xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

ديوان الحياة المعاصرة نهايـــة أســطورةاليـد القويـة‏!!

الحوار المفتوح

09-11-2006, 12:51 AM
bob
 
Thumbs up ديوان الحياة المعاصرة نهاي ة أس طورةالي د القوي ة‏!!



بقلم‏:‏ د‏.‏ يونان لبيب رزق


الحلقة‏664‏
'‏ مولانا صاحب الجلالة أتشرف أن أنهي إلي جلالتكم أن الأطباء حتموا علي الراحة التامة فترة من الزمن‏,‏ غير أن دقة الظروف الدولية تفرض علي جهدا متصلا لم تعد صحتي تطيقه‏,‏ لذلك أتشرف أن أرفع استقالتي إلي جلالتكم العلية‏,‏ راجيا التفضل بقبولها‏,‏ ولن أنسي ما لقيته من جلالتكم طوال مدة وزارتي من آيات العطف والرضا‏,‏ ومن مظاهر الثقة والتعضيد‏,‏ ولن يفتر قلبي ولساني عن ترديد أصدق الحمد وتأكيد أخلص الولاء لذاتكم الكريمة‏,‏ وإني لوطيد الأمل بأن البلاد في ظل جلالتكم وبفضل حبكم لها وسهركم علي خيرها ستمضي قدما في سبيل الرقي والمجد‏,‏ وأدعو الله أن يبقيكم‏..‏ الخ‏.‏

محمد محمود‏'‏ كان هذا هو نص استقالة وزارة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا الرابعة والأخيرة‏,‏ والتي نشرتها الأهرام في يوم‏14‏ أغسطس عام‏1939,‏ والذي اشتهر خلال وزارته الأولي التي شكلها عام‏1928‏ بصاحب‏'‏ اليد القوية‏'.‏ ولم يكن ما جاء فيها عن سوء صحة الرجل ذريعة يتوسل بها لحفظ ماء الوجه مع خروجه من الوزارة‏,‏ بل كانت هذه المرة سببا صحيحا‏,‏ فالرجل عاش بعدها أقل من ثمانية عشر شهرا قضي أغلبها علي سرير المرض حتي انتقل إلي رحاب الله‏(‏ توفي في أول فبراير‏1941)!‏

و‏'‏محمود‏'‏ شخصية فريدة بين الشخصيات المصرية السياسية‏,‏ ويصدر تفردها عن مجموعة من الأسباب‏:‏

‏1)‏ فهو قد ولد في أسرة سياسية بمفهوم العصر‏,‏ فقد كان أبوه محمود باشا سليمان وكيل مجلس شوري القوانين‏,‏ ومن كبار ملاك الأراضي الزراعية في الصعيد‏,‏ بساحل سليم بأسيوط‏,‏ حتي أنه ورث عنه‏1600‏ فدان‏,‏ وقد أصبح رئيسا لـ‏'‏ حزب الأمة‏'‏ لدي تشكيله عام‏1907.‏

‏2)‏ تلقي بعد ذلك تعليما متميزا‏,‏ وبينما كان الأعيان من أبناء العصر يبعثون بأبنائهم لاستكمال تعلميهم إلي الجامعات الفرنسية في العادة‏,‏ حيث حظيت السوربون ومونبلييه‏,‏ خاصة في كليات الحقوق‏,‏ بأكبر عدد من هؤلاء‏,‏ فقد أرسل كبير وجهاء الصعيد‏,‏ سليمان باشا‏,‏ بابنه إلي جامعة أكسفورد حيث تلقي تعليمه في كلية باليول‏Baliol,‏ وتخصص في التاريخ‏!!‏

‏3)‏ وبهذه المكانة الاجتماعية والتفرد الثقافي عقد الشاب الصغير أوثق العلاقات مع رجال الإدارة الاستعمارية البريطانية في مصر‏;‏ عمل مساعدا للمستشارين الإنجليز في كل من وزارتي المالية والداخلية‏,‏ قفز ليصبح مديرا للبحيرة‏,‏ غير أنه لم ينجح في التعاون مع المسئولين الإنجليز في المديرية فلم يلبث أن فقد منصبه‏,‏ مما كان إيذانا ببداية تاريخه السياسي‏.‏

