xpredo script

العودة   منتدى نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح

نريد خبزا وحنانا‏!‏

الحوار المفتوح

16-12-2006, 12:43 AM
bob
 
Question نريد خبزا وحنانا‏!‏

تحقيــــق الســــبت

الشارع دولتهم وبيتهم ومسرح حياتهم‏..‏
الشارع هو دولتهم غير المعلنة‏..‏ وهو بيتهم الذي بلا جدران تحمي وبلا سقف يظلل‏..‏ وهو مسرح حياتهم الذي يتسكعون فيه طولا وعرضا ليل نهار‏..‏ حفاة عراة جوعي ممزقي القلوب ذلا وهوانا‏.‏ وانكسارا

لفظتهم بيوت كانت يوما دافئة وأصبحت ظالمة‏..‏ وأسر ممزقة في مدينة أكثر ظلما‏..‏ ومجتمع أشد قسوة لا يرحم ولا يسأل ولا يراعي‏..‏ وناس لا يرون أبعد من أنوفهم‏..‏ ومسئولون لا يرون في مرآة الناس إلا أنفسهم‏!‏

الطريق مأواهم‏..‏ والحارة بيتهم والرصيف أمهم‏..‏ والجدار أبوهم‏..‏ والليل حارسهم وساترهم وغطاهم‏..‏ عنوان دولتهم تحت الكباري وعربات القطارات المهجورة والأنفاق المظلمة والسراديب الخفية والبيوت المهجورة والخرائب المعتمة التي يشاركهم فيها البوم والغربان أو كلاب السكك‏..‏ والجوع والعري والحرمان والضياع رفاق طريق ودرب وحياة‏..‏

قد تسألون‏:‏ أين هم؟
هم بلا عنوان‏..‏ وبلا اسم وبلا هوية وبلا مصير‏..‏
أطلق عليهم فنان الشعب يوسف بك وهبي قبل‏55‏ سنة بالضبط لقب أولاد الشوارع في فيلمه الشهير الذي يحمل الاسم نفسه‏..‏ ومن يومها ومن قبلها ومن بعدها وهم يحملون اسم أولاد الشوارع‏..‏ باعتبار الشوارع أمهم وأباهم لسابع جد ولآخر حفيد‏..‏

كانت دولتهم غير المعلنة عندما أطلق عليهم يوسف وهبي لقبهم الشهير لا يتجاوز عددها الـ‏100‏ ألف‏..‏ وسط‏2‏ مليون انسان يسكنون القاهرة وخدها و‏20‏ مليونا هم كل سكان مصر ايامها‏..‏

والآن والحمد لله والشكر للقلوب الرحيمة والمسئولين السهرانين الشقيانين زاد عددهم علي المليونين‏!‏

واذا كان التمزق الأسري الذي سجل حتي الآن أكثر من‏90‏ ألف حالة طلاق وفراق وخراب بيت الزوجية كل سنة‏+‏ تشرد نحو‏100‏ ألف طفل كل سنة وضياعهم بين أب ترك البيت والغيط والمهمة‏,‏ وأم وحيدة بلا رجل وبلا سند وبلا مورد‏..‏ أو بين زوج أم لا يرحم وامرأة أب كل همها الانتقام من اطفال امرأة كانت زوجة لزوجها‏!+‏ معاناة يومية من غول الغلاء الفاحش الذي أمسك برقاب العباد والبلاد‏+‏ فقر مستتر‏+‏ فقر صريح‏+‏ فقر مدقع‏..‏ والفقر المستتر ـ كما فسره لي موظف أراري ـ هو الذي يعيشه الموظفون العاملون من أبناء البطة السوداء ونحن منهم نتجرعه ولكن بلا شكوي‏..‏ أما الفقر الصريح فهو فقر الناس الغلابة الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري عن‏100‏ جنيه مع كوم لحم من العيال والهم‏..‏ أما الفقر المدقع فهو ما تتحدث عنه الأرقام الرسمية التي تقول إن‏22%‏ من الناس في بلدنا تحت خط الفقر‏..‏ وإن كانت المؤسسات الدولية المراقبة تقول إن الرقم قفز الي‏32%‏ من عدد سكان مصر‏!‏

