xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الأخبار والحوادث > حدث فى مثل هذا اليوم - ميلادى - هجرى
التسجيل

حدث فى يوم 8 ربيع أول

حدث فى مثل هذا اليوم - ميلادى - هجرى

06-04-2006, 02:43 PM
موسى بن الغسان
 
حدث فى يوم 8 ربيع أول

حدث فى يوم 8 ربيع أول
8 من ربيع الأول 273 هـ = من أغسطس 886م
المنذر بن محمد بن عبد الرحمن يتولى الحكم في الأندلس بعد وفاة والده، ولد عام 229هـ = 844م في قرطبة، وشهد عصره "ثورة المولدين" في الأندلس، وتوفي أثناء حصاره لأسوار مدينة ببشتر في صفر 275هـ = 888م بعد حكم لم يستمر سوى عامين فقط.

8 من ربيع الأول 1089 هـ = 30 من إبريل 1678م
السلطان العثماني محمد الرابع يبدأ حملته السلطانية الأولى على روسيا، وكانت تلك الحملة الأولى لسلطان عثماني على روسيا، حيث كان يقوم بهذه المهمة في السابق خان القرم.

8 من ربيع الأول 1335 هـ = 1 من يناير 1917م
حكومة السودان تعلن ضم سلطنة دارفور الإسلامية إليها بعد مقتل سلطان دارفور علي دينار. وقد تمتعت دارفور باستقلال مدة 430 عاما متواصلة، ثم خضعت للحكم المصري عام 1883م لمدة تسع سنين ونصف، ثم خضعت لحكم المهديين حتى استقلالها مرة أخرى في إبريل 1898م.

8 من ربيع أول 1335هـ= 2 من يناير 1917م
مولد زينب محمد الغزالي الجبيلي، إحدى رائدات الأخوات المسلمات، كلفها الشيخ البنا بدور مهم في الوساطة بين جماعة الإخوان والزعيم الوفدي مصطفي النحاس رئيس وزراء مصر حينها، ولعبت دورا مهما في تقديم الدعم والمساندة لأسر الإخوان المعتقلين بعد أزمة (1374هـ=1954م) .
8 ربيع الأول 1340 هـ = 8 نوفمبر 1921 م
فرنسا تطبق قواعد جديدة للجنسية بتونس تجيز فيها سحب الجنسية التونسية من بعض المواطنين.
8 من ربيع الأول 1359هـ= 16 من إبريل 1940م
وفاة المصلح الجزائري الشيخ عبد الحميد بن باديس، زعيم حركة الإصلاح في الجزائر في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وأول رئيس لجمعية العلماء بالجزائر…


8 من ربيع الأول 1307 هـ = 1 من ديسمبر 1889م


ابن باديس.. رائد الإصلاح في الجزائر
(في ذكرى وفاته: 8 ربيع الأول 1359هـ)

<B><FONT face="Arabic Transparent" size=3>سمير حلبي
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم : 1 يناير
حدث في مثل هذا اليوم ( 22 صفر )
حدث في مثل هذا اليوم 2 إبريل
حدث فى يوم 8 ربيع أول
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
07-04-2006, 10:33 AM
موسى بن الغسان
 
حدث فى مثل هذا اليوم 9 ربيع أول

حدث فى مثل هذا اليوم 9 ربيع أول
· 9 من ربيع أول 1213هـ= أغسطس من سنة 1789م
فتح الجنود الفرنسيين أثناء الحملة الفرنسية على مصر لبعض البيوت المغلقة لأمراء المماليك واستيلاؤهم على ما فيها، وبعد ذلك تركوها لطائفة "الجعيدية" يستأصلون ما فيها، وبدأ بعدها توافد الفرنسيين على القاهرة وسكنوا بيوتها...

· 9 من ربيع الأول 1327هـ = 31 من مارس 1909م
اشتعال مظاهرة في عاصمة دولة الخلافة العثمانية تطالب بإلغاء الدستور والعودة إلى الشريعة، وإسقاط حكومة الاتحاد والترقي، التي تسلطت على السلطان عبد الحميد الثاني…

· 9 من ربيع الأول 1329هـ = 8 من مارس 1911م
مولد أحمد حسين أحد زعماء الحركة الوطنية في مصر، ومؤسس حركة مصر الفتاة، له مؤلفات كثيرة، منها: موسوعة تاريخ مصر في خمسة أجزاء، وإيماني، وتفسير سورة البقرة، وحريق القاهرة.

· 9 من ربيع الأول 1341 هـ = 30 من أكتوبر 1922م
الملك الإيطالي فيكتور عمانوئيل يعين زعيم الحركة الفاشية "موسوليني" رئيسا للحكومة بعد المظاهرة الضخمة من أنصاره ممن يسمون أصحاب "القمصان السوداء"، الذين توجهوا في 25 ألف شخص مطالبين بحل الحكومة.

· 9 من ربيع الأول 1359 هـ = 17 من إبريل 1940م
إنذار من الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وزير خارجيتها "كوردل هل" لليابان أن بلاده سوف تعارض أي محاولة لتغيير الوضع القائم في جزر الهند الشرقية الهولندية بغير الوسائل السلمية.
· 9 من ربيع الأول 1363 هـ = 5 من مارس 1944م
وفاة الشاعر الفرنسي ماكس جاكوب. ولد ماكس عام 1876م، وكان رساما مشهورا ورائد للحركة السريالية في الأدب والفن التشكيلي، وتوجد جائزة فرنسية في الشعر باسم "ماكس جاكوب" تعد من أقدم الجوائز الشعرية الفرنسية. وقضي جاكوب نحبه في سجون الاحتلال النازي عندما سيطر على فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

· 9 ربيع الأول 1388هـ= 5 يونيو 1968م
اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق "كيندي" في مدينة "لوس أنجلوس"، وهو من أشهر رؤساء الولايات المتحدة، ولد 1917م، وشهدت فترة رئاسته أخطر أزمة في السياسة الدولية، وهي أزمة الصواريخ الكوبية التي كادت تؤدي إلى حرب نووية بين السوفيت والأمريكيين.

· 9 من ربيع الأول 1425هـ= 28 من إبريل 2004م
شبكة "سي بي إس نيوز" الأمريكية تكشف عن فضيحة أمريكية بالعراق؛ حيث عرضت صورًا تعود لأواخر عام 2003 لتعذيب العراقيين المحتجزين بسجن "أبو غريب" العراقي على يد الجنود الأمريكيين؛ وهو ما أحدث ردود فعل غاضبة على مستوى العالم.

· 9 من ربيع الأول 1425هـ= 28 من إبريل 2004م
مقتل 108 مسلمين في مواجهات بين قوات الأمن وإسلاميين جنوب تايلاند حيث اقتحمت قوات الأمن أحد المساجد وقتلت 32 مسلما داخله، ما ولد هذه المواجهات.

· 9 من ربيع الأول 1425هـ= 28 من إبريل 2004م
تكشف فضيحة تعذيب الأسرى العراقيين بسجن أبو غريب؛ حيث قامت محطة "
CBS" الأمريكية بنشر صور التقطت بسجن أبو غريب أواخر عام 2003 تكشف ممارسات غير إنسانية بحق الأسرى.


تفاصيل المتن
---------------------------------------------------------------------------------------------


خطابات المستعمرين.. وثائق وتحليل
(في ذكرى دخول الفرنسيين القاهرة : 9 ربيع الأول 1213هـ)
مصطفى عاشور

أثارت الأزمة العراقية كثيرًا من القضايا والإشكاليات غطت مساحة كبيرة من الواقع السياسي والثقافي، وأمام هذا السيل المنهمر من الأحداث والتطورات تخيل البعض أننا أمام ظواهر جديدة في النظام الدولي، ودار هؤلاء في عجلة الأحداث السريعة، ولم يلتفت هؤلاء إلى أننا أمام ظاهرة قديمة تاريخيًا، وهي ظاهرة "الاستعمار" التي ارتبطت بخطاب سياسي متكرر يوجه إلى البلاد المراد استعمارها لتبرير العملية الاستعمارية، وليضفي عليها مسوحًا من النبل والأخلاق، وهي في حقيقة الأمر منها براء.
وما دام شعار الحرب يوازي الحرب نفسها، كان لا بد أن يتميز هذا الشعار بالوضوح والمباشرة والابتعاد عن التعقيد، مع شموله لأبعاد إنسانية، يغلب عليها طابع الدفاع عن الذات، وحماية الآخر ورعايته ونهضته.
وتطلب هذا الأمر اختراع أسطورة يفهمها أكبر قدر من الناس، وتحتوي على ضدين متصارعين، هما الخير المطلق ويمثله (الاستعمار)، في مواجهة الشر المطلق ويمثله (النظام المراد إزالته)، وهذا الصراع بالطبع لا توجد فيه حلول وسط، بل لا بد من إزالة هذا الشر المطلق إزالة تامة وإبادته حتى ينعم الناس بالخير!!





خطابات المستعمرين.. وثائق وتحليل
الخطاب الفرنسي

حينما نزل نابليون الإسكندرية في شهر (المحرم 1213 هـ = يوليه 1798م) كان من أول ما فعله إصدار منشور للمصريين.. هذا نصه :
"بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه. من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، يظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي؛ فحضر الآن ساعة عقوبتهم، وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأزابكة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم.
يا أيها المصريون قد قيل لكم: إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم. وقولوا أيضًا لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب.. فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة؟! فإن كانت الأرض المصرية التزامًا للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم، ولكن رب العالمين رءوف وعادل وحليم.. ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدًا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور وبذلك يصلح حال الأمة كلها.
وسابقًا كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك.
أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجربجية وأعيان البلد قولوا لأمتكم: إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون؛ وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي الباب الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين.
ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ملكه. ومع ذلك إن المماليك امتنعوا من إطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلًا إلا لطمع أنفسهم.
طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم وتعلو مراتبهم. طوبى أيضًا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب.
لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا فلا يجدون بعد ذلك طريقًا إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر‏.‏
المادة الأولى: جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات من المواضع التي يمر بها عسكر الفرنساوية فواجب عليها أن ترسل للسر عسكر من عندها وكلاء...
المادة الثانية: كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار‏.‏
المادة الثالثة: كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي أيضًا تنصب صنجاق السلطان العثماني محبنا دام بقاؤه‏.‏
المادة الرابعة: المشايخ في كل بلد يختمون حالا جميع الأرزاق والبيوت والأملاك التي تتبع المماليك وعليهم الاجتهاد التام لئلا يضيع أدنى شيء منها‏.‏
المادة الخامسة: الواجب على المشايخ والعلماء والقضاة والأئمة أنهم يلازمون وظائفهم. وعلى كل أحد من أهالي البلدان أن يبقى في مسكنه مطمئنًا. وكذلك تكون الصلاة قائمة في الجوامع على العادة. والمصريون بأجمعهم ينبغي أن يشكروا الله سبحانه وتعالى لانقضاء دولة المماليك قائلين بصوت [عالي] أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك، وأصلح حال الأمة المصرية‏.‏
تحريرًا بمعسكر إسكندرية في 13 شهر سيدور سنة 1213، من إقامة الجمهور الفرنساوي، يعني في آخر شهر محرم سنة هجرية".. (أهـ) بحروفه‏.‏

قراءة وتحليل:
عندما قامت الثورة الفرنسية رفعت شعار "الحرية، الإخاء، المساواة" غير أن هذه الكلمات الثلاث أصبحت مبررًا للعملية الاستعمارية للعديد من الدول، ومنها مصر. وكانت الأسطورة الفرنسية تزعم أن الجيش الفرنسي جاء ليعلم الشعب المصري مبادئ الثورة والتنوير، وليحرره من سيطرة المماليك، لذلك كان الفرنسيون يسمون البلاد التي يستعمرونها "البلاد المحررة".
يقول "ماري جوزيف مورايي" أحد الضباط المشاركين في حملة نابليون على مصر في مذكراته: "كان أملنا أن نعيد إليهم الحضارة، وحكم العلوم والآداب، أن نعيد إليهم النماء والخصوبة والسعادة".
ويذهب أحد مؤرخي فرنسا المعاصرين للحملة إلى "أن أحد أسباب قيام الحملة هو أن التقارير التي قدمت للحكومة الفرنسية كانت تؤكد أن الشعب المصري سوف يستقبل الفرنسيين بفرح بالغ".
وعندما جاء نابليون إلى مصر قدم نفسه للمصريين على أنه المحرر من الطغيان والعبودية، وقبل دخوله للقاهرة بأيام وجه نداءً صريحًا للشعب للثورة على المماليك. وعندما سيطر على القاهرة كان أول أعماله أن يعلق بيانًا ليقرأ على الشعب جاء فيه: "إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين... من الآن فصاعدًا لا ييأس أحد من الأهالي في مصر من الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء سيدبرون الأمور، وبذلك ينصلح حال الأمة كلها... طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم... والمصريون بأجمعهم ينبغي أن يشكروا الله لانقضاء دولة المماليك".
كان نابليون يرى أن على المرء أن يبدو صديقًا للناس، وأن يبذل الوعود الكثيرة ولا يفي بوعد منها، وأن يصطنع الدجل ما دام هو السبيل الوحيد للنجاح، لذلك كانت نصيحته للجنرال كليبر أن يروض الدين ولا يقاومه حتى ينام التعصب قبل اقتلاع جذوره؛ ولذا لبس نابليون "العمامة"، واحتفل مع المسلمين بمناسباتهم الدينية، وأشاع أنه دخل الإسلام، وأن القرآن تنبأ بالثورة الفرنسية، وأن "تحرير" فرنسا لمصر قدر مكتوب ولا اعتراض على الأقدار.
وفي مذكرات "فيفان دينون" بعنوان: "رحلة إلى مصر السفلى ومصر العليا" التي نشرت (1217هـ = 1802م) قال الرجل: "كنا نتباهى بأننا أكثر عدلاً من المماليك، وكنا مع ذلك نقترف كل يوم مضطرين (!!) عددًا من المظالم، كانت صعوبة تمييز أعدائنا بناء على الشكل أو اللون تجعلنا نقتل كل يوم فلاحين أبرياء... أما مصير السكان الذين جئنا لإسعادهم فلم يكن أحسن حالاً مما سلف!!".




"حادث 23 مارس".. ملابسات وأحداث (في ذكرى اندلاعها: 9 ربيع الأول 1327هـ)
أحمد تمام

تولى السلطان عبد الحميد الثاني عرش دولة الخلافة العثمانية سنة (1293هـ=1876م) في ظروف بالغة الصعوبة شديدة القسوة تموج بالفتن والمؤامرات، لا تكاد تخرج الدولة من أزمة حتى تدخل فيما هو أشد منها، ولا تتخلص من حرب حتى يفرض عليها أعداؤها حربا أخرى، ولا تنجو من بنود معاهدة مجحفة حتى تُجرّ إلى معاهدة أشد إجحافا.
وتكالب على جسد الدولة المنهك الدول الكبرى الأوربية يقتطعون منه أجزاء غالية، ويمنون أنفسهم بالمزيد؛ فكان من أعز أماني روسيا أن تستولي على إستنبول حاضرة دولة الخلافة، وتضع يدها على مضيقي البوسفور والدردنيل لتخرج سفنها من البحر الأسود إلى المياه الدافئة وفي البحر المتوسط وتعود دون قيد أو شرط.. واحتلت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا أقطارا عربية.
ولولا أصالة الدولة وعراقتها لأصبحت كلأ مباحا لدول أوربا، أو غدت هباء منبثًا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، لكنها ظلت تقاوم عوادي الزمن وحقد أوربا الصليبي أكثر من قرنين من الزمان، حتى آلت الخلافة إلى عبد الحميد الثاني والدولة تعاني من الوهن والإعياء اللذين لم يكن لعبد الحميد بطبيعة الحال يد فيهما.. وكان عليه أن يستنفر كل ما في دولته من مكامن القوة وأسباب الحياة والرغبة في البقاء ما يمكنه من دفع غوائل أوربا، وقيادة دولته بحكمة حتى تشفى وتبرأ من أدوائها، أو ينفخ في روحها أسباب التعلق بالحياة؛ فتنهض من رقدتها وتعود إلى سابق عهدها.
ولاية عبد الحميد الثاني
تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة في (10 من شعبان عام 1293هـ= 31 من أغسطس 1876م) وبدأ في قيادة الدولة التي تحيط بها المشكلات من كل جانب، فالديون المتراكمة على الدولة بلغت 252 مليون ليرة ذهبية، وكان هذا مبلغا هائلا وقتها. وروسيا القيصرية تتربص بدولته الدوائر؛ فأعلنت الحرب عليها وألحقت بها هزيمة هائلة عُدّت من نكبات التاريخ العثماني. والبوسنة والهرسك تموج بها ثورة هائلة تبغي الانفصال عن الدولة، أو على الأقل تُحكم حكما ذاتيا مسيحيا. والصرب والجبل الأسود تحاربان الدولة مؤازرة للثائرين بتحريض من روسيا التي لم تكن أصابعها بعيدة عن إثارة الفتنة وإمداد أعداء الدولة بالسلاح. وإنجلترا تطلب من سفيرها في إستنبول مقابلة السلطان عبد الحميد وتوجيه اللوم إلى الدولة العثمانية واتهامها بإقرار الظلم في بلغاريا، وتعريض المسيحيين بها للذبح، ومطالبتها باسم الملكة فيكتوريا تعويض ثوار بلغاريا، وبناء كنائسهم على نفقة الدولة العثمانية، وتقديم العون لهم عاجلا، وتوقيع عقوبات رادعة على المسئولين العثمانيين ببلغاريا.
ومضى السلطان يواجه بعد ذلك أخطارا جساما وحروبا متلاحقة تشنها أوربا والشعوب المسيحية التي بقيت خاضعة للدولة.
وآزرت هذه الأخطار الخارجية، معارضةٌ داخلية نشطة ومنظمة، في صورة جمعيات سرية وعلنية وعسكرية ومدنية، واتخذت لنفسها برامج سياسية ظاهرها المطالبة بإعادة الدستور، وباطنها الإطاحة بحكم السلطان عبد الحميد.

وعلى الرغم من ذلك فإن السلطان عبد الحميد لم ينشغل بتلك الأخطار عن القيام بتنفيذ برامج إصلاحية شملت مناحي الحياة للنهوض بالدولة من عثرتها؛ فتوسع في نشر التعليم بشتى مراحله، وأنشأ جامعة إستنبول والمدارس العليا ودور المعلمين، وعني بالتعليم العسكري وإنشاء المدارس الحربية، وعمل على إصلاح القضاء بإصدار قوانين تنظم شئونه، وتوسع في مد السكك الحديدية في ولايات الدولة، ووسائل المواصلات الأخرى، واحتضن فكرة الجامعة الإسلامية؛ باعتبارها سياجا يحمي الدولة من أخطار الدول الأوربية.
الاتحاد والترقي
تعرّض السلطان عبد الحميد لهجمة شرسة من قبل خصومه وأعدائه، فألصقوا به كل التهم، التي تشوّه صورته في العالم العربي والإسلامي، ونسبوا إليه كل نقيصة، ولم يتركوا عملا من أعماله إلا وعابوه، وأساءوا تفسيره ولو كان عملا إصلاحيا ظاهرا للعيان، ولم يكن ذلك إلا بسبب رفضه إعطاء اليهود أي جزء من فلسطين، ودعوته إلى إحياء الخلافة وتقويتها وتبنّيه للجامعة الإسلامية، ووقوفه أمام أطماع أوربا.
وكان وراء هذه الحملات المنظمة، الدعاية الصهيونية، والجمعيات العلنية والسرية التي كانت تناهض حكم السلطان عبد الحميد، وتعمل على تقويض حكمه، وتباشر نشاطها من داخل الدولة في أماكن بعيده عن العاصمة، وأحيانا من خارجها في بعض الدول الأوربية، ويقف على رأس تلك الجمعيات المناهضة للسلطان، جمعية الاتحاد والترقي، وهي منظمة سرية ظهرت سنة 1308هـ= 1890م، واستقر بها المطاف في مدينة سالونيك، وضمت أخلاطا شتى من عناصر من جنسيات مختلفة وديانات متعددة، وكان أكثر أعضائها من الأتراك العثمانيين، يليهم اليهود ثم بعض العرب، ومعظم هؤلاء من الضباط العسكريين، ويستهدفون القضاء على حكم السلطان عبد الحميد.
وكانت هذه الجمعية تمارس نشاطها من ثلاث ولايات عثمانية -تكوّن ما يعرف بـ"مقدونيا"- هي: موناستير وقوصوه وسلانيك؛ حيث كان المناخ ملائما، لعملها حيث كانت تخضع لنظام الرقابة الدولية على الشئون المالية وأجهزة الأمن، وتركز نشاطها في الدعوة إلى إصلاح الأحوال العامة في الدولة العثمانية، وإنهاء حكم عبد الحميد الثاني وإعادة الدستور.
وكان هؤلاء الاتحاديون يظنون أنهم بإزالة حكم عبد الحميد يمكنهم التقريب بين عناصر الدولة المختلفة، وتخفيف مضايقات أوربا التي تبغض السلطان عبد الحميد، وأن إعادة الدستور ستعجّل بتحسين العلاقات بين الدولة العثمانية وأوربا.
نجحت الجمعية في حمل السلطان عبد الحميد على إعلان الدستور في 23 من جمادى الأولى 1326هـ = 23 من يوليو 1908م، وأجريت الانتخابات العامة، وتولت الجمعية الحكم –وقد سبق أن أصدر السلطان عبد الحميد الدستور للمرة الأولى في مستهل عهده، ثم لم يلبث أن عطّل العلم به- واستأثرت الجمعية بالنفوذ، وأصبح السلطان عبد الحميد لا حول له ولا قوة.
فلتعش الشريعة المحمدية
ولم يكد يمر تسعة أشهر على صدور الدستور حتى اندلعت ثورة عارمة ومظاهرة كبيرة في العاصمة في 9 من ربيع الأولى 1327هـ = 31 من مارس 1908م تطالب بإلغاء الدستور، وإعلان الشريعة المحمدية، وإسقاط حكومة الاتحاد والترقي، وفض المجلس النيابي.
وقد ضمت هذه المظاهرة التي اشتهرت في التاريخ العثماني بـ"حادث 31 مارس" عناصر من رجال الدين وأئمة المساجد وبعض المتصوفة، وكذلك عناصر عسكرية من جنود الحامية العسكرية المرابطة في إستنبول، وقد وقع هؤلاء الجنود تحت تأثير العناصر الأولى الذين زعموا أن الدستور يخالف الشريعة الإسلامية، وأن الخليفة أصدره مضطرا.
وبلغ الحماس بالمتظاهرين إلى حد أن حاصروا مجلس "المبعوثان" (المجلس النيابي) ومبنى الباب العالي، وقتلوا طائفة من الضباط والجنود، وأطلقوا الأعيرة النارية في شوارع العاصمة، وكانوا يصيحون بأعلى صوتهم: "باشا سون شريعة محمدية" أي فلتعش الشريعة المحمدية، وفي الوقت نفسه أرسلوا وفدا إلى السلطان يطالبونه بتنفيذ رغباتهم، فلقيت مطالبهم استجابة منه، وأمر بتأليف وزارة جديدة لتنفيذ هذه المطالب.
اتهمت حكومة الاتحاد والترقي السلطان بتدبير هذه المظاهرة العارمة، واتخذوا من ذلك ذريعة للتحرك وتحقيق أمانيهم القديمة بخلع السطلان عبد الحميد؛ فتحركت سريعا واحتل جيشها العاصمة، واجتمع مجلس "المبعوثان" مع أعضاء الأعيان، وقرروا خلع السلطان عبد الحميد، وتعيين أخيه "محمد رشاد" سلطانا للدولة باسم محمد الخامس، وكان رجلا مسنًّا في الرابعة والستين من عمره لا يملك من أمره شيئا، وذلك في 6 من ربيع الآخر 1327هـ= 27 من إبريل 1909م.
وندب "المجلسان" وفدا لإبلاغ السلطان بقرار العزل، تكوّن من أربعة أشخاص من بينهم يهودي يسمى "قرصو أفندي" كان يكنّ شديد العداوة للسلطان المخلوع لأنه طرده من قصره حين حاول التأثير عليه لقبول تهجير اليهود إلى فلسطين، فوجد في هذه المناسبة فرصة للتشفي والانتقام؛ ولهذا لم يكن غريبا أن تسهم الحركة الصهيونية بكل أجهزتها الإعلامية والسياسية في حملات التشهير بالسلطان عبد الحميد، الذي كان حَجَر عثرة أمام أهدافهم ومؤامرتهم لتهويد فلسطين.
ومن العجيب أن الذين خلعوا السلطان عبد الحميد تحت دعوى أنه حاكم مستبد كانوا أشد طغيانا واستبدادا وهم يحكمون باسم الدستور، فضلا عن حماقاتهم وجهلهم بأصول الحكم؛ الأمر الذي عجّل بسقوط الدولة.
-----------------------------------------------------------
الحرب العالمية الثانية.. أضواء وأحداث
(في ذكرى اندلاعها: 17 من رجب 1358هـ)
مصطفى عاشور

كانت شرارة الحرب العالمية الثانية النزاع (الألماني – البولندي) حول ممر وميناء دانتزج، إلا أن الأسباب الحقيقية لتلك الحرب كانت أبعد من ذلك؛ إذ يرجع بعضها إلى تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى، والتي أدت إلى تغير في رسم خريطة العالم، وبخاصة أوروبا، فأبرمت معاهدات عقابية أخذت طابع الانتقام ضد ألمانيا، ودفعت بأحد أعضاء الوفد الألماني في مؤتمر الصلح في "فرساي" سنة (1337هـ = 1919م) إلى القول للحلفاء: "سنراكم مرة ثانية بعد عشرين عامًا"، وصدقت نبوءة الرجل؛ فكانت الحرب العالمية الثانية التي طالت أغلب دول العالم، وكانت الأعنف في حروب البشر وصراعاتهم.
ألمانيا بعد صلح فرساي
كان الألمان يأملون في صلح عادل بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، غير أن هذا الصلح كان بمثابة قاصمة للشعب الألماني؛ إذ خسرت ألمانيا 12.5% من مساحتها، و12% من سكانها، وحوالي 15% من إنتاجها الزراعي، و10% من صناعتها، و74% من إنتاجها من خام الحديد، وتقلَّصت مساحة السواحل الألمانية على بحر البلطيق وبحر الشمال، ونصَّ هذا الصلح أيضًا على الحيلولة دون قيام الوحدة بين ألمانيا والنمسا التي تضم أكبر مجموعة من الألمان تعيش خارج ألمانيا، ودخل نحو مليوني ألماني في حدود بولندا، ونحو ثلاثة ونصف مليون ألماني في حدود دولة تشيكوسلوفاكيا التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت هذه الأقليات الألمانية سببًا في عدم الاستقرار، وفرضت على ألمانيا تعويضات قُدِّرت بستة مليارات وستمائة مليون جنيه بخلاف فوائدها.
وحددت معاهدة "فرساي" الجيش الألماني بأن لا يزيد على مائة ألف، وحددت سفن الأسطول الألماني، وحرمته من امتلاك سلاح الجو، مع دفع تعويضات ضخمة للحلفاء. وبالإضافة إلى ذلك تقرر أن تخلي ألمانيا المناطق الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الراين بعرض ثلاثين ميلا من القوات العسكرية، وكانت فرنسا تريد فصل هذه المنطقة عن ألمانيا، وإقامة دولة مستقلة فيها تكون حاجزا بينها وبين ألمانيا التي أُجبرت على التخلي عن مستعمراتها فيما وراء البحار.
وأصبحت ألمانيا بعد هذا كله لا حول لها ولا قوة، أما فرنسا فرأت أن ألمانيا لم تتحطم بعد، فأقدمت عام (1342هـ=1923م) على احتلال إقليم "الروهر" الألماني الغني بالمناجم، وعللت ذلك بأن هذا الأمر سيرغم ألمانيا على دفع التعويضات.
الأزمة الاقتصادية وصعود هتلر
هذه الضربات المتلاحقة للاقتصاد الألماني تسببت في عدم استقرار سياسي، ثم تعمقت هذه الأزمات سنة (1348هـ=1929م) عندما تعرض العالم لأزمة اقتصادية طاحنة بدأت في الولايات المتحدة، وانتقلت منها إلى جميع دول العالم، إلا أن ألمانيا كانت معاناتها أشد؛ إذ توقفت أغلب مصانعها، وزاد عدد العاطلين بها عن ستة ملايين عامل، وانتشرت روح القلق والسخط في نفوس العمال، وخرجت المظاهرات ترفع الأعلام الحمراء (التي كانت تعبر عن الشيوعية)؛ فتطلعت الأنظار إلى حزب العمال الاشتراكي الوطني الذي يرأسه أودلف هتلر، وانضم إليه الجنود القدامى، وكثير من أرباب المهن، وأُعجب هؤلاء بالنازية التي تنادي بتوحيد الألمان في دولة واحدة تتساوى مع الدول الكبرى، وإلغاء معاهدات الصلح المهينة، وإبعاد اليهود والأجانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في ألمانيا، واتخذ هذا الحزب من شارة الصليب المعقوف رمزًا له.
وقد تضاعف عدد النازيين أثناء الأزمة الاقتصادية، فحصل حزب هتلر على المركز الثاني في مقاعد "الرايخستاج" (البرلمان) عام (1349هـ=1930م)، ثم حصل هتلر على أغلب الأصوات (24 مليون صوت) في انتخابات (1350هـ=1932م)، وتولى منصب المستشارية (رئاسة الوزراء) في ألمانيا في (1351هـ= يناير 1933م).
ولم يكد يتسلم مهام منصبه حتى عزم على السيطرة على زمام الحكم في البلاد، فاستصدر أمرًا بحل "الرايخستاج" وإجراء انتخابات جديدة، وبدأ في عملية إرهاب ضد أعدائه ومعارضيه –خاصة الشيوعيين-، ثم أعلن أن الحزب الوطني الاشتراكي النازي هو الحزب القانوني الوحيد في البلاد، ثم تولَّى سنة (1353هـ=1934م) منصب الرئاسة في ألمانيا مع احتفاظه بمنصب المستشارية، وكان ذلك تمهيدا لطريق الحرب العالمية الثانية.
الفاشية

