى (كما يزعم ) أما السحر فأثره لا يزول " (ص 484) كما يظل الكاتب يردد على لسان عرفة : "لا ينبغي أن نعتمد على شيء سوى السحر الذي بين أيدينا . (ص 497)
وهذا يرد على ما يراه جورج طرابيشي من أن نجيب محفوظ كان يهدف من روايته إلى التوفيق بين العلم والدين ، فالحقيقة أنه كان يقصد انتهاء دور الدين ، والتأكيد على دور العلم المادي التجريبي ، وظهرت ثقته المطلقة (كما سبق أن ذكر ) في هذا العلم الذي يرى أنه قادر على ما لم يقدر عليه الدين ، ولديه من القوة ما لم يوجد عشرها في الأديان كلها .
ويرى عبد الرحمن أبو عوف أن المقصود بالحارة "تاريخ البشرية " وصراعها ضد القهر ، وهي تبشر وبرمزية مسطحة ، حيث تستقطر أحداث التاريخ الإنساني بثوراته الدينية ، وتبشر برؤية رحبة ، يكتشف في العلم الخلاص ، غير أنها تعتمد على علم ممزوج بغلالة تصوف حدسي ، وتلمح فيها رغبة مثالية للدفاع عن القيمة العليا أصل وبداية ونهاية الأشياء " (الرؤى المتغيرة في روايات نجيب محفوظ ص72)
ولكن إذا كان نجيب محفوظ (كما يذكر الكاتب) يكتشف في العلم الخلاص ، فإن علمه الذي أراده لا يمتزج بتصوف ولا غيره ، وإنما استند إلى علمانية واضحة ، لا تثق في الأديان .
وربما كان تصوفا خاصا بالكاتب ، وأي تصوف يقصده بالنسبة لنجيب محفوظ الذي يقول عن الموسيقار محمد عبد الوهاب "كان يأخذ جملا موسيقية كما هي يضعها في ألحانه وكأنها تضمين ، أو كأنك تستشهد بآية قرآنية أو أي نص آخر وسط كلامك " نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية . 271)
ويقول الدكتور إبراهيم الشيخ " الصحيح في نظرنا أن يقال إن نجيب محفوظ قلد الخط العريض لتاريخ البشر ، واستخدمه قالبا لروايته ، وسكب فيه مضمونا رمزيا ، يعادله مجازا ، ويتسم بامتداد وتكرار أفكاره وشخصياته وأحداثه ونتائجه ، بقصد الاحتجاج ضد واقع مر كان يعايشه في مصر آنذاك" (مواقف اجتماعية وسياسية في أدب نجيب محفوظ 171)
ثم يقول : "لا تعد شخصية الجبلاوي في نظرنا مساوية أو حتى مقاربة لشخصية الله بالمفهوم السماوي كما ورد في الديانات السماوية الكبرى الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلامية ، ولعل هذه الشخصية أقرب ما تكون إلى شخصية الإله الأرضي إذا جاز التعبير كما عرفته الشعوب قديما وحديثا في صورة القائد الفتوة القوي الساعدين ، العريض المنكبين ، الذي يفرض سلطانه بفضل سلطانه وممتلكاته ، ويبسط رحمته لم خضع لطاعته ، ويهوي بنقمته على من عصى أمره أو تمرد على سلطته (المرجع السابق 171)
ولكن الدكتور الشيخ لم يبين لنا من أين أتى بهذه الصورة لشخصية الجبلاوي ، والذي يراجع ما ذكرناه عن هذه الشخصية فيما سبق يتضح له صحة ما نقول ، فالكاتب يقصد بهذه الشخصية الله جل جلاله ، وكل إشاراته في الحديث عن شخصية الجبلاوي تدل على ذلك . ولعل الباحث أراد أن يدفع عن نجيب محفوظ تهمة الإساءة إلى الذات العلية بتفسيرات لا دليل علها ، ولا سند لها من الرواية ، وإن سلمنا بما يقوله الدكتور الشيخ فإنه يوقع الكاتب في الشرك بالله .
