xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه

الحوار المفتوح

23-09-2006, 03:06 PM
موسى بن الغسان
 
من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه

أستاذ جامعى مصرى يزعم أن محمدا لم يكن إلا تاجرا

من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه
أستاذ جامعى يزعم أن محمدا لم يكن إلا تاجرا
د. إبراهيم عوض
كنت أبحث منذ عدة أعوام فى مكتبة جامعة "أم القرى" بالطائف عن كتاب لوالتر سكوت الروائى الإنجليزى المشهور، فإذا بى أعثر بدلا منه على كتاب "Islamic History- A New Interpretation" (مطبعة جامعة كمبريدج/ 1980م) للدكتور محمد عبد الحى شعبان، الذى كان يشتغل فى جامعة إكستر البريطانية أستاذا للتاريخ الإسلامى ورئيسا لقسم اللغة العربية ومديرا لمركز دراسات الخليج العربى. وكنت قد سمعت به وأنا فى بريطانيا (1976م- 1982م) سماعا عارضا، وكان ذلك فى سياق الحديث عن تهجمه على الرسول عليه الصلاة والسلام واتهامه له بأن غزواته كانت فى الواقع عملا من أعمال قطع الطريق، وهو ما أثار شهيتى لقراءة ما كتبه الرجل عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد وجدته فى الفصل الأول من ذلك الكتاب. وقد قرأت الفصل، وكان لى عليه عدد من المراجعات والتعليقات: بعضها خاص بالمنهج، وبعضها يتصل بالأفكار ذاتها، ولسوف يرى القارئ من خلالها مدى التفاهة الفكرية والسطحية المنهجية التى يعالج بها دينَ محمد كارهوه رغم تصايحهم دائما بالمنهجية العلمية، فهم كلهم من طينة واحدة.
أولى الملاحظات أن المؤلف على طول الفصل الذى نحن بصدده، وهو أساس الكتاب (لأن الكتاب يتناول تاريخ الإسلام، والفصل يتعلق بنبىّ هذا الإسلام ورسوله) لا يذكر أى مصدر، بل لا يستشهد بأى مرجع عربى، اللهم إلا "قتوح البلدان" للبلاذرى. وفى أى شىء؟ فى معلومة جانبية تافهة هى أنه كان لليهود مركز تجارى فى الطائف، بل إنه لم يكلف خاطره أن يذكر نص ما قاله البلاذرى فى ذلك، واكتفى بما فهمه هو من كلام الرجل. وكل مراجعه فى هذا الفصل مقالان لكِسْتَرْ وآخر لسرجنت، وثلاثة كتب لمونتجومرى وات، وكتاب لبيلاييف. وهذه الكتب هى كتب تحليلية بالدرجة الأولى، فهى لا تقدم معلومات بل تطرح آراء وتفسيرات، وتنطلق كلها تقريبا من التفسير الماركسى للتاريخ وحركة المجتمعات. علاوة على أن مقال سرجنت ليس فى صلب الموضوع، بل عن "الحَرَم" و"الحَوْطَة". ومع هذا كله، وهو مخجل، فإن المؤلف، فى مقدمة الكتاب، يدَّعى بجرأة يُحْسَد عليها أنه قد رجع إلى كل المصادر والمراجع المتاحة! أهذه بالله هى كل المصادر والمراجع المتاحة فى الموضوع لأستاذ جامعى متخصص؟ يا ضيعة العلم والمنهج العلمى!
الكاتب إذن يسطّّر فصلا كاملا عن أول وأهم وأخطر شىء فى التاريخ الإسلامى بهذه الخفة وتلك اللامبالاة، وكأنه يكتب موضوعا فى مادة التعبير عن جمال القمر، أو عبير الورد فى البستان، أو المقارنة بين السيف والقلم. أهكذا يكتب التاريخَ أساتذةُ التاريخ؟ إن كان هذا هو المنهج العلمى فى كتابة التاريخ أو أى فرع آخر من فروع المعرفة فقل: يا رحمن! يا رحيم! أين القرآن الكرم وتفسيراته؟ أين أحاديث النبى الذى يدور حوله هذا الفصل؟ أين كتب السيرة النبوية والغزوات وطبقات الصحابة؟ أين كتب الطبرى وابن الكلبى والواقدى وابن حزم وابن الأثير والمقريزى...إلخ؟ لا شىء من هذا كله ولا من غيره بالمرة! (يمكن الرجوع مثلا إلى كتاب "مصادر السيرة النبوية وتقويمها" للدكتور فاروق حمادة/ دار الثقافة/ الدار البيضاء/ 1400هـ- 1980م، حيث يعرض المؤلف ويناقش عددا كبيرا من المصادر والمراجع الخاصة بسيرة النبى عليه السلام ومدى وثاقة كل منها). هذا، والكاتب بَعْدُ هو أستاذ فى جامعة بريطانية شهيرة، وليس مدرسا فى مدرسة ابتدائية أو إعدادية. فهل هذا هو المنهج الذى يعلمه لطلبته فى الجامعة والدراسات العليا؟
والذى يقرأ الفصل الذى بين أيدينا سيجد د. شعبان يصول ويجول كما يحلو له دون أى قيد، فقد نبذ مصادر الدراسة ومراجعها وراءه ظِهْرِيًّا، وأخذ يسود من الصفحات ما يحلو له ويملؤها بالكلام الذى يعجبه دون رقيب أو حسيب! ولسوف يشعر القارئ بدُوَار هائل من غياب الإحساس بمسؤولية العلم والقلم ومن جرأة المؤلف على الحقائق والتاريخ وشخصية الرسول صلى الله عله وسلم جرأةً يصعب أن نجد لها نظيرا بين من يكتبون التاريخ. إن حَقَدَة المستشرقين والمبشرين لا يفوتهم، رغم سوء نيتهم وخبث كيدهم، أن يذكروا مصادرهم ومراجعهم ويسوقوا كل ما يعين على مراجعتها كى يتمكن القارئ من العودة إليها بنفسه إذا أراد، بغض النظر عن أنهم قد يملخون النصوص من سياقها أو يتلاعبون فيها بطريقة أو بأخرى أو يضفون عليها تفسيرا ليست منه ولا هو منها. أما المؤلف، وهو ذو أصل إسلامى، فإنه يتجاهل هذا كله، وينطلق فيكتب، كما قلت، عن أخطر وأهم وأول شىء فى التاريخ الإسلامى دون الاستنادة إلى أى مصدر أو مرجع عربى، بل ولا إلى أى مرجع أوربى يقدِّم حوادث العصر الذى يدور حوله الفصل وأخبار سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم!
