xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الأخبار والحوادث > حدث فى مثل هذا اليوم - ميلادى - هجرى
التسجيل

حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان

حدث فى مثل هذا اليوم - ميلادى - هجرى

18-10-2006, 02:14 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم : 23 من رمضان

يوليو 1952.. مسيرة ثورة
(في ذكرى قيامها: 2 من ذي القعدة 1371هـ)


مصطفى عاشور



مجلس قيادة الثورة


شهدت الحياة السياسية في مصر عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية العديد من الأزمات السياسة في مختلف وجوه النشاط السياسي والاجتماعي، وتمثلت في: قضية الاستقلال الوطني، والنهوض الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وأزمة فلسطين، وأزمة الديمقراطية، ولم يكن هناك من سبيل للخروج من هذه الأزمات المترابطة إلا بعملية تغيير سياسي تحرك المياه الراكدة.
وكانت قضية الاستقلال أولى القضايا التي شغلت الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة، وكان الوفد هو رائد الحركة الوطنية والمطالب بالاستقلال بأسلوبه التقليدي وهو المفاوضة، ففي الفترة بين الحربين العالميتين جرت ست مفاوضات ومباحثات مع الإنجليز للحصول على الاستقلال فشلت جميعا عدا معاهدة (1355هـ= 1936م) التي وقّع عليها الوفد، وقبل فيها ببقاء القاعدة العسكرية البريطانية في مصر، فانحسر جزء من التأييد الشعبي له.
وخلال الحرب العالمية الثانية زاد تسلط الإنجليز على البلاد سياسيا واقتصاديا طبقا لما أملته المعاهدة السابقة من ضرورات الحرب، فلما انتهت الحرب تصاعدت مطالب الجلاء وإعادة النظر في المعاهدة، وفشلت حكومة السعديين وحكومة إسماعيل صدقي في تغييرها؛ فلجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولي ليتخذ قرارا بجلاء القوات البريطانية عنها وعن السودان فلم يؤيدها إلا ثلاثة أعضاء؛ فلجأت حكومة الوفد إلى إلغائها في (المحرم 1371هـ= أكتوبر 1951م)، وبذلك وصلت حكومة الوفد إلى أقصى ما تستطيع في المطالبة بالجلاء.
أما الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فشهدت فترة ما قبل ثورة يوليو أزمات اقتصادية أدت إلى اضطرابات اجتماعية وعمالية، فزاد حجم الإضرابات الاقتصادية والنقابية. وفي الريف كان المشهد غريبا؛ إذ يملك 0.5% من الملاك أكثر من ثلث الأراضي الزراعية، وفي مواجهتهم أحد عشر مليونا من الفلاحين المعدمين.
وأدت الأزمات الاقتصادية إلى حدوث هزات اجتماعية فأضرب عمال الحكومة عن العمل، وأضرب المدرسون، وأضرب رجال الشرطة، وظهرت بعض القلاقل في الريف. وكانت الأزمات تحيط بالحكومات المتعاقبة ولا تجد لها مخرجا، وهو ما يدل على عدم قدرة أطر النظام السياسي على استيعاب ما يواجهه من أزمات.
وجاءت قضية فلسطين لتزيد حالة الاحتقان التي يعاني منها المجتمع والحركة السياسية في مصر؛ حيث انتهت حرب فلسطين بهزيمة عانى منها الجيش والسياسة المصرية عامة، وترتب على ذلك لجوء بعض الفصائل في الحركة السياسية في مصر إلى استخدام العنف ضد خصومها، والعمل العسكري ضد المحتل الإنجليزي، وترتب على تلك الهزيمة أيضا بروز الجيش المصري كمؤسسة مرشحة للقيام بدور هام في الحياة السياسة المصرية، فظهرت قضية الجيش وتسليحه كقضية سياسية وليست كقضية عسكرية، وزاد تدهور الأوضاع في مصر مع حريق القاهرة في (جمادى الأولى 1371هـ= يناير 1952م)، وعجز النظام السياسي القائم عن ضبط الأمور وممارسة الحكم. وعرفت الشهور الستة التالية للحريق أربع وزارات لم تكمل آخرها اليومين حتى جاء انقلاب الجيش.
الضباط الأحرار

غابت المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية في مصر فترة جاوزت الخمسين عاما منذ الاحتلال البريطاني لمصر، حيث تم تصفية الجيش من الضباط العرابيين، ثم غُيّب الجيش في السودان، غير أن حركة الضباط بدأت تنشأ في أواخر الثلاثينيات من مجموعات من الضباط بأهداف عامة شائعة تمثل استجابة لروح العداء للاستعمار البريطاني فبدأت بلقاءات شباب الضباط في معسكرهم في "منقباد" بصعيد مصر عام (1357هـ= 1938م)، ومنهم جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وغيرهما.