ثم يتحدث الدكتور الشيخ عن شخصية أدهم والاختلاف بينها وبين آدم عليه السلام ، فيقول : "قد يكون هناك تشابه بين فكرة جعل أدهم خليفة للجبلاوي في إدارة أوقاف البيت الكبير ، وفكرة جعل الله سبحانه وتعالى آدم خليفة في الأرض ، ولكن الفرق في نظرنا كبير بين الإله الأرضي الذي كلف أدهم بالمهمة والله في سماواته الذي خلق آدم ثم أنزله إلى الأرض ، اقتبس نجيب محفوظ الفكرة الخطوط للاسم والمعالم الرئيسية لموقف عند خلقه وطرده من الجنة وهبوطه إلى الأرض ، ولكنه أي محفوظ لم يستطع أن يعطي شخصية أدهم بعد شخصية آدم كما ورد في الأديان الثلاثة الكبرى ، كما لم يستطع أن يضفي على أدهم من القوة والضعف أو الحيوية والبروز ما هو مسلم به عادة بشأن بشخصية آدم التي نطالعها في الأديان. ( المرجع السابق 172)
وفي محالة للدفاع عن نجيب محفوظ ، لا يبدو أ الباحث نفسه مقتنع بها ، فهو مصر على أن الجبلاوي رمز للإله الأرضي الذي يدعيه ، وإن كان التشابه في موقف الجبلاوي من استخلاف أدهم على الوقف واستخلاف الله عز وجل آدم في الأرض واضحا .
ولكن الباحث يرى أن الكاتب اقتبس الفكرة والخطوط العريضة للاسم والمعالم الرئيسية كما يذكر ولكنه لم يستطع أن يعطي شخصية أدهم بعد شخصية آدم ، فهل هذا ينفي أن نجيب محفوظ يقصد بهذه الشخصية "أدهم " نبي الله آدم ؟ أم أن هذا دليل على عدم قدرة الكاتب على إعطاء الشخصية البعد الصحيح لشخصية آدم؟
ثم يذهب الباحث إلى أن نجيب محفوظ في روايته "يشير إلى أن العلم في حد ذاته لا يؤدي إلى القضاء على فكرة الله أو قتلها في عقول البشر ، الجبلاوي مات ولم يقتله أحد ، لا العلم ولا غير العلم ، مات من تلقاء نفسه ، أو بالأحرى لم يمت الجبلاوي ، وإنما الفكرة السائدة الخاطئة عنه هي التي ماتت" المرجع السابق 175)
ولا أدري من أين أتي بهذا الزعم ؟ فالرواية تؤكد مقتل الجبلاوي أو موته بعد أن كبرت به السن ، أي لم يعد الدين قادرا على أداء الدور المنوط به ، وإن لك يكن عرفة قاتله ، فإنه كما يذكر الكاتب تسبب في موته ، واعترف بذلك .
أما أن الفكرة السائدة عن الجبلاوي هي التي ماتت ، ولم يمت هو فهذا مجرد كلام لا يستند إلى ما جاء في الرواية ، فالكاتب يقول في روايته : "ولما علم الجبلاوي بالخبر (أي مقتل خادمه) تأثر تأثرا لم تحتمله صحته الواهية في تلك الذروة من العمر ففاضت روحه" (أولاد حارتنا ص 500)
بل إن الكاتب يذكر أن آل جبل وآل رفاعة وآل قاسم اختلفوا في مكان دفن الجبلاوي ، وذكر أنه لم يشهد الغسل إلا خدمه المقربون ، وهم الذين كفنوه وأودعوه نعشه ، ووري بعد ذلك في قبره والشمس تميل نحو الغروب " (أولاد حارتنا ص 501)
ويقول الباحث بعد ذلك : "وهكذا لا نجد في أولاد حارتنا تناقضا بين الدين والعلم ، إذ بتمثل واقتفاء سيرة جهود الأنبياء في سعيهم الدائب للعمل والكفاح ضد الظلم والفساد ، وتعضيد ذلك باستخدام ما يزودنا به العلم الحديث من أسلحة المعركة وعتاد القوة سيكون لإنسانيتنا منعة على كوكب الأرض ومعنى في هذا الوجود" مواقف اجتماعية وسياسية في أدب نجيب محفوظ 179)
وليس هذا القول بصحيح ، لأن عرفة لم يتمثل سيرة الأنبياء ، ولم يقف نهجهم ، وإنما اتخذ سبيلا أخرى ، معتمدا على قوة غاشمة مدمرة ، بل إنه كما تذكر الرواية قضى على الدين ، ولذلك قال الناس : "لو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر " (ص 551)