والعجيب الغريب أن المؤلف يأخذ على بيلاييف اعتماده على آراء فردريك إنجلز فى كلامه عن الإسلام والظروف التى أحاطت بظهوره أكثر مما يعتمد على المصادر المتصلة بهذا الموضوع. فهلاّ قال هذا الكلام لنفسه وانتفع به؟ أم هو مجرد كلام والسلام؟ إذن فلا عجب إذا وجدناه يقول كلاما عجيبا ما أنزل الله به من سطان، ويدّعى أشباء لم تحدث قط. أليس يكتب من دماغه دون أى توثيق؟ فما حاجته إذن للالتزام بحقائق التاريخ ووقائعه؟ وما الذى يمنعه أن يلويها على هواه ويفسرها بأى شىء يعنّ له ببال؟
إنه يدعى أن المبدأ الأساسى فى دعوة النبى عليه السلام على مدار حياته كلها كان هو التعاون بين الأغنياء والفقراء، ومن هنا فإنه (كما يقول) كان دائم الإلحاح على أن الشر كل الشر فى تكديس الأموال. كما يزعم أن خططه عليه السلام كان هدفها الأوحد والدائم هو استمرار التجارة فى عصره وازدهارها. أهذا كلا م يقوله رجل يقيم للتاريخ وزنا ويحترم عقول قارئيه؟ فليؤمن المؤلف هو أو غيره أو فليكفر، فهذا شأنه، أما القول بأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يهمه إلا التجارة ولم يَدْعُ طوال حياته (يقصد سِنِى رسالته) إلا إلى التعاون بين الأغنياء والفقراء فهذا ليس مرجعه إلى ما يشاء المؤلف، لأن حقائق التاريخ ووقائعه أكبر مما نشاء، وينبغى احترامها والحرص على نقلها بصدقٍ بغضّ النظر عما نحب أو نكره.

لقد دعا الرسول الأكرم، ضمن ما دعا إليه، إلى البر بالفقراء والمساكين والمحرومين، وجعل الإسلامُ لهم حقا معلوما فى أموال الأثرياء، لكن هذا ليس كل شىء، ولا هو أول شىء فى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وعجيب أن يقول المؤلف ما قال وكأنه يتحدث عن نبى ذهب فى حِقَب التاريخ الأول قبل نشوء الكتابة والتدوين فلم يَعُد معروفا عنه شىء إلا اسمه! هل هذا معقول؟ وهل معقول أن يكون الدكتور جاهلا بالإسلام ورسالته إلى هذا الحد، وهو المصرى الذى نشأ وتربى فى بيئة مسلمة؟ أهكذا تفعل أوربا بالناس؟ لا أقصد أنها تجعلهم ينبذون ما كانوا يؤمنون به من قبل، فقد قلت إن لكل إنسان الحق فى أن يؤمن أو يكفر كما جاء فى القرآن الكريم، بل أقصد لَىّ التاريخ ومحاولة طمس حقائقه. ولكن ماذا نصنع، وهناك ناس عندهم الجرأة على إنكار الشمس فى رائعة النهار كما يقولون؟
هل يظن المؤلف أنه بما سطَّر من مزاعم سيُقْنِع الناسَ فعلا بأن رسالة محمد لم يكن لها من هدف إلا التجارة والتعاون بين الأغنياء والفقراء فى سبيل نجاحها وازدهارها، وأنه لم يكن فيها وحدانية، ولا بعث وحساب، ولا جنة ونار، ولا ملائكة وشياطين، ولا صلاة وزكاة وحج، ولا صدق وأمانة وكرم وشجاعة وسعى حثيث فى سبيل الرزق، ولا حب ومودة، ولا نظافة ولياقة وتهذيب وذوق اجتماعى مصفًّى...إلخ؟ لقد كان فى رسالة سيد البشر العقائد والعبادات والمعاملات والسلوك والجهاد والأحوال الشخصية، وليست التجارة إلا فرعا واحدا من فروع المعاملات، فأى معنى لاختزال ذلك كله فى شىء واحد ليس إلا؟ أليس فى القرآن والأحاديث وما كتب المسلمون فى علم الكلام والفقه والأخلاق إلا التجارة والتعاون بين الفقراء والأغنياء؟ أليس عجيبا أشد العجب أن يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى توضيح البديهيات وتأكيدها؟ ولكن ما العمل، وهذا ما يقوله أستاذ جامعى فى جامعة من أشهر جامعات العالم؟
وهو يقول أيضا: "إن أية محاولة لدراسة أنشطة محمد فى مكة والجزيرة العربية دون الالتفات إلى مسألة التجارة لتساوى بالضبط دراسة الكويت أو الجزيرة العربية الآن دون أخذ البترول فى الاعتبار". قد يكون الشق الثانى من هذا الكلام صحيحا. كذلك فمن المؤكد أنه لا يمكن فهم الإهداء المشحون بعبارات المديح والثناء الطنّان الذى وجهه المؤلف فى صدر الجزء الثانى من كتابه إلى الشيخ أحمد زكى يمانى والذى جاء فيه: "إلى صديقى الشيخ أحمد زكى يمانى، الذى أعادت سياسته إلى الحياة كثيرا من خصال أسلافه العظام" إلا إذا أخذنا "البترول" فى الاعتبار، إذ كان يمانى وقتها وزيرا للبترول فى المملكة العربية السعودية. أما هذه المطابقة بين دعوة الرسول عليه السلام والتجارة فكَلاّ ثم كَلاّ، لأنها عدوان أثيم غشيم على التاريخ وحقائق التاريخ!
ويستمر المؤلف فى غيه وعدوانه على حقائق التاريخ فيزعم أن الرسول عليه السلام حينما عرض على عدد من المسلمين الهجرة إلى الحبشة للاحتماء بملكها العادل الذى لا يُظْلَم عنده أحد إنما أرسلهم بغية إقامة علاقات تجارية مستقلة لولا أن قريشا أحبطت مسعاه. طبعا، والدليل على ذلك أن الجمارك الحبشية بناء على التبليغ الذى قام به رسولا قريش آنذاك فى الحبشة قد ردّت هؤلاء المهاجرين إلى مكة فى "بلاليص" مختومة بالشمع الأحمر، وعليها بطاقة تقول إن هذه البضاعة قد انتهت فترة صلاحيتها. لا تؤاخذنى أيها القارئ الكريم، فإن الكاتب منا إذا لم يضحك إزاء مثل هذا الكلام طَقَّ من الغيظ!