فإذا اضفنا الي هذا الهم المصري الأصيل نحو‏4‏ ملايين شاب بلا عمل‏..‏ وإن كانت ارقام المؤسسات الدولية تدعي وتزعم أن الرقم الصحيح ضعف هذا الرقم المعلن

‏ تلوث بلا حدود حتي اصبحنا اكثر بلدان العالم تلوثا وهبابا وضجيجا‏..‏ واصبحت القاهرة أكثر عواصم العالم قذارة‏!‏

‏ لا توجد مؤسسة رقابية أو علاجية أو نفسية قادرة علي استيعاب المليوني طفل مشرد في الشوارع والحارات والأزقة‏..‏ من أين؟ ومن يهتم؟

ولولا تدخل مباشر من السيدة سوزان مبارك راعية الطفولة والامومة في بلدنا بلقاء مع الدكتور أحمد نظيف رئيس الحكومة من أجل إنقاذ أطفال الشوارع مما هم فيه‏..‏ ومما صنعوه لنا وبنا‏..‏ لحدث ما لا تحمد عقباه‏!‏

وقد يسأل خبيث من خبثاء القوم وما أكثرهم في زماننا هذا‏:‏ وإيه بس اللي فكرنا بأولاد الشوارع دول‏..‏ هل هي القنوات الفضائية العربية التي تصحي فينا المواجع‏,‏ بعرضها للفيلم الشهير أولاد الشوارع لفناننا العظيم يوسف بك وهبي؟

أم هو اكتشاف مقبرة البراءة المشردة التي عثروا عليها في جنوب القاهرة في شبرا الخيمة والتي دفنوا فيها أطفالا بلا ذنب هربوا من بيوت مشتعلة وآباء وأمهات في حالة حرب دائمة أو تاهوا أو خطفوا لا فرق‏..‏ والعدد يقترب من الثلاثين ضحية غير ما خفي‏..‏ كانت مسجلة في دفاتر الشرطة‏:‏ الفاعل مجهول‏...‏ لمجرد فلتة لسان عن طفل مشرد مقبوض عليه بتهمة التسول ليكشف لرجال الشرطة عن أبشع جريمة ترتكب في حق البراءة‏..‏ ليتحرك الجميع بعد خراب مالطة في الاتجاه الصحيح‏!‏

والغريب والعجيب والمدهش أن السرداب الذي كان يختفي فيه أفراد عصابة رمضان التوربيني‏..‏ وكان مقرا دائما لهم ولجرائمهم كان يقع علي بعد‏100‏ متر فقط من قسم شرطة شبرا الخيمة‏!‏

ويبدو أن تاريخ هذا اللون من الجرائم البشعة في مصر يكرر نفسه بعد أكثر من ثمانين عاما‏..‏ فقد كان بيت ريا وسكينة وحسب الله ودحروج‏..‏ أفراد عصابة قتل النساء خنقا في الاسكندرية وسرقة مصوغاتهن‏..‏ التي دوخت البوليس سنوات وسنوات‏..‏ كان يقع مباشرة خلف قسم شرطة اللبان‏!‏

المعلمة جلاجل تفتح الطريق‏!‏
قالت لي المعلمة جلاجل وهي صاحبة كشك سجاير ومرطبات ولها سطوة وسلطان علي رجال بشنبات وعلي الحتة كلها‏:‏ غالي والطلب رخيص‏!‏

كنت قد سألتها أن تدلني أين يعيش خفافيش الليل وقطط النهار؟

كان الموعد بعد منتصف الليل‏..‏ ولما كنت طول عمري فاقد كما كانوا يطلقون علي‏..‏ لا تهمني المخاطر ولا الدخول الي أعشاش الدبابير والثعالب والثعابين البشرية طوال رحلتي الصحفية بداية من ركوب جبال ووديان أكراد شمال العراق فوق ظهر بغلة قوية لمقابلة الملا مصطفي البرزاني في النصف الثاني من الليل‏..‏ الي عبور شارع قدرا في قبرص تحت رحمة رصاص القناصة الأتراك‏..‏ الي دخول ساحة معركة الدبابات الشهيرة في العراق مع الزميل المصور محمد لطفي‏..‏ فماذا سيحدث اذن اذا ذهبت الي العفاريت الصغار في عقر دارهم؟