ويقول الدكتور سمير سرحان : "رواية أولاد حارتنا أمثولة رمزية Parable وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تسببت في سوء فهمها والحكم عليها ، لا بمقاييس الفن ، إنما بمقاييس أخرى غير فنية ، هي مقاييس المقال أو الرأي الفلسفي أو حتى السياسي ، بمقاييس التفكير الديني ، والرواية ببساطة شديدة كما هي الحال في عالم نجيب محفوظ الروائي تتخذ من الواقع وسيلة لتصوير ما وراء الواقع ، أي منظومة النظم والقوانين العليا التي تحكم حياة الإنسان وأهمها الخير والشر ، والصراع بينهما" (حكاية أولاد حارتنا 91)
ثم يذكر أن "الحياة الرمزية تنطوي على جدلية الخير والشر التي تحكم الحياة ذاتا منذ أن رفض إبليس السجود لآدم وعصى أمر ربه ، فكف الكون عن أن يكون خيرا خالصا ، وانتفت عنه حالة الطهر الخالص المصاحب لفكرة الفردوس" (المرجع السابق 92)
ثم يستطرد قائلا : "ويقع الخطأ الأساسي في التأويل المعادي للرواية في تفسير شخصية الجبلاوي نفسه ، فهواة التفسير الخاطئ يخلعون على الجبلاوي بعض صفات الألوهية ، لكن القارئ للرواية يستبعد تماما اقتراب شخصية الجبلاوي من دائرة التأليه" (المرجع السابق 93)
ويذكر الدكتور سرحان أسباب استبعاد شخصية الجبلاوي عن تلك الدائرة قائلا : "فهو دائما يقسم بالله ، أي أنه ذات بشرية ، يعود دائما في حالة الأزمة أو القرار إلى القسم بالذات العليا " ( المرجع السابق 93)
وهذا الذي يذكره الدكتور سرحان يدل على عدم إلمام بحقائق الدين الإسلامي ، فالله عز وجل أقسم بذاته العلية ، وأقسم بغيره من المخلوقات فنجد في القرآن الكريم قول الحق سبحانه : "فوربك لنسألهم أجمعين ، عما كانوا يعملون " (سورة الحجر آية 29-93) وقوله "وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون " (سورة الذاريات آية 22-23) وقوله جل جلاله : "فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون" (سورة المعارج آية 40)
فقد أقسم الله عز وجل بذاته في القرآن الكريم ، ومن ثم فإن ما ذكره الدكتور سرحان لا ينهض دليلا على استبعاد أن تكون شخصية الجبلاوي تقترب من دائرة التأليه ، وليعد إن شاء إلى ما ذكرنا من قبل عن شخصية الجبلاوي والإشارات المتعلقة بها .
ثم يقول : "والتأويل المعادي للرواية والتي يتهمها بأنها ضد الدين ، يوازي عمدا بين شخصيات "جبل " و "رفاعة " و "قاسم" وبين رسل الله في الأديان الثلاثة .. ولكن المتأمل للرواية وللتركيب النفسي والشخصي لهذه الشخصيات الثلاث يدرك أن كلا منه يلعب دور المصلح الاجتماعي دون أن يجاوز حد البشرية ، أو يتطاول عل التشبه بالأنبياء ، فجبل يمز إلى القوة التي بغيرها لا يسود العدل ، ورفاعة يرمز إلى فضيلة الرحمة ويروج لها بين أبناء الحارة ، وبين القوة والرحمة يتردد القسم بالله الواحد الأحد وطلب العفو منه , أما قاسم فيأتي قويا ومتسامحا في نفس الوقت مستعينا بالله صاحب النصر " (حكاية أولاد حارتنا ص 93)
ثم يقول : "ثلاثتهم بلا استثناء يتميزون بالضعف البشري ، فهم يبيعون ويشترون وينغمسون أحيانا في تفاهات الحياة وملذاتها ، وهم يرتادون بؤر المخدرات بين المنازل القذرة حيث بائعات الهوى والأسر المطحونة ، فالخير والشر فيهم ، والقوة والضعف فيهم ، غير أنهم تميزوا عن بقية "أولاد حارتنا " بهذه الشهوة العارمة للإصلاح الاجتماعي " (المرجع السابق 94)
ولا أرى أن هذا يدل على أن الكاتب لم يقصد بهذه الشخصيات الثلاث رسل الله عليهم السلام . ولو لم يجعلهم نجيب محفوظ بهذه الصورة ما كانت الثورة عليه بمثل ما كانت ، فقد خلع عنهم صفات الكمال ، وأزال عنهم العصمة الواجبة لهم ، ولكن الإشارات المتعددة في الحديث عن هذه الشخصيات تدل دلالة قاطعة على مقصد الكاتب الكبير .
