xpredo script

العودة   منتدى نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح

مقاييس فينوس

الحوار المفتوح

04-03-2006, 05:12 PM
موسى بن الغسان
 
مقاييس فينوس




عندما كنتُ صغيراً كان في البيت هاتف أسود رقمه من أربعة اعداد، زادت الى ستة عندما دخل لبنان عصر الهاتف الاوتوماتيكي. وكان عندنا سيارة من عمر «فورد أبو دعسة» عليها لوحة من أربعة اعداد ايضاً.
كان ذلك قبل نصف قرن أو نحوه، والآن رقم الهاتف في أوروبا حيث أقيم تسعة أعداد أو عشرة. والهاتف اليتيم في البيت القديم اصبح هواتف، فهناك رقمان للبيت، ورقم لشركة التأمين، وهواتف محمولة بعدد أفراد الأسرة، وكذلك سيارات. وأرقام السيارات تختلط فيها حروف الأبجدية.
عندما كنتُ صغيراً وذاكرتي كالإسفنج كان مجموع نمرة التلفون ولوحة السيارة ثمانية أعداد، وعندما أصبحت كبيراً وذاكرتي كالمنخل أصبحت هناك نمر ولوحات أرقامها بطول ليل المريض.
قضيت العمر في عداء مع الأرقام صغيرها وكبيرها، ودرست العلوم السياسية بدل الطب والهندسة، لأن العلوم السياسية تخلو من أي علوم في الواقع، فلم أُضطر الى درس الكيمياء والفيزياء والرياضيات، وإنما ركزت على «الحكي» وكدت ان انتهي معلم مدرسة، ولكن ربنا لطف بي.
الأرقام الوحيدة التي أثارت اهتمامي شاباً وشيبة هي 36-24-36، وقرأت ان هذه مقاييس فينوس صدراً وخصراً وردفين. وطلبت الأرقام في كل بنت عرفتها في المدرسة الثانوية والجامعة، وبعد ان تخرّجت وعملت، وانتظرت حتى حصلت على طلبي 36-24-36، الا انها لم تكن بالضرورة بهذا التسلسل.
ولعل الأرقام شعرت بأنني أكرهها فبادلتني العداء، والنتيجة ان الرقم الوحيد الباقي لي من ثلاثة أرقام أو أربعة هو رصيدي في البنك. ولا أشكو، فمرتبي خرافي، إلا أنني أسافر والعمل يتكفل بكل نفقات السفر من تذاكر طيران وفنادق، الا انه لا يوجد عمل يدفع ثمن هدايا الموظفين.
أسافر مرتين على الأقل في الشهر، والعائلة كلها تنتظر مني هدايا في كل مرة، واذا لم أعد بها يتحوّل العداء من الأرقام الى العائلة، حتى الرحلة التالية. لذلك كانت عندي دائماً حقيبتان للسفر: واحدة لثيابي والأخرى للهدايا.
طبعاً أنا أبالغ، ولكن ليس كثيراً، فأنا أيضاً أشتري لنفسي، وأعتقد بأن أي مدينة أزورها أرخص من لندن فأشتري فيها، غير ان هذا لا يمنعني من الشراء في لندن ايضاً. وأنتهي بأشياء لا أحتاج اليها ولا أستعملها، ثم أبدأ أفتش عمن أهديها له.
تجربتي في الحياة هي أنك تخسر اذا خسرت، وتخسر اذا ربحت، فالحياة كلها حكم مع وقف التنفيذ حتى الخسارة الأخيرة.
في لندن اكتشفت انني أخسر اذا عملت الفلوس كما أخسر إذا لم أعملها، وأنا لا أتحدث هنا عن الضريبة على الدخل من مرتبي (أدفع 40 في المئة وهي الحد الأقصى) وإنما عن دخول أخرى.
أتحدث على التلفزيون، وبعض المحطات العربية يدفع أجراً، وكذلك هيئة الاذاعة البريطانية، تلفزيوناً وراديو. غير ان الأميركيين لا يدفعون، وهكذا فمحطة «الحرة» و «سي إن إن» خارج معادلة الدفع، أما الفضائيات العربية فتدفع.
ما لم أتوقع هو التعامل مع «بي بي سي» حيث أكثر مشاركتي في الراديو بالانكليزية والعربية، والدفع قد لا يزيد على 18 جنيهاً، وقد يصل الى 80 جنيهاً، عن تلك الدقائق على الهاتف او في الاستوديو.
هيئة الاذاعة البريطانية تدير موازنة أكبر مما عند بلد عربي متوسط الحجم، وهي بيروقراطية رهيبة لا تقبل ان تتبرع، وإنما تدفع وتترك للمشارك ان يتصرف بالمبلغ كما يريد.