نشأت الفاشية في إيطاليا في ظروف الخطر الشيوعي الذي هددها، وكانت إيطاليا قد انضمت إلى الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى لتحقيق مغانم استعمارية في أفريقيا والشرق الأدنى والساحل الأدرياتيكي، وفقدت في تلك الحرب حوالي (650) ألف جندي، غير أن الحلفاء عاملوها كشريك صغير عند توزيع الغنائم، فلم تفُز في الصلح بغير تسعة آلاف ميل مربع من الأرض في أوروبا، ومليون ونصف في جهات مختلفة، ولم تقنع روما بهذه المكاسب التي أثارت استياء الإيطاليين.
وفي نفس الوقت ساد جو من الاضطراب وعدم الاستقرار في الحكم؛ فتعاقبت الوزارات، وتفشَّت البطالة وتراكمت الديون، وأصبحت غالبية الشعب تميل نحو الشيوعية، عندها تقدم اليمين المتطرف بزعامة "موسوليني" للسيطرة على الحكم، وقاد عملية الزحف على روما في (ربيع أول 1341هـ = أكتوبر 1922م)، واستطاع أن يُسقط الحكومة ويؤلف الوزارة، ومنذ ذلك التاريخ بدأت الفاشية في إيطاليا، وقاد سياسة توسعية خارجية، وطالب بإعادة النظر في مشكلة التعويضات، ومعاهدات الصلح.
ألمانيا الهتلرية
مع تولِّي النازيين بزعامة هتلر للحكم في ألمانيا تعرض ميزان القوى في أوروبا للخطر، وكانت سياسة هتلر الخارجية تهدف في البداية إلى إزالة عار الهزيمة وتبعاتها عن ألمانيا؛ لكي تحتل مكان الصدارة بين الأمم، وتقوم بتصفية حسابها مع من أذلُّوها –خاصة فرنسا-، ويتم توحيد وضم الشعوب الألمانية في دولة واحدة، وكانت خطواته لتحقيق ذلك تحطيم معاهدة فرساي، والقضاء على بنودها، ثم بسط السيطرة الألمانية على أوروبا سواء بالوسائل السلمية أم الحرب.
لذا شرع هتلر في إعادة تسليح ألمانيا، فأعلن في (المحرم 1354هـ=مارس 1935) امتلاك السلاح الجوي، ثم عقد اتفاقًا بحريًا مع بريطانيا في نفس العام، ألغى فيه التحديد الصارم للقوات البحرية الألمانية مقابل اعترافه بتفوق القوات البحرية البريطانية، وتساهلت معه بريطانيا في عدد وحمولات الغواصات التي يمكن لألمانيا امتلاكها، وبذلك استطاع أن يفصل بريطانيا عن الحلف الذي أقامته فرنسا مع الاتحاد السوفيتي، كذلك زاد عدد الجيش الألماني إلى (300) ألف مقاتل بدلاً من (100) ألف، ثم فرض الخدمة العسكرية الإجبارية، وإقامة جيش دائم في السلم يُقدر بنصف مليون جندي.
ثم شرع هتلر في احتلال أراضي الراين في (المحرم 1355=مارس 1936م) رغم أن صلح فرساي ينص على أن تكون منطقة محايدة منزوعة السلاح ضمانًا لأمن فرنسا. وفي نفس الفترة احتلت إيطاليا الحبشة، وبذلك فسدت العلاقة بين إيطاليا والحلفاء، وكانت تلك بداية تكوين تحالف "المحور"، الذي تدعم بمساندة هتلر وموسوليني لثورة فرانكو في الحرب الأهلية الأسبانية بحوالي ثمانين ألف جندي.
بدايات تكوين المحور
جاء تكوين المحور بسبب فساد العلاقات بين إيطاليا وكل من بريطانيا وفرنسا؛ بسبب احتلال إيطاليا للحبشة، بالإضافة إلى عوامل أخرى؛ منها التشابه الأيديولوجي بين النازية والفاشية، وحاجة الدولتين إلى التوسع الخارجي لامتصاص الزيادة السكانية، وجاءت الحرب الأسبانية لتوحد جهودهما، وجاءت كلمة المحور في خطاب لموسوليني في (رمضان 1355هـ= نوفمبر 1936م)، وفي نفس الشهر وقَّعت إيطاليا واليابان وألمانيا معاهدة ضد الشيوعية، ثم تطورت عام (1358هـ=1939م) إلى تحالف سياسي وعسكري كامل عُرف باسم "محور روما-برلين"، ويقضي بتوسع إيطاليا في البحر المتوسط وتوسع ألمانيا في وسط وشرقي أوروبا.
ثم بدأت عملية استقطاب دولي سريع في تلك الفترة بين المعسكرين الكبيرين (المحور والحلفاء)؛ فانضمت اليابان ثم المجر وبلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا وكرواتيا إلى المحور، أما الحلفاء فكان يأتي في مقدمتهم بريطانيا وفرنسا.
الحرب العالمية الثانية
وتطورت الأحداث، فاحتل هتلر النمسا في (المحرم 1357هـ=مارس 1938م) ودمجها في ألمانيا، وهو ما عُرف باسم "الرايخ الثالث"، ثم سيطر على تشيكوسلوفاكيا في العام التالي، وأخذ يتحول إلى ابتلاع بولندا، وفي الوقت نفسه قامت إيطاليا بغزو ألبانيا، ووقَّعت روما وبرلين ميثاقًا عسكريًا يقضي بأنه إذا تورطت إحدى الدولتين في الحرب مع دولة أخرى أو مجموعة من الدول، فإن الدولة الأخرى تسارع إلى مساعدتها كحليفة، وتقدم لها ما يلزمها في البر والبحر، وفي المقابل حدث تقارب (فرنسي – بريطاني) مماثل، وتعهد الإنجليز بضمان استقلال بولندا.
والمعروف أن رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلين لم يقف موقفًا حاسمًا من احتلال هتلر لتشيكوسلوفاكيا، ولم يتقبل دعوة الرئيس السوفيتي ستالين بعقد مؤتمر دولي من الدول الكبرى لضمان حماية أوروبا الوسطى وشرق أوروبا؛ وذلك لأن بريطانيا كانت تخشى من الخطر الشيوعي وسيطرته على أوروبا، وعندما اشتدت الأطماع الألمانية في بولندا، لم تفلح جهود بريطانيا وفرنسا في إقناع بولندا بمرور الجيش السوفيتي في أراضيها، وقال وزير خارجية بولندا: "إننا مع الألمان نفقد استقلالنا، ومع السوفيت نفقد روحنا" وأمام ذلك الأمر وقَّع الاتحاد السوفيتي مع ألمانيا معاهدة عدم اعتداء في (رجب 1358هـ=أغسطس 1939م)، وكان هذا الميثاق بمثابة الضوء الأخضر لألمانيا للهجوم على بولندا.
وفي (17 رجب 1358هـ=1 سبتمبر 1939م) كانت القوات الألمانية تجتاز الحدود البولندية، وتشعل شرارة الحرب العالمية الثانية، وبدا واضحًا أن بريطانيا وفرنسا هما الخاسرتان من الحرب مهما كانت نتائجها، واضطُّرت الدولتان إلى توجيه إنذار نهائي لألمانيا في اليوم الثالث لدخولها بولندا، وبدأت الحرب تستعر، واستطاع الجيش الألماني دخول الدانمارك والنرويج وهولندا وبلجيكا وفرنسا والبلقان، لكنه فشل في احتلال بريطانيا، بعد المعارك الجوية الرهيبة بين الألمان والإنجليز، وفشلت الغواصات الألمانية في قطع طرق مواصلات الإمبراطورية البريطانية فيما وراء البحار، وارتكب هتلر خطأ كبيرًا حين تحول لمهاجمة الاتحاد السوفيتي في (جمادى الآخرة 1360هـ=يونيو 1941م) تاركًا بريطانيا خلف ظهره، وهي القاعدة الإستراتيجية التي يمكن أن توجه منها الهجمات إليه.
وفي تلك الأثناء قام اليابانيون بمهاجمة الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي في ميناء بيرل هاربر، وأغرقوا كثيرًا من قطعه، ثم انطلقوا في جنوب شرقي آسيا، وأصبحوا على مقربة من أستراليا، وحتى أوائل (1361هـ=1942م) كان المحور لا يزال يحقق انتصارات في كل مكان.
أما الغرب والحلفاء فكانوا في أقصى درجات الانهيار، واخترقت القوات الألمانية شمال إفريقيا نحو الشرق الأوسط، في محاولة للاتصال باليابانيين في الهند، لكنها هُزمت في معركة "العلمين" الشهيرة.
وقبل نهاية عام (1362هـ=1942م) كانت الصورة قد تغيرت؛ حيث هُزم الأسطول الياباني في معركة (ميداوي)، ثم هُزم القائد الألماني رومل في العلمين، وبعد بضعة أشهر كانت القوات الألمانية تستسلم في ستالنجراد بالاتحاد السوفيتي مسجلة بذلك نقطة تحول في الحرب الألمانية السوفيتية، وبدأ الحلفاء في غزو ألمانيا؛ حيث عبر الروس في (المحرم 1364هـ=ديسمبر 1944م) الحدود الألمانية لأول مرة، واستمر الحلفاء في التقدم رغم بسالة الألمان في الدفاع عن دولتهم وخسارتهم مئات الآلاف من القتلى، وأصبح قلب ألمانيا مفتوحًا، فتدفق داخله السوفيت والأمريكان، كذلك نجح الحلفاء في دخول روما، ثم أعدم الثوار الإيطاليون "موسوليني" وعلّقوه من قدميه في أحد أعمدة الإنارة في ميلان، أما هتلر فقد انتحر في (28 جمادى الأولى 1365هـ=30 إبريل 1945م)، ووقَّع ممثلو ألمانيا وثيقة الاستسلام بلا قيد أو شرط.
أما اليابان فقد وقّعت وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط في (4 شوال 1365هـ=2 سبتمبر 1945م) بعد إلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما ونجازاكي، وبعدها بثلاثة أيام رُفع العلم الأمريكي فوق طوكيو، وانتهت بذلك رسميًا الحرب العالمية الثانية بعد ست سنوات من القتال الشرس، خسرت فيه البشرية حوالي (17) مليونا من العسكريين وأضعاف هذا العدد من المدنيين.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم ( 22 صفر )
حدث في مثل هذا اليوم 11 إبريل
فى ذكرى يوم مولدى
حدث فى يوم 8 ربيع أول
حدث في مثل هذا اليوم 4 إبريل
07-04-2006, 10:41 AM
موسى بن الغسان
 
حدث فى مثل هذا اليوم 7 ربيع أول

حدث فى مثل هذا اليوم
7 ربيع أول

· 7 من ربيع الأول 543هـ= 1 أغسطس 1148م
فشل الحملة الصليبية الثانية في الاستيلاء على دمشق بعد صمود المسلمين والدفاع عن مدينتهم.

· 7 ربيع الأول 1361 هـ = 14 مارس 1943 م
اليهود في الجزائر يستعيدون امتيازاتهم في البلاد بعد إقصاء عن الحياة الاقتصادية دام ثلاث سنوات.

· 7 من ربيع الأول 1425 هـ = 26 من إبريل 2004 م
وفاة الدكتور محمد بلتاجي حسن، أحد أعلام الحركة الفقهية بمصر عن عمر يناهز 66 عاما، شغل عدة مناصب أكاديمية، منها رئاسة قسم الشريعة وعمادة كلية دار العلوم، وعضوية مجمع البحوث الإسلامية ومجمع اللغة العربية، وله عدة مؤلفات منها "أحكام الأسرة"، و"مكانة المرأة في
القرآن والسنة".
تفاصيل المتن
الحملة الصليبية الثانية.. نقطة التحول
(في ذكرى فشلها في دخول دمشق: 7 ربيع الأول 543هـ)
سمير حلبي
كان لسقوط إمارة "الرها" في أيدي المسلمين دوي شديد لدى الصليبيين الذين أصيبوا بصدمة عنيفة نتيجة سقوط تلك المدينة التي كانت تتمتع بمكانة دينية خاصة في تاريخ المسيحية، بالإضافة إلى أنها كانت أول إمارة صليبية أسسها الصليبيون في الشرق، فجاء سقوطها إيذانًا ببداية انهيار الكيان الصليبي كله، وتداعي الحكم الصليبي بتكوين إمبراطورية صليبية كبرى في الشرق.
ومن ثم فقد تضافرت الجهود في (أوروبا) من أجل مساندة الوجود الصليبي في الشرق، ودعمه ومساعدته على الصمود والبقاء وعدم الانهيار.
وأسفرت تلك الجهود عن تبني فكرة "الحملة الصليبية الثانية" التي نبتت في بلاط "لويس السابع" ملك فرنسا سنة [540 = 1145م] ـ والذي كان معروفًا بتعصبه الشديد للمسيحية، وأقرها مجمع "فزلاي" (Vezely) في [ شوال 540 هـ= مارس 1146م]، ثم استجاب لها الإمبراطور "كونراد الثالث"، إمبراطور ألمانيا في [ رجب 541 هـ= ديسمبر 1146م].
وقد تألفت تلك الحملة من جيشين كبيرين على رأس أحدهما "لويس السابع" ملك "فرنسا"، ويقود الآخر "كونراد الثالث" إمبراطور "ألمانيا"، وقد عرض عليهما "روجر الثاني" ملك "صقلية" أن يقدم لهما المساعدة للوصول إلى الشرق عن طريق البحر، ولكنهما رفضا هذا العرض بسبب العداء بين "النورمان" في "صقلية" من ناحية، و"فرنسا" و"ألمانيا" من جهة أخرى؛ ولذلك فقد تقرر أن تسير الحملة برا إلى بلاد الشام، وتم الاتفاق على أن يسبق "كونراد" وجيشه إلى الشرق، ثم يلحق بهم "لويس" والفرنسيون إلى "القسطنطينية حتى لا يؤدي مسير الجيشين معًا إلى صعوبة في التموين.
ووصل جيش الصليبيين بقيادة "كونراد الثالث" إلى حدود "الدولة البيزنطية" في صيف [542هـ=1147م]، فأعلن الإمبراطور البيزنطي، مانويل كومنين عن استعداده للسماح للصليبيين بالمرور من أراضيه، وإمدادهم بالمؤن؛ بشرط أن يتعهدوا بالولاء له، وتسليمه كل ما يستولون عليه من البلاد في آسيا، وهو ما لم يقبله القائد الصليبي، وساءت العلاقات بين الصليبيين والبيزنطيين، فأسرع الإمبراطور البيزنطي إلى عقد الصلح مع السلطان "مسعود" سلطان السلاجقة.
هزيمة "كونراد الثالث" أمام السلاجقة
وعبّر كونراد الثالث خليج البوسفور إلى آسيا الصغرى على رأس قواته، وزحف بهم نحو الشرق، وبدلاً من أن يسلك طريق الشاطئ الجنوبي لآسيا الصغرى محتميا بالقلاع والمدن البيزنطية المنتشرة على الشاطئ، اختار "كونراد" أن يخترق أراضي السلاجقة.
وما لبث أن حدث نزاع بين الألمان ودليلهم البيزنطي، فتخلّى عنهم الدليل وتركهم في الطريق معرضين لأشد الأخطار؛ إذ سرعان ما أحس بهم السلاجقة، فانقضّوا عليهم وقتلوا عددًا كبيرًا منهم، وأسروا آخرين، وهو ما اضطر كونراد إلى التراجع بمن بقي من فلول جيشه المُمزَّق، حتى وصل إلى "نيقية" بعد أن كبده السلاجقة خسائر فادحة.
لويس السابع يقود الحملة
وفي تلك الأثناء كان "لويس السابع" ـ ملك فرنسا ـ قد وصل إلى أسوار "القسطنطينية" حينما بلغه نبأ الصلح الذي عقده الإمبراطور البيزنطي مع سلطان السلاجقة، وعرض عليه "مانويل" إمداده بالتموين اللازم للحملة على أن يقسم له جميع الفرنسيين المشتركين في الحملة يمين الولاء والتبعية عما يفتحونه من أراض آسيوية، فأذعن "لويس" مضطرًا.
وسار لويس بجنوده حتى وصل نيقية؛ حيث فوجئ بفلول كونراد الثالث، واختار لويس أن يسلك الطريق الجنوبي المحاذي لساحل البحر المتوسط، ليجنِّب جنوده المصير الذي تعرّض له الجنود الألمان.
وسار معه "كونراد" وجنوده، إلا أنه أحس بحرج موقفه بعد أن فقد معظم جيشه أمام السلاجقة، فآثر العودة مع جنوده إلى القسطنطينية، وما لبث أن اتجه وجنوده إلى فلسطين على بعض السفن البيزنطية.
واستمر "لويس" في تقدمه حتى وصل إلى "أنطاليا" ـ إحدى المدن البيزنطية الحصينة على الشاطئ الجنوبي لآسيا الصغرى ـ وأراد لويس العبور إلى الشام بحرًا؛ تجنبًا للتعرض لحظر السلاجقة إذا ما سلك طريق البر، ولكن البيزنطيين امتنعوا عن تقديم السفن اللازمة لهم، وهو ما اضطر "لويس السابع" إلى نقل جنوده على دفعات إلى (الشام) بالسفن القليلة المتاحة.
وصل "لويس السابع" إلى"إنطاكية" حيث استُقبل استقبالاً عظيمًا من الأمراء الصليبيين في "الشام"، وبالرغم من ذلك بدأت بوادر الشقاق تلوح بين هؤلاء الأمراء، حتى فقدت تلك الحملة الهدف الأساسي الذي جاءت من أجله، وسعى كل واحد منهم إلى توجيه الحملة لخدمة مصالحه الخاصة وأهوائه الشخصية.
أراد "ريموند دي بواتيه" أمير "إنطاقية" وعم الملكة (إليانور) زوجة لويس السابع ـ أن تتوجه الحملة للقضاء على قوة نور الدين في حلب، بينما أراد "ريموند" أمير "طرابلس" استرداد قلعة "بعرين" من المسلمين. أما جوسلين الثاني" أمير "الرها" فقد أراد استرداد إمارته التي استولى عليها "نور الدين"، لاعتقاده أن سقوط "الرها" إنما كان هو المحرك الأول لتلك الحملة. وأراد لويس ورجاله الاتجاه إلى بيت المقدس، وقد برر ذلك بأنه إنما قبل أن يحمل الصليب، ويأتي إلى الأراضي المقدسة للحج وزيارة بيت المقدس والدفاع عن تلك المدينة لا لغزو حلب!!.
الصليبيون على أبواب دمشق
وعندما وصل "لويس السابع" إلى "بيت المقدس" استقبل استقبالا حافلاً، وتم عقد مجلس صليبي كبير، ضم "لويس السابع" و"كونراد الثالث" ـ الذي سبقه إلى "بيت المقدس" ـ والملك "بلدوين الثالث"، وأمراء مملكة "بيت المقدس"، وعددا كبيرا من كبار رجال الدين والأمراء الصليبيين.
وقد أسفر هذا الاجتماع عن قرار بعيد كل البعد عن الغرض الذي خرجت من أجله الحملة الصليبية الثانية، فقد اتفق الجميع على مهاجمة "معين الدين أُنر" حاكم "دمشق" الفعلي، والحليف الوحيد للصليبيين بين أمراء المسلمين بالشام.
وتجمعت الجيوش الصليبية لمهاجمة "دمشق"، وسرعان ما زحف الصليبيون إلى دمشق [ ربيع الأول 542 هـ= يونيو 1148 م] فحاصروها، وبدءوا يهاجمون من الجهة الغربية، ولكن المسلمين تصدوا لهم محتمين بالأشجار الكثيفة في هذا الجانب، فسحب الصليبيون جيوشهم إلى الجهة الشرقية الخالية من الأشجار، ولكن ذلك جعلهم بعيدين عن مياه الشرب مما عرضهم لمتاعب كثيرة، خاصة وأن الوقت كان صيفًا والحرارة قاسية.

وتصدى لهم أهل "دمشق" وصبروا لهم، واشترك معهم الزهاد والفقهاء في القتال، وكان فيمن خرج للقتال الفقيه حجة الدين يوسف بن دي ناس الفندلاوي المغربي، وكان شيخًا كبيرًا، فقيها عالمًا، فلما رآه "معين الدين" وهو راجل، قصده وسلم عليه، وقال له: يا شيخ، أنت معذور لكبر سنك، ونحن نقوم بالذب عن المسلمين، وسأله أن يعود، فلم يفعل، وقال له:"قد بعت واشتُرى مني".
وبدأت قوات "معين الدين أنر" تتزايد وتدفقت النجدات إلى "دمشق" من الأبواب الشمالية، وهو ما جعل الصليبيين يتحولون من الهجوم إلى الدفاع.
وازداد موقف الصليبيين سوءًا بعد أن بدأ الشقاق يدب بينهم حول تبعية "دمشق" ومصيرها، وأحقية كل فريق منهم في ضمها إليه في حالة سقوطها والاستيلاء عليها.
فشل الحملة وانسحاب الصليبيين
وفي ذلك الوقت علم "أُنر" بخروج الأميرين الزنكيين "سيف الدين غازي" أتابك "الموصل" و"نور الدين محمود" أتابك "حلب" لنجدته، فأرسل إلى الصليبيين يهددهم وينذرهم بالخطر الذي سيحيق بهم إذا لم يتركوا "دمشق"، ويعرض عليهم ـ في الوقت نفسه ـ إعطاءهم حصن "بانياس" مقابل الجلاء عن "دمشق".
ولم يكن أمام الصليبيين خيار أمام هذا العرض المغري الذي يضمن لهم السلامة بعد أن أحاط بهم الهلاك والردى في كل مكان.
ورجع الصليبيون ـ بعد أربعة أيام من حصار "دمشق" يجرون أذيال الهزيمة والفشل، بعد أن عجزوا عن تحقيق أي هدف من وراء تلك الحملة التي حشدت لها أوروبا رجالها وإمكاناتها، فلم تجنِ من ورائها إلا المزيد من الهزائم والمزيد من القتلى والدماء، وضاعت هيبة الصليبيين في "الشام"، وانحطت مكانتهم وضعف سلطانهم.
وكان فشل هذه الحملة هو نقطة التحول نحو انهزام الصليبيين وزوال وجودهم من العالم الإسلامي، وأصبح المسلمون على قدر كبير من الثقة بأنفسهم خاصة بعد الانتصارات التي حققها "عماد الدين زنكي"، ومن بعده "نور الدين" على الصليبيين، وارتفاع راية الجهاد ضد الصليبيين، مما أوجد نوعًا من الوحدة والتآزر بين المسلمين، وجمعهم لواء الدين ورابطة الإسلام التي تتضاءل أمامها كل العصبيات والقوميات.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم 1 إبريل
حدث في مثل هذا اليوم ( 22 صفر )
حدث في مثل هذا اليوم 5 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
حدث في مثل هذا اليوم : 25 إبريل
07-04-2006, 11:05 AM
موسى بن الغسان
 
حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

حدث فى مثل هذا اليوم
6 ربيع أول
§ 6 من ربيع الأول 604 هـ= 30 من ديسمبر 1207م
مولد الشاعر الفارسي الكبير جلال الدين الرومي، صاحب الديوان المعروف باسم "المثنوي"، وهو أحد أقطاب الصوفية…

§ 6 من ربيع الأول 690 هـ= 9 من مارس 1291 م
وفاة أرغون خان، رابع ملوك إيران الإيلخانيين، خلفاء زعيم المغول هولاكو…تفاصيل ç

§ 6 من ربيع الأول 923 هـ= 19 سبتمبر 1517م
تشكيل الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي حكومة مؤقتة برئاسة "فرحات عباس"، وقد اعترف بها في بادئ الأمر إحدى عشرة دولة إسلامية.

§ 6 من ربيع الأول 1072هـ= 30 من أكتوبر 1661م
وفاة كوبرلو محمد علي باشا أشهر رؤساء وزارات الدولة العثمانية في أدرنة عن عمر يناهز 83 عاما، وبعد فترة صدارة استمرت 5 سنوات وخلفه في الوزارة ابنه كوبرلو زاده فاضل أحمد باشا.

§ 8 من ربيع الأول 1089 هـ= 30 من إبريل 1678م
السلطان العثماني محمد الرابع يبدأ حملته السلطانية الأولى على روسيا، وكانت تلك الحملة الأولى لسلطان عثماني على روسيا، حيث كان يقوم بهذه المهمة في السابق خان القرم.

§ 6 من ربيع الأول 1256 هـ= 7 مايو 1840م
مولد الموسيقار الروسي "إليتش تشايكوفسكي" أشهر الموسيقيين الكلاسيكيين، وتوفي في 6-11-1893 مصابا بوباء الكوليرا، وقد منحته جامعة كيمبردج البريطانية درجة الدكتوراة الفخرية خلال زيارته لبريطانيا.

§ 6 من ربيع الأول 1339 هـ= 18 من نوفمبر 1920م
الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل تهب ثروتها البالغة مليوني ليرة ذهبية إلى جامعة إستانبول، عند وفاتها عن عمر يناهز 67 عاما. تفاصيل ç

§ 6 من ربيع الأول 1360 هـ= 2 إبريل 1941م
"رشيد الكيلاني" يقوم بحركة انقلابية في العراق، ينهي خلالها النظام الملكي، ويتلقى مساعدات ألمانية لإقامة جمهورية عراقية، لكن الإنجليز الذين كانوا يحتلون العراق يتدخلون عسكريا ضد حركته ويتمكنون من إسقاط حكومته ودخول بغداد في 30/5/1941م.

§ 6 من ربيع الأول 1369 هـ= 27 من ديسمبر 1949م
إعلان استقلال إندونيسيا من الاحتلال الهولندي بعد اشتداد الحركة الوطنية هناك وسيطرة الوطنيين على جاوة وسومطرة وغيرهما الأمر الذي أدى إلى اعتراف الهولنديين بالجمهورية الإندونيسية وفق اتفاقية شريبون التي عقــدت سنة 1947م.

§ 6 ربيع الأول 1374 هـ= 1 سبتمبر 1954 م
اشتعال الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي للبلاد…تفاصيل ç

§ 6 ربيع الأول 1378 هـ= 19 سبتمبر 1958 م
تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة في المنفى برئاسة فرحات عباس، وذلك أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر.

§ 6 من ربيع الأول 1400 هـ= 26 من يناير 1980م
مصر وإسرائيل تبدآن في إقامة علاقات دبلوماسية بينهما، وإنهاء المقاطعة الاقتصادية بينهما، وإلغاء القيود على حرية حركة الأفراد والبضائع بين البلدين، تنفيذا لمعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية التي تم التوقيع عليها في 26 من مارس 1979م.

§ 6 من ربيع الأول 1411 هـ= 6 من أكتوبر 1990م
وفاة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم إمارة دبي، ونائب رئيس دولة الإمارات العربية لمتحدة.