ويذكر الدكتور سرحان أن أحدا من الذي أساءوا فهم الرواية لم يقرأها لا قراءة متعجلة ولا قراءة متأنية ، ولم يسع إلى تحري الحقيقة إلا صفوة الصفوة من النقاد أم محبي أدب نجيب محفوظ . (المرجع السابق ص 90)
ويبدو أنه يريد أن يقرأها كل قارئ بما يوحي به إليه ، وإلا فإن أحدا لم يقرأها ، وأتصور أن الدكتور سرحان هو الذي لم يقرأ الرواية تلك القراءة المتأنية ، أو على الأقل لا يعرف من سير الأنبياء والمرسلين ما يجعله قادرا على الوصول إلى حقيقة الأمر والحكم على شخصيات الرواية ورموزها حكا مبينا على معرفة . ولو فعل هذا وأراد الحق لما قال ذلك .
ويرى الدكتور محمود أمين العالم أن "هذا الجبلاوي ليس من الضروري أن يقرأ في الرواية باعتبار أنه الله الخالق لك شيء ، وإن كانت بعض فقرات الرواية توحي بذلك ، على أنه قد يرمز إلى ما يعنيه الله في الأديان جميعا من تجسيد معنوي لأشرف قيم الحق والعدل والمساواة والمحبة والعلم المثمر أي هو رمز لمرجعية مثالية تمثل في الوصايا العشر . إلا أن الله الخالق تحديدا وارد في الرواية في أكثر م موضع مما يجعل للجبلاوي دلالة خاصة مختلفة وإن تكن مراوغة ، فنقرأ في الرواية مثل قول همام لأخيه قدري : أنت مجنون وحق خالق الكون ، وقول جبل : الحمد لرب السماوات على أنك تتمتع بصحتك ، إلى غير ذلك . الجبلاوي إذن في الرواية ليس هو الله خالق الكون ورب السماوات" المرجع السابق104) ولكن إذا كانت بعض فقرات الرواية توحي كما ذكر الدكتور العالم بأن الجبلاوي هو الله ، فكان ينبغي عليه أن يفسر لنا ذلك ، وهل مرده لتناقض الكاتب في روايته أم لسبب آخر ؟
وهذا الذي أورده على لسان همام وجبل ليس دليلا على أن الجبلاوي رمز لشيء آخر غير الله عز وجل ، فنحن نجد في القرآن الكريم ، مثل قول الله تعالى : "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ..." الآية (سورة الأعراف آية 137 ) وقوله تعالى : "واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ..." الآية (سورة الأعراف آية 205) وقوله سبحانه : "قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون " (سورة الأعراف آية 121) فهل يعني هذا أن رب العالمين غير الله عز وجل ؟ ثم إن الكاتب يحاول إضفاء غلالة رقيقة أو ستارا على رمزياته التي توضحها إشاراته المتعددة في مواضع مختلفة من الرواية .
ويقول فؤاد دواردة : "أولاد حارتنا ملحمة روائية تعتمد على التأمل العميق في تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة حتى عصرنا هذا ، تاريخ عقائدها وديانتها ، تاريخ كفاحها المستمر المستميت من أجل العدالة والحرية والكرامة ، تاريخ النجاح والفشل ، تاريخ المعركة المحتدمة أبدا بين المؤمنين بالمثل الأعلى وبين الظالمين والمستبدين والمستغلين في كل العصور" (نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية ص 36)
ويذكر دوارة أن نجيب محفوظ "عرض تاريخ البشرية من وجهة نكر تقدمية تؤمن بالعلم والاشتراكية ، ثم أضاف إلى أنبياء الماضي المعروفين أو بدلائهم الفنيين أدهم وجبل ورفاعة وقاسم ، نبيا خامسا سماه عرفة رمز به للعلم دين العصر الحديث وجعل من عناصر قوته وضعفه صورة طبق الأصل من قوة العلم حين يعمل في خدمة الناس ، وضعفه حين يستسلم لأطماع الحاكمين أو نظار الوقف ويزودهم بأسلحة الإرهاب والدمار . (المرجع السابق 39)
وواضح كما ذكر دوارة أن نجيب محفوظ كانت وجهة نظره في أولاد حارتنا "تقدمية " إلى حد كبير ، حيث صار إيمانه بالعلم والاشتراكية بديلا عن إيمانه بالله ورسله ، ومن ثم جعل عرفة الذي يرمز به للعلم نبيا أو خاتما للأنبياء ، لأن العلم كما يرى دوارة دين العصر الحديث .