كانت ثورة‏1919‏ الباب الذهبي الذي دخل منه محمد محمود لصناعة هذا التاريخ‏,‏ فبحكم أن أغلب قادة هذه الثورة قد انحدروا من قيادات حزب الأمة الذي كان قد توقف نشاطه مع قيام الحرب العظمي‏,‏ فقد كان من الطبيعي أن ينضم ابن رئيس الحزب إليهم‏,‏ الأمر الذي تأكد من أنه كان من ضمن الأربعة الذين تم نفيهم في مارس عام‏1919‏ مع سعد زغلول إلي مالطة‏,‏ مما كان من أهم أسباب تفجر أحداث الثورة‏.‏

وفي فاليتا عاصمة الجزيرة‏,‏ وعلي الرغم من أن فترة النفي لم تتجاوز شهرا‏,‏ بدت علامات التفرد علي محمد محمود‏,‏ ساعده علي ذلك أنه كان الأصغر‏,‏ فلم يكن قد تجاوز الأربعين إلا بعامين‏,‏ بينما كان إسماعيل صدقي يكبره بعامين‏,‏ وكان حمد الباسل أكبر بسبع سنوات‏,‏ أما الفارق في العمر بينه وبين زغلول فقد قارب العشرين عاما‏.‏ كما ساعده أيضا أنه كان الأكثر ثراء وعراقة اجتماعية‏.‏

لعل ذلك ما دفعه إلي بعض التصرفات التي كانت محلا للشكوي مما عبر عنه سعد زغلول في مذكراته‏,‏ مثل تصميمه علي أن ينام في حجرة منفردة‏,‏ أو يكون له غذاء مخصوص‏,‏ وما إلي ذلك من التصرفات اليومية التي تنم عن الشعور بالتمايز‏,‏ والذي زاد منه إجادته للإنجليزية‏,‏ علي عكس زغلول وصدقي المثقفين ثقافة فرنسية‏,‏ والباسل شيخ العرب‏,‏ الذي لا ينتمي لأي من الثقافتين‏..‏ هذا الشعور الذي بدا في أنه كان مصدر المعلومات الوحيد عن العالم الخارجي من خلال إطلاعه علي الجريدة التي كانت تصدر في مالطة باللغة الإنجليزية‏.‏

سمحت السلطات البريطانية للزعماء الأربعة بالسفر إلي باريس‏,‏ بعد أن كان مؤتمر الصلح قد اعترف بالحماية علي مصر‏,‏ وهو الاعتراف الذي شارك فيه الرئيس الأمريكي ولسون‏,‏ الذي كان المصريون قد علقوا آمالا كبيرة علي مبدئه في‏'‏ حق تقرير المصير‏',‏ الأمر الذي دفع الوفد إلي أن يبعث بمحمود إلي الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ ليشارك القاضي الأمريكي‏'‏ المستر فولك‏'‏ في الدعاية للقضية المصرية‏.‏

ومرة أخري تبدو أهمية خريج باليول عندما وافق اللورد ملنر علي فتح باب المفاوضات مع الوفد المصري‏,‏ مما أدي بالوفد إلي استدعاء محمود من أمريكا ليأتي إلي باريس ويشارك في هذه المفاوضات‏.‏ ثم لا يلبث أن كان علي رأس الأربعة الذين أرسلهم الوفد لمصر لمعرفة رأي المصريين في المقترحات البريطانية‏,‏ مما كان سعد زغلول قد رتب لرفضها من خلال اتصالاته مع سكرتير الوفد في القاهرة عبد الرحمن فهمي بك‏.‏