§ 6 من ربيع الأول 1426هـ= 15 من إبريل 2005م
إعلان محمد السادس عاهل المغرب عفوا عن أكثر من 7 آلاف سجين بمناسبة ختان ابنه، وتم ختان 30 ألف طفل في مختلف أجزاء المملكة في هذه ‏المناسبة. الموقف دفع المغاربة للتندر قائلين: "ختان أبناء الملوك للمساجين فوائد"!.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم : 28 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم غرة ربيع الآخر
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
جريمة التعذيب في جوانتانامو وأبي غريب جريمة إدارة ودولة وحضارة ! !
07-04-2006, 11:06 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

( التفاصيل )







جلال الدين الرومي.. بين الشعر والتصوف
(في ذكرى وفاته: 5 جمادى الآخرة 672هـ)
سمير حلبي
من بين فحول شعراء الصوفية في الإسلام برز اسم الشاعر الفارسي الكبير "جلال الدين الرومي" كواحد من أعلام التصوف، وأحد أعلام الشعر الصوفي في الأدب الفارسي.
ميلاده ونشأته
وُلد "جلال الدين محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن قاسم بن مسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" بفارس في (6 من ربيع الأول 604هـ = 30 من سبتمبر 1207م) لأسرة قيل: إن نسبها ينتهي إلى "أبي بكر"، وتحظى بمصاهرة البيت الحاكم في "خوارزم"، وأمه كانت ابنة "خوارزم شاه علاء الدين محمد".
وما كاد يبلغ الثالثة من عمره حتى انتقل مع أبيه إلى "بغداد" سنة [607هـ = 1210م] على إثر خلاف بين أبيه والوالي "محمد قطب الدين خوارزم شاه". وفي بغداد نزل أبوه في المدرسة المستنصرية، ولكنه لم يستقر بها طويلاً؛ إذ قام برحلة واسعة زار خلالها "دمشق" و"مكة" و"ملسطية" و"أرزبخان" و" لارند"، ثم استقر آخر الأمر في "قونية" في عام [632هـ = 1226م] حيث وجد الحماية والرعاية في كنف الأمير السلجوقي "علاء الدين قبقباذ"، واختير للتدريس في أربع مدارس بـ"قونية" حتى توفي سنة [628هـ = 1231م]، فخلفه ابنه "جلال الدين" في التدريس بتلك المدارس.
جلال الدين في عالم التصوف
وقد عُرف "جلال الدين" بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، إلا أنه لم يستمر كثيرًا في التدريس؛ فقد كان للقائه بالصوفي المعروف "شمس الدين تبريزي" أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية؛ فمنذ أن التقى به حينما وفد على "قونية" في إحدى جولاته، تعلق به "جلال الدين"، وأصبح له سلطان عظيم عليه ومكانة خاصة لديه.
وانصرف "جلال الدين" بعد هذا اللقاء عن التدريس، وانقطع للتصوف ونظْمِ الأشعار وإنشادها، وأنشأ طريقة صوفية عُرفت باسم "المولوية" نسبة إلى "مولانا جلال الدين".
اهتم "جلال الدين الرومي" بالرياضة وسماع الموسيقى، وجعل للموسيقى مكانة خاصة في محافل تلك الطريقة، مخالفًا في ذلك ما جرى عليه الإسلام، وما درجت عليه الطرق الصوفية ومدارس التصوف.
.. شاعرًا
اتسم شعر "جلال الدين الرومي" بالنزعة الصوفية الخالصة؛ فقد كان شعره أدبًا صوفيًّا كاملا، له كل المقومات الأدبية، وليس مجرد تدفق شعوري قوي، أو فوران عاطفي جياش يعبر به عن نفسه في بضعة أبيات كغيره من الشعراء، وإنما كان شعره يتميز بتنوع الأخيلة وأصالتها، ويتجلى فيه عمق الشعور ورصانة الأفكار، مع سعة العلم وجلال التصوير وروعة البيان.
ويُعد "جلال الدين" شاعرًا من الطبقة الأولى؛ فهو قوي البيان، فياض الخيال، بارع التصوير، يوضح المعنى الواحد في صور مختلفة، له قدرة على توليد المعاني واسترسال الأفكار، ويتسم بالبراعة في انتقاء الألفاظ واختيار بحور الشعر، وتسخير اللغة والتحكم في الألفاظ.
وتصل قمة الشاعرية عند "جلال الدين الرومي" في رائعته الخالدة "المثنوي"، وقد نظمها لتكون بيانًا وشرحًا لمعاني القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة المطهرة؛ ليكون ذلك هدفًا إلى تربية الشخصية الإسلامية وبنائها، وزادًا له في صراعه مع قوى الشر والجبروت، وعونًا له على مقاومة شهوات النفس والتحكم في أهوائها، وتكشف "المثنوي" عن ثقافة "جلال الدين الرومي" الواسعة، والتعبير عن أفكاره بروح إنسانية سامية، تتضاءل إلى جوارها بعض الأعمال التي توصف بأنها من روائع الأعمال الأدبية.
وقد استخدم "جلال الدين" في "المثنوي" فن الحكاية بإتقان بارع، وهي في حركتها وتطورها وحوارات أشخاصها لا تقل روعة عن بعض القصص المعاصر، وتتميز الشخوص بأنها ثرية متنوعة في تساميها وعجزها ونفاقها وريائها، وحيرتها بين الأرض وما يربطها بها، وبين السماء وما يشدها إليها، كل ذلك في تدفق وانسياب غامر، وعرض شائق، وأسلوب جذاب أخَّاذ ولغة متميزة.
أهم آثاره

مثنوي
ترك جلال الدين الرومي عددًا من المصنفات الشهيرة منها:
· المثنوي: وقد نظمه في ستة مجلدات ضخمة تشتمل على (25649) بيتًا من الشعر، وقد تُرجم إلى العربية، وطُبع عدة مرات، كما تُرجم إلى التركية وكثير من اللغات الغربية، وعليه شروح كثيرة، وهو كتاب ذو مكانة خاصة عند الصوفية.
· ديوان "شمس تبريز":، ويشتمل على غزليات صوفية، وقد نظمه نظمًا التزم فيه ببحور العروض، وهو يحوي (36023) بيتًا بالإضافة إلى (1760) رباعية، ويشتمل أيضا على أشعار رومية وتركية، وهو ما يدل على أنه كان متعدد الثقافة، وأنه كان على صلة بعناصر غير إسلامية من سكان "قونية".
· "فيه ما فيه":، وهو عبارة عن حشد لمجموعة ذكرياته على مجالس إخوانه في الطريقة، كما يشتمل على قصص ومواعظ وأمثال وطرائف وأخبار، وهو يخاطب عامة المثقفين على عكس كتابه الأول الذي يخاطب خاصة الصوفية.
· "المجالس السبعة":، وهو يشتمل على سبع مواعظ دينية وخطب ألقاها أثناء اشتغاله بالتدريس.
وذلك بالإضافة إلى مجموعة رسائله، وفيها تلك الرسائل التي وجهها إلى شيخه "شمس الدين تبريزي"، وهي تصور تلك العلاقة الروحية السامية التي ربطت بين الشيخ "شمس الدين" وبين مريده "جلال الدين"، تلك الرابطة الوثيقة من الحب المتسامي الرفيع.
توفي "جلال الدين الرومي" في (5 من جمادى الآخرة 672 هـ = 17 من ديسمبر 1273م) عن عمر بلغ نحو سبعين عامًا، ودُفن في ضريحه المعروف في "قونية" في تلك التكية التي أنشأها لتكون بيتًا للصوفية، والتي تُعد من أجلِّ العمائر الإسلامية وأكثرها روعة وبهاء بنقوشها البديعة وزخارفها المتقنة، وثرياتها الثمينة، وطُرُزها الأنيقة.
وقد ظهر على الضريح بيت من الشعر يخاطب به "جلال الدين" زواره قائلا:
"بعد أزوفات تربت مادر زميني مجوى
درسينهاي مردم عارف مزارماست"
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
حدث في مثل هذا اليوم ( 22 صفر )
حدث في مثل هذا اليوم 11 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم غرة المحرم
حدث فى مثل هذا اليوم : 14 ابريل
07-04-2006, 11:07 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

أرغون".. والتحالف ضد المسلمين
(في ذكرى وفاته: 6 من ربيع الأول 690هـ)
سمير حلبي
يعد أرغون بن آباقاخان واحدًا من أكثر سلاطين الإيلخانيين عداء للإسلام وحقدًا على المسلمين، ومن أشدهم جبروتًا وظلمًا وسفكًا لدماء المسلمين.
والإيلخانيون أسرة مغولية حكمت إيران زهاء قرن من الزمان، وامتد حكمهم من نحو عام (654هـ = 1256م) إلى عام (756هـ= 1355م).
ومؤسس هذه الأسرة هو "هولاكو خان بن تولوي بن جنيكيز خان"، وقد استطاع هولاكو توحيد صفوف المغول تحت رايته واجتاح العالم الإسلامي، مرتكبًا العديد من المذابح والفظائع التي تقشعر لها الأبدان حتى سقطت بغداد في أيدي المغول سنة (656 هـ= 1258م).
قطز يقضي على صلف هولاكو
تمكن هولاكو من الاستيلاء على معظم أقاليم العالم الإسلامي، فاستطاع الاستيلاء على الجزيرة والشام ودمشق وحلب وديار بكر وربيع، ولم يبق أمامه سوى مصر التي كان يحكمها المماليك. فأرسل هولاكو برسالة إلى السلطان قطز سلطان المماليك، تمتلئ بالوعيد والتهديد، وتقطر بالصلف والغرور، وتحمل معاني المهانة والتحقير، يدعوه فيها إلى المبادرة بالاستسلام، والإسراع بتقديم فروض الطاعة والولاء لسلطان المغول، وإعلان الخضوع.
ولم يكن أمام قطز إزاء كل هذا الصلف والغرور إلا أن يرد بحسم وقوة على وعيد هولاكو وتهديده، ويمحو تلك الإهانة التي وجهها إلى سلطان المسلمين، فأمر بقتل رسل هولاكو والخرج بجيشه للتصدي لصلف المغول، فالتقى بهم في يوم (25 من رمضان 658 هـ= 24 من أغسطس 1260م) في عين جالوت؛ حيث ألحق بهم هزيمة منكرة، ودفعهم إلى الفرار في تلك الموقعة.
وفي عام (663 هـ= 1265م) تُوفي هولاكو خان، عن عمر بلغ ثمانية وأربعين عامًا، تاركًا لأبنائه وأحفاده تلك الإمبراطورية الشاسعة التي امتدت من الهند شرقًا إلى شواطئ البحر المتوسط غربا، وضمت إيران، والعراق وسوريا وآسيا الصغرى.
وتعاقب على عرش الإيلخانيين في إيران عدد من أبناء هولاكو خان وأحفاده، الذين شاركوا في الحفاظ على تلك الإمبراطورية، وعملوا على زيادتها واتساعها ومنهم آباقا خان، -أو أبغا كما تسميه المصادر العربية-، وهو أكبر أبناء هولاكو وأول خلفائه على مملكته العريقة.
وبالرغم من أن آباقا خان كان بوذيًا فإنه كان شديد العطف على المسيحيين، وقد ارتبط بملوك أوروبا المسيحية وباباواتها، وعقد معهم عددًا من المعاهدات كما تحالف معهم ضد الدول الإسلامية في مصر والشام وآسيا الصغرى، وسعى إلى القضاء على سلطان المماليك ودولتهم في مصر والشام، وارتكب عددًا من المذابح ضد المسلمين، حتى إنه قتل من المسلمين العزل في آسيا الوسطى ما يزيد على مائتي ألف مسلم؛ انتقامًا منه لهزيمة جيوشه فيها على يد جنود بيبرس.
تكودار أول حاكم إيلخاني مسلم
وتُوفي آباقا خان سنة (680 هـ = 1281م)، وخلفه أخوه "أحمد تكودار"، وكان تكودار قد اعتنق المسيحية في صغره، وسُمي "نيقولا"، ولكنه أسلم بعد ذلك وسمى نفسه أحمد تكودار؛ فكان أول حاكم إيلخاني يعتنق الإسلام.
وقد حاول تكودار أن يحمل المغول اعتناق الإسلام، ونجح في إقناع عدد كبير منهم، كما سعى إلى تحسين العلاقات بينه وبين المماليك، وإنهاء حالة الحرب والصراع بين المغول والمسلمين.
وقد شجّع هذا ابن أخيه الأمير أرغون بن أباقا خان إلى الثورة عليه بمساعدة كبار أمراء المغول وقادتهم، وانتهى الأمر بمقتل تكودار في (17 من ربيع الآخر 683هـ = 4 من يوليو 1284م). وأصبح الطريق إلى العرش ممهدًا أمام أرغون، الذي كان يعتبر ذلك حقه منذ وفاة أبيه آباقا خان.
اعتلاء أرغون العرش
وكان أرغون دمويًا يكره المسلمين؛ فسعى منذ اليوم الأول إلى إقصائهم عن جميع الوظائف والمناصب المهمة في الدولة، وعندما شعر "شمس الدين الجويني" صاحب الديوان ببوادر الغدر من أرغون بعد توليه الحكم فر من خراسان إلى أصفهان؛ خوفًا من بطشه، ولكنه خشي على أسرته من جبروت أرغون وتنكيله بهم؛ فقرر العودة إلى أصفهان، والتوسل إلى أرغون للعفو عنه وعن أقاربه، مستشفعًا بطول خدمته هو وأقاربه للإيلخانيين لنحو ثلاثين سنة.
ولكن خصومه اتهموه بخيانة السلطان السابق ودس السم له، فعقدوا له محاكمة صورية، وتقرر أن يفتدي شمس الدين نفسه بالمال، فطلب مهلة لتدبير المال، فباع أملاكه، واقترض من أصدقائه وقومه، حتى تمكن من جمع ما يقرب من أربعين تومانًا (أربعمائة ألف من الذهب)، وبالرغم من ذلك فقد صدر الحكم بإعدامه هو وأبنائه الأربعة وحفيده، وعدد من أفراد أسرته، وتم تنفيذ الحكم في (4 من شعبان 683هـ = 17 من أكتوبر 1248م)، كما تم إعدام أبنائه الأربعة، وصودرت جميع أمواله وممتلكاته.
التحالف ضد المسلمين
وسار أرغون على نهج أبيه وجده من التحالف مع المسيحيين، والسعي الدائب إلى القضاء على المماليك، وتقويض سلطانهم، والاستيلاء على أملاكهم، ومن ثم فقد حرص على إرسال السفراء والبعوث والرسائل إلى ملوك أوروبا وباباواتها، كما سعى إلى التحالف مع حكام دول أوروبا المسيحية، وإثارتهم لحرب المماليك، وفي سبيل ذلك أرسل السفارات والوفود والرسل إليهم يحملون رسائله لتشجيعهم على التعاون، وحثهم على حرب المماليك.
فأرسل رسالة إلى البابا "هونوريوس الرابع" سنة (684هـ = 1285م) قال فيها:
"أنفذنا إليك رسلنا لتلتمس من قداستكم إرسال جيش إلى مصر، فإذا قدمتم من جهة وجئنا من الجهة الأخرى، استطعنا بفضل عساكرنا الأصحاء الأشداء أن نستولي على هذه البلاد، ولتخطرنا عن طريق رسول صادق أمين كيف يجري تحقيق هذا الموضوع، وسوف نطرد بذلك المسلمين بفضل ما يبذله من مساعدة كل من البابا والخان الكبير، ولكنه لم يتلق ردًا منه.
ثم أرسل رابان صوما Rabban Sawma (أي الحبر الصائم)، وكان أحد كبار رجال الكنيسة في آسيا سفيرًا إلى فيليب لوبل ملك فرنسا، وإداوارد الأول ملك إنلجترا سنة (686، 687هـ = 1287، 1288م)، فعرض عليهما التحالف معه، وتكوين حلف (أوروبي مغولي) للقضاء على نفوذ المماليك في آسيا الصغرى والعراق والشام.
وقد لقيت تلك الأفكار والمقترحات استجابة كبيرة لدى كل من الملكين، إلا أنها لم تخرج إلى حيز التنفيذ.
تقريب المسيحيين واليهود
وكان أرغون شديد الاهتمام بالعمران وإقامة الأبنية؛ فأنشأ قصرين كبيرين في الجانب الغربي من "تبريز"، كما شيّد مدينة "بين القصرين"، واهتم ببناء العمائر ذات النقوش الجميلة والسقوف المقرنسة والشرفات المقوسة، وسميت تلك المدينة بـ"الأرغونية"، كذلك عُني بترميم الكنائس التي تهدمت في عصر السلطان أحمد تكودار.
وراح أرغون يُقرب المسيحيين واليهود، فعهد بالوزارة إلى طبيب يهودي يُدعى "سعد الدولة" كان قد نجح في علاجه من علة شديدة أصابته، ومنذ ذلك الحين قرّبه أرغون وجعله من خاصته حتى إذا ما آلت إليه أمور السلطنة كافأه بمنصب الوزارة، وجعله كبير مستشاريه.
سعد الدولة ومؤامراته
اشتهر "سعد الدولة" بالذكاء والمكر، وتميز بالمرونة وطلاقة الحديث باللغتين التركية والمغولية، كما كان على دراية تامة بكل ما يجري في بلاط الإيلخانيين، وساعده على ذلك أنه كان طبيبًا؛ مما مكنه من الاتصال بكل الأطراف ذات النفوذ في البلاط، والتردد على جميع ذوي المكانة والسلطان في الدولة.
واستطاع سعد الدولة بدهائه أن يوطد لنفسه، ويكتسب ولاء الرعية وحبها له، ويستميل قلوب الناس إليه، من خلال قيامه بعدة إجراءات إصلاحية؛ فقد منع السادة الإقطاعيين من نهب أموال الناس وابتزازهم، وعمل على تخفيف وطأة الضرائب والالتزامات عن كاهل الشعب.
وأراد أن يجعل لحكومته طابعًا عسكريًا صارمًا، فحرَّم على القادة العسكريين الامتناع عن تنفيذ قرارات المحاكم.
وسعى سعد الدولة في البداية إلى إرضاء المسلمين ومصانعتهم، وتجنب إثارة سخطهم حتى تستقر له الأمور؛ فزاد فيما يرصد من الأوقاف على الأعمال الخيرية، وجعل النظر في قضايا المسلمين وفقاً للشريعة الإسلامية، وشجّع العلماء والأدباء، ولكنه في الوقت نفسه راح يكيد للمسلمين، ويضيق عليهم، ويمنعهم من الوصول إلى المناصب الرفيعة والوظائف الكبرى.
ثم لجأ سعد الدولة إلى مؤامرة أخرى لإثارة أرغون ضد المسلمين وتحريضه على اجتثاثهم، فأوعز إليه أن النبوة قد انتقلت إليه بالتوارث عن جنكيز خان، وأنه بذلك أصبح رسولا من عند الله، وكان يسعى من وراء ذلك إلى التعجيل بوقوع الفتنة والصدام بين أرغون والمسلمين، وهو أمر واقع بلا ريب بعد أن يرفض المسلمون اعتناق دينه الجديد.
واستشعر سعد الدولة قوة نفوذه ومضاء سلطانه، فأطلق يده في كل شئون الدولة، واستبد بالسلطة، وعهد بالمناصب العليا والوظائف الكبرى لأقاربه وأبناء نحلته من اليهود، حتى صاروا يسيطرون على كل أجهزة الدولة ومرافقها، وأصبح لهم الكلمة العليا في جميع أمور الدولة من دون أمراء المغول، من غير أن يملكوا من الخبرات أو الكفاءات والمهارات ما يؤهلهم لذلك.
وقد أثار هذا المسلك نقمة أمراء المغول عليه، وتربصهم به بعد أن أصبح هو الآمر الناهي، ووجدوا أنفسهم معزولين عن الدولة والسلطان، لا يملكون أية سلطة أو نفوذ حقيقي في البلاد، فاتفقوا على التخلص منه والقضاء على أتباعه وأنصاره.
وسرعان ما سنحت لهم الفرصة عندما مرض أرغون واشتد عليه المرض، فقرر الأمراء التعجيل بالتخلص من سعد الدولة وأتباعه؛ فقبضوا عليه وساقوه إلى منزل الأمير "طغا جاد" أكثر الناقمين عليه وأشدهم عداوة له حيث تم القضاء عليه في صفر (690هـ = فبراير 1291م).
ولم تمض أيام قلائل حتى تُوفي أرغون في (6 من ربيع الأول 690هـ = 9 من مارس 1291م).
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم : 30 / 11
حدث في مثل هذا اليوم ( 22 صفر )
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
حدث فى مثل هذا اليوم غرة المحرم
07-04-2006, 11:07 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

ربات الخدور.. العطاء الصامت
ذكرى تبرع الأميرة فاطمة بثروتها: 6 من ربيع الأول 1339هـ
مصطفى عاشور

تملك المرأة عاطفة قوية وجياشة ورحمة بذوي الحاجة من الفقراء والمحتاجين والأيتام، وتظهر المرأة هذه العواطف من خلال الفعل الإيجابي لا التأثر الخارجي فقط، ولذلك كان نصيب المرأة من العمل الخيري والأهلي منذ القدم النصيب الأوفر.
وإذا كان للحركة النسائية ورائداتها الحاليات من درس فيما مضى من الأدوار الاجتماعية التي لعبتها المرأة فهو أن هذا الدور هو الأرض الحقيقية والثابتة التي من الواجب أن تقف عليها المرأة، وهو مَعلم بارز من الواجب يوضح أن المرأة عطاء، وأنها فاعلة في محيطها قبل أن تكون ناقمة على كل من حولها، وأن المرأة في تاريخنا القديم والحديث ليست فصولا من نضال سياسي للحصول على حق التصويت أو الترشيح في الانتخابات أو تولي منصب فحسب، وإنما هناك فصول حقيقية للمرأة في تاريخنا، وهي قيادة العمل الاجتماعي والخيري وتخفيف معاناة المجتمع.
أميرات فاعلات
لعبت بعض أميرات مصر دورا في العمل الخيري ففي (جمادى الآخرة 1332 هـ= مايو 1914م) أسست هدى شعراوي بمعاونة الأميرتين عين الحياة وأمينة حليم جمعية الرقي الأدبي للسيدات المصريات وجمعية المرأة الجديدة للمساعدة في أعمال البر والإحسان وتوعية النساء، كما أقام عدد من سيدات الطبقة الراقية في مصر جمعية أمهات المستقبل بغرض مساعدة فتيات الطبقة الفقيرة، وتزعمت هذه الجمعية ابنة حسين فهمي باشا التي استعانت بوالدة الخديوي عباس، وحصلت منها على مساعدات مالية، وهو ما أدى إلى ذيوع هذه الجمعية في الأوساط الراقية، فشارك فيها عدد من الأميرات مثل الأميرة رقية حليم زوجة الأمير عمر طوسون، وزوجة واصف غالي باشا وزوجة يوسف بطرس غالي وقمن بإنشاء معهد علمي سنة (1341 هـ=1923م) يضم الفتيات الفقيرات وغير القادرات على الإنفاق على تعليمهن، وكان من فطنة القائمات على ذلك المعهد أن خصصن جزءا كبيرا من مواد الدراسة للأنشطة النسائية والمنزلية.
وتم إنشاء عدد من المدارس التابعة لجمعية أمهات المستقبل لمساعدة الفقيرات واليتيمات على التعلم. ولعبت هذه الجمعية دورا بارزا في تعليم الفقيرات؛ حيث أتاح التعليم لهؤلاء أن يكن من البارزات في العمل الاجتماعي بعد ذلك.
وتأتي الأميرة عين الحياة والسيدة هدى شعراوي ضمن النساء اللاتي لعبن دورا بارزا في العمل الخيري، حيث سعت تلك الفاضلة إلى تكاتف الأميرات المصريات في إنشاء مبرة محمد علي سنة (1327 هـ=1909م) بقصد معالجة الأطفال من مرض الكوليرا، وبدأت فكرة المبرة كجمعية خيرية لتعليم الفتيات الحياكة ومستوصف طبي لرعاية الأطفال صحيا ومركز للتوعية الصحية للأمهات.
وتأتي الأميرة فاطمة بنت إسماعيل في مقدمة النساء اللاتي بذلن الكثير من المال في تدعيم وإنشاء العمل الخيري في مجال التعليم والثقافة، حيث كان لجهود تلك السيدة الفاضلة أثرها البالغ في إنشاء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) بعدما كاد مشروع الجامعة يتوقف، فعندما علمت بأن مشروع الجامعة يعاني من أزمة مالية كبيرة تهدده بالتوقف، أعلنت أنها على استعداد لبذل كل ما لديها في سبيل إتمام ذلك المشروع الحضاري، وأوقفت 6 أفدنة من أراضيها ليقام عليها المشروع، وأوقفت كذلك 661 فدانا من أجود أراضيها في محافظة الدقهلية على هذا الأمر من ضمن 3357 فدانا كانت تخصصها للبر والإحسان، وجعلت للجامعة من صافي ريع تلك الأرض حوالي 40% كل عام.
وعندما تعذر على الجامعة إقامة حفل وضع حجر الأساس الذي كان سيحضره كبار رجال الدولة في مصر تكفلت تلك السيدة بالتكاليف جميعها، وتم الاحتفال في يوم (3 من جمادى الأولى 1322هـ=31 من مارس 1914م)، ثم ما لبثت الأميرة فاطمة أن أعلنت أنها ستتحمل تكاليف بناء الجامعة من نفقاتها الخاصة؛ ولذا عرضت مجوهراتها للبيع، وعندما لم تنجح محاولة بيعها في مصر تم عرضها للبيع خارج البلاد وتم بيعها بحوالي 70 ألف جنيه.
ومن الأشياء التي تحسب للأميرة فاطمة أن مقر المتحف الزراعي في القاهرة والذي يقع على مساحة 30 فدانا ويعد أول متحف زراعي في العالم كان في الأساس هو القصر الذي تعيش فيه فاطمة ثم تبرعت به للجامعة والذي أنشئ عليه بعد ذلك المتحف الزراعي.
وكان عطاء الأميرة فاطمة يتجاوز حدود الإقليم المصري؛ فقد وهبت تلك الفاضلة في (6 من ربيع الأول 1339هـ=18 من نوفمبر 1920م) ثروتها البالغة مليوني ليرة ذهبية إلى جامعة إستانبول لتؤكد أن للمرأة القدرة على أن تكون المنقذ لعقل الأمة ووعيها، وأنها تستطيع أن تقوم بما يقوم به أولو العزم من الرجال.
وقد سبقتها إلى هذا الباب الخير من أسرتها زينب بنت محمد علي باشا المتوفاة سنة (1224هـ= 1809م) التي أوقفت على الأزهر الكثير من الأراضي بلغ ريعها سنويا حوالي 20 ألف جنيه، كما أوقفت أملاكا للإنفاق على 14 مسجدا في مصر، وشيدت عددا من التكايا في الآستانة، وكانت تعول فيها ما يقرب من أربعمائة أسرة.
وفي مصر تأتي السيدة الفاضلة قوت القلوب الدمرداشية كإحدى العلامات البارزة في عمل الخير، فقد كانت تلك السيدة الفاضلة التي ساهمت هي ووالدها عبد الرحيم الدمرداش في التبرع بالمال اللازم لبناء مستشفى الدمرداش الشهير في مصر، كما كانت الأرض التي تقع عليها جامعة عين شمس الحالية جزءا من أوقاف تلك السيدة الفاضلة، ومما يحسب لوالدها الفاضل أنه رفض دعوات كثيرة من الأهرام والمؤسسات في مصر لتكريمه على تبرعه الضخم، وأصر أن يكون عمله خالصا لله بعيدا عن أي شبهة من رياء، ومما يحسب له أن المائدة التي أعدت للضيوف في حفل وضع حجر الأساس للمستشفى لم يوضع عليها طعام أو شراب ولكن وضع عليها الطوب ومواد البناء، كما أن المستشفى -كما نصت وصيته- كانت مفتوحة للجميع بغض النظر عن الدين أو الجنس.
أما قوت القلوب فكانت تسير على منوال أبيها الذي كان شيخ الطريقة الدمرداشية فقد تبرعت لذلك المستشفى بما يعادل 50 ألف جنيه ذهبا، أما ثروتها فكانت تزيد على النصف مليون، ومما يحسب لها أنها كانت تطبع بعض الكتب على نفقتها وأنها كانت تخصص جوائز للمبدعين من شباب الأدباء؛ حتى إن أول جائزة يحصل عليها الأديب الكبير نجيب محفوظ في حياته كانت جائزة قوت القلوب الدمرداشية عن روايته رادوبيس. ونشير هنا فيما يتعلق بإنفاق المرأة على إنشاء دور العبادة أنه لم يكن مقتصرا على السيدات المسلمات فقط، ولكن شاركتها بعض السيدات المسيحيات الفاضلات مثل هيلانة سياج المتوفاة سنة (1347 هـ= 1929م) والتي أنشأت في الإسكندرية مدرسة خيرية وأنفقت عليها أموالا طائلة، كما بنت كنيسة فخمة في الإسكندرية، كما أنها تبرعت بمبلغ مالي ضخم آخر لبناء كنيسة أخرى للطائفة الأرثوذكسية، ويقال إن جملة ما تبرعت به كان حوالي (30 ألف جنيه) (كان قيمة الجنية المصري آنذاك تفوق قيمة الجنيه الذهب) وأوقفت ما يقرب من (120) ألف جنيه لأعمال الخير.
لقطات من العمل الخيري النسائي:
1- أمهات المؤمنين
2- رفيدة والصحابيات
3- زبيدة زوجة هارون الرشيد
4- الحاضنة وعصمت وخديجة..
5- الفاضلة ومسكة ومؤنسة..
6- الأميرة عزيزة..
7- أم البنين وأختها..
8- السلطانة الوالدة..
أمهات المؤمنين..
من البدايات التي سجلها التاريخ للعمل الخيري النسائي ما قامت به أم المؤمنين زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، والتي كانت تلقب بـأم المساكين والتي تذكر كتب التاريخ والسير عنها أنها كانت ترعى من كانت به ضيعة من المسلمين، وأنها كانت تعطف على الفقراء حتى قبل الإسلام وترعاهم.
وكذلك أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت امرأة تجيد بعض الصناعات اليدوية فكانت تعمل حتى تتصدق على الفقراء والمساكين. وتشير الروايات الصحيحة في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أول نسائه لحوقا به بعد موته أطولهن يدا؛ فلما ماتت زينب بنت جحش علمت زوجات النبي كثرة صدقتها وبرها وأدركن أنها أطولهن يدا. وهنا يظهر أن النساء وعلى رأسهن زوجات النبي كن فاعلات في مجتمعهن، وأنهن كن يبادرن بحكم معرفتهن بما يدور في البيوت ومعرفتهن بأحوال الناس إلى القيام بواجب الرعاية الحقة للمحتاجين في المجتمع.
رفيدة والصحابيات..
أما السيدة رفيدة الأنصارية فقد سجل لها التاريخ دورها الاجتماعي في جانب رعاية المرضى والجرحى، وهو من الأوسمة التي يجب أن تفخر بها المرأة؛ والرواية الوحيدة التي وردت عن حياة تلك السيدة الفاضلة والتي تداولتها كتب التاريخ والتراجم، تقول -والنص هنا من تاريخ الطبري- إنها كانت تحتسب نفسها على خدمة من كانت به فاقة وحاجة من المسلمين، وإنها كانت لها خيمة في المسجد النبوي الشريف تداوي فيها الجرحى، وإنها مرّضت فيها الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوره في خيمتها.
وتحليل النص يؤكد أن خيمة رفيدة كانت مشهورة بين المسلمين وأنها كانت محل اعتبار وتقدير من النبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها أول مستشفى ميداني في الإسلام.
ولم تكن رفيدة وحيدة في طريق البر والتفاعل المجتمعي، بل شاركها فيه أخريات ممن آثرن أن يلعبن الدور المنوط بهن في الدفاع عن مجتمعهن ما دامت الواحدة منهن تستطيع ذلك؛ فقد خرجت بعض أمهات المؤمنين لمداواة الجرحى وسقاية العطشى في ميدان المعركة، مثل نسيبة بنت كعب، والرُّبَيِّع بنت معوذ الأنصارية، وكن يحملن الماء على ظهورهن، بل أشارت بعض الروايات إلى أنهن كن يجرين بقِرَب حتى تظهر الخلاخيل التي كن يلبسنها في أرجلهن، وهي رواية تشير إلى الجدية في القيام بالدور الاجتماعي أمام الخطر الذي يقترب من كيان الأمة.
زبيدة زوجة هارون الرشيد
وتأتي زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد من طلائع النساء اللاتي قمن بأعمال خيرية عملاقة، وذلك من نفقتها الخاصة؛ ففي رحلتها للحج سنة (186هـ= 802م) رأت ما يعانيه أهل مكة المكرمة من جهد في سبيل الحصول على الماء الصالح للشرب، فبادرت باستدعاء خازن مالها وأمرته أن يجمع المهندسين والعمال من أنحاء البلاد لإيجاد حل سريع وفعال لهذه المشكلة، فأخبرها الخازن أن هناك صعوبات كبيرة في حل هذه المشكلة، وأن إيجاد الماء العذب لمكة سيكلفها أموالا طائلة، فما كان من زبيدة إلا أن أمرته بتنفيذ المشروع حتى لو كانت ضربة المعول بدينار (أي أن تكون ضربة المعول بما يعادل 40 دولارا حاليا) وهو ما يؤكد صدق عزيمتها للقيام بهذا المشروع.
وقد قام المهندسون والعمال بوصل منابع المياه من الجبال حتى أوصلوها بعين حنين بمكة، وتم تمهيد الطريق للماء في كل منخفض وسهل وجبل، وعرفت العين بعين زبيدة، وكان طولها حوالي 10 أميال، كما أقامت الكثير من الآبار والمنازل والمساجد على الطريق بين بغداد ومكة، وهذه الأعمال لا تقوم بها إلا الدول، فإذا قامت به سيدة فاضلة فهو دليل على قلبها العامر بالخير، وقدرتها على تنفيذ العمل الاجتماعي الخيري.
ويذكر أن زبيدة أنفقت في رحلة الحج تلك التي استمرت حوالي 60 يوما ما يقرب من 54 مليون درهم، وهو ما يشير إلى حجم ثرائها الواسع وإنفاقها الكبير في وجوه الخير.
ويُذكر لزبيدة أيضا أنه كان لها مائة جارية يحفظن القرآن الكريم، وأنهن كن يقرأنه بالليل فكان يُسمع من قصرها دوي كدوي النحل من هذه القراءة، فقصرها كان أشبه بمدرسة أو معهد راق لتعليم القرآن الكريم تتعلم فيه مائة فتاة من حافظات القرآن القارئات له والمتعبدات به آناء الليل.
الحاضنة وعصمت وخديجة..
كان بناء المساجد والوقف عليها من أبرز أوجه الخير التي قامت بها النساء في العمل الخيري، وكانت المساجد لا تبنى للصلاة فقط بل كانت أشبه بالمؤسسات الخيرية الشاملة التي تقام فيها العبادات ويدرس فيها العلم.
ومن الأوقاف النسائية النادرة على المساجد ما قامت به سيدة فاضلة تُسمى فاطمة الحاضنة المتوفاة سنة (420هـ= 1029 م) والتي أوقفت على جامع عقبة بن نافع بالقيروان عددا من الكتب النفيسة والمؤلفات النادرة التي ما زال بعضها موجودا حتى الآن في الخزانة العتيقة بجامع عقبة، ومنها مصحف مخطوط بماء الذهب ومكتوب بالخط الكوفي.
وكذلك فعلت عصمة الدين بنت معين الدين أنر زوجة الملك العادل نور الدين محمود التي بنت مدرسة للفقهاء في دمشق وأوقفت عليها المال الكثير.
وبالمثل فعلت خديجة بنت الملك المعظم عيسى التي أنشأت المدرسة المرشدية في دمشق سنة(654هـ= 1256 م)، وأم شمس الملوك التي أنشأت المدرسة الخاتونية البرانية في دمشق في القرن السادس الهجري واهتمت بتزينها بأنواع نادرة من الرخام.
الفاضلة ومسكة ومؤنسة..
ومن ذلك ما قامت به الفاضلة مريم بنت الشمس العفيف المتوفاة سنة (713هـ= 1313م) زوجة الملك اليمني المظفر من حكام اليمن الرسوليين، حيث إنها كانت كثيرة البر والإحسان، فأنشأت مدرسة في زبيد عرفت باسم المدرسة السابقية ورتبت فيها إماما ومؤذنا ومعلما للأيتام، وأوقفت عليها أموالا كثيرة للإنفاق عليها، كما أنشأت مدرسة أخرى في تعز عرفت بـالمدرسة المعزية، ودُفنت في إحدى المدارس التي أنشأتها.
وقد قامت عدد من النساء ببناء عدد من المدارس والمساجد وأوقفن عليها الكثير من الأموال والضياع مثل: مُسكة جارية الناصر محمد بن قلاوون التي أنشأت مسجدا عظيما في مصر ودفنت فيه سنة (746هـ= 1345 م)، ومؤنسة بنت الملك المظفر محمد بن عبد الملك المتوفاة سنة (703هـ= 1303 م) والتي أنشأت مدرسة كبيرة بحماة عرفت باسم المدرسة الخاتونية، وأم حسام الدين بنت أيوب التي أنشأت المدرسة الجوانية التي كانت تدرس الفقه الشافعي في القرن السابع الهجري.
الأميرة عزيزة..
ومن السيدات الرائدات في تاريخ تونس في العمل الخيري الأميرة عزيزة بنت أحمد المتوفاة (1080هـ= 1669م) والتي أوقفت كل ما تملك على وجوه البر والإحسان؛ فأقامت بيمارستانا (مستشفى) لمعالجة شتى الأمراض عرفت بالبيمارستان الصادقي، كما أنها قامت بوقف بعض ممتلكاتها على وجوه من أعمال الخير التي يطلق عليها في عصرنا "أعمال إنسانية"، فأوقفت أملاكا على عتق الرقاب وفك العاني وإنقاذ الأسير، وعلى ختان الذكور يوم عاشوراء من كل عام، وعلى تجهيز الفتيات الأبكار الفقيرات للزواج حتى ترغّب الشباب في الزواج منهن وحتى لا يثقلهن الفقر عن الزواج.
أم البنبن وأختها..
ومن النماذج النسائية الرائعة في العمل الخيري ما قامت به السيدة الفاضلة أم البنين فاطمة بنت محمد الفهري في القرن الثالث الهجري، وكانت سيدة أندلسية الأصل هاجرت إلى مدينة فاس مع أسرتها، وكان والدها ذا مال واسع وتوفي وترك ابنتين إحداهما فاطمة والأخرى مريم، فأما فاطمة فقامت بإعادة بناء جامع القرويين الشهير في فاس والذي يعد من أوائل الجامعات في العالم الإسلامي، وكان ذلك سنة (1245هـ= 1829م) وبذلت في بناء ذلك المسجد المال الكثير.
ويذكر أنها صامت منذ الشروع في بناء المسجد حتى تم الانتهاء من العمل في المسجد والصلاة فيه، وأنها تحرت الحلال في مواد البناء التي تدخل في البناء، وبالغت في ذلك حتى إنها اشترت أرضا قرب مسجد القرويين واستخرجت منها مواد البناء من طين ورمال وأحجار فكانت تلك الأرض كثيرة الكهوف والحفر نظرا لما أخذ منها في بناء ذلك المسجد العتيق الذي ما يزال قائما حتى يومنا الحاضر، ولكن بعد إعادة بنائه وتحويله إلى جامعة ضخمة.
أما أختها مريم فاعتنت ببناء جامع آخر في فاس وهو جامع الأندلس الذي كان من المساجد الشهيرة في فاس والذي لعب دورا علميا في تاريخ تلك المدينة العتيقة.
ويذكر الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي أن العديد من مدارس البنات التي كانت تعرف بـ "دور الفقيهات" كانت منتشرة في الكثير من أحياء المغرب، وأن بعض الوجيهات كن يشرفن عليها انطلاقا من رغبتهن في تعميم المعرفة ونشر الخير والفضيلة في المجتمع.
السلطانة الوالدة..
قامت الكثير من نساء الحكام والطبقة الراقية والمتعلمات في المنطقة العربية والإسلامية بالكثير من العمل الخيري والاجتماعي، فعلى سبيل المثال: نساء الخلفاء العثمانيين كن يقمن بالكثير من الأنشطة الخيرية، فقد كانت السلطانة الوالدة (وهو لقب لمن يجلس ابنها على العرش العثماني) لها إيرادات واسعة تأتيها من شتى الإمبراطورية فكن يمتلكن ثروة طائلة، وكن ينفقنها على الأوقاف المختلفة التي أقمنها في إستانبول والحرمين الشريفين والقدس، مثل السلطانة نوربانو والسلطانة صفية، إلا أن السلطانة كوسم مهبيكر كانت من أشهر النساء العثمانيات في العمل الخيري هي والسلطانة خديجة تارخان حيث تركن عددا كبيرا من المؤسسات الخيرية، وأوقافا ينتفع بها الفقراء وطلبة العلم.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
حدث في مثل هذا اليوم 5 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم : 30 / 11
حدث فى مثل هذا اليوم غرة رجب
حدث فى مثل هذا اليوم 1 إبريل
07-04-2006, 11:08 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