وهذا الدين الجديد هو الذي يزود الناس بأسلحة الإرهاب والدمار فأنعم به من دين والحقيقة أن هذه بالفعل نظرة نجيب محفوظ لشخصيات "أولاد حارتنا " وهذا هو الهدف الذي يرمي إليه من وراء فكرة روايته ، فهو يريد أن يسود العلم المادي والاشتراكية التي تحاول القضاء على الدين ، فنجيب محفوظ هو الذي ذكر أن العلم والاشتراكية منذ دخلا مخه لم يخرجا منه حتى الآن . (المرجع السابق 11)
لقد وظف نجيب محفوظ فنه وإبداعه في محاولة الوصول إلى أهدافه التي ظل مثابرا عليها ، فقد كانت رؤيته في أولاد حارتنا واضحة لعالم يريد منه أن يكون العلم التجريبي سلاحه ، وأن تكون الاشتراكية مذهبه ، وأن يحثوا على الأديان من التراب ما يجعلها مجرد ذكرى ، بعد أن صار العلم دينا يمحو ما سبقه من الأديان .
ويقول الأديب ثروت أباظة : " أعتقد أن أساتذتنا من مشايخ الأزهر لا يستطيعون تفسير رواية مثل "أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ بالصورة التي تجعلها غير كافرة ، وفي رأيي أنها رواية إيمانية "
ولم يذكر لنا الأديب الكبير كيف تكون هذه الرواية "رواية إيمانية " ، وهي تفيض إثما وعدوانا على الأديان كلها ، وتقوم فكرتها على أن الدين قد انقضى دوره وانتهى ، وصار العلم المادي دين العصر الحديث .
ثم يقول الأديب ثروت أباظة : " ورجال الأزهر تعودوا على القراءة المباشرة التي لا تحتمل الشك ، وهم يلزمون أنفسهم بهذا حتى يحافظوا على الدين في مفهومهم هم ونحن ملزمون أيضا بأخذ رأيهم لأننا لمن سنرجع في الأمور الدينية إلا للمشايخ حتى لا تحدث فوضى .
ولا ندري معنى لما يقول الكاتب الكبير ، إلا إذا كان يريد من المشايخ أن يغضوا عيونهم عما يرون من تزييف لأمور الدين ، وأن يغضوا الطرف عن رواية تقدح في عصمة الأنبياء ، وتشوه كثيرا من أمور الدين ، فهل هذا المفهوم الذي يريد الكاتب منهم ؟
ويكمل ثروت أباظة رأيه قائلا : "وفي تصوري أن أولاد حارتنا لو كانت مكتوبة بغير الطريقة الروائية لوافق عليها الأزهر ، لأنها رواية إيمانية بدليل أن الجبلاوي الذي يمثل الله قد عاش في النهاية ، بمعنى أن العلم قد تغلب على الدين فترة ولكن الدين عاد وعاش"
ولا أدري ثانية ما يقصده الكاتب بقوله : لو كانت مكتوبة بغير الطريقة الروائية لوافق عليها الأزهر ، مع أنها أقرب إلى المقال التاريخي ، وإن كان فيها من التزييف والتزوير الكثير ، وهل رفض الأزهر لها كان سببه أنها مكتوبة بطريقة روائية ؟ أم أن الرفض منصب على الأفكار الهدامة التي تحاول تشويه تاريخ الأنبياء ، بل تتطاول على الله عز وجل وتنتصر للعلم على حساب الدين ؟
ولا أدري كذلك من أين أتى الكاتب بأن الجبلاوي عاش في النهاية ؟ مع أن الرواية تذكر أنه مات ، وأنه ووري التراب ، وأن عرفة رمز العلم ندم على أنه كان السبب في موته ، فهل قرأ كاتبنا الكبير الرواية ؟ أم أنه حكم بغير دليل ، وبنى رأيه على غير أساس ؟ فالرواية تنتهي بقول نجيب محفوظ : وعاد حنش (مساعد عرفة ) يبحث عن الكراسة التي كان يضمنها عرفة سحره ، ولكن الناظر يبحث عنه دون جدوى ، وانتشرت الأخبار بأن حنش سيتم ما بدأه عرفة ، وتفاءل الناس في الخلاص من الناظر ، وأخذوا يكبرون ذكر عرفة ، عندما أدركوا ما كان ينشده من خير لهم .