جمال عبد الناصر


ثم ما لبث هؤلاء الضباط أن شكلوا حركتهم التنظيمية السياسية وآثروا الابتعاد عن الارتباط بالحركات الحزبية في المجتمع، وإن انتمى بعض ضباط حركة الضباط الأحرار إلى تيارات سياسية وفكرية معينة، وتشكلت اللجنة لهم عام (1369هـ= 1949م)، وعقدت أول اجتماعاتها واتفقت على تكوين خلايا سرية في الجيش إعدادا للانقلاب العسكري بعد ست سنوات.
إلا أن الضباط عجلوا القيام بانقلابهم بسبب معرفة الملك وأعوانه بحركتهم بعدما دخلوا في مواجهة علنية مع الملك فاروق في انتخابات نادي الضباط أسفرت عن فوز مرشحهم اللواء محمد نجيب على مرشح الملك في رئاسة النادي؛ فتقرر تعجيل موعد قيام الجيش بحركته، خاصة بعد تمكن الجهات الأمنية من كشف أسماء بعض الضباط الأحرار وغالبيتهم في اللجنة التأسيسية.
واختيرت ليلة 22 يوليو لها حتى تفاجأ الحكومة الجديدة التي يرأسها أحمد نجيب الهلالي، قبل أن يتمكن وزير الحربية الجديد من إصدار التعليمات والأوامر بالتصدي لها، ثم أجّل جمال عبد الناصر الموعد ليلة واحدة ليتمكن من استطلاع رأي قيادة الإخوان المسلمين في الموافقة على قيام حركة الجيش.
كان عدد الضباط الأحرار الذين أسهموا فعلا في القيام بحركة 23 يوليو حوالي تسعين ضابطا، كان ثلثهم من الضباط صغيري الرتب من رتبتي النقيب والملازم، أما الثلث الباقي من الضباط فأعلاهم رتبة هو المقدم (البكباشي). ولم يكن للتنظيم أحد في السلاح البحري قط، وكان لديه أعداد يطمئن إليها في سلاحي الفرسان والمدفعية والطيران.
وزارة الهلالي

كان نجاح اللواء محمد نجيب في انتخابات نادي الضباط على غير رغبة القصر ذا تأثير كبير في الحياة السياسية؛ إذ عمل القصر على حل مجلس إدارة نادي الضباط، فاستقال اللواء نجيب، وتدخل رئيس الوزراء حسين سري لإنقاذ الموقف بأن يعين نجيب وزيرا للحربية، فلم يتمكن من ذلك فقدم استقالته؛ فاختار الملك محمد نجيب الهلالي لتشكيل الوزارة الجديدة في (28 شوال 1371هـ= 22 يوليو 1952م)، واختير إسماعيل شريف الموالي للقصر وزيرا للحربية، غير أن هذه الوزارة لم تكمل يومين حتى قامت الثورة، وتحرك الجيش بقيادة اللواء محمد نجيب، وسيطروا على بعض الأماكن العسكرية وقيادة الجيش، وأعلن المقدم أنور السادات البيان الأول للثورة يوم (2 ذي القعدة= 23 يوليو).
واستطاع تنظيم الضباط الأحرار تقويض النظام القائم في ساعات معدودة، واعتلت حركة الجيش قيادة السلطة في البلاد، وقدم اللواء نجيب إلى رئيس الوزراء محمد نجيب الهلالي طلبات الجيش، وهي: تكليف السياسي المخضرم علي ماهر بتشكيل وزارة جديدة، وتعيين اللواء محمد نجيب قائدا عاما للجيش، وطرد ستة من حاشية الملك؛ فرفع رئيس الوزراء هذه الطلبات إلى الملك، فوافق عليها، ثم خُلع الملك فاروق بعد أربعة أيام من قيام الثورة، وغادر الملك وأسرته مصر واتجه إلى إيطاليا، وأُعلن أحمد فؤاد الثاني ملكا على مصر، تحت إشراف مجلس الوصاية.
ولعل نجاح حركة الضباط الأحرار في القيام بانقلابها الناجح، واستطاعتها السيطرة على الحكم وخلع الملك، رغم انكشاف بعض أفرادها قبل القيام بالحركة، وصغر عدد ورتب الضباط القائمين بها، واقتصارهم على بعض الأسلحة دون غيرها -يعود إلى استفادتها من بعض الإمكانات المؤسسية المتاحة لها كتنظيم عسكري؛ حيث قصرت الحركة أهدافها في تحقيق الانقلاب على احتلال أهداف عسكرية محددة هي مبنى قيادة الجيش ومعسكرات العباسية وألماظة، فضلاً عن هدف مدني واحد هو مبنى الإذاعة.
كما أن استقلال الضباط عن الحركة الحزبية مكنهم من التحرك باسم المؤسسة العسكرية، فاستقطبت بذلك ليلة الثورة قسما من الضباط غير المنضمين إليها، مثل: العقيد أحمد شوقي الذي انضم قبل قيام الثورة بست ساعات؛ ثقة منه في اسم محمد نجيب.
كذلك أفاد في فاعلية التحرك استغلال الضباط وضعهم الوظيفي بالجيش، فجرى التحرك في شكل تعليمات تنفيذية، دون إدراك المأمورين بالهدف وراء ذلك، فمثلا يوسف صديق أحد الضباط المشاركين في الثورة أظهر لجنوده أنهم يقومون بعمل خطير لصالح الوطن، ولم يدرك هؤلاء أنهم يقومون بانقلاب عسكري، يستهدف السلطة وخلع الملك، ولعل بعضهم ظن أنه يتحرك تنفيذا لأوامر الدولة وليس العكس. يضاف إلى ذلك أن مخططي حركة يوليو حرصوا أن يجذبوا بعض أصحاب الرتب المعتبرة نسبيا لملء الفراغ في القيادة، فجاء اختيار اللواء محمد نجيب ليرأس الحركة؛ لما يتمتع به من رتبة عالية وسمعة طيبة في الجيش، كما أنه شخصية معروفة للمدنيين.
قوانين الثورة الجديدة