لم يعجب هذا الحال محمود وصحبه‏,‏ الذين خرجوا عن وفد زغلول وكان أول انشقاق في تاريخ الحزب الكبير‏,‏ وهو الانشقاق الذي مهد فيما بعد لقيام حزب الأحرار الدستوريين‏,‏ خاصة بعد أن تفاقم الخلاف بين زغلول وعدلي يكن علي رئاسة الوفد الذي يفاوض الإنجليز‏.‏
ديوان الحياة المعاصرة نهاي   ة أس  طورةالي د القوي ة‏!!الاهرام فى19/8/1939

ولقد ظل محمود أقوي الشخصيات في الحزب الجديد حتي وإن لم يتول رئاسته إلا في وقت متأخر‏(1929),‏ وخلال الفترة التي امتدت بين صدور دستور‏1923,‏ وما تبعه من انتخابات فاز فيها الوفد فوزا ساحقا‏,‏وبين عام‏1939‏ حين جاء انسحابه النهائي من الحياة السياسية‏,‏ والتي تولي فيها محمود رئاسة الوزارة لفترتين‏,‏ قام السياسي الصعيدي بما لم يقم به أحد من قبله‏,‏ ولا حتي إسماعيل صدقي بكل ما اشتهر به من خروج عن قواعد اللعبة الدستورية‏.‏

‏ فهو الوحيد من رجال الوفد القدامي الذي سعي بكل جهد في الاستيلاء علي الوفد من الداخل‏,‏ وقد انتهز فرصة وفاة سعد زغلول‏1927‏ والصراع الذي حدث في أعقاب ذلك علي رئاسة الحزب الكبير‏,‏ وكان يري أنه أولي برئاسته من أي من المتصارعين‏,‏ إلي أن فاز بها مصطفي النحاس‏.‏

‏ وهو الوحيد من رجال الحكم الذين تملكوا الجرأة أن يعطل الدستور بالكامل ويعلن أنه سوف يحكم بـ‏'‏ اليد القوية‏'‏ ليلغي الأوضاع المهترئة التي نجمت عن الحكم الحزبي‏,‏وتنم مجموعة الخطب التي كان يلقيها خلال هذه الفترة‏,‏ والتي جمعت في كتاب بعد ذلك يحمل نفس العنوان‏,‏ عن تصميم الرجل علي إهمال الحكم الدستوري‏,‏ وهو ما حدث خلال عامي‏1928‏ ـ‏1929.‏

ومثل هذا العمل لم يجرؤ عليه الملك من خلال رجله أحمد زيوار‏(1924‏ ـ‏1926),‏ كل ما فعله في عهد وزارات هذا الأخير أن قام بتعطيل الانتخابات تحت دعاوي إدخال بعض التعديلات الدستورية‏,‏ كما لم يجرؤ عليه إسماعيل صدقي‏(1930‏ ـ‏1934)‏ الذي بدأ عهده بمحاولات لتعديل دستور‏1923,‏ انتهت بإحلال دستور بديل‏,‏ ولكنه لم يلغ أبدا الدستور‏.‏

‏ كانت مصر قد عرفت خلال الفترة السابقة علي تولي محمود وزارته الثالثة في مستهل عام‏1938‏ ألوانا من تدخل الإدارة في الانتخابات‏,‏ كان أخطرها ما حدث في انتخابات‏1925‏ حين كان إسماعيل صدقي وزيرا للداخلية‏,‏ ومارس كل الضغوط الممكنة لإفشال مرشحي الوفد‏,‏ وهي المحاولة التي لقيت الفشل‏,‏ غير أن محمود يتفرد مرة أخري بعد توليه الوزارة المذكورة‏,‏ واستخدم الإدارة لإجراء التزوير الصريح لإسقاط مرشحي الوفد‏,‏ مما شكل السابقة الأولي في تزوير الانتخابات البرلمانية في مصر‏,‏ والتي اتبعتها حكومات عديدة بعدئذ‏!‏

باختصار فعل صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا ما لم يسبقه إليه أحد‏,‏ ومن ثم جاءت التسمية التي أطلقها علي نفسه بأنه صاحب‏'‏ اليد القوية‏',‏ التي بدا أنها غير قابلة للتهاوي‏,‏ وهو وإن تحقق لبعض الوقت فلم يتحقق طول الوقت‏.‏