والعجيب أن الأستاذ ثروت أباظة يرى أن روايات نجيب محفوظ كلها روايات إيمانية ، فيقول : وبمقارنة هذه الرواية بأعمال نجيب محفوظ نجد أن فكرة الإيمان مسيطرة عليه ، لكنه بحث عن الإيمان بالعقل ، كما في " الشحاذ" و " الطريق "
"الطريق " تعلن إيمان نجيب محفوظ إيمانا مطلقا ، و" الشحاذ " تعلن إيمانه الإسلامي . ونحن بدورنا نتساءل ما معنى الإيمان المطلق والإيمان الإسلامي ؟ وما الفارق بينهما ؟ فلعل الكاتب الكبير يعرف الإيمان على غير ما نعرف .
وينهي الأديب الكبير كلامه عن أولاد حارتنا فيكرر أنها رواية إيمانية ، وإنما المشايخ يجب أن نلتمس لهم العذر ، فهم لا يعرفون كيف تقرأ الروايات (أخبار الأدب . العدد 27 بتاريخ 16/ 1/ 1949)
ونحن نقول بدورنا : ويجب أن نلتمس لك العذر لأنك لم تقرأ الرواية أصلا .
أما الدكتور عبد الجليل شلبي فإنه يتساءل : "هل يجوز إذا غيرنا أسماء بعض الأشخاص والأماكن أن نعرض سيرهم وأعمالهم حسبما نرى ؟ هل يجوز إذا سمينا الأنبياء الكبار بجبل ورفاعة وقاسم ، وسمينا الله باسم الجبلاوي أن تعرضهم هذا العرض ، وهو كما رأينا لا يخلو من سخرية أو إهانة" (حكاية أولاد حارتنا ص82)
ويذكر الدكتور شلبي أن الخاطر الذي يضايقه "هو إغراق الرواية في الشرب والمسكر والمخدرات ، حتى الأنبياء والمصلحون الذين اختارهم "الكاتب" لم يبتعدوا عن الغرز ، ولم يتنزهوا عن الشراب والتحشيش ، ولكن هذه خصيصة نجيب محفوظ ، فمعظم رواياته تحوى هذه المظاهر ، ويبدو أنه لانغماسه في الحياة الشعبية لاحظ هذه ا لظاهرة ، وهي لا تزال شائعة في حياتنا المصرية رغم قسوة العقوبات" (المرجع السابق9)
والواقع أن روايات محفوظ كلها مغرقة بالفعل في الشرب والسكر والمخدرات ، وفي الحقيقة فإن الكاتب متأثر ببيئة الشعبية في هذا الجانب كما ذكر الدكتور شلبي ولكن كان ينبغي أن يحترز الكاتب من الوقوع في هذا الأمر في رواية ارتكز فيها على تاريخ الرسالات السماوية ،وأن يجنب الشخصيات التي يرمز بها لأنبياء الله عليهم السلام ما يقع فيه عامة الناس، وهم يريدون الإصلاح : إصلاح الحارة التي رمز بها للحياة البشرية كلها، ولكن الكاتب للأسف جعل هؤلاء الأنبياء والمرسلين كغيرهم من الناس يدخنون .
ويسكرون ولا يبتعدون عن اللغو من الكلام ، ربما لأنه أراد أن يضفي على روايته هذا الطابع الشعبي ، وأن يوهم القارئ أن هذه الشخصيات لا يقصد بها الأنبياء ، وإن كنت أتصور أن الرمز لم يخف المرموز ، وأن الكاتب أخطأ كثيرا حين لم ينزه هذه الشخصيات عما جعلهم مغرقين فيه ، فعصمة الأنبياء عليهم السلام تتنافى مع ما صورهم به نجيب محفوظ ، بالإضافة إلى ما وقع فيه الكاتب حين صور ذات الله عز وجل بهذه الصورة التي تمثلت في شخصية "الجبلاوي" كما ذكرنا ، وهذا الخط الذي يسخر فيه الكاتب بالرموز الدينية كثير عند ومكرر في رواياته المختلفة ، مما يدل على إساءته إلى الأديان وعدم توقيره للمقدسات .