وكتبتُ مرة كيف وجدت نفسي أمام مشكلة، فأنا لا أريد ان أترك المبالغ، كبرت أو صغرت، لهيئة الاذاعة البريطانية، ولا أريد ان أقبلها اجراً. وبقيت فترة أجمع ما أتلقى وأتبرّع به، حتى سمع بالأمر المحاسب القانوني الذي يتولى جميع معاملاتي الضريبية منذ بدأت العمل في لندن. وهو قال ان مجرد دخول المبلغ حسابي يصبح باسمي وعليّ ان أدفع الضريبة المستحقة عليه، ثم أتصرف بما بقي كما أريد.
وهكذا كان وأصبحت أدفع الضريبة، وأدفع للمحاسب، ثم أتبرع، في وجع رأس لا نهاية له، فالأرقام صغيرة، ولا تصبح مهمة حتى يتجمع عدد منها، والمطلوب مني ألا أنسى أي دفعة حتى لا يصبح ذلك تهرّباً من الضرائب.
هي تجارة جحا بالبيض، وفي حين أقدر ان جحا توقف عن التجارة بالبيض بعد ان خسر فإنني مستمر. ويبدو ان عدوى هيئة الاذاعة البريطانية أصابت بعض العرب، فالإخوان في مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي اعتذروا عن عدم تحويل أجري عن محاضرة الى جمعية خليل السكاكيني في القدس، لأن نظام المركز يمنع ذلك، مع انني كنتُ أعتقد بأننا اتفقنا على التحويل وهذا ما ذكرت في حينه. والنيتجة انني قبضت المبلغ «كاش» ولا يزال عندي أمانة، في انتظار أن التقي أحد العاملين في ذلك المركز الانساني، فلعل بينهم من يقرأ هذه السطور، لأنني أريد تبرئة ذمتي.
هل يريد القارئ مزيداً؟ في لندن أذهب الى الراديو او التلفزيون بنفسي اذا كنتُ أعرف الطريق. واذا كان الوقت نهاراً فأنا أدفع ضريبة الازدحام في وسط المدينة، وهي ثمانية جنيهات. واذا أرسلت اليّ سيارة فأنا أدفع البقشيش للسائق، وأعترف بأنني أدفع أكثر للسائق اذا كان عربياً أو أسود، وأرجو ألا يكون هذا عنصرية تستدعي مساءلة قانونية.
قبل يومين قرّرت ان أتحدى الارقام. كنتُ اخترت ربطة عنق فرنسية جميلة معتقداً بأنها ضمن اوكازيون ما بعد الاعياد، إلا انني وجدت وأنا أمام صندوق الدفع انها خارج الأوكازيون، ودفعت ثمنها صاغراً. وفي أول مرة أرتديتها تلوثت ببقعة صغيرة من الطعام وأنا آكل، فاحتمال تلوث الكرافات يزيد بقدر ارتفاع سعرها. وهنا يدخل التحدي مع الارقام، فبدل ارسالها الى التنظيف، والأجر يقترب من سعر الكرافات في لندن، اشتريت سائلاً خاصاً لتنظيف البقع، وحاولت جهدي أن أزيل البقعة فكان انها زادت من حجم حبة حمص الى حبة مانغو. وأرسلت الكرافات الى التنظيف فعادت وكأنها مستعملة، فلم أعد استعملها.
بعد كل هذا عندي مشروع تجاري مضمون الربح أريد ان أشارك القارئ به، وأنا أضمن له ان يتحوّل في النهاية الى مليونير صغير.
وشرطي الوحيد هو ان يبدأ البزنس معي وهو مليونير كبير. ورحم الله أبو عمار الذي بقي يتحدث عن «الرقم الصعب»، من دون ان يدري ان رقمي اصعب.
------------

عيون وآذان
جهاد الخازن الحياة - 04/03/06//
http://www.alhayat.com/opinion/editorials/03-2006/Item-20060303-c180a1eb-c0a8-10ed-00c1-556504c6b6f9/story.html
من مواضيع : موسى بن الغسان غيض من فيض حكمة مصر القديمة " 2 "
جولة بلير المستفزة لمشاعرنا
عن انتصار الامه فى لبنان
حسن نصر الله.. أبعاد المعركة مع إسرائيل
أكثر من 23 ألف قتيل وجريح وخسارة 450 مليار دولار وفاتورة "خفية" لم يعلن عنها بعد: بعد
 

الكلمات الدلالية (Tags)
مقاييس, فينوس

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

مقاييس فينوس

الساعة الآن 05:31 AM.