ركبت الي جوار المعلمة جلاجل في سيارتي‏..‏ وصلنا الي كوبري سكة حديد امبابة الذي شيده الانجليز قبل أكثر من مائة وخمسين عاما‏..‏ قال لي سائقي أبوبلال ونحن نهم بالنزول‏:‏ يا أفندم بلاش المشوار ده‏..‏ نرجع أحسن‏!‏

تقدمتني المعلمة بجسدها الفارع وصوتها الأجش يسابقها‏:‏ انت فين يا واد يامغاوري‏!.‏

يظهر مغاوري قصيرا مكيرا في حجم عقلة الصباع في قصص والت ديزني لا أعرف من أين جاء‏..‏ دلني عليه صوته‏:‏ ايوه يا معلمة‏..‏ الجماعة هنا قاعدين منتظرين زي ما طلبتي‏.‏

أمسكت بيد المعلمة أو أمسكت هي بي لا فرق‏..‏ تقودني وأمامنا مغاوري وأنا أنقل قدما وأؤخر أخري خوفا من السقوط في العتمة التي تحاول أضواء العاصمة الساهرة أن تبددها دون جدوي‏..‏ داخل أحد المتاهات أو الدهاليز أو الزناقير ـ جمع زنقور ـ كانوا جالسين يتضاحكون ويتلاعبون ويهزرون في صخب وصوت عال‏..‏ أولاد وبنات لا تكشف أصواتهم عن أعمارهم الحقيقية‏..‏ بل تزيدها ضعفا‏..‏ صاحت فيهم المعلمة‏:‏ جري ايه يا ولاد السككية المساخيط‏..‏ بطلوا ضحك وقلة حيا‏..‏ معايا ضيف كبير قوي‏..‏ لازم تتعلموا الأدب والاحترام قدامه‏..‏
سقط الصمت كطوبة أصابت الجميع حتي نحن بالبكم‏!‏

لم ننس أن نحمل اليهم عشاء طيبا ساخنا وصينية بحالها من البسبوسة والكنافة وبلح الشام‏..‏ نزلوا علي الوليمة كالذئاب الجائعة من حول حمل وديع ساعة القدر إلي وكرهم في ليلة غاب عنها القمر‏..‏

بعد الأكل والشفط واللهط والذي منه‏..‏ وأنا جالس بينهم علي كرسي أعرج مسنود بثلاث بلاطات‏..‏

قالت لهم المعلمة جلاجل‏:‏ سعادة البيه موش بوليس ولا مباحث‏..‏ ده مخرج كبير في السيما وجاي عشان يعمل فيلم يكسر الدنيا‏..‏ وهيشغلكوا كلكم معاه‏..‏ بس احكوا له كل حاجة من غير لف ودوران‏..‏

قلت لهم وقد تقمصت شخصية مخرج الروائع الصديق حسن الإمام‏:‏
احكولي‏..‏ فضفضوا‏..‏ ماتخبوش حاجة‏!‏
أخذت الواد وهربت‏!‏

‏ الحكاية الأولي‏:‏
قال صاحبها‏:‏ أنا اسمي محمود الشهير بعوكل وهو الاسم الذي أطلقه علي زملائي‏..‏ لأنني أميل الي التهريج والضحك‏..‏ ابي رجل مزواج تزوج ثلاث سيدات بينهن أمي التي ماتت وتركتني وأنا في الخامسة من عمري لرحمة اثنين من زوجات الأب وأولادهم‏..‏ كنت في البيت مثل الطيشة روح هات كذا‏..‏ اعمل كذا‏..‏ اشتري كذا‏..‏ يعني خدام لمراتات أبويا وأولادهم‏..‏ طلعوني من المدارس‏..‏ لم أشعر يوما أن لي أبا أو لي اخوة‏..‏ حتي عندما تركت البيت وذهبت الي أخوالي في الحوامدية وغبت شهرا بحاله‏..‏ لم يسأل عني أحد أين كنت؟‏..‏ حتي أخوالي قالت لي زوجاتهم‏:‏ يابني هو احنا ناقصينك انت كمان‏..‏ هنربي أولادنا واللا نربيك انت‏!..‏ غور من وشنا بقي‏!‏