الخطأ الذي وقع فيه صاحبنا أنه قد تعامل مع عصر الملك فاروق علي اعتبار أنه امتداد لعهد أبيه‏,‏ ولم يتنبه بدرجة كافية للتغيرات التي دخلت علي الخريطة السياسية‏..‏

‏1)‏ من هذه المتغيرات أن القصر أصبح أكثر تحررا من هيمنة دار المندوب السامي عن ذي قبل‏,‏ حين كان يتدخل سيد هذا الدار في كل صغيرة وكبيرة‏,‏ خاصة في العلاقة بين صاحب التاج وبين الوزارة‏,‏ وبالتالي جاء ما تصوره الوفد بأن معاهدة‏1936‏ سوف تكون في صالحه في غير مكانه‏,‏ ولم يعد ممثل بريطانيا في مصر يدس أنفه في الشئون الداخلية إلا بقدر‏,‏ مما أتاح للملك الصغير الفرصة لإقالة الحكومة الوفدية في‏30‏ ديسمبر عام‏1937,‏ وهي الإقالة التي خالفت كل التوقعات‏!!‏

‏2)‏ منها أيضا تغير خريطة العلاقات داخل قصر عابدين‏,‏ فلم يكن فاروق يقينا امتدادا لعصر أبيه‏,‏ إذ كان فؤاد حريصا دائما علي أن يكون سيد القصر الأول والأخير‏,‏ وعندما كان يستخدم أحد رجاله فلم يكن في العادة ممن لهم صفة سياسية في القصر‏,‏ كأن يستخدم ناظر الخاصة الملكية‏,‏ زكي باشا الإبراشي‏,‏ أو أن يستخدم حسن باشا نشأت سكرتير مجلس البلاط‏,‏ الذي رقاه ليصبح وكيلا للديوان الملكي‏,‏ وهو منصب غير سياسي علي أي الأحوال‏.‏

علي عكس الحال في عهد فاروق حين تولي علي ماهر رئاسة الديوان‏,‏ وكان سياسيا من قمة رأسه إلي إخمص قدميه‏,‏ ويكفي أنه كان رئيسا للوزراء في أخريات عهد الملك فؤاد‏,‏ وهو الذي مهد لنقل السلطة للوفد بعد العودة بالعمل بدستور‏1923,‏ وحين تولي بعده أحمد حسنين باشا نفس المنصب‏,‏ وهو وإن بدأ بالعمل بالسلك الديبلوماسي‏,‏ إلا أنه أصبح من رجال القصر المقربين بعد أن اختاره فؤاد معلما لولي العهد‏,‏ أمير الصعيد‏,‏ وكان بدوره سياسيا من الدرجة الأولي‏.‏

وقد أدي ذلك إلي أن تصبح معاملة محمد محمود مع قصر عابدين أكثر تعقيدا مما كانت عليه أيام وزارة‏'‏ اليد القوية‏',‏ وهو ما لم يتفهمه الرجل بدرجة كافية حين ألف وزارته الثانية‏1938,‏ وكانت مياه كثيرة قد جرت تحت الجسور‏.‏

‏3)‏ ثم أن الخريطة الحزبية لم تعد علي ما كانت عليه عام‏1928-1929,‏ فقد كان الوفد في أوج قوته بعد نجاحه في عقد معاهدة‏1936‏ التي أطلق عليها معاهدة الشرف والاستقلال‏,‏ وبعد أن تخلص من الامتيازات الأجنبية في معاهدة مونترو الشهيرة‏,‏ وكان هناك المليشيات العسكرية بألوانها المختلفة‏,‏ الخضراء التي أسسها رجال مصر الفتاة‏,‏ والزرقاء التابعة للوفد‏,‏ وكان هناك حزب كبير آخر نافس الأحرار الدستوريين في مكانته‏,‏ وهو حزب الهيئة السعدية الذي شكله المنشقون عن الوفد‏,‏ الدكتور أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي باشا‏..‏ بمعني آخر أن محمود لم يكن يلعب وحده في الميدان هذه المرة‏.‏