أتدرى من أين استمد المؤلف العبقرى هذا الخبط العجيب؟ إنه يشير إلى مونتجومرى وات وكتابه "Muhammad at Mecca". أما ابن إسحاق وابن هشام والواقدى والسهيلى فكأنْ ليس لهم وجود أو كأنهم لم يكتبوا فى السيرة النبوية وهجرة بعض المسلمين إلى الحبشة شيئا. لقد ذكر ابن هشام مثلا فى سيرته عن ابن إسحاق أنه "لما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها مَلِكًا لا يُظْلَم عنده أحد، وهى أرضُ صِدْق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم" ("السيرة النبوية" لابن هشام/ المكتبة الفاروقية/ ملتان/ باكستان/ 1397هـ- 1977م/ 1/ 204). ثم ذكَر شعورَهم بالأمن بأرض الحبشة وحَمْدهم جِوارَ النجاشى وعبادتَهم الله هناك لا يخافون على ذلك أحدا، وأن النجاشى قد أحسن جوارهم، كما ساق الأشعار التى قالها بعض المهاجرين تعبيرا عن هذه المشاعر. وعقَّب على ذلك بما يقوله اين إسحاق من أن قريشا "لما رأت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَمِنُوا بها دارا وقرارا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم رجلين من قريش جليدين إلى النجاشى فيردّوهم عليهم ليفتنوهم فى دينهم ويخرجوهم من أرضهم التى اطمأنوا بها وأَمِنوا فيها" (المرجع السابق/ 1/ 210). ثم إن النجاشى لم يشأ أن يتخذ أى تصرف قبل أن يسمع من المهاجرين، الذين تلخَّص دفاعُهم عن أنفسهم فى المقارنة بين الشرك الذى كانوا عليه وأكْلهم الميتة وإتيانهم الفواحش وقطْعهم الأرحام وإساءتهم الجوار وأكْل القوى منهم الضعيف وبين الإسلام وما يدعو إليه من الوحدانية والصلاة والزكاة والصيام والصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، والانتهاء عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات. ثم قرأوا عليه، بناءً على طلبه أن يسمع منهم شيئا من القرآن الذى جاءهم به نبيهم، آيات من سورة "مريم"، مما أبكى النجاشى حتى اخضلَّت لحيته وجعله يقول: "إن هذا والذى جاء به عيسى لَيَخْرُج من مِشْكاةٍ واحدة". ومع ذلك لم ييأس السفيران وعادا للنجاشى فى اليوم التالى وأخبراه أن المسلمين يقولون إن عيسى عَبْد لا إله، فلم تنجح المكيدة أيضا، إذ أمّن النجاشى على ما يقول المسلمون فى هذا الصدد (السابق/ 1/ 212- 213. ويمكن الرجوع أيضا إلى الترجمة الإنجليزية التى قام بها المستشرق البريطانى ألفرد جِيّوم لسيرة ابن إسحاق: The Life of Muhammad, Oxford University Press, 198o, PP. 146- 153).
هذا ما يقوله ابن إسحاق وابن هشام فى السيرة النبوية، وهو نفسه مايقوله كل كُتّاب السيرة والمؤرخين المسلمين. وليس فيه، كما نرى، أى كلام عن التجارة والمال والاقتصاد، وإنما الكلام عن الوحدانية وعبادة الله والمبادئ الخلقية النبيلة التى جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وأن عبسى ليس إلا عبدا لله ونبيا. وهو أيضا نفس ما يقوله المستشرقون الذين يحرصون على توثيق كلامهم والرجوع إلى مصادر الموضوع ومراجعه كواشنطن إرفنج وجورج سِيل وألفرد جيوم ووليم مُوِير...إلخ، ومنهم مارتن لنجز، الذى كان تخصصه الأصلى فى الأدب الإنجليزى ثم تحول فيما بعد إلى دين محمد واهتم بدراسة الإسلام وكتب سيرة للنبى مستندا فيها إلى المصادر الإسلامية عنوانها "Muhammad- His Life Based on the Earliest Sources" (انظر ص 80 وما بعدها، طبعة George Allen and Unwin, 1983). وكيف يصحّ كلام المؤلف العجيب، ولم تكن للمسلمين آنذاك دولة حتى يفكر الرسول فى إقامة علاقات تجارية بينها وبين الدول المجاورة؟ بل إنه حتى عندما قامت الدولة الإسلامية فى المدينة لم نسمع قطّ أنه عليه السلام قد فكر فى مثل هذه الخطوة! فانظر بالله عليك أيها القارئ واعجب ما شئت من هذا الكلام الذى لا طعم له ولا لون ولا رائحة!
إن الكاتب، وهو ( كما قلت) عربى مصرى مسلم، يخترع ويؤلف، أو يتابع مونتجومرى وات فى اختراعه وتأليفه، وكأن التاريخ اختراع وتأليف! ومتى؟ بعد وقوع حوادثه بألف وأربعمائة عام! أليس هذا شيئا رهيبا؟ لو أن المؤلف، حين كتب ما كتب، قد اعتمد مثلا على رواية حبشية لحوادث الهجرة تخالف ما عند المسلمين لقلنا له: نعم ونعام عين! ولكن أين هذا المصدر الحبشى؟ أم ترى المؤلف يلجأ إلى أسلوب الكُهّان وضاربى الودع؟ لكن هل يحتمل مثل هذا الموضوع بجلاله وخطره ذلك الهزل؟ إن هذا وَايْمِ الله لعيب كبير! إن المسألة ليست مسألة إيمان أو كفر كما قلت، ولكنها مسألة احترام لمنهج البحث والحقيقة، بل احترام أصحاب الأقلام قبل ذلك لأنفسهم!