ولم أجد إلا الشارع الذي اصبح بيتي وداري وأمي وأبي‏..‏ وهؤلاء الذين تراهم من حولي هم عائلتي واخوتي واخواتي‏..‏ أنا عندي دلوقتي سبعتاشر سنة‏..‏ بأسرح في الاشارات بمناديل ولعب وبرانيط الأهلي والزمالك‏..‏
المعلمة جلاجل تزغده في جنبه‏:‏ بس كده‏..‏ ياواد احكي اللي مستخبي‏!‏

محمود يتكلم‏:‏ أحكي ايه بس يا معلمة‏.‏ اقول ان أنا شربت مخدرات وشميت كلة‏..‏ وإن أنا اشتركت في اغتصاب فتيات صغيرات كانوا تايهين في الشوارع مع باقي الشلة‏..‏ ونصهم معانا في الشوارع وفي الهم سوا‏!‏

المعلمة جلاجل ترمقه بنظرات حادة وهي تقول‏:‏ ماتقول ياواد‏..‏ انك متجوز عرفي من البت شربات بعد ما خلصت معاها‏..‏ وحملت منك وجابتلك المحروس ابنك‏!‏

محمود يدافع‏:‏ مابلاش السيرة دي يا معلمة‏..‏ ماهي رخره طفشت وخدت الواد معاها‏..‏ وسلقط في ملقط موش لاقيها ولا لاقي الولد ابني‏..‏ زمانه دلوقتي عنده سنتين وزيادة‏!‏
زوجتان في غرفة واحدة‏!‏

‏ الحكاية الثانية‏:‏
المتكلمة فتاة‏..‏ مكتملة النضج والانوثة تحمل علي ذراعيها مولودا‏..‏ أشارت اليه وهو في المهد‏:‏ ده باسم ابني عنده دلوقتي سنة ونص‏..‏ ولدته في قصر العيني‏..‏ بعد ما طردني أبوه‏..‏ وقاللي‏:‏ أنا عارف ابن مين ده‏..‏ روحي اكتبيه باسم اللي خلفتيه منه‏!‏

أنا بنت شوارع‏..‏ بصيت علي الدنيا لقيتني في الشارع كان عمري ثلاث سنين لما أبويا طلق أمي‏..‏ واتجوز جارتنا نوسة النفشة‏..‏ وقال لي‏:‏ تقعدوا انتم الاثنين في بيت واحد‏..‏ وبيتنا كان عبارة عن غرفة واحدة فوق السطوح‏..‏ وعفشة المية بره‏!‏

طيب ازاي زوجتين لرجل واحد في غرفة واحدة‏..‏ أمي ما طاقتش أخذتني وراحت لأضوالها طردونا ولأعمامها في البلد كرشونا‏..‏

أصل أمي كانت مقطوعة من شجرة لا أب ولا أم‏..‏ نزلت الشارع وأنا علي كتفها‏..‏ نشحت في الاشارات‏..‏ نبيع مناديل ورق‏..‏ وأنا كنت بأبيع لبان ومصاصات للرايح والجاي‏..‏

كنا ننام علي الرصيف أو تحت الكباري أو قدام المحلات بعد ما تقفل بالليل‏..‏ كنت بأسمع صراخ أمي والبلطجية بيعتدوا عليها واحنا نايمين ماكنتش فاهمة حاجة‏..‏ ودلوقتي فهمت وعرفت‏..‏ ازاي البني آدم يعيش في الشارع تحت رحمة الوحوش والمبرشمين والجعانين والحرامية وأولاد الحرام‏!‏

كبرت في الشارع وأمي كانت خايفة علي من كلاب السكك السعرانة‏..‏ واللي كانت أمي خايفة منه حصل‏..‏ وخطفوني من حضن أمي في آخر الليل شوية سعرانين اخدوني في شقة في سكة الحرانية‏..‏ واعتدوا عليا وحبسوني شهر بحاله عندهم لمزاجهم الشخصي‏..‏ لحد ما أمي قدرت توصل مع البوليس وخلصتني‏..‏ لكن بعد إيه؟