ويمكن القول أن صاحب اليد القوية بينما كان يقف من القصر في تجربته السابقة موقف الند للند‏,‏ فإنه لم يستطع هذه المرة القيام بهذا الدور‏,‏ حيث نجح رجال فاروق‏,‏ علي رأسهم علي ماهر‏,‏ في استخدام الرجل مرتين‏:‏

أولاهما‏:‏ عندما دفعوه إلي اقتراف خطيئة التزوير الصريح للانتخابات التي جرت في مستهل عام‏1938,‏ وتبدو هنا مفارقة طريفة وهي أنه عندما تصور محمود بعد ظهور نتائج انتخابات الصعيد بهزيمة كبيرة للوفد‏,‏ حتي أن مكرم عبيد فقد دائرته التي كان يفوز فيها بأقل جهد‏,‏ وبنصر كبير للأحرار الدستوريين‏,‏ فقد تصور رئيس الوزراء أنه صاحب الفضل في ذلك‏,‏ وأراد أن يكرر اللعبة في الوجه البحري‏,‏ وهو ما لم يسمح به الديوان الملكي بقيادة علي ماهر‏,‏ فجات النتيجة علي غير ما يروم‏,‏ وفازت الهيئة السعدية بعدد أكبر من الأصوات‏,‏ وسقط هذه المرة مصطفي النحاس في دائرة سمنود‏,‏ وثبت أن يد القصر هي العليا‏!‏

ثانيتهما‏:‏ عندما تدخل القصر في تأليف الوزارة ولم يكن محمود هو صاحب القامة الطويلة الوحيد فيها‏,‏ كما حدث في الوزارة السابقة‏,‏ وكما شاء محمود نفسه‏,‏ فقد ضمت كل الشخصيات الكبيرة المعادية للوفد‏,‏ منهم ثلاثة رؤساء وزراء سابقين‏;‏ محمد محمود نفسه‏,‏ وإسماعيل صدقي‏,‏ وعبد الفتاح يحيي‏,‏ كما ضمت ثلاثة من رؤساء الأحزاب‏,‏ فإلي جانب رئيس الأحرار الدستوريين كان هناك رئيسا حزب الشعب الموالي للقصر‏,‏ وحافظ رمضان رئيس الحزب الوطني القديم‏,‏ حتي أن بعض الصحف وصفتها بوزارة‏'‏ الشخصيات الكبيرة‏'.‏

وقد بدا ما دخل علي الخريطة السياسية غير مناسب لشخصية محمد محمود ذات الطبيعة الأحادية‏,‏ خاصة بعد أن بدأ علي ماهر في استخدام ما يتمتع به السعديون في مجلس النواب من أغلبية من المقاعد تضارع تقريبا ما يتمتع به الأحرار الدستوريون في تنفيذ السياسات التي يرغبها القصر‏,‏ وفي تعويق ما يريده رئيس الوزراء‏,‏ مما أدي في النهاية إلي أن تعيش وزارته الأولي أقل من أربعة شهور‏,‏ ويضطر لتقديم استقالته وتأليف وزارته الثالثة بعد أزمة وزارية استغرقت ثلاثة أسابيع بسبب الاختلاف حول توزيع المقاعد الوزارية بين رجال محمود وبين رجال القصر‏,‏ أو بالأحري رجال علي ماهر‏!‏

ومرة أخري عاشت هذه الوزارة أقل من شهرين حين قدمت استقالتها في‏24‏ يونية من نفس العام‏,‏ إذ لم يجد صاحب اليد القوية‏,‏ التي لم تعد كذلك‏,‏ مناصا من إعادة تشكيل وزارته ليدخل إليها السعديون هذه المرة‏,‏ مما أدي إلي تأليف وزارته الرابعة‏,‏ وكانت الوزارة التي شهدت نهاية‏'‏ أسطورة اليد القوية‏'.‏