وبنفس الطريقة يعلل المؤلف ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حيث تقيم قبيلة ثقيف، الذين يصفهم بأنهم "المشاركون الصغار فى التجارة المكية". وأية تجارة تلك التى قصد محمد الطائف من أجلها يا ترى؟ لقد كان بعض كبار ثقيف يقولون استنكارا لنزول الوحى على محمد من دونهم: "لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم؟" (الزخرف/ 31). فهذه إذن هى نظرة رجال ثقيف إلى الأمر. إن عنادهم وكبرهم وغباءهم قد سوَّل لهم أن يكفروا بمحمد لا لشىء إلا لأنه لم يكن فى نظرهم رجلا من رجال مكة والطائف العظماء، أى الأغنياء. لقد كانوا يظنون، بسبب عنجهيتهم وانغلاق عقولهم، أن مكانة النبوة السامية ينبغى أن تكون تبعا للمركز المالى للشخص. فمن أين أتى المؤلف بهذا الكلام عن التجارة؟ ثم من يا إلهى الذى يقرأ دعاء النبى عليه السلام بعد أن طاردته الحجارة وأدمت عقبيه وألجأته إلى أحد البساتين هناك، هذا الدعاء الذى يهز الكيان كله هزًّا ويفجّر الدمعَ فى العيون والحنانَ فى القلوب، ثم تواتيه نفسه بعد ذلك أن يقول إن محمدا قد ذهب إلى الطائف لأغراض تجارية، اللهم إلا أن يكون ذلك الشخص مدخول الضمير؟ ألا شاهت الوجوه! إن من الحجارة، كما جاء فى القرآن الكريم، لما يتفجر منه الأنهار، ولكن بعض الناس أشد قسوة من الحجارة! إنها هى القلوب التى وصفها القرآن بأن عليها أقفالها! والآن إلى هذا الدعاء العجيب: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين وأنت ربى. إلى من تَكِلُنى؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمنى أم إلى عدوًّ ملَّكتَه أمرى؟ إن لم يكن بك غضبٌ علىَّ فلا أُبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى. أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنْزِل بى غضبك أو تُحِلّ بى سخطك. لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك!" ("السيرة النبوية" لابن هشام/ 1/ 261. وهذا الدعاء لا يزال، حتى فى ترجماته الإنجيزية التى اطَّلَعْتُ عليها وأنا بسبيل إعداد هذا البحث، يشع نورا وحنانا وعظمة ونبلا. انظره كاملا فى ترجمة جيوم لسيرة ابن إسحاق/ 193، وكتاب مارتن لينجز: Muhammad- His Life Based on the Earliest Sources, P. 98- 99 ، وفقرات منه فى كتاب H. M. Balyuzi: Muhammad and the Course of Islam, George Roland, Oxford, 1976,P. 40). بالله أهذا كلام رجل كان سفره إلى الطائف لأسباب تجارية؟ إن أحد الباحثين المعاصرين يعلق على ذلك بهذه الكلمات: "ألا ليت كان ثمة فى بعض الصدور البشرية قلب رقيق لكى يدرك صفاء الروح التى أطلقت العِنان لمشاعر فى مثل هذا السموّ كله وسط ظروف فى مثل هذه القسوة كلها!... أى إيمان راسخ بالله كان إيمانه! وأى إذعان بهيج للمشيئة الإلهية كان إذعانه! وأى سعادة روحية محضة كانت سعادته! إن هذه كلها (كذلك قال) لم تكن شيئا مذكورا ما دام يتمتع برضا الله وارتياحه" (مولانا محمد على/ حياة محمد ورسالته/ ترجمة منير البعلبكى/ ط3/ دار العلم للملايين/ بيروت/ 1976م/ 107).
ويقول التاريخ إن عداسا غلام أصحاب البستان الذى التجأ إليه النبى من سفاهة أوباش الطائف وأذاهم عندما جلس إلى النبى، بعد أن قدم له قِطْفًا من العنب وتحاور معه قليلا وسمعه يسمِّى الله قبل أن يأكل، أَكَبَّ على رأسه ويديه وقدميه يقبلها (السيرة النبوية/ 1/ 262)، وذلك لما كان يتمتع به ذلك الغلام من إنسانية وقلب حى. بيد أن أناسا على غير شاكلة عداس، ذلك الغلام الإنسان النبيل، يفضلون أن يقبّلوا شيئا آخر هو أحذية أعداء الإسلام.
ويعزو المؤلف الفتور الذى قابل به اليهودُ وبعضٌ من سكان المدينة انتشار الإسلام فيها إلى التجارة، كما يعزو ترحيب اليثربيين (الذين قابلوه عليه السلام سرا فى مكة) به وبدينه وبهجرته إليهم واستعدادهم للدفاع عنه إلى ذلك العامل أيضا، عامل التجارة. ذلك أنهم، كما يزعم، كانوا على علم بخبرته فى التجارة هو ومن هاجروا معه إليهم.
ونسأل: من أين للمؤلف بهذا؟ أفتح قلب النبى عليه السلام وقلوب أهل يثرب فوجد فيها شيئا آخر غير ما أعلنوه لبعضهم البعض وسجلته كتب الحديث والسيرة والتاريخ من دعوته إياهم إلى الإسلام وقبولهم هذه الدعوة ودخولهم فى دين الله؟ وبالنسبة لليهود، أهذا الذى ذكره هو السبب فى نفورهم من الإسلام وعدائهم لصاحبه وأتباعه؟ إن المؤلف لا يؤمن بطبيعة الحال بقدسية القرآن وأنه وحى من لدن رب العالمين. فليكن، فذلك شأنه. ومن هنا فإذا قلنا إن القرآن يؤكد أن اليهود كفروا بمحمد ودينه حسدًا من عند أنفسهم وبغضًا أن ينزل الله وحيه على إنسان من غير بنى إسرائيل، فلسنا نطالبه بالإيمان بهذا بوصفه وحيا إلهيا بل بوصفه كلاما (مجرد كلام) سمعه اليهود ووَعَوْه، ومع ذلك لم يعترضوا على ما جاء فيه فيردّوا عليه بأن محمدا إِنْ هو إلا تاجر جاء إلى يثرب لينافسهم على لقمة العيش فعادَوْه من أجل ذلك. أم إن هناك مصدرا عبرانيا استقى منه المؤلف هذا الكلام المُمْغِص؟ فلْيُطْلِعْنا عليه إن كان من الصادقين!
ويمضى المؤلف فى تفسيره العجيب ذى النغمة الواحدة المسئمة فلا يرى فى "الصحيفة" التى كتبها النبى لتنظيم العلاقة بين طوائف المدينة بعضها وبعض فى الدِّين والسلم والحرب إلا اتفاقية تجارية. إن الصحيفة تخلو من أية إشارة إلى التجارة وأى شىء يتعلق بها (انظر هذه الصحيفة فى "سيرة ابن هشام"/ 2/ 16 وما بعدها. ويوجد تلخيص لها فى "The Life of Muhammad" لجيوم/ 231 وما بعدها، و"Muhammad- His Life Based on the Earliest Sources " لمارتن لينجز/ 125- 126، و" Muhammad and the Course of Islam" للبليوزى/ 56- 57، و"حياة محمد ورسالته" لمولانا محمد على/ 129- 130). والمؤلف نفسه يقر بذلك، لكن لا تظن أنه ستُعْيِيه الحيلة للخروج من هذه الورطة. أتدرى ماذا قال؟ لقد قال إن مسألة التجارة كانت، فيما يبدو، أمرا مسلَّما به عند الجميع. أى أنه أمر من البداهة بمكان يحيث لا يحتاج إلى النص عليه. إذن ففيم كانت كتابة الميثاق أصلا؟ إن المؤلف لا يفرق، فيما يبدو، يبن النبى عليه الصلاة والسلام وبين ذلك الحاكم العربى الذى كانوا يقولون عنه ساخرين إنه كان يضىء غمّاز سيارته الأيسر ليوهم الناس أنه سينعطف يسارا على خُطَا سَلَفه فى الوقت الذىكان يعمل فيه بكل طاقته وجهده على التعفية على سياسته وتحطيم كل ما كان يدعو إليه وينادى به! بيد أن الرسول شىء، وذلك الحاكم وأمثاله شىء آخر! لكن يبدو أن للمؤلف رأيا مختلفا. فليكن، ولكن أين الدليل؟ أين المصادر؟ هذا هو محك الكلام. إنه إذا كانت كتابة التاريخ بهذا المنهج فلا كان التاريخ ولا كانت الكتابة!