حملت طبعا من مين ماحدش عارف‏..‏ أمي صممت تنزل العيل‏..‏ ونزلناه عند واحدة داية في شبرامنت‏..‏ ورجعت تاني للشارع أنا وأمي‏!‏

أمي ما استحملتش اللي جري‏..‏ طبت ساكتة‏..‏ وسابتني لوحدي‏!‏
اتلميت علي عامل في ورشة سباكة شاغلني‏..‏ شاغلته‏..‏ قاللي تعالي نحط زيتنا علي دقيقنا ونعيش سوا بدل بهدلة الطريق اللي أنا عايشة فيها طول عمري‏..‏ صدقته أخدني عنده في غرفة فوق سطوح بيت في الدويقة‏..‏ وكل ليلة يجيب أصحابه يحششوا ويغيبوا عن الوعي‏..‏ اتضح بعد كده ان البيه بيوزع الصنف‏..‏ كبس علينا البوليس في ليلة وأخدنا كلنا‏!‏

اتحبس هو‏..‏ وأنا طلعت براءة‏..‏ وفي بطني ابني باسم‏..‏ رحت الأودة بتاعتنا لقيت أخوه أخدها‏..‏ وطردني للشارع خلفت ابني في القصر وأديني متلطمة مع الواد زي ما انت شايف‏!‏
أخذوا طفلي وأعطوني ألف جنيه‏!‏

‏ الحكاية الثالثة‏:‏
فتاة نحيلة كأنها قلم رصاص أكلت البراية نصفه‏..‏ بصوت ضعيف نحيف مثلها راحت تحكي‏:‏ أنا هاربة من أسرتي في الإسكندرية أبي مات في حادث تصادم وأنا عمري سنة واحدة‏..‏ تزوجت أمي من موظف في التليفونات‏..‏ أذاقنا الويل وويل الويل‏..‏ كنت شاطرة في المدرسة‏..‏ وأخرجني منها لكي أخدم في البيت‏..‏ لم تعترض أمي بعد أن أنجبت منه ولدا وبنتا غيري‏..‏ عندما كنت في الثالثة عشرة راح زوج امي يطاردني‏..‏ يستأذن من الشغل في غياب أمي‏..‏ ويعاكسني ويراودني عن نفسي‏.‏

حكيت لأمي‏..‏ قالت لي‏:‏ معلهش زي أبوكي وبيحبك وبيدلعك‏..‏ عيب الكلام ده‏!‏

اشتغلت في محل قمصان وبنطلونات جاهزة‏..‏ كنت بأصرف علي نفسي آكل وأشرب وألبس‏..‏

عندما بلغت الرابعة عشرة تمكن مني الوحش الغادر ونال مراده‏:‏ وحملت منه سفاحا‏..‏ وهددني إذا بحت بالسر سوف يذبحني أنا وأمي‏..‏ أخذتها من قصيرها وهربت بحملي الي مصر‏..‏ لأتوه في شوارعها حتي تلقفتني سيدة في العتبة توسمت فيها الطيبة والصلاح‏..‏ أخذتني الي شقة في المعادي لأجد من أمثالي خمس فتيات حاملات سفاحا‏..‏ وضعنا أطفالنا علي الرحب والسعة ولما قمنا من الولادة وبعد الرضاعة اخدوا منا الاطفال واعطوا كل واحدة مننا ألف جنيه‏..‏ سألناهم‏:‏ ثمن ماذا؟ قالوا‏:‏ ثمن العيل‏!‏

بكينا طويلا‏..‏ هددونا بإبلاغ البوليس عنا زورا وبهتانا بأننا بنات ليل وحرامية‏..‏ والطيب أحسن‏..‏ تنازلنا عن اطفالنا‏..‏ ولا نعرف اين هم الآن؟