بدت هذه النهاية منذ اللحظات الأولي التي بدأ فيها الرجل مشاوراته لتأليف الوزارة‏,‏ والتي لم تنته علي النحو الذي كان يتمناه قطعا‏,‏ فهو لم يملك إلا التخلص من ممثلي الأحزاب الصغيرة كحزب الاتحاد وحزب الشعب‏,‏ ممن كان قادرا علي إملاء رغباته عليهم‏,‏ ثم أنه اضطر إلي إخراج الأستاذ أحمد لطفي السيد أحد أقطاب الأحرار الدستوريين ليفسح مكانا لوزير من السعديين‏.‏

الأنكي من هذا أن هؤلاء الأخيرين صمموا علي الوجود في الوزارة بشكل قوي‏,‏ فتم الاتفاق علي أن يمثل كل من الحزبين المؤتلفين بخمسة من المناصب الوزارية‏,‏ وكانت وزارتان من التي حصل عليها السعديون من أهم الوزارات بعد منصب الرئاسة‏;‏ وزارة المالية التي تولاها الدكتور أحمد ماهر‏,‏ ووزارة الداخلية التي تولاها محمود فهمي النقراشي‏,‏ وإذا أضفنا إلي ذلك الشعبية التي كان يتمتع بها الرجلان‏,‏ سواء وهما في صفوف الوفد‏,‏ أو بعد أن خرجا منه‏,‏ أدركنا مدي الخسارة التي وقعت بمحمد محمود الذي لم يكن يستطيع بعد ذلك الادعاء أنه لا زال يملك‏'‏ يدا قوية‏'!‏

أضف إلي ذلك العدو المتربص بالوزارة في رئاسة الديوان‏,‏ علي ماهر باشا‏,‏ الذي كان يطمع في إزاحة محمود باشا والحلول محله‏,‏ والذي ما فتأ يحيك المؤامرات ضد الوزارة ما وسعه الجهد في ذلك‏,‏ ووصل الأمر به إلي عقد لقاء مع مصطفي النحاس باشا في داره في رمل الإسكندرية‏,‏ ومع أن هذا الاجتماع لم يسفر عن أي اتفاق‏,‏ إلا أن رئيس الديوان سعي إلي إخافة محمود أو تهويشه‏,‏ كما تقول الوثائق السرية البريطانية‏,‏ الأمر الذي أقلق الرجل كثيرا‏.‏

وفي ذات المعركة المكتومة التي كان يخوضها الرجلان‏,‏ والتي كشفت عنها نفس الوثائق‏,‏ ظل محمود يتكبد المتاعب من رئاسة الديوان‏,‏ والتي كانت تتم طبعا بعلم الملك فاروق‏,‏ من بين هذه المتاعب ما حدث أيام تأليف الوزارة الثالثة من تصميم علي ماهر أن يدخل إليها محمد كامل البنداري بك‏,‏ وزير الصحة في الوزارة المستقيلة‏,‏ غير أن محمود أصر علي استبعاده لما أصبح معروفا أن الرجل ينقل إلي القصر ما يجري في اجتماعات مجلس الوزراء أولا بأول‏,‏ وهو الإصرار الذي لم يملك علي ماهر في مواجهته سوي تعيين الوزير المرفوض وكيلا للديوان الملكي‏,‏ مما لم يسعد محمود يقينا‏,‏ خاصة وأن علي ماهر لم يلبث أن وجد البديل الذي ينقل أخبار الوزارة إليه‏,‏ وكان هذه المرة أحمد خشبة باشا وزير الحقانية الذي أخذ يبث المتاعب في وجه حسن سير العمل الوزاري‏.‏

وكانت أسوأ المعارك وآخرها‏,‏ والتي لم يحتمل محمود الاستمرار بعدها طويلا‏,‏ هي المعركة البرلمانية التي جرت بين مجلسي الشيوخ والنواب خلال شهر أغسطس عام‏1939‏ حول إقرار الميزانية‏,‏ فقد اعترضت لجنة المالية بمجلس الشيوخ علي إلحاق ضريبة التركات بالميزانية‏,‏ وكانت معركة جديدة بكل المقاييس‏.‏