وينظر الكاتب إلى تربُّص المسلمين بقافلة قريش العائدة من الشام على أنها غارة من الغارات التى كان قُطّاع الطرق فى الجاهلية يشنونها على قوافل التجارة المارّة على مقربة من بلادهم، زاعما أن الرسول كان يهدف من وراء هذا العمل إلى التوصل إلى اتفاقية يعطونه بمقتضاها إتاوة من المال كى يكفّ أذاه هو وأصحابه عن قوافلهم وتجارتهم. إلا أن قريشا، وقد تيقنتْ أنه سوف يطرح شروطا متشددة، رفضت أن تعقد معه مثل هذه الاتفاقية. إذن فالمسلمون تحولوا بعد الهجرة إلى عصابة من عصابات الطرق! وقد نسى الكاتب أنه لا يمكن بأى حال تسمية عمل المسلمين: "قطْع طريق" حتى لو قلنا إنهم كانوا يهدفون فعلا إلى الاستيلاء على القافلة، بل كانوا يبغون الحصول على بعض حقوقهم التى أخرجهم منها أهل مكة واسْتَوْلَوْا عليها من أرضين وبساتين ودور وأموال، ودعنا من النفوس التى أُزْهِقت ظلما وجبروتا، والجلود التى شُوِيَت بالسياط، والصدور التى كادت أن تخنقها الصخور الملتهبة التى كانت توضع فوقها، والمؤامرات التى لم تكن تنتهى، والسخريات والإهانات من كل جنس ولون! وهل قطاع الطرق يصمدون لأعدائهم إذا جيّشوا جيشا عدد جنوده كعددهم ثلاث مرات، ويضم من الأسلحة والعتاد وحيوانات الحرب ما ليس عندهم وأتَوْا ليحاربوهم به؟ ثم هل علينا أن نغطى على عيوننا ونغلق عقولنا وضمائرنا فلا نحاول أن نفهم مغزى العبارات والتصرفات التى صدرت عن محاربى المسلمين دالةً على عميق إيمانهم ورغبتهم الجارفة فى الاستشهاد؟ أم ترى المؤلف سيقول هنا أيضا: إنهم كانوا يذكرون الشهادة، لكنهم كانوا يقصدون الأموال والتجارة؟ والله إن هذا لعبث!
وعلى سُنَّته فى ظلم الجانب الإسلامى دائما وتفسير كل ما يفعله النبى والمسلمون فى ضوء المصالح التجارية نرى المؤلف يُرْجِع غزوات المسلمين لليهود وعقابه لبنى قُرَيْظة إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد وجد أن دخول اليهود أعضاءً فى الأمة لا يتواءم مع مصالحها التجارية. وهو بهذا يتجاهل، كعادته دائما، التاريخ وشهادته. لقد بدأ اليهود بالغدر، وتكررت خيانتهم للشروط التى وقَّعوا عليها فى "الصحيفة" مع غيرهم من طوائف أهل المدينة، وتآمروا على قتل النبى عليه السلام والقضاء على الدين الذى أُرْسِل به. وقد سامحهم صلى الله عليه وسلم فى المرتين الأُولَيَيْن فاكتفى من بنى قينقاع وبنى النضير بترك المدينة حاملين معهم أموالهم، لكنه أمام غدر بنى قريظة، الذى كاد أن يقضى على المسلمين جميعا لولا لطف الله وانكشاف خيانتهم، وأمام تواطئهم مع الأحزاب لطعنه عليه السلام وأتباعه فى ظهورهم بكل خسة ونذالة وحقد سامّ أسود، لم يستطع أن يمضى فى سياسة التسامح هذه، إذ لم يكن هذا التصرف منهم إلا الخيانة العظمى عينها بكل تأكيد. وعلى أية حال فقد كانت العقوبة التى وُقِّعَت على أولئك الخونة الأنذال أخف كثيرا مما ينص عليه كتابهم المقدس فى معاملتهم للأمم المغلوبة، إذ يوجب عليهم أن يُعْمِلوا السيف فى جميع أفراد الأمة التى يُقَدَّر لها أن تُهْزَم على أيديهم لا يتركون منها ولا نسمة واحدة، لا الخونة من رجالها فقط كما حدث فى عقوبة بنى قريظة! (انظر تفصيل هذا الموضوع فى كتابى: "مصدر القرآن- دراسة لشبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1417هـ- 1997م/ 43 وما بعدها. أما التشريع المشار إليه عند اليهود فموجود فى سفر "التثنية"/ 20/ 10- 16).كما أن اليهود كانوا قد دخلوا أعضاء فى الأمة منذ أول لحظة، وذلك فى "الصحيفة" التى سوت تماما بينهم وبين المسلمين فى كل شىء، فما معنى الزعم السخيف بأن الرسول لم يكن يريدهم أعضاء فى الأمة؟ إنهم هم الذين لم يحفظوا الجميل التى امتدت إليهم بالخير والمعروف والإحسان، فِعْل اليهود فى كل زمان ومكان، إذ هم مطبوعون على كراهية الغير واحتقارهم لهم لتصورهم أن الله لا يهتم بأحد غيرهم واعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه كما يعرف ذلك كل من اطَّلَع على القرآن الكريم والعهد القديم. لكن المؤلف يتجاهل هذا كله وينشئ تاريخا من لدن نفسه، وهذا أمر عجيب غاية العجب!
والكاتب يسمِّى "الزكاة" ضريبة، ويقول إن محمدا قد فرض على القبائل التى أخذت تتقاطر وفودها على المدينة فى أواخر حياته صلى الله عليه وسلم أن تدفعها له. وهو يدَّعِى أيضا أنها ليست إلا إحياء لتلك الضريبة القديمة التى كان على بعض القبائل أن تدفعها إذا أرادت المشاركة فى تجارة مكة.