الجزائر.. تضحيات ومجازر
(في ذكرى الاتفاق الجزائري الفرنسي: 12 شوال 1381هـ)
مصطفى عاشور
قصة الجزائر واستقلالها قصة طويلة الفصول، حزينة الأحداث، تجمع بين البطولة والمأساة، بين الظلم والمقاومة، بين القهر والاستعمار، بين الحرية وطلب الاستقلال، كان أبطال هذه القصة الفريدة مليون شهيد، وملايين اليتامى والثكالى والأرامل، وكتبت أحداثها بدماء قانية غزيرة أهرقت في ميادين المقاومة، وفي المساجد، وفي الجبال الوعرة، حيث كان الأحرار هناك يقاومون.
بداية القصة
شاءت الأقدار أن يكون اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال الفرنسي للجزائر هو نفس اليوم الذي استقلت فيه غير أن الفارق الزمني بينهما (132) عامًا امتلأت بالأحداث والشهداء، فقد دخل الفرنسيون مدينة الجزائر في [14 محرم 1246هـ=5 يوليو 1830م] وكان عدد القوات الفرنسية التي نزلت الجزائر حوالي أربعين ألف مقاتل، خاضوا أثناء احتلالهم لهذا البلد العنيد معارك شرسة استمرت تسع سنوات فرضوا خلالها سيطرتهم على الجزائر.
كان الاستعمار الفرنسي يهدف إلى إلغاء الوجود المادي والمعنوي للشعب الجزائري، وأن يكون هذا البلد تابعًا لفرنسا؛ لذلك تعددت وسائل الفرنسيين لكسر شوكة الجزائريين وعقيدتهم ووحدتهم، إلا أن هذه المحاولات تحطمت أمام صلابة هذا الشعب وتضحياته وتماسكه، فقد بدأ الفرنسيون في الجزائر باغتصاب الأراضي الخصبة وإعطائها للمستوطنين الفرنسيين، الذين بلغ عددهم عند استقلال الجزائر أكثر من مليون مستوطن، ثم محاربة الشعب المسلم في عقيدته، فتم تحويل كثير من المساجد إلى كنائس أو مخافر للشرطة أو ثكنات للجيش، بالإضافة إلى ما ارتكبوه من مذابح بشعة، أبيدت فيها قبائل بكاملها.
بدأت المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال مع نزول أرض الجزائر، وكان أقوى حركاتها حركة الجهاد التي أعلنها الأمير عبد القادر الجزائري في [1248هـ=1832م]، واستمرت خمسة عشر عامًا، استخدم فيها الماريشال الفرنسي "بيجو"، وقواته التي وصل عددها (120) ألف جندي، حرب إبادة ضد الجزائريين، والحيوانات، والمزارع، فوقع الذعر في قلوب الناس، واضطر الأمير عبد القادر إلى الاستسلام في [1261هـ=1847م].
لم تهدأ مقاومة الجزائريين بعد عبد القادر، فما تنطفئ ثورة حتى تشتعل أخرى، غير أنها كانت ثورات قبلية أو في جهة معينة، ولم تكن ثورة شاملة؛ لذا كانت فرنسا تقضي عليها، وضعفت المقاومة الجزائرية بعد ثورة أحمد بومرزاق سنة [1288هـ=1872م]، وقلت الثورات بسبب وحشية الفرنسيين، واتباعهم سياسة الإبادة التامة لتصفية المقاومة، وفقدان الشعب لقياداته التي استشهدت أو نفيت إلى الخارج، وسياسة الإفقار والإذلال التي اتبعت مع بقية الشعب.
السياسة الفرنسية في الجزائر
لقد أحدث المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر جروحًا عميقة في بناء المجتمع الجزائري، حيث عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي للجزائر مائة واثنتين وثلاثين سنة، وحاولت طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع، بضرب وحدته القبلية والأسرية، واتباع سياسة تبشيرية تهدف إلى القضاء على دينه ومعتقده الإسلامي، وإحياء كنيسة إفريقيا الرومانية التي أخذت بمقولة "إن العرب لا يطيعون فرنسا إلا إذا أصبحوا فرنسيين، ولن يصبحوا فرنسيين إلا إذا أصبحوا مسيحيين".
وكان التوجه الفرنسي يعتمد على معاداة العروبة والإسلام، فعملت على محو اللغة العربية، وطمس الثقافة العربية والإسلامية، وبدأ ذلك بإغلاق المدارس والمعاهد، ثم تدرج مع بداية القرن العشرين إلى منع تعلم اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية، وعدم السماح لأي شخص أن يمارس تعليمها إلا بعد الحصول على ترخيص خاص وفي حالات استثنائية، ومن ناحية أخرى عملت على نشر الثقافة واللغة الفرنسية، واشترطوا في كل ترقية اجتماعية ضرورة تعلم اللغة الفرنسية، كذلك عملوا على الفصل بين اللغة العربية والإسلام، والترويج لفكرة أن الجزائريين مسلمون فرنسيون.
البربر والأمازيغية
واهتم الفرنسيون بالترويج للهجات المحلية واللسان العامي على حساب اللغة العربية، فشجعوا اللهجة البربرية "الأمازيغية"، واتبعوا كل سبيل لمحاربة اللسان العربي، واعتبروا اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة.
وقد سعى الفرنسيون إلى ضرب الوحدة الوطنية الجزائرية بين العرب والبربر، فأوجدوا تفسيرات مغرضة وأحكاما متحيزة لأحداث التاريخ الجزائري، ومنها أن البربر كان من الممكن أن يكون لهم مصير أوروبي لولا الإسلام، واعتبروا العنصر البربري من أصل أوروبي، وحكموا عليه بأنه معاد بطبعه للعرب، وسعوا لإثبات ذلك من خلال أبحاث ودراسات تدعي العلمية، وخلصوا من هذه الأبحاث الاستعمارية في حقيقتها إلى ضرورة المحافظة على خصوصية ولغة منطقة القبائل البربرية بعيدًا عن التطور العام في الجزائر.
واتبع الفرنسيون سياسة تبشيرية لتنصير المسلمين خاصة في منطقة القبائل، فتعرض رجال الإصلاح وشيوخ الزوايا للتضييق والمراقبة والنفي والقمع، وفتحت كثير من المدارس التبشيرية وبنيت الكنائس ووجه نشاطها للأعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية لربطها بواقع السكان هناك، وقام الرهبان والقساوسة بالتدريس في الكثير من المدارس. وحسب الإحصائيات الفرنسية بالجزائر فإن منطقة القبائل كان بها مدرسة لكل (2100) طفل، في حين كانت هناك مدرسة لكل أربعين ألف طفل في بعض المناطق الأخرى بالجزائر.
وسعى الفرنسيون إلى عزل بعض المناطق بالجزائر والحيلولة دون اتصالها أو تفاعلها مع باقي المناطق الأخرى، وكان تركيزهم على منطقة القبائل، ورعوا نزعاتها الإقليمية التي تتنافى مع وحدة الشعب الجزائري، وذلك بالاهتمام بالأعراف والتقاليد واللهجات والفولكلور على حساب الثقافة العربية الإسلامية، وصدرت تعليمات واضحة لموظفي الإدارة الاستعمارية الجزائرية تتلخص في ضرورة حماية القبائل وتفضيلهم في كل الظروف على العرب، ولولا المواقف الشجاعة والتضحيات التي قدمها أبناء القبائل لأمكن للمخطط الاستعماري تدمير البنية الاجتماعية للشعب الجزائري في تلك المناطق.
موقف الشعب الجزائري
لم يتجاوب الشعب الجزائري مع السياسة الفرنسية في جميع الجهات بدون استثناء، لا سيما في المناطق التي عرفت ضغطًا فرنسيًا مكثفًا لتحويل اتجاهها الوطني، فلم يكن للإعانات ولا المساعدات التي تقدمها الإرساليات التبشيرية ولا للتعليم الذي وفرته المدرسة الفرنسية، ولا للمستوطنين الفرنسيين، ولا للمهاجرين الجزائريين الذين تنقلهم السلطات للعمل في فرنسا ـ أثر في فرنسة الشعب الجزائري المسلم، وهو ما دفع مخططي السياسة الفرنسية إلى اتهام الجزائريين بأنهم شعب يعيش على هامش التاريخ.
وحارب الشعب سياسة التفرقة الطائفية برفع شعار "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا" الذي أعلنه العالِم والمجاهد الجليل عبد الحميد بن باديس، ورأى المصلحون من أبناء الجزائر في ظل فشل حركات المقاومة، أن العمل يجب أن يقوم –في البداية- على التربية الإسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن أن يقوم عليها الجهاد في المستقبل، مع عدم إهمال الصراع السياسي فتم تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام [1350هـ=1931م] بزعامة ابن باديس، التي افتتحت مدارس لتعليم ناشئة المسلمين، وهاجم ابن باديس الفرنسيين وظلمهم، وشنع على عملية التجنس بالفرنسية وعدها ذوبانًا للشخصية الجزائرية المسلمة، وطالب بتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، وأثمرت هذه الجهود عن تكوين نواة قوية من الشباب المسلم يمكن الاعتماد عليها في تربية جيل قادم.
وعلى الصعيد السياسي بدأ الجزائريون المقاومة من خلال التنظيم السياسي الذي خاض هذا الميدان بأفكار متعددة، فمنهم من يرى أن الغاية هي المساواة بالفرنسيين، ومنهم الشيوعيون، والوطنيون المتعصبون، وظهرت عدة تنظيمات سياسية منها: حزب الجزائر الفتاة، وجمعية نجم شمالي إفريقيا بزعامة مصالي الحاج الذي عرف بعد ذلك بحزب الشعب الجزائري، وتعرض زعيمه إلى الاعتقال والنفي مرات كثيرة.
مذابح [1364هـ=1945م]
اشتعلت الحرب العالمية الثانية ولم تمض شهور قليلة حتى انهارت فرنسا أمام ألمانيا، وبدا للشعوب المستعمرة أن قوة فرنسا لم تكن إلا عليهم فقط، وأن هيبتها لم تكن إلا في هذه القلوب المستضعفة، وأدى ذلك إلى تعاون كثير من المستوطنين الموجودين في الجزائر مع حكومة فيشي الموالية للألمان في فرنسا، وظهرت أصوات المستوطنين الفرنسيين تعلو بأن فرنسا ارتكبت أخطاء، وأن عليها أن تدفع الثمن وحدها، أما الجزائريون فذهب كثير منهم إلى الحرب للدفاع عن فرنسا، فدُمر الإنتاج في الجزائر وزادت صعوبات الحياة؛ لذلك تقدموا ببيان إلى السلطات الفرنسية يطالبون فيه بحق تقرير المصير، تقدم به فرحات عباس –زعيم حزب اتحاد الشعب الجزائري-، ورفضت فرنسا قبول البيان كأساس للمحادثات، فأحدث ذلك رد فعل عنيفا عند الجزائريين الذين أصروا على تمسكهم بالبيان والتزامهم به، ففرض الجنرال كاترو الحاكم العام في الجزائر الإقامة الجبرية على فرحات عباس وغيره من الزعماء الجزائريين.
أسس فرحات عباس حركة أصدقاء البيان والحرية في [ربيع أول 1363هـ=مارس 1944] وكان يدعو إلى قيام جمهورية جزائرية مستقلة ذاتيًا ومتحدة مع فرنسا، وهو ما سبب خلافًا بينه وبين مصالي الحاج الذي نصحه بقوله: "إن فرنسا لن تعطيك شيئًا، وهي لن ترضخ إلا للقوة، ولن تعطي إلا ما نستطيع انتزاعه منها".
ولم يمض وقت طويل حتى استغلت فرنسا قيام بعض المظاهرات في عدد من المدن الجزائرية وإحراقها للعلم الفرنسي حتى ارتكبت مذبحة رهيبة سقط فيها (45) ألف شهيد جزائري، وكان ذلك تحولاً في كفاح الجزائريين من أجل الحرية والاستقلال، إذ أدركوا أنه لا سبيل لتحقيق أهدافهم سوى العمل المسلح والثورة الشاملة، فانصرف الجهد إلى جمع الأسلحة وإعداد الخلايا السرية الثورية حتى يحين الوقت المناسب لتفجير الصراع المسلح.
الثورة الجزائرية
اتجه الجزائريون بعد تلك المذابح البشعة إلى العمل السري، وكان يتم اختيار أفراد هذا العمل من خيرة الشبان خلقًا وأدبًا فلم يكن يسمح بضم الملحدين أو الفوضويين، وبدأت خلايا المجاهدين تنتشر في الجزائر طولاً وعرضًا، وأحيطت أساليب العمل بسرية تامة مما كان له أكبر الأثر في نجاح الثورة، واستطاع هذا التنظيم الدعاية للثورة في صفوف الشعب وإعداده للمعركة القادمة.
وقد تشكلت لجنة مؤلفة من (22) عضوًا برئاسة محمد بوضياف عرفت باسم "اللجنة الثورية للوحدة والعمل" كان مهمتها قيادة العمل السري، وأوكل إلى بعض أفرادها مهمة العمل لإشعال الثورة، وتم تشكيل جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي حددت يوم [6 ربيع الأول 1347هـ=1 نوفمبر 1954م] موعدًا لبدء الثورة الجزائرية، وهو يصادف عيد القديسين عند الفرنسيين، وأعلنت الجبهة في بيانها الأول أهدافها ووسائلها التي تصدرها الاستقلال الوطني وإقامة دولة جزائرية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، واحترام الحريات دون تمييز ديني أو عرقي، وأعلنت الجبهة أنها ستواصل الكفاح بجميع الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وتأسس في ذلك اليوم جيش التحرير الوطني، وفُتح للجبهة عدد من المكاتب في الخارج.
وفوجئت السلطات الاستعمارية الفرنسية بوقوع سلسلة من الهجمات المسلحة شنها المجاهدون الجزائريون على المنشآت والمراكز العسكرية الفرنسية في كامل أنحاء البلاد وعلى الأخص في جبال الأوراس والقبائل والشمال القسطيني، وتلمسان، وكان ذلك إيذانًا ببداية الحرب طويلة الأمد التي استمرت سبع سنوات ونصفا، وكان رد الفعل الفرنسي الأول ممثلا بموقف رئيس وزرائها "مانديس فرانس" الذي أعلن أن جواب فرنسا على هذه العمليات التمردية هو الحرب، وبادر بإرسال قوات المظليين الفرنسيين في اليوم التالي، وقامت هذه القوات ذات القبعات الحمراء بارتكاب أبشع الأعمال الإجرامية والدموية ضد الشعب الجزائري، فدمرت قرى بكاملها، ومورست الإبادة الجماعية والتعذيب البشع، وصرح وزير الداخلية الفرنسي "فرانسوا ميتران" أن الجزائر هي فرنسا.
كان عدد القوات الفرنسية في الجزائر عند بداية الثورة حوالي (50) ألف جندي، فلم تستطع حماية نفسها، فطلبت التعزيزات حيث قام المجاهدون في اليوم الأول للثورة بأكثر من خمسين هجومًا خاصة في منطقة أوراس والقبائل، ثم اعتصموا بالجبال واستطاع المجاهدون السيطرة على منطقة الأوراس التي تبلغ مساحتها (12) ألف كيلو متر، ولم يعد في إمكان الفرنسيين دخولها إلا في المدرعات وحماية الطائرات.
ارتفع عدد القوات الفرنسية في الجزائر بعد ثلاثة شهور من الثورة إلى ثمانين ألفًا، وامتد لهيب الثورة إلى كل أنحاء الجزائر وأصبحت ولايات الجزائر ولايات للكفاح والجهاد، وخلق الإرهاب الفرنسي جوًا من العزلة بين الفرنسيين والقوى الوطنية.
مؤتمر الصومام
كان قادة الثورة الجزائرية قد تواعدوا عندما أطلقوا شرارة الثورة على الالتقاء بعد ستة أشهر لتقويم المرحلة السابقة، غير أن عنف الثورة، وانهماك القادة في الجانب العسكري والسياسي لم يسمح بهذا اللقاء إلا بعد (22) شهرًا، حيث انعقد مؤتمر الصومام في [ 14 محرم 1376 هـ= 20 أغسطس 1956م] في منطقة القبائل وحضره كبار القادة ومثلت فيه جميع الولايات، ويعتبر المؤتمر نقطة تحول هامة في تاريخ الثورة، واتخذ المؤتمر عدة قرارات هامة منها إقامة المجلس الوطني للثورة الذي تولى مهمة التوجيه العام لها، وتنظيم جيش التحرير على غرار التنظيم المتبع في جيش منطقة القبائل.
مشروع شال
وكانت جبهة التحرير الجزائرية قد أعلنت [جمادى الآخرة 1375 هـ: فبراير 1956م] استعدادها للمفاوضة مع فرنسا من أجل وقف القتال وحل المشكلة الجزائرية، إلا أن فرنسا رفضت هذه المبادرة، وأرسلت السفاح "روبيرلاكوست" قائدًا عامًا في الجزائر، وزادت قواتها الاستعمارية إلى أكثر من نصف مليون مقاتل، وقامت بأحد عشر هجومًا ضخمًا واسع النطاق حمل أسماء ضخمة، كان يهدف بعضها إلى عزل جيش التحرير عن مناطق الريف؛ لذلك تم إجلاء القرويين من مساكنهم وحشدوا في معسكرات تحت الرقابة الدائمة، أما النقطة الثانية فتتمثل في حشد قوات هائلة تستمر عملياتها من أسابيع إلى شهور لسحق الوطنيين وهو ما عرف بمشروع "شال".
ولم ترهب هذه القوات الفرنسية جيش التحرير الجزائري الذي زاد قواته ومجاهديه إلى أكثر من (120) ألفًا، وأنشأ مدارس عسكرية، بل امتدت عملياته الحربية والجهادية إلى الأراضي الفرنسية حيث تم تدمير مستودعات بترولية ضخمة في فرنسا.
وأمام هذا الوضع المتأزم اختطفت فرنسا في [ 1376 هـ= 1956م] طائرة مغربية وعلى متنها أربعة قادة من قادة الثورة الجزائرية وهم حسين آيات أحمد، وأحمد بن بله، ومحمد خضير، ومحمد بو ضياف، كذلك حاولت شق صف الثورة من خلالها عميلها "بن لونيس" إلا أن الثوار استطاعوا إعدامه.
قضية الجزائر
أصبحت القضية الجزائرية معضلة من أضخم المشكلات الدولية، وتعددت مناقشاتها في الأمم المتحدة واكتسبت تعاطفًا دوليًا متزايدًا على حساب تآكل الهيبة الفرنسية عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وقام قادة الثورة بزيارات لعدد من دول العالم، وتشكلت حكومة جزائرية مؤقتة في [6 ربيع الأول 1378هـ= 19 سبتمبر 1958م] برئاسة عباس فرحات، ولم يمض شهر واحد على تشكيلها حتى اعترفت بها (14) دولة.
وفي [جمادى الأولى 1379هـ= نوفمبر 1979م] أعلن الرئيس الفرنسي ديجول عن قبول فرنسا للمفاوضات بأسلوب غير مقبول، إذ أعلن أنه على ممثلي المنظمة الخارجة على القانون والمتمردين على فرنسا أن يأتوا إليها، فأعلنت الحكومة الجزائرية المؤقتة أنها كلفت الزعماء الجزائريين المختطفين في فرنسا بإجراء المفاوضات حول تقرير المصير، فرفض ديجول هذا المقترح.
محادثات إيفيان
وقع تمرد عسكري في صفوف القوات الفرنسية في الجزائر بقيادة عدد من الجنرالات وأعلنوا ذلك التمرد عبر إذاعة الجزائر في [ 7 ذي القعدة 1380هـ= 22 إبريل 1961م] وقامت مظاهرات عنيفة في الجزائر ضد الفرنسيين، وأعلنت الحكومة الجزائرية المؤقتة أنها شرعت في إجراء محادثات إيفيان بعد ذلك بأسابيع، لكنها ما لثبت أن توقفت بسبب الخلاف في موضوع الصحراء.
ثم استؤنفت المفاوضات بعد ذلك، واضطرت فرنسا إلى الاعتراف بحق الجزائر في الصحراء، وتم الاتفاق في [ 12 شوال 1381هـ= 19 مارس 1962م] على وقف إطلاق النار بين الجيش الفرنسي وجبهة التحرير الجزائرية، وأن تتولى شؤون الجزائر هيئة مؤقتة تتألف من (12) عضوًا، ثم جرى استفتاء في [29 محرم 1382 هـ= 1 يونيو 19962م] على استقلال الجزائر جاءت نتيجته 97.3% لمصلحة الاستقلال.
ودخلت الحكومة الجزائرية برئاسة يوسف بن خده الجزائر، ثم أعلن الاستقلال في [ 3 صفر 1382 هـ= 5 يوليو 1962م] وقامت الدولة الجزائرية رغم المشكلات التي عرقلت سيرها وتفجر الصراع بين قادة الثورة والجهاد؛ وهو ما كاد يؤدي إلى حرب أهلية.
ولم يعترف المستوطنون الفرنسيون باتفاقية إيفيان، وشكلوا منظمات سرية فرنسية للإطاحة بما تم، لكنها لم تفلح في ذلك، فأخذ المستوطنون في ترك الجزائر، وهاجر ما يقرب من مليون مستوطن إلى فرنسا.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم غرة ربيع الآخر
حدث في مثل هذا اليوم : 1 فبراير
حدث في مثل هذا اليوم 8 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم غرة رجب
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
07-04-2006, 11:09 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

ثورات منسية في رحلة النضال الجزائري
(في ذكرى اعتقال أحمد بومرزاق: 10 من ذي القعدة 1228هـ)
مصطفى عاشور