تسألها المعلمة جلاجل‏:‏ ماتعرفيش بيعملوا ايه بالاطفال دول؟

ترد المنكسرة الجناح‏:‏ بيقولوا بيدوهم للستات اللي ما بتخلفش بالشيء الفلاني‏..‏ أو يربوهم ويشغلوهم في البيوت بالأجر‏..‏ أو يدوهم لأسرة عربية عاوزة بنت تخدم عندهم أو يتبنوها‏..‏ موش عارفة‏!‏

أمنا هربت مع راجل تاني‏!‏

‏ الحكاية الرابعة‏:‏
قالا في صوت واحد‏:‏ احنا اخوين‏..‏ حسن‏13‏ سنة وحسين‏12‏ سنة هربنا من بيت أمنا في الشرقية‏..‏ بعد ما تركتنا وهربت مع موظف شاب وهي علي ذمة ابونا‏..‏ وداخ ابونا السبع دوخات عشان يلاقيها مافيش حس ولا خبر‏!‏

بقينا لوحدنا‏..‏ أبونا في الشغل طول النهار‏..‏ واحنا نخرج من المدرسة‏..‏ ندور علي لقمة في البيت مافيش‏..‏ ابونا رفض يتجوز عشان مايجبش مرات أب تنكد علينا عيشتنا‏..‏ اتلم علينا أولاد الحرام من الأولاد اللي قدنا‏..‏ علمونا السهر في الشوارع وشرب الدخان‏..‏ وبدأنا نغيب عن البيت‏..‏ وأبونا يدور علينا‏..‏ زي ما كان بيدور علي أمنا الهربانة‏..‏ مرة في مرة‏..‏ ما رجعناش للبيت‏..‏ وجينا علي مصر عشان نعيش من التسول أحيانا أو السرقة ما يضرش‏..‏ شفنا أولاد بيقتلوا بعضهم بالسكاكين والمطاوي عشان بنت مفعوصة هربانة من أهلها وفي الآخر يشترك الجميع في افتراسها‏!‏

البوليس هو عدونا الأول‏..‏ كل شوية يعمل كبسة ويلمنا نقعد في الحبس والتحقيق شوية ونخرج الشارع تاني‏..‏ الحمد لله أنا وأخويا ايد واحدة ماحدش يقدر يخش بيننا أو يغلبنا‏..‏ رحنا مرة لأبونا في اسكندرية لاقيناه عزل من الشقة‏..‏ رحناله الشغل أنكر نفسه مننا‏..‏ طيب امنا هربت مع راجل تاني‏..‏ وأبونا موش عاوزنا‏..‏ نعمل ايه بس ونروح لمين‏..‏ لا صنعة ولا علام‏..‏ مافيش غير الشارع أمنا وأبونا‏!‏

نحن لا نعرف شيئا عن عصابة رمضان التوربيني ده اللي بيقتل العيال‏..‏ ولو شفناه حنقطعه حتت‏..‏ لازم الدولة تعدمه في ميدان عام‏!‏

لم ينته مسلسل الضياع ويبدو انه بلا نهاية‏..‏ تركنا الاولاد والبنات الذين ضاعوا وتاهوا واتلطموا في زحام الحياة تحت سقف عاصمة لا ترحم‏..‏ وناس نزعت من قلوبهم كلمات الحنان والعطف والرحمة‏..‏ مدينة ظالمة‏..‏ وقوم ظلمة‏..‏ والبراءة تأكلها كلاب السكك وذئاب الطريق‏..‏ ونحن نتفرج علي افلام الهيافة والرقص نطاعة وفجورا‏..‏ والغناء بهز الوسط والخلاعة والميوعة وقلة الحياء‏.‏

ماذا نحن فاعلون وبيننا‏2‏ مليون طفل مشرد‏..‏
الشارع أبوهم‏..‏ والرصيف أمهم‏..‏ والحكومة مرات أبوهم؟
من مواضيع : bob آخــر النهــار
الجاسوسية لعبة قذرة
مسألة إصلاح الدستور المصري
أين لبنان من هذه الحرب؟!!
علي‏..‏ يعلم الأطفال حقوق الإنسان
 

الكلمات الدلالية (Tags)
حبسا, وحنانا‏‏, وردي

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

نريد خبزا وحنانا‏!‏

الساعة الآن 06:37 PM.