جديدة بشأن الخلاف بين المجلسين حول الميزانية‏,‏ إذ كان مفروضا أنه بعد إعدادها من جانب الحكومة وإقرارها من اللجنة المالية لمجلس النواب‏,‏ أن تكون الموافقة عليها من مجلس الشيوخ تحصيل حاصل‏,‏ وهو ما لم يحدث هذه المرة‏,‏ سواء لوجود نسبة لا بأس بها من الوفديين في‏'‏ المجلس الكبير‏'‏ الذي لم يطله التزوير لأن مدة العضوية فيه عشر سنوات وليست خمسا مثل المجلس الصغير‏,‏ وجديدة لأنه كان من الواضح أن يد علي ماهر لم تكن بعيدة عن الإيعاز لبعض الشيوخ باتخاذ موقف معاد من الوزارة‏..‏ كل هذا كان يحدث وصاحب‏'‏ اليد القوية‏'-‏ سابقا‏-‏ لا يتمكن من المشاركة في هذه المعركة مشاركة فعالة بحكم ظروفه الصحية‏,‏ حتي أنه لم يكن يحضر جلسات مجلس الوزراء التي كان يرأسها عبد الفتاح يحيي باشا‏,‏ أو جلسات اللجان المالية في المجلسين التي تحولت المسألة فيهما إلي معركة مستعرة‏,‏ وبدا وكأن الأمور تفلت من بين يديه‏.‏

في تلك الظروف سرت الشائعات أن الرجل في طريق تقديم استقالة الوزارة‏,‏ إجبارا هذه المرة وليس اختيارا كما حدث عام‏1929,‏ حين قدمها ليفسح المجال لحكومة منتخبة انتخابا حرا أن تستكمل مفاوضاتها التي كان قد بدأها مع المستر هندرسون وزير الخارجية البريطانية‏,‏ والتي كان قد توفر لها كثير من أسباب النجاح‏.‏

ولم يكن غريبا مع كل تلك التطورات أن يجد قارئ الأهرام في عددها يوم الأحد‏13‏ أغسطس جريدته‏,‏ وقد حملت صفحتها الأولي عنوانا كبيرا نصه‏:'‏ جلالة الملك يقبل استقالة الوزارة‏-‏ محمد محمود باشا في الحضرة الملكية‏-‏ حديث رفعته مع‏'‏ الأهرام‏'‏ بعد المقابلة‏-‏ المرشح لتأليف الوزارة‏'.‏

وقد روت صحيفتنا تفاصيل ما جري في ذلك اليوم‏,‏ فذكرت أن صاحب الرفعة قصد إلي دار الوزارة في بولكلي حيث عقد آخر اجتماعات مجلس الوزراء‏'‏ وقد دار البحث حول موضوع الاستقالة فبسط محمد محمود وجهة نظره في الموقف فأجمعوا علي أن استمراره في العمل يرهق صحته‏,‏ ثم دار البحث حول صيغة كتاب الاستقالة‏,‏ الذي توصلوا إلي صيغته النهائية علي النحو الذي نشرناه في بداية هذه الحلقة‏.‏

عقب انفضاض الجلسة هرع مندوب الأهرام في الإسكندرية إلي رفعة الباشا الذي أجابه علي سؤاله بأنه لا يزال مصرا علي الاستقالة‏,‏ وكما يحدث في مثل هذه المناسبات توجه كل وزير إلي وزارته لجمع أوراقه الخاصة‏,‏ ثم انصرفوا بعد أن ودعوا موظفي مكاتبهم‏.‏