ما تزال الكثير من صفحات الجهاد والنضال الذي خاضته الشعوب العربية والإسلامية يطويه النسيان، رغم روعة الجهاد وعظم التضحيات، ولعل ذلك يرجع إلى أن مَن كتب تاريخ المرحلة الاستعمارية في بعض هذه البلدان كان هو الاستعمار نفسه، حيث اهتم بـ"بطولاته وإنجازاته" والحركات التي هددت مصيره فقط!! أما مجمل الحركة الوطنية الشعبية فتركها نهبا للنسيان، وعول على السنين وضعف ذاكرة الشعوب لمحو هذه البطولات التي تكشف عن حقيقة هامة ومركزية؛ وهي أن الشعوب المسلمة ليست شعوبا ميتة، كما أنها شعوب تنشد الحرية والكرامة، وليست مجبولة على الخضوع والخنوع والقابلية للإذعان.
كما تكشف هذه الصفحات أيضا أن حركات التحرر الوطني لا تنمو فجأة، ولكن تسبقها مرحلة طويلة من التحضير والنضال الطويل حتى تستوي على سوقها.
ولا ننسى هنا كذلك أن بعض المؤرخين كانوا متأثرين بالمدرسة الاستعمارية، ونظروا إلى الشعوب وكفاحها من نفس المنظور الاستعماري؛ حيث أهملوا حركة الشعب، وانصب اهتمامهم على حركة المستعمر وحركة السلطة التي تولت الحكم بعد الاستعمار!!
الاستعمار الفرنسي
كان الاستعمار الفرنسي للجزائر غزوا متعدد الأهداف والاتجاهات، ومن ثم تعددت جبهات مقاومته؛ فـ"نفسيا" رفض الشعب الجزائري الخضوع لسلطة "الكافر"، ومن هنا كانت العقيدة أول الخيوط التي اعتصم بها الشعب في مواجهة الفرنسيين، ثم "كانت الغيرة على العرض والأرض" دافعا للمقاومة؛ إذ كانت بشاعات جنود الاحتلال تسبقهم، وكانت حكايات افتراس الجنود لأعراض الصبايا الصغيرات وهدم المساجد ذات أثر فعال في إشعال جذوة الجهاد في النفوس.
ونشير هنا إلى أن السلطة الرسمية الممثلة في الباي حسين باشا لم تصمد أمام الفرنسيين؛ فهربت من الميدان، وتركت الشعب ليواجه مصيره على يد استعمار يستهدف العقيدة والثروة.. تذكر المراجع الفرنسية أن الجنود الفرنسيين الذين جاءوا إلى الجزائر على متن (675) سفينة كانوا من الفلاحين الجهلة الذين خرجوا تحت شعارات تخليص الجزائريين من الاستبداد ومنحهم الحرية (حيث كانت الأفكار المثالية عن عبء الرجل الأبيض منتشرة في أوروبا في تلك الفترة) فلما دخل الفرنسيون الجزائر بعث الرئيس الأمريكي "ثيودور روزفلت" ببرقية تهنئة إلى الفرنسيين يعبر فيها عن امتنانه لباريس عن دورها في تخليص الأمم المتحضرة من هؤلاء القراصنة.
دخل الفرنسيون الجزائر العاصمة بعد هروب السلطة والجيش، فكان في انتظارهم الخزناجي (وزير المالية) ليسلم للقائد الفرنسي "بورمون" مفاتيح خزائن البلاد، وعندما فتح الفرنسيون الخزينة وجدوا فيها أكثر من 50 مليون دولار، وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك الوقت (ويمكن لنا هنا أن نذكر ما حدث في العراق) فحدثت عمليات اختلاس كبيرة لهذه الأموال من القادة الفرنسيين أنفسهم.
وذكر بعض المؤرخين الفرنسيين أن هؤلاء القادة تبادلوا الاتهامات، ونسوا ما جاءوا من أجله، أما الجنود فيقول مؤرخ الجيش الفرنسي "بول أزان": إنهم اشتغلوا بالنهب، "وليس إعادة الإعمار"!!
الشعب والاستعمار
رأى أعيان الجزائر هذا الفساد من الفرنسيين، فتملك بعضهم شعور الصدمة، وردد آخرون "مكتوب …مكتوب"، وأصاب آخرين الخوف، واعتكفوا في المساجد للاحتماء من هذا الخطر الداهم!!
كان هناك فراغ هائل في السلطة الجزائرية بعد هروب الحاكم وذوبان السلطة؛ خاصة أن الفرنسيين أوقعهم جهلهم بالشعب واللغة، وقراراتهم الإدارية المتخبطة في مشكلات كبيرة أدت إلى الفوضى وغياب الأمن، وقاموا بترحيل جماعي للعثمانيين الذين حكموا البلاد طيلة 3 قرون، والذين امتلكوا خبرة واسعة بالشئون الإدارية والسجلات؛ كذلك اعتمدوا على اليهود والانتهازيين، وأنشئوا فرقة تسمى "فرقة باريس" جمعت حثالة فرنسا من المجرمين واللصوص وكانت مكلفة بحفظ الأمن، وأنشئوا نواة لجنة للإدارة كان لليهود حضور بارز فيها، ثم شكلوا تكوينات من الشرطة المحلية كانت مثالا للفساد والانحراف. وسعى القائد الفرنسي "بورمون" لتأسيس قوة عسكرية محلية من سكان الجبال (البربر) وتم تشكيل فرقة، لكن الشبان المسلمين فروا منها (تذكر ما فعله الأمريكان بالعراق)؛ ففشل المشروع في ذلك الوقت، فشكل الفرنسيون فرقة تسمى "اللفيف الأجنبي" (تشبه قوات التحالف الدولي) كانت وبالا على الفرنسيين.
وأثارت "الروح الصليبية" التي ظللت الحملة ودعوات التنصير غضب المسلمين، حيث حول الفرنسيون عددا من المساجد إلى كنائس، وتم هدم المقابر الإسلامية وأخذ عظام موتى المسلمين وشحنها إلى فرنسا لتُستخدم في صناعة الفحم وتبييض السكر!!
أحس الجزائريون أن هذه الحملة ليست كغيرها تضرب وتنهب ثم تعود لبلادها، لكنها غزو من أجل البقاء الدائم؛ وكان هذا الشعور كافيا لإشعال فتيل المقاومة في النفوس والدعوة إلى أن ينظم الشعب نفسه، وأن يبحث عن قيادة جديدة بعد أن سقطت السلطة المركزية التي كانت تشبه الإسفنجة التي تمتص طاقات الشعب وثرواته بشراهة ثم تتنازل عنها للعدو الخارجي مع أقل ضغط، وكانت المحنة صعبة على شعب لم يشارك في الحكم لقرون طوال، ولا يعرف عن العالم الخارجي إلا القليل.
الشعب ينظم المقاومة
كبت الفرنسيون مقاومة الجزائر في العاصمة، أما الريف فانطلقت فيه مقاومة عملاقة تلقائية قادها الزعماء الجدد الذين ملئوا فراغ غياب السلطة، وكان هؤلاء هم علماء الدين والقيادات الوطنية المحلية التي عقدت اجتماعا عرف باسم "اجتماع البرج" في (3 من صفر 1246هـ= 23 من يوليو 1830م)، برزت فيه بعض الزعامات الشعبية، مثل: "محمد بن زعمون" زعيم قبيلة "فليسة"، وكان عمره 70 عاما، وولديه "الحسين" و"حمدان"، وقرر زعماء القبائل بعد نقاش طويل إعلان الحرب على الاحتلال، وعدم ترك الجنود الفرنسيين يخترقون أرض الجزائر كما يفعل السكين في الزبد، وتكونت فرقة شعبية من 7 آلاف مقاتل تحت قيادة "الحسين بن زعمون" الذي كان عاشقا للجهاد.
هاجمت هذه القوات جيش الفرنسيين الذي أرهقه البقاء محاصرا داخل العاصمة، واستطاعت هذه القوات قتل (15) من الجنود الفرنسيين، فعاد الفرنسيون إلى العاصمة وحبات العرق من خزي الهزيمة وحر المناخ تتساقط من جباههم، وكانت تلك أول مواجهة بين المقاومة والاحتلال؛ فكانت نصرا معنويا كبيرا، ولم يستطع الفرنسيون الخروج مرة أخرى خلال تلك الفترة.
تكررت المعارك بين المقاومة الشعبية والاحتلال، وبدأت هذه المقاومة بقيادة "ابن زعمون" تتحرك برؤية تكتيكية؛ حيث هاجم مزارع المستوطنين الفرنسيين، وقتل بعضهم، وأحرق بعض المزارع؛ ما أربك الاحتلال (قارن تدمير المقاومة العراقية أنابيب النفط) وهدد الوجود الاستعماري.
برزت شخصية شعبية أخرى هي الحاج "علي السعدي" الذي تزعم المقاومة عندما رأى أعيان الجزائر قد لجئوا إلى الصلح منتظرين أن يفي الاحتلال بعهوده؛ فاتصل بكل من له استعداد للمقاومة وحرضهم على الجهاد، وخرج إلى الريف فوجد الاستعدادات أكثر والطاعة أقرب، فالتف حوله الطلاب وبعض الأعيان، ورفض دخول العاصمة لأنها تحت سلطة (كافر). ثم شاعت في أوساط المقاومين أن "السعدي" رأى في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بقرب هزيمة الفرنسيين؛ فكان لهذه الرؤيا أثرها في تهافت المجاهدين عليه.
كانت روح الجهاد تظلل تلك الفترة من الكفاح الشعبي ضد الاحتلال، وكانت غالبية الزعامات لا تبحث عن ذاتها أو مصالحها؛ لذا كانت التحالفات بين المقاومات سمة بارزة؛ فتحالف "ابن زعمون" مع "السعدي" تحت راية واحدة، وتمكنا من تهديد العاصمة نفسها. ومن أهم معارك تلك الفترة "زاوية محمد القوري" التي قتلوا فيها (57) جنديا من المرتزقة الفرنسيين.
اجتماع "سوق علي"
عقدت المقاومة الشعبية اجتماعا سمي بـ"سوق علي" في (ربيع ثان 1248هـ= سبتمبر 1832م) جمع كلمة المجاهدين تحت قيادة "ابن زعمون" لمواصلة الجهاد ومهاجمة المزارع، واستشهد القائد الميداني "حسين بن زعمون"، فاستمر والده الطاعن في السن في قيادة المقاومة الشعبية حتى عام (1253هـ=1837م).
نماذج من المقاومة الشعبية
مصطفى بومرزاق: وكان واليا لإقليم "التيطري" وكان معروفا بالشجاعة، وحالف الفرنسيين في البداية، إلا أن ضميره الوطني والديني لم يرض عن ذلك، فسرعان ما أعلن الحرب على الفرنسيين، وحارب جيش الحاكم "كلوزيل" وقتل منه (27) جنديا في معركة مضيق "موازية"، ووصف "كلوزيل" المقاومين بأنهم "برابرة متعصبون" (وهو اتهام يشابه الإرهاب في عصرنا) لكنه وقع في الأسر، ونفي إلى الإسكندرية حيث مات هناك.
حركة "بوحمار": ظهرت في منطقة "شرشال" بعض القيادات لحركة المقاومة الشعبية، مثل: "محمد بن عيسى البركاني" وكان عابدا، وله خبرة بالحرب فجاهد حتى استشهد في معركة "الزمالة" سنة (1250هـ= 1834م)، و"موسى بن علي بن حسين" الشهير بالدرقاوي (مصري الأصل) أو "بوحمار"؛ نظرا لأنه كان يركب حمارا وهو يتجول بين القبائل لحثها على الجهاد.
بلقاسم بن يعقوب: وظهر هذا المجاهد الشعبي في منطقة "عنابة"، وكان زعيما لقبيلة "دريد" وكان يضرب بيد من حديد كل من يقترب من الفرنسيين أو يتعاون معهم، وقام بغارات ليلية على الفرنسيين، وروعهم في السنوات الأولى لاحتلال عنابة، وكانت له عيون تعمل لحسابه بين المتعاونين مع الفرنسيين؛ مما صعب على الاحتلال اصطياده، وكان حبه للجهاد يجعله لا يدخر جهدا في مساعدة أي حركة جهادية أخرى.. ثم ظهرت شخصية المجاهد "بلعربي" الذي كان يكره رؤية الصليب فوق أرض الجزائر المسلمة، وظل يجاهد حتى استشهاده في (جمادى الأولى 1252هـ= أغسطس 1836م).
ثورة "محمد المقراني": شارك الصوفية في المقاومة، خاصة الطريقة "الرحمانية"، حيث أعلن شيخ الطريقة "محمد بن الحداد" أن يوم الخلاص قد حان، ودعا الشعب للمقاومة؛ فاستجاب له من القبائل حوالي (150) ألف رجل، وتولى "محمد المقراني" القيادة العسكرية وحقق نجاحات كبيرة.
وقد بدأت هذه الحركة في (24 ذي الحجة 1387هـ = 16 مارس 1871 م)، واستطاع "المقراني" وأبناء عمومته حشد أعداد ضخمة من المتطوعين؛ فكانت حركته من أكبر حركات المقاومة الجزائرية التي هددت المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر، حتى إن المستشار الألماني "بسمارك" أطلق سراح الأسرى الفرنسيين خلال حروبه مع فرنسا ليقاتلوا في الجزائر!!
وخاض "المقراني" حوالي (340) معركة في ثورته التي استمرت 51 يوما، واستشهد هذا الزعيم وهو يصلي في (15 صفر 1288 هـ = 5 مايو 1871م).
أحمد بومرزاق: وهو شقيق "محمد المقراني"، وتابع حركة الجهاد بعد استشهاد أخيه، وتنقل من مكان إلى آخر يجاهد الفرنسيين حتى ضل الطريق في إحدى غاراته، واستطاعت سرية استطلاع فرنسية أن تأسره في (10 من ذي القعدة 1288 هـ = 20 يناير 1872م) وتعرفت على شخصيته وقدمته للمحاكمة، وصدر حكم بإعدامه، لكن الرئيس الفرنسي عدل الحكم للنفي إلى إحدى الجزر البعيدة خارج البلاد مع (104) من المجاهدين، واستمر في منفاه (32) عاما، ثم عاد إلى الجزائر ولم يلبث أن توفي بعد عام من عودته.
محمد أمزيان الحداد: وهو شيخ الطريقة "الرحمانية" ودفع ولديه "محمد" و"عزيز" للمقاومة لكبر سنه؛ فاندفع الناس خلفهم للجهاد حتى عمت الثورة شرق الجزائر، لكن الأب وولديه استسلما للفرنسيين، وشارك في هذه الحركة الحاج "عمر" أحد مشايخ الطريقة الذي اعتقل ونفي إلى "تونس" فقامت زوجته" لالا فاطمة" بقيادة الحركة، لكنها اعتقلت.
ثورة "الزعاطشة": وهي ثورة قامت بها بلدة "الزعاطشة" في منطقة القبائل، ووقف 7 آلاف جندي فرنسي أمام مقاومة هذه القرية 53 يوما، وأجبرت هذه الثورة الشعبية الفرنسيين على تغيير القائد الجنرال "شارون"، واستخدموا قسوة مفرطة ضد الثوار. والمعروف أنه خلال الفترة من (1848) حتى (1851) تعاقب على حكم الجزائر 7 حكام عموميين، لم يستقر فيها إلا "شارون" لمدة 13 شهرا فقط!.
ثورة أولاد سيدي الشيخ: في جنوب الجزائر تحت زعامة "بوعمامة" واستمرت 23 عاما، ناضل خلالها الرجل ناضلا بطوليا، لكن الشيخوخة أقعدته عن الجهاد.
كانت هذه المقاومة المبكرة ذات منطلقات دينية ومطالب وطنية، تبلور فيها الضمير الوطني والديني بعدما زالت "المادة العازلة" المتمثلة في السلطة الخائرة العاجزة، فانطلقت الشعوب تمارس دورها النضالي، لكن قوة المستعمر وقسوته وضعف إمكانات الثائرين وقلة يد العون، وانشغال حكام المسلمين بأنفسهم وقهر شعوبهم، جعل قصة التحرير طويلة الفصول، قام فيها الشعب بدوره جيدا.. فهل نعم الشعب باستقلاله الذي ناله بعد كل هذه التضحيات؟!
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم 2 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي القعدة
حدث فى مثل هذا اليوم : 30 / 11
حدث في مثل هذا اليوم 11 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
07-04-2006, 11:18 AM
موسى بن الغسان
 
حدث في مثل هذا اليوم 5 ربيع أول

حدث فيمثل هذا اليوم


5 ربيع أول

§ 5 من ربيع الأول 182 هـ= 21 من إبريل 798م
وفاة يعقوب بن إبراهيم بن حبيب المعروف بأبي يوسف، صاحب أبي حنيفة، وأول من تولى منصب قاضي القضاة… تفاصيل ç

§ 5 من ربيع الأول 833هـ= 2 من ديسمبر 1429م
وفاة محمد بن محمد بن علي المعروف بابن الجزري، أحد أعلام القراءات، وصاحب المؤلفات المهمة في هذا الفن، مثل: النشر في القراءات العشر، والتمهيد في التجويد، وغاية النهاية في طبقات القراء.

§ 5 من ربيع الأول 1320 هـ= 14 من يونيو 1902م
وفاة عبد الرحمن الكواكبي، أحد دعاة الإصلاح في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين، وصاحب الكتابين المعروفين: طبائع الاستبداد، وأم القرى.

§ 5 من ربيع الأول 1329 هـ= 6 من مارس 1911م
انعقاد "المؤتمر القبطي" في مدينة أسيوط الذي تولى رئاسته "بشرى حنا" لمناقشة مطالب الأقباط في مصر، وقد قاطع هذا المؤتمر عدد من كبار رجالات الأقباط في مصر، ورد المسلمون على هذا المؤتمر بعقد "المؤتمر المصري" في مصر الجديدة في 29 إبريل 1911م برئاسة رياض باشا.تفاصيل ç

§ 5 من ربيع الأول 1335 هـ= 30 من ديسمبر 1916م
اغتيال جوجوري يفيمتش راسبوتين وهو راهب روسي، سيطر على قيصر روسيا نيقولا الثاني وزوجته عن طريق علاجه لابنهما من مرضه الميئوس من شفائه. وقد استخدم نفوذه الشرير في ميادين السياسة والتعيينات الحكومية، واشتبه في تورطه مع الألمان في الحرب العالمية الأولى، وانتهى الحال باغتياله.

§ 5 من ربيع الأول 1367هـ= 16 من يناير 1948م
العصابات الصهيونية ترتكب مجزرة فندق سميراميس بفلسطين حيث فجر صهاينة قنبلة في شارع صلاح الدين في حيفا، فقتلوا 31 عربيا من رجال ونساء وأطفال، وأصابوا 31 آخرين.

§ 5 من ربيع الأول 1377هـ= 21 من سبتمبر 1957م
وفاة الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور ،له أثر ونظريات في الفلسفة الحديثة وعلم النفس إذ جعل الإرادة محور البحث، وأهم كتبه "العالم إرادة وفكرة" وقد نشره سنة 1883م.
§ 5 من ربيع الأول 1378 هـ= 19 من سبتمبر 1958م
تنصيب اللواء فؤاد شهاب المولود سنة 1903م رئيسا للجمهورية اللبنانية، خلفا لكميل شمعون، وهو من أفراد الأسرة الشهابية المعروفة في لبنان، وكان قد تولى قيادة الجيش بعد جلاء الفرنسيين عن لبنان سنة 1945م.

§ 5 من ربيع الأول 1383 هـ= 27 من يوليو 1963م
اللواء أمين الحافظ يتولى الرئاسة في سوريا بعد استقالة اللواء لؤي الأتاسي. وشهد حكم الحافظ انقلابا عسكريا دمويا انتهى بإقصائه عن السلطة واعتقاله، وأصبح نور الدين مصطفى الأتاسي رئيسا للجمهورية وحافظ الأسد وزيرا للدفاع.

§ 5 من ربيع الأول 1388هـ=1 من يونيو 1968م
وفاة الأديبة "هيلين كيلر" إحدى رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها، وهي من مواليد يونيو 1880م.

من مواضيع : موسى بن الغسان فى ذكرى يوم مولدى
جريمة التعذيب في جوانتانامو وأبي غريب جريمة إدارة ودولة وحضارة ! !
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شوال
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الأولى
07-04-2006, 11:19 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث في مثل هذا اليوم 5 ربيع أول

أبو يوسف.. المفتي الاقتصادي
(في ذكرى وفاته: 5 ربيع الأول 182هـ)

أحمد تمام



غلاف كتابالخراج
ازدهر الفقه الإسلامي في مطلع العصر العباسي ازدهارا عظيما، واتسعت دائرته وتكونت مدارسة المختلفة، وزادت ثروته وأصبح عِلما قائما بذاته، وتخصص له أعلام شهد لهم التاريخ بالنبوغ والإبداع، ودُوّنت أصوله، وظهرت قواعد الاستنباط، وقوانين الاجتهاد التي يلتزمها الفقهاء، ومن يريد استنباط الأحكام من أدلة الشرع الحنيف.
وامتاز العصر العباسي بظهور عدد من الفقهاء النابغين، ذاع صِيتهم وانتشر فقههم، وصار لهم أتباع وتلاميذ ينشرون علمهم، وينتصرون لهم، ويدعون لمذهبهم بين الناس، وكان الإمام أبو يوسف أبرز تلاميذ الإمام أبي حنيفة النعمان مؤسس المذهب الحنفي، الذين قاموا بجهد هائل في نشر مذهب الحنفية ووضع أصوله.
النشأة
ولد يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري المعروف بأبي يوسف في الكوفة سنة (113هـ=731م)، وبها نشأ وتعلم، واتجه مبكرا إلى دراسة الحديث، فسمع أبا إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ودرس المغازي على محمد بن إسحاق، صاحب السيرة النبوية المعروفة باسمه، ثم تتلمذ على عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، ثم اتصل بالإمام أبي حنيفة، ولازم حلقته ودروسه، غير أنه أحيانا كان ينقطع عنها؛ لاضطراره أن يعمل حتى يواجه نفقات الحياة، فلما رأى أبو حنيفة ذلك وأحزنه أن تصرف ضرورات العيش تلميذه النجيب عن طلب العلم؛ تكفله بالعيش، وأمدّه بماله حتى يفرغ تماما للدراسة.
وصُنْع أبي حنيفة مع تلميذه خليق بالإعجاب والتقدير، فهو يتحمل أعباءه المالية كما يتحمل أعباء تعليمه وتهذيبه، ويسوّي بينه وبين ولده في الإنفاق والتهذيب، وإذا كان التاريخ لا يعتد بما خلّفه أبو حنيفة من أموال وعقار، فإنه يفخر بما أنجب من تلاميذ، ملئوا الدنيا علمًا وفقهًا، وحسبك من أستاذ يكون بين تلاميذه: أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر، والحسن بن زياد.
ولم يكتف أبو يوسف بما حصله من علم أبي حنيفة، فرحل إلى المدينة المنورة، واتصل بعالمها المبرز الإمام مالك، فأخذ عنه الحديث والفقه، ووجد منهجًا يختلف عن منهج إمامه أبي حنيفة، فوازن بينهما وقارن، وجادل شيخه وحاجّه، ثم رجع إلى العراق مزودًا بعلم أهل المدينة، فجمع بين المدرستين: مدرسة الأثر في المدينة، ومدرسة الرأي في العراق، وقرّب بينهما، وساعده على ذلك اشتغاله برواية الحديث.
أبو يوسف قاضيا
روي عن أبي حنيفة أنه قال عن تلاميذه: أصحابنا ستة وثلاثون رجلا ، ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وفيهم ستة يصلحون للفتوى، وفيهم اثنان يصلحان لتأديب القضاة وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف، وزفر.
وحين استشار الإمام أبو حنيفة تلميذه أبا يوسف في قبول وظيفة القضاء ونصحه أبو يوسف بالقبول، قال له شيخه: لكأني بك قاضيا، وهي النبوءة التي قال عنها هارون الرشيد فيما بعد: إن أبا حنيفة كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.
اشتغل أبو يوسف بالقضاء في سنة (166هـ = 782م) في عهد الخليفة العباسي "المهدي"، وبلغ الغاية في عهد الخليفة "هارون الرشيد" حيث تولى منصب قاضي القضاة، وهو منصب استُحدث لأول مرة في تاريخ القضاء، وشاءت الأقدار أن يكون أبو يوسف هو أول من يشغله في التاريخ الإسلامي.
وقد أتاح هذا المنصب الجليل لأبي يوسف أن ينشر مذهبه وفقه شيخه أبي حنيفة، وجعله الفقه الرسمي بالقضاء والإفتاء والتدوين، وأتاح له الذيوع والانتشار، وصقله عمليًا، فإن القضاء فيه مواجهة لمشاكل الناس، ووضْع طرق لمعالجتها، ووقوف على الشئون العامة، ومن ثم مكّن أبو يوسف للمذهب الحنفي بأن يسود ويعم بتعيين أتباعه في كراسي القضاء، حيث كان يناط به تعيينهم في الولايات؛ باعتباره القاضي الأول في الدولة العباسية.
أبو يوسف والرشيد
ارتبط أبو يوسف بعلاقة وثيقة مع الخليفة الرشيد، وتبوأ عنده مكانة عالية، فكان يؤاكله ويحج معه ويؤمه ويعلمه.. كتب له في كتاب "الخراج": "وقد كتبت لك ما أمرت وشرحته لك وبينته فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك ولم آلك والمسلمين نصحا".
وهذا الكتاب الذي يعد من أعظم كتب الفقه الإسلامي، كان استجابة لرسالة من الرشيد إلى قاضيه أبي يوسف في أن يضع له كتابا في مالية الدولة وفق أحكام الشرع الحنيف، وقد تضمن الكتاب بيانا بموارد الدولة على اختلافها، حسبما جاءت به الشريعة، ومصارف تلك الأموال، وتطرّق إلى بيان الطريقة المثلى لجمع تلك الأموال، وتعرض لبعض الواجبات التي يلزم بيت المال القيام بها.. وهو ما أغفله بعض الولاة.
والكتاب وثيقة تاريخية مهمة في تصوير بعض الأحوال المالية والاجتماعية في هذا العصر، فهو يندد ببعض ممارسات بعض الولاة مع أهل الخراج، حيث يطالبونهم بما ليس واجبا عليهم من أموال، ويشتطون في تحصليها.
ويقترح أبو يوسف في "الخراج" على الخليفة أن يجلس للنظر في مظالم الرعية مجلسا واحدا في الشهر أو الشهرين، يسمع فيه من المظلوم، وينكر على الظالم؛ حتى ينتهي الولاة عن ظلم رعيتهم، كما حثّه على أن يجيب مطالب المزارعين وأهل الخراج في كل ما فيه مصلحة لهم، كحفر الأنهار. ويلتزم بيت المال بالإنفاق على تلك المشروعات.. وخلاصة القول إن أبا يوسف وضع نظاما شاملا للخراج يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
أبو يوسف مجتهدا
يتفق المؤرخون في أن أبا يوسف يعد صاحب الفضل الأكبر في نشر المذهب الحنفي، وأنه كان من أفقه أهل عصره، فهو أول من وضع في أصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وأملى المسائل، وبث علم الإمام في أقطار الأرض.
ومع اتصاله بأبي حنيفة اتصال التلميذ بالأستاذ، وأخذه الفقه عنه.. فإنه خالف إمامه في مسائل متعددة، واستقل في تفكيره عنه؛ ولذا عدّه بعض العلماء من المجتهدين المستقلين الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة وليسوا تابعين لأحد في اجتهادهم، كالأئمة الأربعة.
.. مؤلفًا
ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه، ذكرها ابن النديم في "الفهرست"، فقال: ولأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة ، كتاب الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود… غير أن أشهر كتبه: كتاب الخراج، وقد تحدثنا عنه، وكتاب الآثار، وهو مسند لأبي حنيفة رواه أبو يوسف عنه، ويضم طائفة من الأحاديث التي اعتمد عليها أبو حنيفة في بعض ما استنبطه من أحكام وفتاوى، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من فتاوى التابعين من فقهاء الكوفة والعراق.
"وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلي، وهو كتاب جمع فيه أبو يوسف مسائل اختلف فيها أبو حنيفة مع ابن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، وهو يصور ما كان يجري بين علماء ذلك العصر من دراسة عميقة للمسائل المختلفة، وعُنِي أبو يوسف فيه بذكر آراء المختلفين مدعومة بالدليل، وإن كان ينتصر كثيرا لآراء شيخه أبي حنيفة".
وكتاب الرد على سير الأوزاعي وفي هذا الكتاب يرد أبو يوسف على الأوزاعي فيما خالف فيه أبا حنيفة من أحكام الحروب، وما يتصل بها من الأمان والهدنة والأسلاب والغنائم، وينتصر لشيخه على الأوزاعي في هذه المسائل وما يتصل بها.
وفي 5 من ربيع الأول 182 هـ= 21 من إبريل 798م توفي أبو يوسف وصلى عليه الخليفة هارون الرشيد، وأمر بدفنه في مقابر قريش، وسمعه السامع يوم مات يقول: اللهم إنك تعلم أنني لم أَجُر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.