ويرى الكاتب محمد يحي أن رواية "أولاد حارتنا " تقدم لنا نوعا فريدا وجديدا في فرعيته من الحكاية الرمزية ، وان احتفظت في عمومتها بالطابع النمطي لهذا النوع الأدبي ، فالعناصر الخارجية التي يشير إليها العمل ، وتؤدي إلى سلسلة من المعادلات ليس كما هي العادة معاني أخلاقية أو قيمة مجردة ، ولا هي عددا من الشخصيات والأحداث السياسية والاجتماعية المعاصرة ، يتناولها الكاتب بالتعليق والنقد ، كما أن الهدف أو العبرة من وراء "أولاد حارتنا " ليس هو كما نجده في كثير من الحكايات الرمزية الدفاع عن قيمة أخلاقية وسلوكية من خلال التصوير المجسم للمعاني المجردة ، بل هي العكس تماما إذا فهمنا ذلك الهدف على أنه إعلان فشل الأديان ورسالاتها في إصلاح أحوال البشرية ، وإنهاء استغلال السادة والحكام . (الطريق إلى نوبل 112)
ويتساءل عن الهدف من وراء الرواية فيقول : "هل تبشر القصة بموت الإله وبإحيائه على أسس جديدة أو إحياء إله جديد ؟ وهل توحي بنهاية الدين وبداية العلم أم بنهاية دين وبداية دين آخر هو العلم في ثوب الدين ؟ وهل هي تتفاءل بتحرير البشرية أم تعبر عن نظرة متشائمة من تكرار وقوع الإنسانية في الغفلة وبراثن الغيبيات علمية كانت أم دينية فكلها أساطير وأناشيد وتوقعات مستقبلية ؟"
ثم يستدرك قائلا : "ولكن يبدو أنها تطرح وجها لك صاحب بغية يستطيع أن يقدمه خدمة لدعوته ، وكلها أوجد ضد الدين ، إلا أن وجها واحدا يغيب عن هذه الرواية وهو انتقاد السلطة والطغيان القادم " (المرجع السابق 146)
والحقيقة أن الرواية تحاول إبراز الصراع بين الخير والشر ، وبين العدل والظلم ، ولكن تصل في النهاية إلى إظهار دور العلم وأنه السبيل إلى إحقاق الحق ، ولو بالدمار ،وقد حشد الكاتب كل أسلحته الفنية للوصول إلى هذا الهدف ، بل إن الكاتب قد تنازل عن مستواه الفني في رواياته التي سبقت هذه الرواية والتي لحقتها ، حتى يبلغ غايته ، ومن ثم كان هذا العمل الروائي أقل (من وجهة نظرنا ) من أعماله الأخرى في أحداثه وشخصياته كما سبق بيانه .
كما يرى معتز شكري أن "أولاد حارتنا" "تصور الله والأنبياء والرسالات السماوية على غير الحقيقة الإيمانية ، وغير ما يؤمن به الناس في هذا البلد الذي صدرت فيه القصة ، وترسى القصة مبادئ الاشتراكية والماركسية الملحدة بديلا للدين والألوهية والوحي ، وتبشر بوراثة العلم الدنيوي المادي للدين الذي ترى أنه استفد أغراضه ووهنت قواه " (الطريق إلى نوبل 5)
ثم يتناول تركيز نجيب محفوظ على العلم وثقته المطلقة فيه ، ومحاولته التأكيد على دور العلم المادي فيقول : "إن الكاتب وكأنه في سياق جدل فكري ليبرهن على مقولاته الفلسفية يريد أن يوحي إلينا بأن وراثة العلم للدين حدثت كأمر طبيعي ومنطقي ، وحتمية تاريخية ، لدرجة أن الدين نفسه سلم بهذه الوراثة وانتقال الأمر والسلطة منه إلى العلم ، لأن هذا هو الذي يجب أن يحدث .
ويمكن أن يفهم ذلك على ضوء وهن الجبلاوي وضعفه "أي استنفاد أغراضه وأسباب بقائه " أو كأن الجبلاوي "الإله" وقد شاخ وكبر واقترب من النهاية ، نظر فيمن يخلفه فلم يجد من هو أصلح من عرفة "العلم" (المرجع السابق 95)
وأحب أن أختم هذه الآراء بما ذكره الكاتب نجيب محفوظ نفسه عن الرواية ، حين سئل : ما هو تقيمك لأولاد حارتنا ؟
فأجاب الكاتب الكبير : "أولاد حارتنا عمل جيد ، وأنا مقتنع به ، وراض عنه ، وأعتقد اعتقادا جازما ، والله أعلم ، أنه لا يتضمن مساسا بالدين ولا بالله ، ولم ترد في ذهني وأنا أكتبها أي من الأفكار التي فهمها البعض ، وأنا لست ضد الدين ، ولا ضد الإسلام بالذات"
ونرد عليه بأن ما كتبه في الرواية لا يستطيع أحد إنكاره، ولا يقدر نجيب محفوظ نفسه على تكذيبه ، وإنما الذي يستطيع إن يرد به ما يزعمه من أن هذه الرموز لا تشير إلى الله ولا إلى أنبيائه أو ملائكته عليهم السلام ، وهذا زعم باطل ، وقد سبق أن أوردنا الأدلة على ما نقول ، ولا يمكن أن يكون هذا من توارد الخواطر ، فمن المستحيل أن يأتي الكاتب بأحداث تطابق في كثير منها ما ورد في القرآن والتوراة والإنجيل والكتب التي تناولت الأنبياء وقصصهم .