في الخامسة والنصف مساء توجه محمود باشا إلي قصر المنتزه‏'‏ وقد استقبل رفعته معالي سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء‏,‏ وعلي أثر ذلك تشرف رفعته بالمقابلة الملكية‏,‏ وقد دامت من الساعة السادسة والنصف إلي الساعة السابعة‏',‏ ووفقا للتقاليد وعلي الرغم من مشاعر الكراهية بين الرجلين‏,‏ فقد زار رئيس الوزراء المستقيل رئيس الديوان‏,‏ وكانت زيارة بروتوكولية‏.‏ ووفقا للتقاليد أيضا استدعي محمد محمود باشا السكرتير العام لمجلس الوزراء وطلب إليه أن يحرر كتابا إلي كل وزير علي حدة يشكره فيه علي معاونته ومؤازرته في القيام بأعباء الوزارة مدة توليها الحكم‏.‏

وقد شيعت الصحف الوفدية المعادية صاحب اليد القوية ـ سابقا ـ بعبارات الشماتة التي تنهال عادة علي كل من يسقط من منصبه‏..‏

'‏الوفد المصري‏'‏ كتبت تحت عنوان‏'‏ حم القضاء ونفذ السهم وأصبحت وزارة محمد محمود في خبر كان‏'‏ أنه إلي البارحة كانت صحف الوزارة المأجورة تقول أن لا شيء هناك وأن الوزارة لم تكن في وقت من الأوقات أقوي وأثبت علي البقاء منها الآن بينما كانت الإسكندرية ممتلئة الأفق بأخبار انتهاء‏'‏ الحكم الصالح‏'‏ واستقال رئيس الوزراء‏'‏ إلي آخر لحظة كانوا يكذبون‏,‏ بل لقد كانت الوزارة في النزع الأخير‏..‏ لقد افتضح‏'‏ الحكم الصالح‏'‏ حتي في تغطية نهايته وحتي في‏(‏ تكفين‏)‏ رفاته‏,‏ ليموت كاذبا‏,‏ كما ابتدأ الحياة كاذبا مزيفا شاذا علي الطبيعة والتكوين‏'.‏


‏'‏ المصري‏'‏كتبت تتهم من أسمتهم بالوزاريين بأنهم أرادوا أن يستروا النكبة المتوقعة لوزارتهم‏,‏ فقالوا أنها لا تستقيل إلا لأن محمد محمود باشا قرر نهائيا العناية بصحته أولا‏..‏ قال الوزاريون هذا وهم ينتقلون بين مختلف المجالس والأندية‏,‏ وكانت هذه الحركة الغريبة دليلا علي أنهم لم يروا بدا من الاعتراف بحقيقة الحالة المحزنة التي صارت إليها وزارتهم‏.‏

ونشارك الجريدة التي كانت أوسع الصحف الممالئة للوفد في رأيها‏,‏ فقد كانت الحالة محزنة فعلا بعد أن انتهت أسطورة‏'‏ اليد القوية‏'‏ علي هذا النحو‏,‏ الذي لم يكن يتوقعه أحد لصاحب المقام الرفيع‏!‏
من مواضيع : bob ثمرة الحصاد لمشاهدة متقطعة
الإنتاج المحلي‏ 40 %‏ فقط ‏..‏ والمستورد يسد النقص ويخفض السعر
كلمـــات جـــــريئــــة
تعلــــم فك شـــفرة الهـــدية
السمنة القاتلة
09-11-2006, 03:36 PM
bob
 
مشاركة: ديوان الحياة المعاصرة نهاي ة أس طورةالي د القوي ة‏!!

شكرا على المرور
من مواضيع : bob نقطة نور
ألم الماضي
ولادة مبكرة‏..‏ بالنكد
لو عندك سؤال الرجل أكثر رومانسية
أطفال أثرياء‏..‏ لكن تعسـاء
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أســطورةاليـد, المعاشرة, الحجاب, القويـة‏, حيوان, نهايـــة

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
حوار بين الحياة والموت..
روايات نجيب محفوظ..ديوان الحياة المصريةالمعاصرة
متعة الحياة.......
صدق الحياة

ديوان الحياة المعاصرة نهايـــة أســطورةاليـد القويـة‏!!

الساعة الآن 08:11 AM.