وهذا كله خلط وخبط وجهل وتهويل سخيف: فالزكاة ليست هى الضريبة، وهذا أمر من الوضوح بمكان، بيد أن المؤلف كدَيْدَنِه لا يبالى بالحقائق التاريخية! إن الزكاة هى حق العاجزين المحتاجين، أما الضرائب فإن الناس يدفعونها للدولة فى مقابل الخدمات التى تقدمها لهم، فهى منهم وإليهم (فى التفرقة بين الزكاة والضريبة انظر على سبيل المثال: أبو الأعلى المودودى/ فتاوى الزكاة/ جامعة الملك عبد العزيز/ 1405هـ- 1985م/ 92- 96، ود. محمود عاطف البنا/ نظام الزكاة والضرائب فى المملكة العربية السعودية/ دار العلوم/ 1403هـ- 1983م/ 13 وما بعدها، و55 وما بعدها). وعلى كل حال فلا الزكاة ولا الضريبة كان يأخذها الرسول، بل كانت تذهب إلى خزانة الدولة. ثم إن حق الفقراء والمحرومين منصوصٌ عليه فى السُّوَر المكية، فليس الأمر إذن، كما يزعم الكاتب، أمر تشدد من جانب الرسول عليه السلام فى شروطه مع الوفود بعد استقوائه بحيث أصبح يوجب عليهم الدخول فى الإسلام ودفع الضرائب له بعد أن كان لا يعبأ بهذا ولا بذاك فى البداية. جاء فى سورة "المعارج" ضمن صفات الناجين من النار: "والذين فى أموالهم حقٌّ معلوم للسائل والمحروم" (الآيتان 24- 25)، وفال تعالى فى "الذاريات" فى حديثه عن المتقين الفائزين بالجنة وما فيها من نعيم: "وفى أموالهم حق للسائل والمحروم" (الآية 19)، وفى "المؤمنون" فى صفات المؤمنين المفلحين: "والذين هم للزكاة فاعلون" (الآية 4)، وفى "الروم": "وما آتيتم من رِبًا لِيَرْبُوَ فى أموال الناس فلا يَرْبُو عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المُضْعِفون" (الآية 39)، وفى سورة "لقمان" عن المحسنين أنهم هم "الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم بالآخرة هم يوقنون" (الآية 4). وهو بنصه ما جاء فى الآية الثالثة من سورة "النمل" وصفا للمؤمنين... وغير ذلك من الآيات. كما مرّ بنا أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة قد ذكروا أمام النجاشى "الزكاة" ضمن ما جاءهم به النبى عليه الصلاة والسلام. فها نحن أولاء نرى هذه النصوص المكية، وهى متعددة، وهناك آيات أخرى غيرها كما قلت، تتحدث بوضوح شديد عن حق المُعْوَزين العاجزين فى أموال إخوانهم المؤمنين المقتدرين، وبعضها يستخدم لفظة "الزكاة" استخداما صريحا. الزكاة إذن موجودة منذ العهد المكى، وإن لم يفصَّل القول فيها وتُقَنَّن، حسبما يوضح العلماء، إلا فى المدينة على خلاف بينهم فى تحديد تاريخ ذلك: أهو السنة الثانية من الهجرة أم بعدها؟ (انظر مثلا "مناهج المستشرقين فى الدراسات العربية والإسلامية"/ المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ومكتب التربية العربى لدول الخليج/ 2/ 211 من دراسة د. محمد أنس الزرقا فى الرد على آراء المستشرق شاخت عن الزكاة، ود. يوسف القرضاوى/ فقه الزكاة/ ط5/ مؤسسة الرسالة/ بيروت/ 1401هـ- 1981م/ 1/ 52- 62، وعبد الله بن محمد الطيار/ الزكاة/ جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية/ 1407هـ- 1987م/ 59- 62).
وليس عجيبا أن يحاول الكاتب تلطيخ المفهوم النبيل والهدف السامى لعبادة الزكاة بالادعاء بأنها ليست أكثر من إحياء للضريبة التجارية القديمة التى كان يجمعها منظمو التجارة المكية، فقد أخذ الكاتب على عاتقه تشويه صورة الإسلام والإساءة إلى الرسول العظيم بكل الوسائل ووضع مبادئه وتشريعاته وتصرفاته فى إطار بشع منفّر!
ويحصر المؤلف جهود الرسول عليه السلام فى المدينة فى أنه قد وضع أساس مركز تجارى كبير يتفوق على المراكز السابقة. وهو كلام كسائر ما يقول المؤلف ليس له رأس ولا رِجْلان، وإلا فأين ذلك المركز التجارى؟ أم كان الرسول يخفيه تحت الأرض ولا يعرفه أحد إلا هو وبعض المقربين منه، ثم بعد أربعة عشر قرنا الأستاذ المؤلف؟ لقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبلّغ الناس ما ينزل عليه من الوحى، وكان يدير شؤون الدولة بوصفه حاكما سياسيا، كما كان يقود بنفسه الجيش الإسلامى فى أحيانٍ كثيرةٍ، وكان يقضى بين الناس. لكننا لم نسمع قط أنه كان يتاجر أو يشرف على إحدى المؤسسات التجارية أو ينظِّم القوافل. لقد كان بين المسلمين تجار، ولكن كان منهم أيضا صنّاع وزرّاع ورعاة وجنود وقرّاء، فلم يكن للتجارة إذن وضع متميز، ولا كانت المدينة مركزا تجاريا بالمعنى الذى يقصده المؤلف، ولا كان النبى كبير التجار فيها.
وينتهى الدكتور شعبان إلى أن النبى عليه السلام لم يأت بجديد، وأن دينه ليس بالشىء الجديد، وحتى القيم الإنسانية التى أتى بها من وجوب التعاون بين أفراد الأمة ليس فيها أى معنى جديد، فقد سبقه جده هاشم إلى ذلك. بل إنه ينفى أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قد أنشأ دولة أو وحَّد العرب.
هذا ما قاله الدكتور فى أواخر الفصل الذى نحن بسبيل مناقشة ما فيه من آراء وأفكار. ومع ذلك فإنه قد قرر فى بداية هذا الفصل ذاته عكس ذلك تماما، حين كان يناقش بيلاييف فى قوله إن : "الإسلام قد ظهر فى الجزيرة العربية دينًا جديدًا يعكس تغيرات ضخمة فى المجتمع العربى، ألا وهى التفاوت فى الملكية والرق وتطور المبادلات. إن ظهور هذا الدين مرجعه إلى نشوء نظام قائم على الرق داخل مجتمع بدائى فى طريقه إلى الانهيار"، إذ ردّ عليه قائلا: "إن مما لاشك فيه أيضا وجود تغيرات ضخمة فى المجتمع العربى، إلا أن بقية الدعوى لا تستند إلى أى دليل بالغًا ما بَلَغَتْ تفاهته فى المراجع التى بين أيدينا".