كما أن الكاتب أضفى على الجبلاوي الذي يرمز للذات العلية أوصافا لا تليق به عز وجل ، وجعل نهايته الموت على يد عرفة رمز العلم ، حتى يصل في روايته إلى ما يبغيه من استبدال العلم بالدين ، أو جعل العلم دين العصر الحديث ، أفلا يكون هذا مساسا بالدين ؟ أو لا يكون ذلك مساسا بالله عز وجل؟
ثم يقول الكاتب بعد ذلك : "والعمل الفني يخضع لرؤية القراء وتفسيراتهم ، وأنا غير مسئول عن التأويلات التي قدمها البعض ... وقد يكون هناك "ناس يحبوا يوقعوا كمان" لكني لا أحب ترديد كل ما أسمعه" (جريدة الأهرام عدد 6/ 12/ 1996م ) ولا ندري إن كان الكاتب غير مسئول عما يكتب ، فمن المسئول عنه؟ والذي قدمه "البعض" ليس مجرد تأويلات ، وإنما حقائق تعتمد على ما جاء بالرواية ، وما ورد في الواقع وروته الكتب المتعلقة بالأديان .
وكان أولى بالكاتب أن يعتذر عن إساءاته في الرواية وغيرها ، أو أن يجد لنفسه تبريرا مقنعا ، وألا يأتي بمثل هذا الكلام الذي لا سند له ولا دليل عليه .
لقد اهتم نجيب محفوظ في رواياته عامة ، وفي أولاد حارتنا بصفة خاصة بفكرة معينة ، وهي إظهار الأديان على أنها مجرد أوهام ، أو أنها قد انتهت دورها ، وآن للعمل أن يحل محلها ، وأن يقيم في حياتنا دولته.
أجل ، لقد كرس نجيب محفوظ كل همه في التأكيد على قيمة العلم وأهميته في حياتنا المعاصرة ، في الوقت الذي تصور فيه أن الدين قد انتهى عهده وانقضى زمانه ، فلم يعد صالحا (كما يعتقد الكاتب ) لقيادة البشرية ،ولم يعد قادرا على مواجهة العصر الحديث ، وهذا ما ينادي به العلمانيون والاشتراكيون الذين تجرءوا على الأديان ، وقادوا حملة الهجوم عليها .
لقد كانت رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ محاولة لمزج الواقع التاريخي بالخيال القصصي ، من خلال فكر معين ، فكانت الرواية الرمزية التي امتلأت بالمظاهر الشعبية ، في محاولة لإضفاء الواقعية عليها ، وإحكام المواقف والأحداث ، وهو يستخدم الرمز محاولا خداع القراء والتمويه عليهم ، ولكن المطالع لروايته يدرك الدلالات المقصودة من رموزه دون كثير عناء ، وعلى أي حال فقد وظف نجيب محفوظ الرمز ليقدم م خلاله رؤيته لمختلف جوانب الحياة ، وليعبر عن أفكاره التي يريد أن يطرحها ، دون أن تكون سيفا مسلطا عليه .
من مواضيع : موسى بن الغسان طاطي راسك طاطي
استغماية ......أحمد فؤاد نجم
120 مثل من اليابان
صحوة الشعوب العربية والإسلامية
كيف تخطط لحياتك ؟
 

الكلمات الدلالية (Tags)
محفوظ, مولاي, أندية, حارتنا, وقد, كتاب

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الرواية عند نجيب محفوظ
ان لله وان الى راجعون نجيب محفوظ كل الاخبار
روايات نجيب محفوظ..ديوان الحياة المصريةالمعاصرة
رحيل الاديـب العربي العالمي نجيب محفوظ صباح اليوم

نقد كتاب أولاد حارتنا لنجيب محفوظ

الساعة الآن 07:41 AM.