مؤتمر "الأقباط".. تصدعات وشروخ
(في ذكرى انعقاده: 5 من ربيع الأول 1329 هـ)

مصطفى عاشور



بطرس غالي
حين احتل الإنجليز مصر وفي سنواتهم الأولى أبعدوا الأقباط المصريين عن الوظائف العمومية التي كانوا يتبوءونها، وأتاحوا هذه الوظائف للشوام الذين كان غالبيتهم من النصارى؛ حيث رأى الإنجليز أن الأقباط الذين كانوا يسيطرون على جهاز الدولة المالي والإداري سيقفون عقبة أمامهم في سبيل تمكينهم من السيطرة الكاملة على ثروة مصر.
يُضاف إلى ذلك أن نصارى الشام كانوا أكثر تأثرا بالثقافة الإنجليزية على عكس أقباط مصر، ورأى الإنجليز أن استخدام منطق "العصا والجزرة" مع الأقباط سيؤدي إلى خلق جيل من الأقباط يرتبط بالإنجليز برباط المصلحة.
وسعى الإنجليز إلى خلق الشقاق والفرقة بين أبناء الوطن الواحد من خلال الإساءة إلى الدين الإسلامي، وقيام الصحافة القبطية الموالية للإنجليز بالهجوم على الوطنيين؛ ومن ذلك تبرير ما قام به الإنجليز في مذبحة دنشواي (1324هـ=1906م) التي كان بطرس غالي رئيس محكمتها، حيث ضربت هذه الصحافة على أوتار الفرقة بين المسلمين والأقباط، وخاصة جريدة "مصر" التي كانت مرتبطة بالاحتلال والتي أيدت إعدام الفلاحين.
وكان هدف الإنجليز من إثارة المشاعر الدينية لدى الأقباط هو محاولة القيام بعزل الأقباط عن الحركة الوطنية المصرية المناهضة للاحتلال.
وكان عام (1326 هـ=1908م) عاما مهما في محاولات الإنجليز إيجاد نوع من التصدع في العلاقة بين المسلمين والأقباط، حيث ارتفعت بعض الأصوات القبطية برفض مطلب الحركة الوطنية بالدستور، واتهمت هذه الأصوات القبطية حركة الوطنيين بأنها حركة تعصب إسلامي.
وحين رأى الإنجليز بعض الأصوات الوطنية القبطية داخل الحركة الوطنية المطالبة بالدستور دفعت ببعض عملائها لإثارة النعرات الطائفية لدى الأقباط، وكان أبرز تلك الأصوات التي لعبت دورا مشبوها في تلك الفترة هو "أخنوخ فانوس" الذي تربى في مدارس الإرساليات التبشيرية التي كانت تناهضها الكنيسة المصرية، والذي هجر مذهب الكنيسة المصرية الأرثوذكسية وارتبط بالكنيسة الإنجيلية.
سعى "أخنوخ" إلى تغيير مسار الكفاح الوطني في المطالبة بالدستور نحو المطالب الطائفية، فقام سنة (1315 هـ=1897م) بتقديم عريضة إلى اللورد كرومر بمطالب الأقباط، وأسس حزبا طائفيا هو "الحزب المصري" وكان معظم رجال ذلك الحزب من أثرياء الأقباط الذين تربطهم علاقات تجارية بالخارج، وكان ذلك محاولة لتأسيس طبقة من أثرياء القبط ترتبط مصالحها بالمصالح الاستعمارية وتمهد لمشاركة هذه الطائفة في الحكم والسيطرة عليه بعد ذلك على حساب بقية المصريين.
لكن هذا الحزب الطائفي فشل في أن يكون الإطار السياسي للأقباط؛ بل أحدث انقساما في الأوساط القبطية، حيث نشأ صراع بين المجلس الملي الذي يرأسه أخنوخ والكنيسة القبطية، وشنت الصحافة القبطية الطائفية هجوما عنيفا على بعض عقلاء القبط الذين رفضوا الدعوة لانقسام الأمة المصرية.
وقد نجح الإنجليز في تحويل ساحة النضال الوطني من رفض الاحتلال والمطالبة بالدستور إلى الناحية الطائفية وخلق روح الانقسام بين الوطنيين، ووسم حركة المطالبة بالدستور كحركة تعصب إسلامي.
ومما أثار المشاعر الوطنية هو أن صحيفتي "مصر" و"الوطن" القبطيتين كرستا جهودهما للدفاع عن الاحتلال واستمراره في مصر، مستخدمة عبارات مستفزة للشعور الديني والوطني، ومن ذلك "أنها دعت للتسبيح بحمد الاحتلال الإنجليزي لأن في ذلك حماية للأقباط"، و"أن الأقباط كانت حياتهم كلها معرضة للإبادة لو أن الاحتلال الإنجليزي تأخر أسبوعا واحدا عن غزو مصر".
واقترن هذا الموقف الإنجليزي بمحاولة أخرى، هي السعي إلى إثارة أزمات بين الأقباط أنفسهم خصوصا بين البطريرك والمجالس الملية على خلفيات كثيرة، منها إضعاف النفوذ الديني للبطريرك، ومسألة التبشير الكاثوليكي بين الأقباط، وهو ما أدى إلى تفتت ما في الموقف القبطي، ومن ذلك الصراع الذي شهدته الكنيسة القبطية المصرية بين البطريرك "كيرلس الخامس" والمجالس الملية، وهو الصراع الذي شارك فيه بطرس غالي رئيس الوزراء المصري والذي كان من أشد مؤيدي الإنجليز، واتخذ موقفا مناهضا للبطريرك أدى إلى استصدار أمر بنفي البطريرك وتجريده من سلطاته لمدة عام.
ونتيجة لهذين العاملين بدأت تتشكل المسألة القبطية على يد الاحتلال الإنجليزي في مصر، وعندما بدأت في التشكل غيّر الإنجليز موقفهم، وبدءوا يظهرون بمظهر الحامي للأقليات في مصر؛ خاصة بعد اغتيال بطرس غالي، حيث أعلن "أخنوخ" أنه لا سلامة للأقباط في مصر إلا مع وجود الاحتلال.
حركة المؤتمر في الأوساط القبطية

كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطي هي تأييد سلطة المجلس الملي بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة في الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالي حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض في ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين.
ولم تكن حركة المؤتمر واسعة في الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التي لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالي ابن بطرس غالي الذي اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصري الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا "كيرلس الخامس" فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا في هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع في أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضي والأعيان بالوجه القبلي.
وأمام عدم التجاوب من أكثرية الأقباط لفكرة عقد المؤتمر ومكان انعقاده شعر المنظمون له بقلق من إمكانية فشله، وأن تكون المقاطعة القبطية له أكبر من معارضة المسلمين له، فقامت الصحف القبطية المؤيدة للمؤتمر بشن هجوم عنيف على المقاطعين، ووصفتهم بأنهم ما هم إلا إخوان يهوذا الإسخريوطي (الذي وشى بمكان السيد المسيح عليه السلام).
الطريق إلى مؤتمر أسيوط
وكان محددا للمؤتمر أن ينعقد في (15 من صفر 1328 هـ=24 من فبراير 1910م) بأسيوط، لكن اغتيال "بطرس غالي" رئيس الوزراء أعاق انعقاد ذلك المؤتمر في ذلك التوقيت، وفي الذكرى الأولى لاغتيال "بطرس" اجتمع عدد من أعيان القبط الأسيوطيين وانتخبوا لجنة من أعيانهم للتباحث في "المسألة القبطية"، وبدأت أعمال الدعوة للمؤتمر، وبلغ عدد الحاضرين فيه من الأقباط حوالي 1150 معهم توكيلات من 10500 قبطي، وكان نص الدعوة التي وجهت للحضور هي "الأخذ بيد الطائفة القبطية في سبيل رقيها ورفع شأنها والبحث في شئون الأقباط المدنية".
كان المزاج الوطني في مصر مشحونا في تلك الفترة، وكان جو الحذر الشديد يخيم على الجميع حذرا من أن تؤدي تصرفات أقلية من الأقباط أو المسلمين إلى إشاعة روح الكراهية بين عنصري الأمة المصرية، وقد انعكست هذه الروح على أجواء المؤتمر وشكلت عائقا كبيرا أمام أي دعوة للخروج بمطالب متطرفة قد تضر بالتماسك الوطني المصري، فتم اختيار شخصية قبطية -أقرب إلى الاعتدال- وهي شخصية "بشرى حنا" لرئاسة المؤتمر بدلا من "أخنوخ فانوس" الذي كان يسعى إلى رئاسة المؤتمر، وهو معروف بآرائه المتطرفة التي كانت تبحث عن عناصر الشقاق والاختلاف بين عنصري الأمة المصرية، كذلك جاءت كلمات المتحدثين في المؤتمر على قدر كبير من الهدوء والعقلانية والبعد عن الإثارة وعلى قدر واضح من البحث عن عناصر التآلف بين المصريين.
وقد لوحظ من الجو السائد في المؤتمر أثناء افتتاحه أن القائمين عليه كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يخرج المؤتمر عن هدفه المنشود وألا يكون للخطاب الحاد مكان بين جنباته، وألا يكون صوت الفرقة هو الذي يعلو على صوت الوحدة والتآلف؛ ولذا كان هناك تحسب شديد من صدور مثل هذه الأصوات، وحتى لا تحدث مفاجآت غير متوقعة تم تحديد الخطباء الذين سيلقون الكلمات في المؤتمر، ولم يُسمح لأي شخص غيرهم بأن يتحدث إلا إذا عرض كلمته على لجنة الإدارة للمؤتمر قبلها بيوم واحد على الأقل مرفقا معها صورة من الخطبة التي سيلقيها، كذلك تم التشديد على عدم التعرض للمسائل الدينية أو السياسية، وحذرت من أن المخالفة في هذا الشأن سوف تمنع فورا.
عقد المؤتمر في (5 من ربيع الأول 1329 هـ=6 من مارس 1911م) وتم رفع العلم المصري فوق قاعة المؤتمر، وعزف السلام الخديوي، وبدأ المؤتمر بكلمة مطران أسيوط الذي طالب الحضور بأن يحافظوا على أحسن العلائق مع بقية إخوانهم المصريين، ثم توالت كلمات بقية الحضور، فتحدث المحامي "ميخائيل فانوس" حديثا بليغا تناول فيه مظاهر الوحدة بين المسلمين والأقباط باعتبار أن أصل هذا الشعب واحد منذ آلاف السنين، وأن التمييز الرئيسي بين المصريين قائم على المعتقد، وأن العقائد ليست هي الأساس الذي تقوم عليه الجنسية في وقتنا الحاضر، وأشار إلى أنه رأى في دار أبيه بالفيوم من المسلمين أكثر مما رأى من الأقباط، وأن بيتهم كان به مسجدات للصلاة ليؤدي عليها المسلمون عبادتهم عندما يحين وقتها.
لكن الملاحظ أن المؤتمر اكتسب خطورته الحقيقية من فكرة الانعقاد نفسها التي تقسم الأمة المصرية إلى عنصرين يقف كل منهما على ضفة من النهر، لا كشركاء يعيشون في وطن واحد.
مطالب المؤتمر وتوصياته

اللوردكرومر
-إجازة يوم الأحد: حيث طلب "أخنوخ فانوس" إعفاء الأقباط موظفين وطلبة من العمل يوم الأحد؛ لأن المسيحية تأمرهم بالتعطل في ذلك اليوم، فهو كما قال "سبت مقدس"، وبذلك حاول "أخنوخ" أن يعطي انطباعا في المؤتمر أن عطلة الأحد هي أمر إلهي مقدس من الواجب احترامه، وأن إهداره في المدارس هو تعليم للطلاب على إهدار أوامر دينهم، وانتهى المؤتمر في هذه الجزئية إلى رفع مطلبهم إلى خديوي مصر والتماس موافقته على تخصيص يوم الأحد كإجازة رسمية للأقباط.
-إسناد الوظائف بلا تمييز: ورأى "توفيق دوس" المتحدث في هذه القضية أن الوظائف العمومية ليست تركة عن الحكومة تقسمها تبعا للنسبة العددية، كما أنها ليست أرضا سائبة يملكها أول من يضع يده عليها، وأنه من المضر بمصالح الأقباط أن يطلبوا نسبة من تلك الوظائف موازية لعددهم، وضرورة حصر شروط التوظف في الجنسية المصرية والكفاءة، والشخصية، واستدل بأن شواهد التاريخ الإسلامي تؤكد أن مقاليد الحكم كانت بيد المسلمين والأقباط على السواء منذ دخول الإسلام إلى أرض مصر حتى عصر محمد علي باشا، وأن التمييز لم يحدث إلا مع مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وأكد أنه إذا كان يعارض تميز المسلم بوظيفة ما فإنه يعارض أيضا أن يتميز القبطي على المسلم في التوظيف.
واستقر الرأي في هذا المؤتمر على أن يكون شرط الكفاءة هو المقياس الوحيد للوصول إلى المناصب العمومية للأجنبي والمصري على حد سواء، رغم اعتراض بعض الأقباط على فتح ذلك الباب أمام الأجانب.
-الأقباط والمجالس النيابية: رأى البعض ضرورة أن يتم تمثيل الأقباط في البرلمان بنسبة تتوازى مع عددهم، وكان رأي البعض أنه يجب عدم ذكر كلمة قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية، وكان آخرون يرون أن يكون للأقباط وجود حقيقي في المجالس النيابية، وأن يشاركوا فعلا في السلطة، ومن الضروري إفساح الطريق أمام الأقلية للتمثيل في تلك المجالس، كان هذا الجانب من اهتمام المؤتمر موضع نقاش كبير تحدث فيه عدد من الحضور، حيث اقترح البعض أن يكون حق الانتخاب متاحا للجميع، وأن ينتخب كل فريق الآخر.
-ضريبة الخمسة في المائة: كانت المديريات في مصر تفرض ضريبة 5% تحصلها للإنفاق على الكتاتيب الموجودة في الأقاليم، وكانت الدعوة تطالب بأن يكون الاستفادة من نظام الكتاتيب متاحا للجميع المسلم والقبطي واليهودي بدون تمييز، فإذا لم يتيسر ذلك فيقترح تخصيص ما يدفعه الأقباط لكتاتيب خاصة بهم، واستقر الرأي على أن يكون نظام الكتاتيب متاحا للجميع لأن تقسيم التعليم يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية.
-الخزينة المصرية: كان اقتراح مرقص فهمي هو وجوب جعل الخزينة المصرية مصدرا للإنفاق على جميع المرافق المصرية على حد سواء، ودعا "مرقص" إلى أن تكون الوطنية دينا عاما للمصريين، يشترك جميع المصريين في واجبها المقدس، ودعا لأن تؤسس الوطنية على مبدأ المساواة الفعلية، وأكد أن الأقباط لا يريدون أن يكونوا في وطنهم كالسود في بلاد الأمريكان، معتبرا أنه يرى في تعلق القبطي بوظائف الحكومة علامة انحطاط وفتور، ودعا لئلا يتم النظر إلى ميزانية الدولة على أنها كالمال الموروث؛ فالواجبات الوطنية واحدة والوطن واحد.
وصدر كتاب بأعمال ذلك المؤتمر بعنوان "تذكار المؤتمر القبطي الأول" أصدره "توفيق حبيب".
وبعد ثلاثة أيام انقضى المؤتمر بانتخاب لجنة مستديمة من 70 عضوا، وانتخبت تلك اللجنة لجنة تنفيذية من 12 عضوا.
ورغم أن انعقاده كاد يشكل تصدعا في أساس الوطنية التي يقف عليها المصريون فإن المؤتمر أكد على قاعدة المواطنة المبنية على أساس من المساواة العامة، وذلك انطلاقا من القيم التي تربط المصريين ومن أساس آخر هو المصلحة، وأن التفرقة لن تكون في صالح الأقباط أنفسهم، وأن حل المشكلات بين المسلمين والأقباط لا يكون من خلال إقرار التمييز بين عنصري الأمة، ولكن يكون بمزيد من الانفتاح والاندماج بينهما من خلال التوظيف حسب الكفاءة، ومن التعليم المشترك الذي يبني قيمة التعايش بين المصريين منذ تنشئتهم الأولى، وكذلك أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، ومن ثم كان الاندماج هو الحل الأمثل الذي رآه المؤتمر، وأن يكون مبدأ المواطنة هو الحاكم للتعايش بين المصريين والأقباط.
كان من تداعيات المؤتمر القبطي أن انعقد مؤتمر آخر، عقده عدد من كبار الشخصيات المسلمة في مصر يوم السبت (30 من ربيع الثاني 1239هـ= 29 من إبريل 1911م) بحي مصر الجديدة عرف بالمؤتمر المصري.
اقرأ أيضا:


البطريرك "كيرلس الخامس" والمجالس الملية، وهو الصراع الذي شارك فيه بطرس غالي رئيس الوزراء المصري والذي كان من أشد مؤيدي الإنجليز، واتخذ موقفا مناهضا للبطريرك أدى إلى استصدار أمر بنفي البطريرك وتجريده من سلطاته لمدة عام.
ونتيجة لهذين العاملين بدأت تتشكل المسألة القبطية على يد الاحتلال الإنجليزي في مصر، وعندما بدأت في التشكل غيّر الإنجليز موقفهم، وبدءوا يظهرون بمظهر الحامي للأقليات في مصر؛ خاصة بعد اغتيال بطرس غالي، حيث أعلن "أخنوخ" أنه لا سلامة للأقباط في مصر إلا مع وجود الاحتلال.
حركة المؤتمر في الأوساط القبطية

كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطي هي تأييد سلطة المجلس الملي بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة في الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالي حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض في ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين.
ولم تكن حركة المؤتمر واسعة في الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التي لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالي ابن بطرس غالي الذي اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصري الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا "كيرلس الخامس" فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا في هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع في أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضي والأعيان بالوجه القبلي.
وأمام عدم التجاوب من أكثرية الأقباط لفكرة عقد المؤتمر ومكان انعقاده شعر المنظمون له بقلق من إمكانية فشله، وأن تكون المقاطعة القبطية له أكبر من معارضة المسلمين له، فقامت الصحف القبطية المؤيدة للمؤتمر بشن هجوم عنيف على المقاطعين، ووصفتهم بأنهم ما هم إلا إخوان يهوذا الإسخريوطي (الذي وشى بمكان السيد المسيح عليه السلام).
الطريق إلى مؤتمر أسيوط
وكان محددا للمؤتمر أن ينعقد في (15 من صفر 1328 هـ=24 من فبراير 1910م) بأسيوط، لكن اغتيال "بطرس غالي" رئيس الوزراء أعاق انعقاد ذلك المؤتمر في ذلك التوقيت، وفي الذكرى الأولى لاغتيال "بطرس" اجتمع عدد من أعيان القبط الأسيوطيين وانتخبوا لجنة من أعيانهم للتباحث في "المسألة القبطية"، وبدأت أعمال الدعوة للمؤتمر، وبلغ عدد الحاضرين فيه من الأقباط حوالي 1150 معهم توكيلات من 10500 قبطي، وكان نص الدعوة التي وجهت للحضور هي "الأخذ بيد الطائفة القبطية في سبيل رقيها ورفع شأنها والبحث في شئون الأقباط المدنية".
كان المزاج الوطني في مصر مشحونا في تلك الفترة، وكان جو الحذر الشديد يخيم على الجميع حذرا من أن تؤدي تصرفات أقلية من الأقباط أو المسلمين إلى إشاعة روح الكراهية بين عنصري الأمة المصرية، وقد انعكست هذه الروح على أجواء المؤتمر وشكلت عائقا كبيرا أمام أي دعوة للخروج بمطالب متطرفة قد تضر بالتماسك الوطني المصري، فتم اختيار شخصية قبطية -أقرب إلى الاعتدال- وهي شخصية "بشرى حنا" لرئاسة المؤتمر بدلا من "أخنوخ فانوس" الذي كان يسعى إلى رئاسة المؤتمر، وهو معروف بآرائه المتطرفة التي كانت تبحث عن عناصر الشقاق والاختلاف بين عنصري الأمة المصرية، كذلك جاءت كلمات المتحدثين في المؤتمر على قدر كبير من الهدوء والعقلانية والبعد عن الإثارة وعلى قدر واضح من البحث عن عناصر التآلف بين المصريين.
وقد لوحظ من الجو السائد في المؤتمر أثناء افتتاحه أن القائمين عليه كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يخرج المؤتمر عن هدفه المنشود وألا يكون للخطاب الحاد مكان بين جنباته، وألا يكون صوت الفرقة هو الذي يعلو على صوت الوحدة والتآلف؛ ولذا كان هناك تحسب شديد من صدور مثل هذه الأصوات، وحتى لا تحدث مفاجآت غير متوقعة تم تحديد الخطباء الذين سيلقون الكلمات في المؤتمر، ولم يُسمح لأي شخص غيرهم بأن يتحدث إلا إذا عرض كلمته على لجنة الإدارة للمؤتمر قبلها بيوم واحد على الأقل مرفقا معها صورة من الخطبة التي سيلقيها، كذلك تم التشديد على عدم التعرض للمسائل الدينية أو السياسية، وحذرت من أن المخالفة في هذا الشأن سوف تمنع فورا.
عقد المؤتمر في (5 من ربيع الأول 1329 هـ=6 من مارس 1911م) وتم رفع العلم المصري فوق قاعة المؤتمر، وعزف السلام الخديوي، وبدأ المؤتمر بكلمة مطران أسيوط الذي طالب الحضور بأن يحافظوا على أحسن العلائق مع بقية إخوانهم المصريين، ثم توالت كلمات بقية الحضور، فتحدث المحامي "ميخائيل فانوس" حديثا بليغا تناول فيه مظاهر الوحدة بين المسلمين والأقباط باعتبار أن أصل هذا الشعب واحد منذ آلاف السنين، وأن التمييز الرئيسي بين المصريين قائم على المعتقد، وأن العقائد ليست هي الأساس الذي تقوم عليه الجنسية في وقتنا الحاضر، وأشار إلى أنه رأى في دار أبيه بالفيوم من المسلمين أكثر مما رأى من الأقباط، وأن بيتهم كان به مسجدات للصلاة ليؤدي عليها المسلمون عبادتهم عندما يحين وقتها.
لكن الملاحظ أن المؤتمر اكتسب خطورته الحقيقية من فكرة الانعقاد نفسها التي تقسم الأمة المصرية إلى عنصرين يقف كل منهما على ضفة من النهر، لا كشركاء يعيشون في وطن واحد.
مطالب المؤتمر وتوصياته

اللوردكرومر
-إجازة يوم الأحد: حيث طلب "أخنوخ فانوس" إعفاء الأقباط موظفين وطلبة من العمل يوم الأحد؛ لأن المسيحية تأمرهم بالتعطل في ذلك اليوم، فهو كما قال "سبت مقدس"، وبذلك حاول "أخنوخ" أن يعطي انطباعا في المؤتمر أن عطلة الأحد هي أمر إلهي مقدس من الواجب احترامه، وأن إهداره في المدارس هو تعليم للطلاب على إهدار أوامر دينهم، وانتهى المؤتمر في هذه الجزئية إلى رفع مطلبهم إلى خديوي مصر والتماس موافقته على تخصيص يوم الأحد كإجازة رسمية للأقباط.
-إسناد الوظائف بلا تمييز: ورأى "توفيق دوس" المتحدث في هذه القضية أن الوظائف العمومية ليست تركة عن الحكومة تقسمها تبعا للنسبة العددية، كما أنها ليست أرضا سائبة يملكها أول من يضع يده عليها، وأنه من المضر بمصالح الأقباط أن يطلبوا نسبة من تلك الوظائف موازية لعددهم، وضرورة حصر شروط التوظف في الجنسية المصرية والكفاءة، والشخصية، واستدل بأن شواهد التاريخ الإسلامي تؤكد أن مقاليد الحكم كانت بيد المسلمين والأقباط على السواء منذ دخول الإسلام إلى أرض مصر حتى عصر محمد علي باشا، وأن التمييز لم يحدث إلا مع مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وأكد أنه إذا كان يعارض تميز المسلم بوظيفة ما فإنه يعارض أيضا أن يتميز القبطي على المسلم في التوظيف.
واستقر الرأي في هذا المؤتمر على أن يكون شرط الكفاءة هو المقياس الوحيد للوصول إلى المناصب العمومية للأجنبي والمصري على حد سواء، رغم اعتراض بعض الأقباط على فتح ذلك الباب أمام الأجانب.
-الأقباط والمجالس النيابية: رأى البعض ضرورة أن يتم تمثيل الأقباط في البرلمان بنسبة تتوازى مع عددهم، وكان رأي البعض أنه يجب عدم ذكر كلمة قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية، وكان آخرون يرون أن يكون للأقباط وجود حقيقي في المجالس النيابية، وأن يشاركوا فعلا في السلطة، ومن الضروري إفساح الطريق أمام الأقلية للتمثيل في تلك المجالس، كان هذا الجانب من اهتمام المؤتمر موضع نقاش كبير تحدث فيه عدد من الحضور، حيث اقترح البعض أن يكون حق الانتخاب متاحا للجميع، وأن ينتخب كل فريق الآخر.
-ضريبة الخمسة في المائة: كانت المديريات في مصر تفرض ضريبة 5% تحصلها للإنفاق على الكتاتيب الموجودة في الأقاليم، وكانت الدعوة تطالب بأن يكون الاستفادة من نظام الكتاتيب متاحا للجميع المسلم والقبطي واليهودي بدون تمييز، فإذا لم يتيسر ذلك فيقترح تخصيص ما يدفعه الأقباط لكتاتيب خاصة بهم، واستقر الرأي على أن يكون نظام الكتاتيب متاحا للجميع لأن تقسيم التعليم يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية.
-الخزينة المصرية: كان اقتراح مرقص فهمي هو وجوب جعل الخزينة المصرية مصدرا للإنفاق على جميع المرافق المصرية على حد سواء، ودعا "مرقص" إلى أن تكون الوطنية دينا عاما للمصريين، يشترك جميع المصريين في واجبها المقدس، ودعا لأن تؤسس الوطنية على مبدأ المساواة الفعلية، وأكد أن الأقباط لا يريدون أن يكونوا في وطنهم كالسود في بلاد الأمريكان، معتبرا أنه يرى في تعلق القبطي بوظائف الحكومة علامة انحطاط وفتور، ودعا لئلا يتم النظر إلى ميزانية الدولة على أنها كالمال الموروث؛ فالواجبات الوطنية واحدة والوطن واحد.
وصدر كتاب بأعمال ذلك المؤتمر بعنوان "تذكار المؤتمر القبطي الأول" أصدره "توفيق حبيب".
وبعد ثلاثة أيام انقضى المؤتمر بانتخاب لجنة مستديمة من 70 عضوا، وانتخبت تلك اللجنة لجنة تنفيذية من 12 عضوا.
ورغم أن انعقاده كاد يشكل تصدعا في أساس الوطنية التي يقف عليها المصريون فإن المؤتمر أكد على قاعدة المواطنة المبنية على أساس من المساواة العامة، وذلك انطلاقا من القيم التي تربط المصريين ومن أساس آخر هو المصلحة، وأن التفرقة لن تكون في صالح الأقباط أنفسهم، وأن حل المشكلات بين المسلمين والأقباط لا يكون من خلال إقرار التمييز بين عنصري الأمة، ولكن يكون بمزيد من الانفتاح والاندماج بينهما من خلال التوظيف حسب الكفاءة، ومن التعليم المشترك الذي يبني قيمة التعايش بين المصريين منذ تنشئتهم الأولى، وكذلك أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، ومن ثم كان الاندماج هو الحل الأمثل الذي رآه المؤتمر، وأن يكون مبدأ المواطنة هو الحاكم للتعايش بين المصريين والأقباط.
كان من تداعيات المؤتمر القبطي أن انعقد مؤتمر آخر، عقده عدد من كبار الشخصيات المسلمة في مصر يوم السبت (30 من ربيع الثاني 1239هـ= 29 من إبريل 1911م) بحي مصر الجديدة عرف بالمؤتمر المصري.
واقترن هذا الموقف الإنجليزي بمحاولة أخرى، هي السعي إلى إثارة أزمات بين الأقباط أنفسهم خصوصا بين البطريرك والمجالس الملية على خلفيات كثيرة، منها إضعاف النفوذ الديني للبطريرك، ومسألة التبشير الكاثوليكي بين الأقباط، وهو ما أدى إلى تفتت ما في الموقف القبطي، ومن ذلك الصراع الذي شهدته الكنيسة القبطية المصرية بين البطريرك "كيرلس الخامس" والمجالس الملية، وهو الصراع الذي شارك فيه بطرس غالي رئيس الوزراء المصري والذي كان من أشد مؤيدي الإنجليز، واتخذ موقفا مناهضا للبطريرك أدى إلى استصدار أمر بنفي البطريرك وتجريده من سلطاته لمدة عام.
ونتيجة لهذين العاملين بدأت تتشكل المسألة القبطية على يد الاحتلال الإنجليزي في مصر، وعندما بدأت في التشكل غيّر الإنجليز موقفهم، وبدءوا يظهرون بمظهر الحامي للأقليات في مصر؛ خاصة بعد اغتيال بطرس غالي، حيث أعلن "أخنوخ" أنه لا سلامة للأقباط في مصر إلا مع وجود الاحتلال.
حركة المؤتمر في الأوساط القبطية

كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطي هي تأييد سلطة المجلس الملي بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة في الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالي حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض في ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين.
ولم تكن حركة المؤتمر واسعة في الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التي لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالي ابن بطرس غالي الذي اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصري الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا "كيرلس الخامس" فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا في هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع في أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضي والأعيان بالوجه القبلي.
وأمام عدم التجاوب من أكثرية الأقباط لفكرة عقد المؤتمر ومكان انعقاده شعر المنظمون له بقلق من إمكانية فشله، وأن تكون المقاطعة القبطية له أكبر من معارضة المسلمين له، فقامت الصحف القبطية المؤيدة للمؤتمر بشن هجوم عنيف على المقاطعين، ووصفتهم بأنهم ما هم إلا إخوان يهوذا الإسخريوطي (الذي وشى بمكان السيد المسيح عليه السلام).
الطريق إلى مؤتمر أسيوط
وكان محددا للمؤتمر أن ينعقد في (15 من صفر 1328 هـ=24 من فبراير 1910م) بأسيوط، لكن اغتيال "بطرس غالي" رئيس الوزراء أعاق انعقاد ذلك المؤتمر في ذلك التوقيت، وفي الذكرى الأولى لاغتيال "بطرس" اجتمع عدد من أعيان القبط الأسيوطيين وانتخبوا لجنة من أعيانهم للتباحث في "المسألة القبطية"، وبدأت أعمال الدعوة للمؤتمر، وبلغ عدد الحاضرين فيه من الأقباط حوالي 1150 معهم توكيلات من 10500 قبطي، وكان نص الدعوة التي وجهت للحضور هي "الأخذ بيد الطائفة القبطية في سبيل رقيها ورفع شأنها والبحث في شئون الأقباط المدنية".
كان المزاج الوطني في مصر مشحونا في تلك الفترة، وكان جو الحذر الشديد يخيم على الجميع حذرا من أن تؤدي تصرفات أقلية من الأقباط أو المسلمين إلى إشاعة روح الكراهية بين عنصري الأمة المصرية، وقد انعكست هذه الروح على أجواء المؤتمر وشكلت عائقا كبيرا أمام أي دعوة للخروج بمطالب متطرفة قد تضر بالتماسك الوطني المصري، فتم اختيار شخصية قبطية -أقرب إلى الاعتدال- وهي شخصية "بشرى حنا" لرئاسة المؤتمر بدلا من "أخنوخ فانوس" الذي كان يسعى إلى رئاسة المؤتمر، وهو معروف بآرائه المتطرفة التي كانت تبحث عن عناصر الشقاق والاختلاف بين عنصري الأمة المصرية، كذلك جاءت كلمات المتحدثين في المؤتمر على قدر كبير من الهدوء والعقلانية والبعد عن الإثارة وعلى قدر واضح من البحث عن عناصر التآلف بين المصريين.
وقد لوحظ من الجو السائد في المؤتمر أثناء افتتاحه أن القائمين عليه كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يخرج المؤتمر عن هدفه المنشود وألا يكون للخطاب الحاد مكان بين جنباته، وألا يكون صوت الفرقة هو الذي يعلو على صوت الوحدة والتآلف؛ ولذا كان هناك تحسب شديد من صدور مثل هذه الأصوات، وحتى لا تحدث مفاجآت غير متوقعة تم تحديد الخطباء الذين سيلقون الكلمات في المؤتمر، ولم يُسمح لأي شخص غيرهم بأن يتحدث إلا إذا عرض كلمته على لجنة الإدارة للمؤتمر قبلها بيوم واحد على الأقل مرفقا معها صورة من الخطبة التي سيلقيها، كذلك تم التشديد على عدم التعرض للمسائل الدينية أو السياسية، وحذرت من أن المخالفة في هذا الشأن سوف تمنع فورا.
عقد المؤتمر في (5 من ربيع الأول 1329 هـ=6 من مارس 1911م) وتم رفع العلم المصري فوق قاعة المؤتمر، وعزف السلام الخديوي، وبدأ المؤتمر بكلمة مطران أسيوط الذي طالب الحضور بأن يحافظوا على أحسن العلائق مع بقية إخوانهم المصريين، ثم توالت كلمات بقية الحضور، فتحدث المحامي "ميخائيل فانوس" حديثا بليغا تناول فيه مظاهر الوحدة بين المسلمين والأقباط باعتبار أن أصل هذا الشعب واحد منذ آلاف السنين، وأن التمييز الرئيسي بين المصريين قائم على المعتقد، وأن العقائد ليست هي الأساس الذي تقوم عليه الجنسية في وقتنا الحاضر، وأشار إلى أنه رأى في دار أبيه بالفيوم من المسلمين أكثر مما رأى من الأقباط، وأن بيتهم كان به مسجدات للصلاة ليؤدي عليها المسلمون عبادتهم عندما يحين وقتها.
لكن الملاحظ أن المؤتمر اكتسب خطورته الحقيقية من فكرة الانعقاد نفسها التي تقسم الأمة المصرية إلى عنصرين يقف كل منهما على ضفة من النهر، لا كشركاء يعيشون في وطن واحد.
مطالب المؤتمر وتوصياته

اللوردكرومر
-إجازة يوم الأحد: حيث طلب "أخنوخ فانوس" إعفاء الأقباط موظفين وطلبة من العمل يوم الأحد؛ لأن المسيحية تأمرهم بالتعطل في ذلك اليوم، فهو كما قال "سبت مقدس"، وبذلك حاول "أخنوخ" أن يعطي انطباعا في المؤتمر أن عطلة الأحد هي أمر إلهي مقدس من الواجب احترامه، وأن إهداره في المدارس هو تعليم للطلاب على إهدار أوامر دينهم، وانتهى المؤتمر في هذه الجزئية إلى رفع مطلبهم إلى خديوي مصر والتماس موافقته على تخصيص يوم الأحد كإجازة رسمية للأقباط.
-إسناد الوظائف بلا تمييز: ورأى "توفيق دوس" المتحدث في هذه القضية أن الوظائف العمومية ليست تركة عن الحكومة تقسمها تبعا للنسبة العددية، كما أنها ليست أرضا سائبة يملكها أول من يضع يده عليها، وأنه من المضر بمصالح الأقباط أن يطلبوا نسبة من تلك الوظائف موازية لعددهم، وضرورة حصر شروط التوظف في الجنسية المصرية والكفاءة، والشخصية، واستدل بأن شواهد التاريخ الإسلامي تؤكد أن مقاليد الحكم كانت بيد المسلمين والأقباط على السواء منذ دخول الإسلام إلى أرض مصر حتى عصر محمد علي باشا، وأن التمييز لم يحدث إلا مع مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وأكد أنه إذا كان يعارض تميز المسلم بوظيفة ما فإنه يعارض أيضا أن يتميز القبطي على المسلم في التوظيف.
واستقر الرأي في هذا المؤتمر على أن يكون شرط الكفاءة هو المقياس الوحيد للوصول إلى المناصب العمومية للأجنبي والمصري على حد سواء، رغم اعتراض بعض الأقباط على فتح ذلك الباب أمام الأجانب.
-الأقباط والمجالس النيابية: رأى البعض ضرورة أن يتم تمثيل الأقباط في البرلمان بنسبة تتوازى مع عددهم، وكان رأي البعض أنه يجب عدم ذكر كلمة قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية، وكان آخرون يرون أن يكون للأقباط وجود حقيقي في المجالس النيابية، وأن يشاركوا فعلا في السلطة، ومن الضروري إفساح الطريق أمام الأقلية للتمثيل في تلك المجالس، كان هذا الجانب من اهتمام المؤتمر موضع نقاش كبير تحدث فيه عدد من الحضور، حيث اقترح البعض أن يكون حق الانتخاب متاحا للجميع، وأن ينتخب كل فريق الآخر.
-ضريبة الخمسة في المائة: كانت المديريات في مصر تفرض ضريبة 5% تحصلها للإنفاق على الكتاتيب الموجودة في الأقاليم، وكانت الدعوة تطالب بأن يكون الاستفادة من نظام الكتاتيب متاحا للجميع المسلم والقبطي واليهودي بدون تمييز، فإذا لم يتيسر ذلك فيقترح تخصيص ما يدفعه الأقباط لكتاتيب خاصة بهم، واستقر الرأي على أن يكون نظام الكتاتيب متاحا للجميع لأن تقسيم التعليم يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية.
-الخزينة المصرية: كان اقتراح مرقص فهمي هو وجوب جعل الخزينة المصرية مصدرا للإنفاق على جميع المرافق المصرية على حد سواء، ودعا "مرقص" إلى أن تكون الوطنية دينا عاما للمصريين، يشترك جميع المصريين في واجبها المقدس، ودعا لأن تؤسس الوطنية على مبدأ المساواة الفعلية، وأكد أن الأقباط لا يريدون أن يكونوا في وطنهم كالسود في بلاد الأمريكان، معتبرا أنه يرى في تعلق القبطي بوظائف الحكومة علامة انحطاط وفتور، ودعا لئلا يتم النظر إلى ميزانية الدولة على أنها كالمال الموروث؛ فالواجبات الوطنية واحدة والوطن واحد.
وصدر كتاب بأعمال ذلك المؤتمر بعنوان "تذكار المؤتمر القبطي الأول" أصدره "توفيق حبيب".
وبعد ثلاثة أيام انقضى المؤتمر بانتخاب لجنة مستديمة من 70 عضوا، وانتخبت تلك اللجنة لجنة تنفيذية من 12 عضوا.
ورغم أن انعقاده كاد يشكل تصدعا في أساس الوطنية التي يقف عليها المصريون فإن المؤتمر أكد على قاعدة المواطنة المبنية على أساس من المساواة العامة، وذلك انطلاقا من القيم التي تربط المصريين ومن أساس آخر هو المصلحة، وأن التفرقة لن تكون في صالح الأقباط أنفسهم، وأن حل المشكلات بين المسلمين والأقباط لا يكون من خلال إقرار التمييز بين عنصري الأمة، ولكن يكون بمزيد من الانفتاح والاندماج بينهما من خلال التوظيف حسب الكفاءة، ومن التعليم المشترك الذي يبني قيمة التعايش بين المصريين منذ تنشئتهم الأولى، وكذلك أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، ومن ثم كان الاندماج هو الحل الأمثل الذي رآه المؤتمر، وأن يكون مبدأ المواطنة هو الحاكم للتعايش بين المصريين والأقباط.
كان من تداعيات المؤتمر القبطي أن انعقد مؤتمر آخر، عقده عدد من كبار الشخصيات المسلمة في مصر يوم السبت (30 من ربيع الثاني 1239هـ= 29 من إبريل 1911م) بحي مصر الجديدة عرف بالمؤتمر المصري.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
حدث فى يوم 8 ربيع أول
حدث في مثل هذا اليوم 11 إبريل
حدث في مثل هذا اليوم 9 إبريل
حدث في مثل هذا اليوم : 1 يناير
07-04-2006, 11:20 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث في مثل هذا اليوم 5 ربيع أول

أبو يوسف.. المفتي الاقتصادي
(في ذكرى وفاته: 5 ربيع الأول 182هـ)

أحمد تمام



غلاف كتابالخراج
ازدهر الفقه الإسلامي في مطلع العصر العباسي ازدهارا عظيما، واتسعت دائرته وتكونت مدارسة المختلفة، وزادت ثروته وأصبح عِلما قائما بذاته، وتخصص له أعلام شهد لهم التاريخ بالنبوغ والإبداع، ودُوّنت أصوله، وظهرت قواعد الاستنباط، وقوانين الاجتهاد التي يلتزمها الفقهاء، ومن يريد استنباط الأحكام من أدلة الشرع الحنيف.
وامتاز العصر العباسي بظهور عدد من الفقهاء النابغين، ذاع صِيتهم وانتشر فقههم، وصار لهم أتباع وتلاميذ ينشرون علمهم، وينتصرون لهم، ويدعون لمذهبهم بين الناس، وكان الإمام أبو يوسف أبرز تلاميذ الإمام أبي حنيفة النعمان مؤسس المذهب الحنفي، الذين قاموا بجهد هائل في نشر مذهب الحنفية ووضع أصوله.
النشأة
ولد يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري المعروف بأبي يوسف في الكوفة سنة (113هـ=731م)، وبها نشأ وتعلم، واتجه مبكرا إلى دراسة الحديث، فسمع أبا إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ودرس المغازي على محمد بن إسحاق، صاحب السيرة النبوية المعروفة باسمه، ثم تتلمذ على عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، ثم اتصل بالإمام أبي حنيفة، ولازم حلقته ودروسه، غير أنه أحيانا كان ينقطع عنها؛ لاضطراره أن يعمل حتى يواجه نفقات الحياة، فلما رأى أبو حنيفة ذلك وأحزنه أن تصرف ضرورات العيش تلميذه النجيب عن طلب العلم؛ تكفله بالعيش، وأمدّه بماله حتى يفرغ تماما للدراسة.
وصُنْع أبي حنيفة مع تلميذه خليق بالإعجاب والتقدير، فهو يتحمل أعباءه المالية كما يتحمل أعباء تعليمه وتهذيبه، ويسوّي بينه وبين ولده في الإنفاق والتهذيب، وإذا كان التاريخ لا يعتد بما خلّفه أبو حنيفة من أموال وعقار، فإنه يفخر بما أنجب من تلاميذ، ملئوا الدنيا علمًا وفقهًا، وحسبك من أستاذ يكون بين تلاميذه: أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر، والحسن بن زياد.
ولم يكتف أبو يوسف بما حصله من علم أبي حنيفة، فرحل إلى المدينة المنورة، واتصل بعالمها المبرز الإمام مالك، فأخذ عنه الحديث والفقه، ووجد منهجًا يختلف عن منهج إمامه أبي حنيفة، فوازن بينهما وقارن، وجادل شيخه وحاجّه، ثم رجع إلى العراق مزودًا بعلم أهل المدينة، فجمع بين المدرستين: مدرسة الأثر في المدينة، ومدرسة الرأي في العراق، وقرّب بينهما، وساعده على ذلك اشتغاله برواية الحديث.
أبو يوسف قاضيا
روي عن أبي حنيفة أنه قال عن تلاميذه: أصحابنا ستة وثلاثون رجلا ، ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وفيهم ستة يصلحون للفتوى، وفيهم اثنان يصلحان لتأديب القضاة وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف، وزفر.
وحين استشار الإمام أبو حنيفة تلميذه أبا يوسف في قبول وظيفة القضاء ونصحه أبو يوسف بالقبول، قال له شيخه: لكأني بك قاضيا، وهي النبوءة التي قال عنها هارون الرشيد فيما بعد: إن أبا حنيفة كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه.
اشتغل أبو يوسف بالقضاء في سنة (166هـ = 782م) في عهد الخليفة العباسي "المهدي"، وبلغ الغاية في عهد الخليفة "هارون الرشيد" حيث تولى منصب قاضي القضاة، وهو منصب استُحدث لأول مرة في تاريخ القضاء، وشاءت الأقدار أن يكون أبو يوسف هو أول من يشغله في التاريخ الإسلامي.
وقد أتاح هذا المنصب الجليل لأبي يوسف أن ينشر مذهبه وفقه شيخه أبي حنيفة، وجعله الفقه الرسمي بالقضاء والإفتاء والتدوين، وأتاح له الذيوع والانتشار، وصقله عمليًا، فإن القضاء فيه مواجهة لمشاكل الناس، ووضْع طرق لمعالجتها، ووقوف على الشئون العامة، ومن ثم مكّن أبو يوسف للمذهب الحنفي بأن يسود ويعم بتعيين أتباعه في كراسي القضاء، حيث كان يناط به تعيينهم في الولايات؛ باعتباره القاضي الأول في الدولة العباسية.
أبو يوسف والرشيد
ارتبط أبو يوسف بعلاقة وثيقة مع الخليفة الرشيد، وتبوأ عنده مكانة عالية، فكان يؤاكله ويحج معه ويؤمه ويعلمه.. كتب له في كتاب "الخراج": "وقد كتبت لك ما أمرت وشرحته لك وبينته فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك ولم آلك والمسلمين نصحا".
وهذا الكتاب الذي يعد من أعظم كتب الفقه الإسلامي، كان استجابة لرسالة من الرشيد إلى قاضيه أبي يوسف في أن يضع له كتابا في مالية الدولة وفق أحكام الشرع الحنيف، وقد تضمن الكتاب بيانا بموارد الدولة على اختلافها، حسبما جاءت به الشريعة، ومصارف تلك الأموال، وتطرّق إلى بيان الطريقة المثلى لجمع تلك الأموال، وتعرض لبعض الواجبات التي يلزم بيت المال القيام بها.. وهو ما أغفله بعض الولاة.
والكتاب وثيقة تاريخية مهمة في تصوير بعض الأحوال المالية والاجتماعية في هذا العصر، فهو يندد ببعض ممارسات بعض الولاة مع أهل الخراج، حيث يطالبونهم بما ليس واجبا عليهم من أموال، ويشتطون في تحصليها.
ويقترح أبو يوسف في "الخراج" على الخليفة أن يجلس للنظر في مظالم الرعية مجلسا واحدا في الشهر أو الشهرين، يسمع فيه من المظلوم، وينكر على الظالم؛ حتى ينتهي الولاة عن ظلم رعيتهم، كما حثّه على أن يجيب مطالب المزارعين وأهل الخراج في كل ما فيه مصلحة لهم، كحفر الأنهار. ويلتزم بيت المال بالإنفاق على تلك المشروعات.. وخلاصة القول إن أبا يوسف وضع نظاما شاملا للخراج يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
أبو يوسف مجتهدا
يتفق المؤرخون في أن أبا يوسف يعد صاحب الفضل الأكبر في نشر المذهب الحنفي، وأنه كان من أفقه أهل عصره، فهو أول من وضع في أصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وأملى المسائل، وبث علم الإمام في أقطار الأرض.
ومع اتصاله بأبي حنيفة اتصال التلميذ بالأستاذ، وأخذه الفقه عنه.. فإنه خالف إمامه في مسائل متعددة، واستقل في تفكيره عنه؛ ولذا عدّه بعض العلماء من المجتهدين المستقلين الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة وليسوا تابعين لأحد في اجتهادهم، كالأئمة الأربعة.
.. مؤلفًا
ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه، ذكرها ابن النديم في "الفهرست"، فقال: ولأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة ، كتاب الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود… غير أن أشهر كتبه: كتاب الخراج، وقد تحدثنا عنه، وكتاب الآثار، وهو مسند لأبي حنيفة رواه أبو يوسف عنه، ويضم طائفة من الأحاديث التي اعتمد عليها أبو حنيفة في بعض ما استنبطه من أحكام وفتاوى، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من فتاوى التابعين من فقهاء الكوفة والعراق.
"وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلي، وهو كتاب جمع فيه أبو يوسف مسائل اختلف فيها أبو حنيفة مع ابن أبي ليلى الفقيه الكوفي المعروف، وهو يصور ما كان يجري بين علماء ذلك العصر من دراسة عميقة للمسائل المختلفة، وعُنِي أبو يوسف فيه بذكر آراء المختلفين مدعومة بالدليل، وإن كان ينتصر كثيرا لآراء شيخه أبي حنيفة".
وكتاب الرد على سير الأوزاعي وفي هذا الكتاب يرد أبو يوسف على الأوزاعي فيما خالف فيه أبا حنيفة من أحكام الحروب، وما يتصل بها من الأمان والهدنة والأسلاب والغنائم، وينتصر لشيخه على الأوزاعي في هذه المسائل وما يتصل بها.
وفي 5 من ربيع الأول 182 هـ= 21 من إبريل 798م توفي أبو يوسف وصلى عليه الخليفة هارون الرشيد، وأمر بدفنه في مقابر قريش، وسمعه السامع يوم مات يقول: اللهم إنك تعلم أنني لم أَجُر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.


مؤتمر "الأقباط".. تصدعات وشروخ
(في ذكرى انعقاده: 5 من ربيع الأول 1329 هـ)

مصطفى عاشور



بطرس غالي
حين احتل الإنجليز مصر وفي سنواتهم الأولى أبعدوا الأقباط المصريين عن الوظائف العمومية التي كانوا يتبوءونها، وأتاحوا هذه الوظائف للشوام الذين كان غالبيتهم من النصارى؛ حيث رأى الإنجليز أن الأقباط الذين كانوا يسيطرون على جهاز الدولة المالي والإداري سيقفون عقبة أمامهم في سبيل تمكينهم من السيطرة الكاملة على ثروة مصر.
يُضاف إلى ذلك أن نصارى الشام كانوا أكثر تأثرا بالثقافة الإنجليزية على عكس أقباط مصر، ورأى الإنجليز أن استخدام منطق "العصا والجزرة" مع الأقباط سيؤدي إلى خلق جيل من الأقباط يرتبط بالإنجليز برباط المصلحة.
وسعى الإنجليز إلى خلق الشقاق والفرقة بين أبناء الوطن الواحد من خلال الإساءة إلى الدين الإسلامي، وقيام الصحافة القبطية الموالية للإنجليز بالهجوم على الوطنيين؛ ومن ذلك تبرير ما قام به الإنجليز في مذبحة دنشواي (1324هـ=1906م) التي كان بطرس غالي رئيس محكمتها، حيث ضربت هذه الصحافة على أوتار الفرقة بين المسلمين والأقباط، وخاصة جريدة "مصر" التي كانت مرتبطة بالاحتلال والتي أيدت إعدام الفلاحين.
وكان هدف الإنجليز من إثارة المشاعر الدينية لدى الأقباط هو محاولة القيام بعزل الأقباط عن الحركة الوطنية المصرية المناهضة للاحتلال.
وكان عام (1326 هـ=1908م) عاما مهما في محاولات الإنجليز إيجاد نوع من التصدع في العلاقة بين المسلمين والأقباط، حيث ارتفعت بعض الأصوات القبطية برفض مطلب الحركة الوطنية بالدستور، واتهمت هذه الأصوات القبطية حركة الوطنيين بأنها حركة تعصب إسلامي.
وحين رأى الإنجليز بعض الأصوات الوطنية القبطية داخل الحركة الوطنية المطالبة بالدستور دفعت ببعض عملائها لإثارة النعرات الطائفية لدى الأقباط، وكان أبرز تلك الأصوات التي لعبت دورا مشبوها في تلك الفترة هو "أخنوخ فانوس" الذي تربى في مدارس الإرساليات التبشيرية التي كانت تناهضها الكنيسة المصرية، والذي هجر مذهب الكنيسة المصرية الأرثوذكسية وارتبط بالكنيسة الإنجيلية.
سعى "أخنوخ" إلى تغيير مسار الكفاح الوطني في المطالبة بالدستور نحو المطالب الطائفية، فقام سنة (1315 هـ=1897م) بتقديم عريضة إلى اللورد كرومر بمطالب الأقباط، وأسس حزبا طائفيا هو "الحزب المصري" وكان معظم رجال ذلك الحزب من أثرياء الأقباط الذين تربطهم علاقات تجارية بالخارج، وكان ذلك محاولة لتأسيس طبقة من أثرياء القبط ترتبط مصالحها بالمصالح الاستعمارية وتمهد لمشاركة هذه الطائفة في الحكم والسيطرة عليه بعد ذلك على حساب بقية المصريين.
لكن هذا الحزب الطائفي فشل في أن يكون الإطار السياسي للأقباط؛ بل أحدث انقساما في الأوساط القبطية، حيث نشأ صراع بين المجلس الملي الذي يرأسه أخنوخ والكنيسة القبطية، وشنت الصحافة القبطية الطائفية هجوما عنيفا على بعض عقلاء القبط الذين رفضوا الدعوة لانقسام الأمة المصرية.
وقد نجح الإنجليز في تحويل ساحة النضال الوطني من رفض الاحتلال والمطالبة بالدستور إلى الناحية الطائفية وخلق روح الانقسام بين الوطنيين، ووسم حركة المطالبة بالدستور كحركة تعصب إسلامي.
ومما أثار المشاعر الوطنية هو أن صحيفتي "مصر" و"الوطن" القبطيتين كرستا جهودهما للدفاع عن الاحتلال واستمراره في مصر، مستخدمة عبارات مستفزة للشعور الديني والوطني، ومن ذلك "أنها دعت للتسبيح بحمد الاحتلال الإنجليزي لأن في ذلك حماية للأقباط"، و"أن الأقباط كانت حياتهم كلها معرضة للإبادة لو أن الاحتلال الإنجليزي تأخر أسبوعا واحدا عن غزو مصر".
واقترن هذا الموقف الإنجليزي بمحاولة أخرى، هي السعي إلى إثارة أزمات بين الأقباط أنفسهم خصوصا بين البطريرك والمجالس الملية على خلفيات كثيرة، منها إضعاف النفوذ الديني للبطريرك، ومسألة التبشير الكاثوليكي بين الأقباط، وهو ما أدى إلى تفتت ما في الموقف القبطي، ومن ذلك الصراع الذي شهدته الكنيسة القبطية المصرية بين البطريرك "كيرلس الخامس" والمجالس الملية، وهو الصراع الذي شارك فيه بطرس غالي رئيس الوزراء المصري والذي كان من أشد مؤيدي الإنجليز، واتخذ موقفا مناهضا للبطريرك أدى إلى استصدار أمر بنفي البطريرك وتجريده من سلطاته لمدة عام.
ونتيجة لهذين العاملين بدأت تتشكل المسألة القبطية على يد الاحتلال الإنجليزي في مصر، وعندما بدأت في التشكل غيّر الإنجليز موقفهم، وبدءوا يظهرون بمظهر الحامي للأقليات في مصر؛ خاصة بعد اغتيال بطرس غالي، حيث أعلن "أخنوخ" أنه لا سلامة للأقباط في مصر إلا مع وجود الاحتلال.
حركة المؤتمر في الأوساط القبطية

كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطي هي تأييد سلطة المجلس الملي بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة في الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالي حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض في ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين.
ولم تكن حركة المؤتمر واسعة في الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التي لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالي ابن بطرس غالي الذي اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصري الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا "كيرلس الخامس" فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا في هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع في أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضي والأعيان بالوجه القبلي.
وأمام عدم التجاوب من أكثرية الأقباط لفكرة عقد المؤتمر ومكان انعقاده شعر المنظمون له بقلق من إمكانية فشله، وأن تكون المقاطعة القبطية له أكبر من معارضة المسلمين له، فقامت الصحف القبطية المؤيدة للمؤتمر بشن هجوم عنيف على المقاطعين، ووصفتهم بأنهم ما هم إلا إخوان يهوذا الإسخريوطي (الذي وشى بمكان السيد المسيح عليه السلام).
الطريق إلى مؤتمر أسيوط
وكان محددا للمؤتمر أن ينعقد في (15 من صفر 1328 هـ=24 من فبراير 1910م) بأسيوط، لكن اغتيال "بطرس غالي" رئيس الوزراء أعاق انعقاد ذلك المؤتمر في ذلك التوقيت، وفي الذكرى الأولى لاغتيال "بطرس" اجتمع عدد من أعيان القبط الأسيوطيين وانتخبوا لجنة من أعيانهم للتباحث في "المسألة القبطية"، وبدأت أعمال الدعوة للمؤتمر، وبلغ عدد الحاضرين فيه من الأقباط حوالي 1150 معهم توكيلات من 10500 قبطي، وكان نص الدعوة التي وجهت للحضور هي "الأخذ بيد الطائفة القبطية في سبيل رقيها ورفع شأنها والبحث في شئون الأقباط المدنية".
كان المزاج الوطني في مصر مشحونا في تلك الفترة، وكان جو الحذر الشديد يخيم على الجميع حذرا من أن تؤدي تصرفات أقلية من الأقباط أو المسلمين إلى إشاعة روح الكراهية بين عنصري الأمة المصرية، وقد انعكست هذه الروح على أجواء المؤتمر وشكلت عائقا كبيرا أمام أي دعوة للخروج بمطالب متطرفة قد تضر بالتماسك الوطني المصري، فتم اختيار شخصية قبطية -أقرب إلى الاعتدال- وهي شخصية "بشرى حنا" لرئاسة المؤتمر بدلا من "أخنوخ فانوس" الذي كان يسعى إلى رئاسة المؤتمر، وهو معروف بآرائه المتطرفة التي كانت تبحث عن عناصر الشقاق والاختلاف بين عنصري الأمة المصرية، كذلك جاءت كلمات المتحدثين في المؤتمر على قدر كبير من الهدوء والعقلانية والبعد عن الإثارة وعلى قدر واضح من البحث عن عناصر التآلف بين المصريين.
وقد لوحظ من الجو السائد في المؤتمر أثناء افتتاحه أن القائمين عليه كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يخرج المؤتمر عن هدفه المنشود وألا يكون للخطاب الحاد مكان بين جنباته، وألا يكون صوت الفرقة هو الذي يعلو على صوت الوحدة والتآلف؛ ولذا كان هناك تحسب شديد من صدور مثل هذه الأصوات، وحتى لا تحدث مفاجآت غير متوقعة تم تحديد الخطباء الذين سيلقون الكلمات في المؤتمر، ولم يُسمح لأي شخص غيرهم بأن يتحدث إلا إذا عرض كلمته على لجنة الإدارة للمؤتمر قبلها بيوم واحد على الأقل مرفقا معها صورة من الخطبة التي سيلقيها، كذلك تم التشديد على عدم التعرض للمسائل الدينية أو السياسية، وحذرت من أن المخالفة في هذا الشأن سوف تمنع فورا.
عقد المؤتمر في (5 من ربيع الأول 1329 هـ=6 من مارس 1911م) وتم رفع العلم المصري فوق قاعة المؤتمر، وعزف السلام الخديوي، وبدأ المؤتمر بكلمة مطران أسيوط الذي طالب الحضور بأن يحافظوا على أحسن العلائق مع بقية إخوانهم المصريين، ثم توالت كلمات بقية الحضور، فتحدث المحامي "ميخائيل فانوس" حديثا بليغا تناول فيه مظاهر الوحدة بين المسلمين والأقباط باعتبار أن أصل هذا الشعب واحد منذ آلاف السنين، وأن التمييز الرئيسي بين المصريين قائم على المعتقد، وأن العقائد ليست هي الأساس الذي تقوم عليه الجنسية في وقتنا الحاضر، وأشار إلى أنه رأى في دار أبيه بالفيوم من المسلمين أكثر مما رأى من الأقباط، وأن بيتهم كان به مسجدات للصلاة ليؤدي عليها المسلمون عبادتهم عندما يحين وقتها.
لكن الملاحظ أن المؤتمر اكتسب خطورته الحقيقية من فكرة الانعقاد نفسها التي تقسم الأمة المصرية إلى عنصرين يقف كل منهما على ضفة من النهر، لا كشركاء يعيشون في وطن واحد.
مطالب المؤتمر وتوصياته