وهذا تناقض حاد ورهيب، وفى أول فصل من فصول الكتاب، وفى ما لا يزيد على اثنتى عشرة صفحة، وفى أهم شىء فى الدراسة كلها. وهو من العيوب المنهجية المسيئة التى لا تُقْبَل من باحث مبتدئ، بَلْهَ من أستاذ فى إحدى الجامعات العريقة فى أمة من أكثر الأمم فى عصرنا هذا تقدما وثقافة!
أمّا أن الرسول أتى أو لم يأت بدين جديد فذاك يحتاج إلى شىء من التفصيل. إن الرسالات السماوية كلها نابعة من مصدر واحد، وكلها تدعو إلى الإيمان بالله ووحدانيته وبالبعث وبالأخلاق النبيلة الكريمة من صدق وتحاب وتعاون... إلخ. بيد أنها فى مجال التشريعات تختلف من دين لآخر، وكذلك الأمر فى صور العبادات، وإن قُصِد بها جميعا وجه الله ومرضاته. فهذا هو القول باختصار شديد فى هذه المسألة من الناحية النظرية.
على أن الأمر يمكن النظر فيه من ناحية أخرى، إذ لم تظل الأديان والكتب السماوية السابقة على حالتها الأولى من النقاء والصفاء الذى نزلت به من عند رب العالمين، فجاء الإسلام ليعيد الأمور المعوجَّة إلى استقامتها التى كانت عليها. فالإسلام من هذه الزاوية دين جديد حتى فى مجال العقائد والأخلاق، إذ الوحدانية مثلا شىء مختلف عن التثليث، وعالميةُ الألوهية ليست مما يؤمن به اليهود، لأنهم ينظرون إلى الله سبحانه على أنه إله خاص بهم وحدهم ويحابيهم على غيرهم لا لشىء سوى أنهم بنو إسرائيل. ومثل ذلك تحريم الإسلام للربا تحريما قاطعا، فى حين أن كِتَاب اليهود، كما هو بحالته الراهنة، يحرّمه فقط فيما بين اليهود بعضهم وبعض، أما تعاملهم به مع غيرهم فهو حلال...وهكذا. فضلا عن أن الإسلام هو دين عالمى صالح للناس جميعا فى كل زمان ومكان، بخلاف الأديان الأخرى، فهى أديان محلية خاصة بأقوام أنبيائها فقط.
هذا، ولا أظن عاقلا يمكن أن يوافق المؤلف على دعواه بأن ما فعله الرسول ليس شيئا آخر غير ما فعله جده البعيد هاشم تقريبا. لقد كان هاشم تاجرا ومنظما للقوافل، أما محمد فهو رسولٌ صاحبُ دين. وحتى لو قال الكافرون إن هذا الدين إنما أتى به محمد من عنده، فيبقى أنه مع ذلك دين، والدين شىء مختلف عن تنظيم القوافل والتجارة.
كذلك لا أظن عاقلا له أدنى إلمام بالتاريخ يمكن أن يأخذ مأخذ الجِدّ ما قاله المؤلف من أن الرسول عليه السلام لم ينشئ دولة ولم يوحد العرب. إن أقل ما يوصف به مثل هذا الزعم أنه عبث أطفال، وإلا فما الذى يمكن أن نسمّى به خضوع العرب جميعا فى حياة النبى صلى الله عيه وسلم لحكومة واحدة وحاكم واحد هو محمد، وانخراط القادرين على الحرب منهم فى جيش تلك الدولة...إلخ؟ والله إننى لا أدرى ماذا يمكن أن أقول لصاحب هذا المنطقّ! إن المؤلف يقول إن محمدا قد وجد هذا كله جاهزا، وكل ما فعله أنه أدخل عليه بعض التحويرات الطفيفة! وهو، كما لا يخفى، كلام لا معنى له ولا منطق فيه، ويكذِّبه التاريخ تكذيبا عنيفا. ثم إنه، كما رأينا، قد سلَّم مع بيلاييف بأن التغييرات التى أحدثها النبى فى الجزيرة العربية كانت تغييرات ضخمة.
ويقول المؤلف أيضا إن النظام الذى أقامه الرسول عليه السلام والطاقات الجديدة التى أطلقها فى بلاد العرب قد قُدِّر لهما أن يصلا إلى مدًى لم يكن يخطر له على بال، إذ اضْطَرّ العربَ التراجعُ الاقتصادىُّ المحتومُ الذى أدّت إليه أعمالُه أن يستغلوا تلك الطاقات فى الإغارة على الأرضين المجاورة وفى أن يكونوا بعد وفاته، وعلى غير قصد منهم، أصحاب إمبراطورية!
والسبب فى قوله هذا الكلام هو أنه يصر إصرارا عجيبا على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن إلا تاجرا بارعا فى تنظيم أمور المال كجدّه هاشم، مع أن نصوص القرآن والسُّنّة فى هذا الصدد تصكّ هذا المنطق المتهافت وتفتته بل تسحقه سحقا. فالقرآن يقول: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (المؤمنون/ 107)، "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا" (سبأ/ 28)، "هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظْهِره على الدين كله ولو كره المشركون" (التوبة/33، والصف/ 9)، "هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظْهِره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا" (الحجرات/ 28). وهذه النصوص هى نصوص مكية ومدنية مما يدل على أن عالمية الدعوة لم تكن فكرة طارئة، بل كانت موجودة منذ العهد المكى، واستمرت فى العهد المدنى. ولقد قال الرسول عليه السلام، وهو بصدد التفرقة بينه وبين إخوانه الأنبياء السابقين، إن كلا منهم كان يُبْعَث إلى أمته، أما هو فبُعِث إلى الناس كافة. كما أنه عليه السلام قد بشَّر أصحابه، فى عزّ الحصار القاسى الذى ضربته قريش وحلفاؤها على المسلمين فى غزوة الأحزاب، بغزو فارس والروم والاستيلاء على كنوز كسرى وقيصر مما أثار استغرابَ بعض من سمعوه آنئذ. ومن ذلك أيضا بشارته لهم بفتح القسطنطينية، التى لم يستول عليها المسلمون كما هو معروف إلا بعد أن سُجِّلت الأحاديث بأزمانٍ بحيث لا يمكن أىَّ مناكف سخيف أن يدّعى أن المسلمين هم الذين أضافوا هذا إلى كلامه عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وقد بعث الرسولُ صلى الله عليه وسلم، تطبيقا لذلك، برسائل إلى ملوك عصره يدعوهم فيها إلى الإسلام والاعتراف بنبوته. ولم يعد أحد يجادل فى هذا، وبخاصة بعد ما عُثِر على بعض هذه الرسائل. فكيف جرؤ المؤلف مع ذلك كله على القول بأن الأمور قد وصلت إلى مَدًى لم يخطر للنبى عليه السلام ببال، وأن فتح المسلمين للبلاد التى حولهم بعد وفاته وانسياحهم فى الأرض ينشرون فيها دين الله وتكوينهم إمبراطورية إنما كان على غير قصد منهم، أى بضربة حظ عشوائى؟
والناظر فى تحليل المؤلف لشخصية الرسول عليه الصلاة والسلام وتاريخ تلك الحقبة بجد أنه قد اتخذ التجارة عاملا أوحد. وهو يردد أيضا مقولة الماركسيين من أن التراكم الكمى يؤدى إلى تراكم كيفى، أن أن المادة هى العامل الذى يؤثر فى الروح، وذلك عند قوله فى ختام فصله الذى نناقشه الآن إنه كان للتغييرات غير الملحوظة التى أحدثها الرسول عليه الصلاة والسلام تأثير كمى كانت نتيجته فى نهاية المطاف نشوء دين عالمى. فهذا الدين العالمى هو نتيجة غير مقصودة من محمد، الذى هو فى نظر المؤلف لم يكن أكثر من تاجر عبقرى فى مسائل التنظيم المالى والتجارى، أدت إلى ما لم يكن يطوف له بخيال. إن نشوء هذا الدين ليس عنده إلا تغييرا كيفيا سببه هذه التراكمات الكمية التى أشار إليها.