اللوردكرومر
-إجازة يوم الأحد: حيث طلب "أخنوخ فانوس" إعفاء الأقباط موظفين وطلبة من العمل يوم الأحد؛ لأن المسيحية تأمرهم بالتعطل في ذلك اليوم، فهو كما قال "سبت مقدس"، وبذلك حاول "أخنوخ" أن يعطي انطباعا في المؤتمر أن عطلة الأحد هي أمر إلهي مقدس من الواجب احترامه، وأن إهداره في المدارس هو تعليم للطلاب على إهدار أوامر دينهم، وانتهى المؤتمر في هذه الجزئية إلى رفع مطلبهم إلى خديوي مصر والتماس موافقته على تخصيص يوم الأحد كإجازة رسمية للأقباط.
-إسناد الوظائف بلا تمييز: ورأى "توفيق دوس" المتحدث في هذه القضية أن الوظائف العمومية ليست تركة عن الحكومة تقسمها تبعا للنسبة العددية، كما أنها ليست أرضا سائبة يملكها أول من يضع يده عليها، وأنه من المضر بمصالح الأقباط أن يطلبوا نسبة من تلك الوظائف موازية لعددهم، وضرورة حصر شروط التوظف في الجنسية المصرية والكفاءة، والشخصية، واستدل بأن شواهد التاريخ الإسلامي تؤكد أن مقاليد الحكم كانت بيد المسلمين والأقباط على السواء منذ دخول الإسلام إلى أرض مصر حتى عصر محمد علي باشا، وأن التمييز لم يحدث إلا مع مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وأكد أنه إذا كان يعارض تميز المسلم بوظيفة ما فإنه يعارض أيضا أن يتميز القبطي على المسلم في التوظيف.
واستقر الرأي في هذا المؤتمر على أن يكون شرط الكفاءة هو المقياس الوحيد للوصول إلى المناصب العمومية للأجنبي والمصري على حد سواء، رغم اعتراض بعض الأقباط على فتح ذلك الباب أمام الأجانب.
-الأقباط والمجالس النيابية: رأى البعض ضرورة أن يتم تمثيل الأقباط في البرلمان بنسبة تتوازى مع عددهم، وكان رأي البعض أنه يجب عدم ذكر كلمة قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية، وكان آخرون يرون أن يكون للأقباط وجود حقيقي في المجالس النيابية، وأن يشاركوا فعلا في السلطة، ومن الضروري إفساح الطريق أمام الأقلية للتمثيل في تلك المجالس، كان هذا الجانب من اهتمام المؤتمر موضع نقاش كبير تحدث فيه عدد من الحضور، حيث اقترح البعض أن يكون حق الانتخاب متاحا للجميع، وأن ينتخب كل فريق الآخر.
-ضريبة الخمسة في المائة: كانت المديريات في مصر تفرض ضريبة 5% تحصلها للإنفاق على الكتاتيب الموجودة في الأقاليم، وكانت الدعوة تطالب بأن يكون الاستفادة من نظام الكتاتيب متاحا للجميع المسلم والقبطي واليهودي بدون تمييز، فإذا لم يتيسر ذلك فيقترح تخصيص ما يدفعه الأقباط لكتاتيب خاصة بهم، واستقر الرأي على أن يكون نظام الكتاتيب متاحا للجميع لأن تقسيم التعليم يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية.
-الخزينة المصرية: كان اقتراح مرقص فهمي هو وجوب جعل الخزينة المصرية مصدرا للإنفاق على جميع المرافق المصرية على حد سواء، ودعا "مرقص" إلى أن تكون الوطنية دينا عاما للمصريين، يشترك جميع المصريين في واجبها المقدس، ودعا لأن تؤسس الوطنية على مبدأ المساواة الفعلية، وأكد أن الأقباط لا يريدون أن يكونوا في وطنهم كالسود في بلاد الأمريكان، معتبرا أنه يرى في تعلق القبطي بوظائف الحكومة علامة انحطاط وفتور، ودعا لئلا يتم النظر إلى ميزانية الدولة على أنها كالمال الموروث؛ فالواجبات الوطنية واحدة والوطن واحد.
وصدر كتاب بأعمال ذلك المؤتمر بعنوان "تذكار المؤتمر القبطي الأول" أصدره "توفيق حبيب".
وبعد ثلاثة أيام انقضى المؤتمر بانتخاب لجنة مستديمة من 70 عضوا، وانتخبت تلك اللجنة لجنة تنفيذية من 12 عضوا.
ورغم أن انعقاده كاد يشكل تصدعا في أساس الوطنية التي يقف عليها المصريون فإن المؤتمر أكد على قاعدة المواطنة المبنية على أساس من المساواة العامة، وذلك انطلاقا من القيم التي تربط المصريين ومن أساس آخر هو المصلحة، وأن التفرقة لن تكون في صالح الأقباط أنفسهم، وأن حل المشكلات بين المسلمين والأقباط لا يكون من خلال إقرار التمييز بين عنصري الأمة، ولكن يكون بمزيد من الانفتاح والاندماج بينهما من خلال التوظيف حسب الكفاءة، ومن التعليم المشترك الذي يبني قيمة التعايش بين المصريين منذ تنشئتهم الأولى، وكذلك أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، ومن ثم كان الاندماج هو الحل الأمثل الذي رآه المؤتمر، وأن يكون مبدأ المواطنة هو الحاكم للتعايش بين المصريين والأقباط.
كان من تداعيات المؤتمر القبطي أن انعقد مؤتمر آخر، عقده عدد من كبار الشخصيات المسلمة في مصر يوم السبت (30 من ربيع الثاني 1239هـ= 29 من إبريل 1911م) بحي مصر الجديدة عرف بالمؤتمر المصري.
اقرأ أيضا:


البطريرك "كيرلس الخامس" والمجالس الملية، وهو الصراع الذي شارك فيه بطرس غالي رئيس الوزراء المصري والذي كان من أشد مؤيدي الإنجليز، واتخذ موقفا مناهضا للبطريرك أدى إلى استصدار أمر بنفي البطريرك وتجريده من سلطاته لمدة عام.
ونتيجة لهذين العاملين بدأت تتشكل المسألة القبطية على يد الاحتلال الإنجليزي في مصر، وعندما بدأت في التشكل غيّر الإنجليز موقفهم، وبدءوا يظهرون بمظهر الحامي للأقليات في مصر؛ خاصة بعد اغتيال بطرس غالي، حيث أعلن "أخنوخ" أنه لا سلامة للأقباط في مصر إلا مع وجود الاحتلال.
حركة المؤتمر في الأوساط القبطية

كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطي هي تأييد سلطة المجلس الملي بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة في الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالي حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض في ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين.
ولم تكن حركة المؤتمر واسعة في الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التي لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالي ابن بطرس غالي الذي اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصري الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا "كيرلس الخامس" فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا في هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع في أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضي والأعيان بالوجه القبلي.
وأمام عدم التجاوب من أكثرية الأقباط لفكرة عقد المؤتمر ومكان انعقاده شعر المنظمون له بقلق من إمكانية فشله، وأن تكون المقاطعة القبطية له أكبر من معارضة المسلمين له، فقامت الصحف القبطية المؤيدة للمؤتمر بشن هجوم عنيف على المقاطعين، ووصفتهم بأنهم ما هم إلا إخوان يهوذا الإسخريوطي (الذي وشى بمكان السيد المسيح عليه السلام).
الطريق إلى مؤتمر أسيوط
وكان محددا للمؤتمر أن ينعقد في (15 من صفر 1328 هـ=24 من فبراير 1910م) بأسيوط، لكن اغتيال "بطرس غالي" رئيس الوزراء أعاق انعقاد ذلك المؤتمر في ذلك التوقيت، وفي الذكرى الأولى لاغتيال "بطرس" اجتمع عدد من أعيان القبط الأسيوطيين وانتخبوا لجنة من أعيانهم للتباحث في "المسألة القبطية"، وبدأت أعمال الدعوة للمؤتمر، وبلغ عدد الحاضرين فيه من الأقباط حوالي 1150 معهم توكيلات من 10500 قبطي، وكان نص الدعوة التي وجهت للحضور هي "الأخذ بيد الطائفة القبطية في سبيل رقيها ورفع شأنها والبحث في شئون الأقباط المدنية".
كان المزاج الوطني في مصر مشحونا في تلك الفترة، وكان جو الحذر الشديد يخيم على الجميع حذرا من أن تؤدي تصرفات أقلية من الأقباط أو المسلمين إلى إشاعة روح الكراهية بين عنصري الأمة المصرية، وقد انعكست هذه الروح على أجواء المؤتمر وشكلت عائقا كبيرا أمام أي دعوة للخروج بمطالب متطرفة قد تضر بالتماسك الوطني المصري، فتم اختيار شخصية قبطية -أقرب إلى الاعتدال- وهي شخصية "بشرى حنا" لرئاسة المؤتمر بدلا من "أخنوخ فانوس" الذي كان يسعى إلى رئاسة المؤتمر، وهو معروف بآرائه المتطرفة التي كانت تبحث عن عناصر الشقاق والاختلاف بين عنصري الأمة المصرية، كذلك جاءت كلمات المتحدثين في المؤتمر على قدر كبير من الهدوء والعقلانية والبعد عن الإثارة وعلى قدر واضح من البحث عن عناصر التآلف بين المصريين.
وقد لوحظ من الجو السائد في المؤتمر أثناء افتتاحه أن القائمين عليه كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يخرج المؤتمر عن هدفه المنشود وألا يكون للخطاب الحاد مكان بين جنباته، وألا يكون صوت الفرقة هو الذي يعلو على صوت الوحدة والتآلف؛ ولذا كان هناك تحسب شديد من صدور مثل هذه الأصوات، وحتى لا تحدث مفاجآت غير متوقعة تم تحديد الخطباء الذين سيلقون الكلمات في المؤتمر، ولم يُسمح لأي شخص غيرهم بأن يتحدث إلا إذا عرض كلمته على لجنة الإدارة للمؤتمر قبلها بيوم واحد على الأقل مرفقا معها صورة من الخطبة التي سيلقيها، كذلك تم التشديد على عدم التعرض للمسائل الدينية أو السياسية، وحذرت من أن المخالفة في هذا الشأن سوف تمنع فورا.
عقد المؤتمر في (5 من ربيع الأول 1329 هـ=6 من مارس 1911م) وتم رفع العلم المصري فوق قاعة المؤتمر، وعزف السلام الخديوي، وبدأ المؤتمر بكلمة مطران أسيوط الذي طالب الحضور بأن يحافظوا على أحسن العلائق مع بقية إخوانهم المصريين، ثم توالت كلمات بقية الحضور، فتحدث المحامي "ميخائيل فانوس" حديثا بليغا تناول فيه مظاهر الوحدة بين المسلمين والأقباط باعتبار أن أصل هذا الشعب واحد منذ آلاف السنين، وأن التمييز الرئيسي بين المصريين قائم على المعتقد، وأن العقائد ليست هي الأساس الذي تقوم عليه الجنسية في وقتنا الحاضر، وأشار إلى أنه رأى في دار أبيه بالفيوم من المسلمين أكثر مما رأى من الأقباط، وأن بيتهم كان به مسجدات للصلاة ليؤدي عليها المسلمون عبادتهم عندما يحين وقتها.
لكن الملاحظ أن المؤتمر اكتسب خطورته الحقيقية من فكرة الانعقاد نفسها التي تقسم الأمة المصرية إلى عنصرين يقف كل منهما على ضفة من النهر، لا كشركاء يعيشون في وطن واحد.
مطالب المؤتمر وتوصياته

اللوردكرومر
-إجازة يوم الأحد: حيث طلب "أخنوخ فانوس" إعفاء الأقباط موظفين وطلبة من العمل يوم الأحد؛ لأن المسيحية تأمرهم بالتعطل في ذلك اليوم، فهو كما قال "سبت مقدس"، وبذلك حاول "أخنوخ" أن يعطي انطباعا في المؤتمر أن عطلة الأحد هي أمر إلهي مقدس من الواجب احترامه، وأن إهداره في المدارس هو تعليم للطلاب على إهدار أوامر دينهم، وانتهى المؤتمر في هذه الجزئية إلى رفع مطلبهم إلى خديوي مصر والتماس موافقته على تخصيص يوم الأحد كإجازة رسمية للأقباط.
-إسناد الوظائف بلا تمييز: ورأى "توفيق دوس" المتحدث في هذه القضية أن الوظائف العمومية ليست تركة عن الحكومة تقسمها تبعا للنسبة العددية، كما أنها ليست أرضا سائبة يملكها أول من يضع يده عليها، وأنه من المضر بمصالح الأقباط أن يطلبوا نسبة من تلك الوظائف موازية لعددهم، وضرورة حصر شروط التوظف في الجنسية المصرية والكفاءة، والشخصية، واستدل بأن شواهد التاريخ الإسلامي تؤكد أن مقاليد الحكم كانت بيد المسلمين والأقباط على السواء منذ دخول الإسلام إلى أرض مصر حتى عصر محمد علي باشا، وأن التمييز لم يحدث إلا مع مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وأكد أنه إذا كان يعارض تميز المسلم بوظيفة ما فإنه يعارض أيضا أن يتميز القبطي على المسلم في التوظيف.
واستقر الرأي في هذا المؤتمر على أن يكون شرط الكفاءة هو المقياس الوحيد للوصول إلى المناصب العمومية للأجنبي والمصري على حد سواء، رغم اعتراض بعض الأقباط على فتح ذلك الباب أمام الأجانب.
-الأقباط والمجالس النيابية: رأى البعض ضرورة أن يتم تمثيل الأقباط في البرلمان بنسبة تتوازى مع عددهم، وكان رأي البعض أنه يجب عدم ذكر كلمة قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية، وكان آخرون يرون أن يكون للأقباط وجود حقيقي في المجالس النيابية، وأن يشاركوا فعلا في السلطة، ومن الضروري إفساح الطريق أمام الأقلية للتمثيل في تلك المجالس، كان هذا الجانب من اهتمام المؤتمر موضع نقاش كبير تحدث فيه عدد من الحضور، حيث اقترح البعض أن يكون حق الانتخاب متاحا للجميع، وأن ينتخب كل فريق الآخر.
-ضريبة الخمسة في المائة: كانت المديريات في مصر تفرض ضريبة 5% تحصلها للإنفاق على الكتاتيب الموجودة في الأقاليم، وكانت الدعوة تطالب بأن يكون الاستفادة من نظام الكتاتيب متاحا للجميع المسلم والقبطي واليهودي بدون تمييز، فإذا لم يتيسر ذلك فيقترح تخصيص ما يدفعه الأقباط لكتاتيب خاصة بهم، واستقر الرأي على أن يكون نظام الكتاتيب متاحا للجميع لأن تقسيم التعليم يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية.
-الخزينة المصرية: كان اقتراح مرقص فهمي هو وجوب جعل الخزينة المصرية مصدرا للإنفاق على جميع المرافق المصرية على حد سواء، ودعا "مرقص" إلى أن تكون الوطنية دينا عاما للمصريين، يشترك جميع المصريين في واجبها المقدس، ودعا لأن تؤسس الوطنية على مبدأ المساواة الفعلية، وأكد أن الأقباط لا يريدون أن يكونوا في وطنهم كالسود في بلاد الأمريكان، معتبرا أنه يرى في تعلق القبطي بوظائف الحكومة علامة انحطاط وفتور، ودعا لئلا يتم النظر إلى ميزانية الدولة على أنها كالمال الموروث؛ فالواجبات الوطنية واحدة والوطن واحد.
وصدر كتاب بأعمال ذلك المؤتمر بعنوان "تذكار المؤتمر القبطي الأول" أصدره "توفيق حبيب".
وبعد ثلاثة أيام انقضى المؤتمر بانتخاب لجنة مستديمة من 70 عضوا، وانتخبت تلك اللجنة لجنة تنفيذية من 12 عضوا.
ورغم أن انعقاده كاد يشكل تصدعا في أساس الوطنية التي يقف عليها المصريون فإن المؤتمر أكد على قاعدة المواطنة المبنية على أساس من المساواة العامة، وذلك انطلاقا من القيم التي تربط المصريين ومن أساس آخر هو المصلحة، وأن التفرقة لن تكون في صالح الأقباط أنفسهم، وأن حل المشكلات بين المسلمين والأقباط لا يكون من خلال إقرار التمييز بين عنصري الأمة، ولكن يكون بمزيد من الانفتاح والاندماج بينهما من خلال التوظيف حسب الكفاءة، ومن التعليم المشترك الذي يبني قيمة التعايش بين المصريين منذ تنشئتهم الأولى، وكذلك أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، ومن ثم كان الاندماج هو الحل الأمثل الذي رآه المؤتمر، وأن يكون مبدأ المواطنة هو الحاكم للتعايش بين المصريين والأقباط.
كان من تداعيات المؤتمر القبطي أن انعقد مؤتمر آخر، عقده عدد من كبار الشخصيات المسلمة في مصر يوم السبت (30 من ربيع الثاني 1239هـ= 29 من إبريل 1911م) بحي مصر الجديدة عرف بالمؤتمر المصري.
واقترن هذا الموقف الإنجليزي بمحاولة أخرى، هي السعي إلى إثارة أزمات بين الأقباط أنفسهم خصوصا بين البطريرك والمجالس الملية على خلفيات كثيرة، منها إضعاف النفوذ الديني للبطريرك، ومسألة التبشير الكاثوليكي بين الأقباط، وهو ما أدى إلى تفتت ما في الموقف القبطي، ومن ذلك الصراع الذي شهدته الكنيسة القبطية المصرية بين البطريرك "كيرلس الخامس" والمجالس الملية، وهو الصراع الذي شارك فيه بطرس غالي رئيس الوزراء المصري والذي كان من أشد مؤيدي الإنجليز، واتخذ موقفا مناهضا للبطريرك أدى إلى استصدار أمر بنفي البطريرك وتجريده من سلطاته لمدة عام.
ونتيجة لهذين العاملين بدأت تتشكل المسألة القبطية على يد الاحتلال الإنجليزي في مصر، وعندما بدأت في التشكل غيّر الإنجليز موقفهم، وبدءوا يظهرون بمظهر الحامي للأقليات في مصر؛ خاصة بعد اغتيال بطرس غالي، حيث أعلن "أخنوخ" أنه لا سلامة للأقباط في مصر إلا مع وجود الاحتلال.
حركة المؤتمر في الأوساط القبطية

كانت الفكرة الأساسية لعقد المؤتمر القبطي هي تأييد سلطة المجلس الملي بحيث يكون له حق الإشراف على حسابات الطائفة في الأوقاف، لكن اغتيال بطرس غالي حوّل المؤتمر عن قصده الأول، ووجد البعض في ذلك الحادث فرصة لتوحيد الخلافات القبطية وتوجيهها نحو المسلمين.
ولم تكن حركة المؤتمر واسعة في الأوساط القبطية، فقد وقف كثير من القبط ضد فكرة عقد المؤتمر، ومن الشخصيات التي لم تؤيد ذلك المؤتمر واصف غالي ابن بطرس غالي الذي اعتبر المؤتمر مضرا بالجهود المبذولة لدعم الوفاق بين عنصري الأمة، كما عارضه ويصا واصف، وأبدى بطريرك الأقباط الأنبا "كيرلس الخامس" فتورا وقلقا ملحوظا من المؤتمر، وأصدر بيانا في هذا الشأن لوحظ فيه القلق من اجتماع الطائفة القبطية منفردة، ومن مكان الاجتماع في أسيوط (جنوب مصر)، وأشار إلى أن ذلك سيؤدي إلى قلق الخواطر وانشغال البال، وجاء تأييد المؤتمر من فئة قليلة من الأقباط من أصحاب الأراضي والأعيان بالوجه القبلي.
وأمام عدم التجاوب من أكثرية الأقباط لفكرة عقد المؤتمر ومكان انعقاده شعر المنظمون له بقلق من إمكانية فشله، وأن تكون المقاطعة القبطية له أكبر من معارضة المسلمين له، فقامت الصحف القبطية المؤيدة للمؤتمر بشن هجوم عنيف على المقاطعين، ووصفتهم بأنهم ما هم إلا إخوان يهوذا الإسخريوطي (الذي وشى بمكان السيد المسيح عليه السلام).
الطريق إلى مؤتمر أسيوط
وكان محددا للمؤتمر أن ينعقد في (15 من صفر 1328 هـ=24 من فبراير 1910م) بأسيوط، لكن اغتيال "بطرس غالي" رئيس الوزراء أعاق انعقاد ذلك المؤتمر في ذلك التوقيت، وفي الذكرى الأولى لاغتيال "بطرس" اجتمع عدد من أعيان القبط الأسيوطيين وانتخبوا لجنة من أعيانهم للتباحث في "المسألة القبطية"، وبدأت أعمال الدعوة للمؤتمر، وبلغ عدد الحاضرين فيه من الأقباط حوالي 1150 معهم توكيلات من 10500 قبطي، وكان نص الدعوة التي وجهت للحضور هي "الأخذ بيد الطائفة القبطية في سبيل رقيها ورفع شأنها والبحث في شئون الأقباط المدنية".
كان المزاج الوطني في مصر مشحونا في تلك الفترة، وكان جو الحذر الشديد يخيم على الجميع حذرا من أن تؤدي تصرفات أقلية من الأقباط أو المسلمين إلى إشاعة روح الكراهية بين عنصري الأمة المصرية، وقد انعكست هذه الروح على أجواء المؤتمر وشكلت عائقا كبيرا أمام أي دعوة للخروج بمطالب متطرفة قد تضر بالتماسك الوطني المصري، فتم اختيار شخصية قبطية -أقرب إلى الاعتدال- وهي شخصية "بشرى حنا" لرئاسة المؤتمر بدلا من "أخنوخ فانوس" الذي كان يسعى إلى رئاسة المؤتمر، وهو معروف بآرائه المتطرفة التي كانت تبحث عن عناصر الشقاق والاختلاف بين عنصري الأمة المصرية، كذلك جاءت كلمات المتحدثين في المؤتمر على قدر كبير من الهدوء والعقلانية والبعد عن الإثارة وعلى قدر واضح من البحث عن عناصر التآلف بين المصريين.
وقد لوحظ من الجو السائد في المؤتمر أثناء افتتاحه أن القائمين عليه كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يخرج المؤتمر عن هدفه المنشود وألا يكون للخطاب الحاد مكان بين جنباته، وألا يكون صوت الفرقة هو الذي يعلو على صوت الوحدة والتآلف؛ ولذا كان هناك تحسب شديد من صدور مثل هذه الأصوات، وحتى لا تحدث مفاجآت غير متوقعة تم تحديد الخطباء الذين سيلقون الكلمات في المؤتمر، ولم يُسمح لأي شخص غيرهم بأن يتحدث إلا إذا عرض كلمته على لجنة الإدارة للمؤتمر قبلها بيوم واحد على الأقل مرفقا معها صورة من الخطبة التي سيلقيها، كذلك تم التشديد على عدم التعرض للمسائل الدينية أو السياسية، وحذرت من أن المخالفة في هذا الشأن سوف تمنع فورا.
عقد المؤتمر في (5 من ربيع الأول 1329 هـ=6 من مارس 1911م) وتم رفع العلم المصري فوق قاعة المؤتمر، وعزف السلام الخديوي، وبدأ المؤتمر بكلمة مطران أسيوط الذي طالب الحضور بأن يحافظوا على أحسن العلائق مع بقية إخوانهم المصريين، ثم توالت كلمات بقية الحضور، فتحدث المحامي "ميخائيل فانوس" حديثا بليغا تناول فيه مظاهر الوحدة بين المسلمين والأقباط باعتبار أن أصل هذا الشعب واحد منذ آلاف السنين، وأن التمييز الرئيسي بين المصريين قائم على المعتقد، وأن العقائد ليست هي الأساس الذي تقوم عليه الجنسية في وقتنا الحاضر، وأشار إلى أنه رأى في دار أبيه بالفيوم من المسلمين أكثر مما رأى من الأقباط، وأن بيتهم كان به مسجدات للصلاة ليؤدي عليها المسلمون عبادتهم عندما يحين وقتها.
لكن الملاحظ أن المؤتمر اكتسب خطورته الحقيقية من فكرة الانعقاد نفسها التي تقسم الأمة المصرية إلى عنصرين يقف كل منهما على ضفة من النهر، لا كشركاء يعيشون في وطن واحد.
مطالب المؤتمر وتوصياته

اللوردكرومر
-إجازة يوم الأحد: حيث طلب "أخنوخ فانوس" إعفاء الأقباط موظفين وطلبة من العمل يوم الأحد؛ لأن المسيحية تأمرهم بالتعطل في ذلك اليوم، فهو كما قال "سبت مقدس"، وبذلك حاول "أخنوخ" أن يعطي انطباعا في المؤتمر أن عطلة الأحد هي أمر إلهي مقدس من الواجب احترامه، وأن إهداره في المدارس هو تعليم للطلاب على إهدار أوامر دينهم، وانتهى المؤتمر في هذه الجزئية إلى رفع مطلبهم إلى خديوي مصر والتماس موافقته على تخصيص يوم الأحد كإجازة رسمية للأقباط.
-إسناد الوظائف بلا تمييز: ورأى "توفيق دوس" المتحدث في هذه القضية أن الوظائف العمومية ليست تركة عن الحكومة تقسمها تبعا للنسبة العددية، كما أنها ليست أرضا سائبة يملكها أول من يضع يده عليها، وأنه من المضر بمصالح الأقباط أن يطلبوا نسبة من تلك الوظائف موازية لعددهم، وضرورة حصر شروط التوظف في الجنسية المصرية والكفاءة، والشخصية، واستدل بأن شواهد التاريخ الإسلامي تؤكد أن مقاليد الحكم كانت بيد المسلمين والأقباط على السواء منذ دخول الإسلام إلى أرض مصر حتى عصر محمد علي باشا، وأن التمييز لم يحدث إلا مع مجيء الاحتلال البريطاني إلى مصر، وأكد أنه إذا كان يعارض تميز المسلم بوظيفة ما فإنه يعارض أيضا أن يتميز القبطي على المسلم في التوظيف.
واستقر الرأي في هذا المؤتمر على أن يكون شرط الكفاءة هو المقياس الوحيد للوصول إلى المناصب العمومية للأجنبي والمصري على حد سواء، رغم اعتراض بعض الأقباط على فتح ذلك الباب أمام الأجانب.
-الأقباط والمجالس النيابية: رأى البعض ضرورة أن يتم تمثيل الأقباط في البرلمان بنسبة تتوازى مع عددهم، وكان رأي البعض أنه يجب عدم ذكر كلمة قبطي ومسلم عند التعرض للشئون المصرية العمومية، وكان آخرون يرون أن يكون للأقباط وجود حقيقي في المجالس النيابية، وأن يشاركوا فعلا في السلطة، ومن الضروري إفساح الطريق أمام الأقلية للتمثيل في تلك المجالس، كان هذا الجانب من اهتمام المؤتمر موضع نقاش كبير تحدث فيه عدد من الحضور، حيث اقترح البعض أن يكون حق الانتخاب متاحا للجميع، وأن ينتخب كل فريق الآخر.
-ضريبة الخمسة في المائة: كانت المديريات في مصر تفرض ضريبة 5% تحصلها للإنفاق على الكتاتيب الموجودة في الأقاليم، وكانت الدعوة تطالب بأن يكون الاستفادة من نظام الكتاتيب متاحا للجميع المسلم والقبطي واليهودي بدون تمييز، فإذا لم يتيسر ذلك فيقترح تخصيص ما يدفعه الأقباط لكتاتيب خاصة بهم، واستقر الرأي على أن يكون نظام الكتاتيب متاحا للجميع لأن تقسيم التعليم يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية.
-الخزينة المصرية: كان اقتراح مرقص فهمي هو وجوب جعل الخزينة المصرية مصدرا للإنفاق على جميع المرافق المصرية على حد سواء، ودعا "مرقص" إلى أن تكون الوطنية دينا عاما للمصريين، يشترك جميع المصريين في واجبها المقدس، ودعا لأن تؤسس الوطنية على مبدأ المساواة الفعلية، وأكد أن الأقباط لا يريدون أن يكونوا في وطنهم كالسود في بلاد الأمريكان، معتبرا أنه يرى في تعلق القبطي بوظائف الحكومة علامة انحطاط وفتور، ودعا لئلا يتم النظر إلى ميزانية الدولة على أنها كالمال الموروث؛ فالواجبات الوطنية واحدة والوطن واحد.
وصدر كتاب بأعمال ذلك المؤتمر بعنوان "تذكار المؤتمر القبطي الأول" أصدره "توفيق حبيب".
وبعد ثلاثة أيام انقضى المؤتمر بانتخاب لجنة مستديمة من 70 عضوا، وانتخبت تلك اللجنة لجنة تنفيذية من 12 عضوا.
ورغم أن انعقاده كاد يشكل تصدعا في أساس الوطنية التي يقف عليها المصريون فإن المؤتمر أكد على قاعدة المواطنة المبنية على أساس من المساواة العامة، وذلك انطلاقا من القيم التي تربط المصريين ومن أساس آخر هو المصلحة، وأن التفرقة لن تكون في صالح الأقباط أنفسهم، وأن حل المشكلات بين المسلمين والأقباط لا يكون من خلال إقرار التمييز بين عنصري الأمة، ولكن يكون بمزيد من الانفتاح والاندماج بينهما من خلال التوظيف حسب الكفاءة، ومن التعليم المشترك الذي يبني قيمة التعايش بين المصريين منذ تنشئتهم الأولى، وكذلك أن يكون الانتخاب بالاقتراع العام، ومن ثم كان الاندماج هو الحل الأمثل الذي رآه المؤتمر، وأن يكون مبدأ المواطنة هو الحاكم للتعايش بين المصريين والأقباط.
كان من تداعيات المؤتمر القبطي أن انعقد مؤتمر آخر، عقده عدد من كبار الشخصيات المسلمة في مصر يوم السبت (30 من ربيع الثاني 1239هـ= 29 من إبريل 1911م) بحي مصر الجديدة عرف بالمؤتمر المصري.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
حدث في مثل هذا اليوم 6 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم غرة رجب
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شوال
حدث في مثل هذا اليوم : 28 إبريل
07-04-2006, 10:45 PM
usama2000
 
مشاركة: حدث في مثل هذا اليوم 5 ربيع أول

مشكور على المعلومات المفيده
من مواضيع : usama2000
07-04-2006, 10:46 PM
usama2000
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 6 ربيع اول

مشكور على المعلومات المفيده
من مواضيع : usama2000
07-04-2006, 10:47 PM
usama2000
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم 7 ربيع أول

مشكور على المعلومات المفيده
من مواضيع : usama2000
 

الكلمات الدلالية (Tags)
لوم, حدث, يوم, ربيع, في

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

حدث فى يوم 8 ربيع أول

الساعة الآن 09:07 PM.