والمؤلف يجرى فى هذا على منهج الماركسيين فى تحليل حوادث التاريخ وتفسير ظواهره ودراسة شخصياته. وهو منهج ضيق العَطَن، إذ العوامل التاريخية متعددة ومتشابكة. والناس يحركهم عدد من الغرائز والمخاوف والمطامح والمطامع والآلام والآمال والأساطير والقيم الأخلاقية والدينية والوطنية والأشواق الروحية العليا...إلخ، فليس المال والاقتصاد إذن إلا عاملا من عوامل. بل كم رأينا ونرى من يضع هذا العامل وراءه ظِهْرِيًّا فى سبيل مبدإ وطنى أو قومى أو دينى أو سياسى أو إنسانى أجدر فى نظره بأن يُولِيَه وقته وراحته، بل وحياته أيضا إذا اقتضى الأمر. والرسول الكريم أعظم مثال على ذلك، فقد انصرف عن مصالحه الشخصية والأسرية والقبلية أيضا فى سبيل نشر الدعوة التى كلّفه الله بها والمنافحة عنها، وتحمَّل فى ذلك ضروبا من الأذى والإهانة والعنت، وتعرَّضت حياته نفسها للخطر مرات.
ولقد كان للتحليل الاقتصادى للتاريخ والنشاط الإنسانى والحضارات بريقه يوم أن كان للشيوعية إمبراطورية ذات توابع، وكان كثير من حكومات العالم الثالث، بما فيها عدد غير قليل من حكومات الأمم الإسلامية، يرى فى الاتحاد السوفييتى الأم الرءوم التى تأخذهم فى أحضانها لترضعهم لبن العطف والمرحمة وتحميهم من غوائل الاستعمار الرأسمالى. بيد أن الغريب هو أن عددا من هؤلاء الماركسيين أو الآخذين بوجهة النظر الماركسية من ذوى الأصول الإسلامية كانوا يجدون ملجأهم وراحة نفوسهم فى البلاد الرأسمالية، ويَلْقَوْن فيها التشجيع ويكافَأون بالمناصب والأموال وغير المناصب والأموال، مع أن هذه البلاد نفسها، رغم ما فيها من ديمقراطية، لا تشجع أبناءها من الماركسيين أو المتعاطفين مع الماركسية وحكوماتها. والمعنى فى بطن الشاعر!
وأخيرا فإن عنوان الكتاب هو "التاريخ الإسلامى- تفسير جديد"، مع أن المؤلف نفسه يقرر فى أحد هوامش الصفحة الثانية من الأصل الإنجليزى أنه مع شىء من التحوير فإن تفسيرات كِسْتَرْ للظواهر التى بقيت حتى الآن بلا تفسير، وكذلك رجوعه فى كل شىء إلى المراجع المعتمدة، يشكلان الأساس لذلك التفسير الذى يقدمه فى هذا الكتاب. أى أن المؤلف يعترف بأنه لم يأت بجديد، وإنما أخذ تفسيره مع شىء من التحوير من كستر. وهو تناقض يضاف إلى غيره من التناقضات والثقوب التى يعجّ بل يفيض بها كتابه والتى أوردنا عددا منها فى الدراسة التى بين يدى القارئ.
((يجد القارئ ترجمة الفصل المذكور وردّى عليه فى كتابى: "ثورة الإسلام فى ضوء ظروف البيئة التى ظهر فيها"/ مكتبة زهراء الشرق/ القاهرة /1419هـ- 1999م))
من مواضيع : موسى بن الغسان صحيفة أمريكية: طنطاوي وسليمان خارج ترتيبات نقل السلطة في مصر
اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل: الوثيقة الوحيدة على رغم تقادم النصوص وعدم ملاءمتها
المقاومة.. وانكشاف زيف أساطير التفوق الصهيوني
قيمة الصفقة 1.2 بليون جنيه والاجراءات النهائية في 27 الجاري ... مصر توافق على شراء «أ
بمساندة أمريكية ـ إسرائيلية : ابتزاز اثيوبي ـ اغندي لمصر لحملها على تقديم تنازلات سيا
24-09-2006, 10:45 PM
اصحاب ولا بيزنس
 
مشاركة: من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه

اللله انصرنا علي اعداء الاسلام
من مواضيع : اصحاب ولا بيزنس كلمه موجده في قاموس حياتنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ياتري ايه؟؟؟ ادخل وشوف
نوع من انواع الحب بين الشباب؟
ثقافه الفديو كليب
مش عارف بتهمكم ولا لالا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
نظره من الواقع
27-09-2006, 01:56 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اصحاب ولا بيزنس
اللله انصرنا علي اعداء الاسلام
امين
من مواضيع : موسى بن الغسان مفترقات...
حسن نصر الله.. أبعاد المعركة مع إسرائيل
ملكة الدنمارك تهاجم الإسلام المتشدد
شهادة زلماي زادة!!
منفذو تفجيرات دهب تلقوا تمويلاً فلسطينياً وتدريباً في غزة
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أبنائه, مسلسل, من, التافه, الهدوم, الإسلام, على

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
هكذا تكلم جورج بوش: عما قليل يتنصَّر المسلمون جميعا، ويختفى الإسلام إلى الأبد!
نساء الغرب يقبلن على اعتناق الإسلام

من مسلسل الهجوم التافه على الإسلام من أبنائه

الساعة الآن 01:09 PM.