اتخذت الثورة عددا من الإجراءات المحققة لأهدافها السياسية والاجتماعية التي تبنتها، وفي دعم سلطتها الجديدة وتثبيت أركانها، فأصدرت بعد أيام من قيامها أمرا بإلغاء الألقاب، ثم أصدرت قانون تطهير الإدارة الحكومية.
وقد قام اللواء نجيب بتشكيل وزارة جديدة (18 من ذي الحجة= 7 من سبتمبر) أصدرت بعد يومين من تشكيلها قانون الإصلاح الزراعي الذي حدد الملكية الزراعية، وكان هذا القانون إجراء ثوريا ذا صلة مباشرة بجوهر المشكلة الاجتماعية القائمة وقتها، وأوجد شعبية كبيرة للثورة في الريف. أما القانون الآخر الذي أصدرته الوزارة فهو قانون حل الأحزاب.
كان دستور 1923 يشكل عائقا أمام عدد من القوانين التي تصدرها الثورة، حيث عُرضت هذه القوانين على المحاكم، ودُفع بعدم دستوريتها، كما أن القوانين كانت تصدر بأوامر ملكية من هيئة الوصاية دون عرضها على مجلس النواب لإقرارها؛ لأن المجلس حل قبل قيام الثورة، وهذا الأمر يشكل تهديدا على شرعية الثورة الوليدة؛ لذلك ألغت قيادة الثورة دستور 1923م ببيان أعلنه القائد العام للجيش في (23 من ربيع الأول 1372هـ= 10 من ديسمبر 1952م).
وكان أهم قرارات الثورة في (6 من شوال 1372هـ= 18 من يونيو 1953م) حيث أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بإلغاء النظام الملكي، وإعلان النظام الجمهوري، واستقالت وزارة محمد نجيب، وشُكلت وزارة جديدة ضمت عددا كبيرا من العسكريين، وأصبح نجيب رئيسا للجمهورية، ورئيسا لمجلس قيادة الثورة، ورئيسا للوزراء، وكان أول قرار وقعه الرئيس نجيب مرسوم ترقية الرائد عبد الحكيم عامر إلى رتبة اللواء، وتعيينه قائدا عاما للجيش.
حركة المدفعية والفرسان

عندما قامت ثورة يوليو لم يكن لتنظيم الضباط الأحرار خريطة تنظيمية ترسم الأبنية ومستويات العمل والعضوية وتحدد الاختصاصات وطريقة اختيار القيادات، فلم يظهر من الناحية التنظيمية إلا الهيئة التأسيسية قبل ثورة يوليو، التي ما لبثت أن اتخذت اسم مجلس قيادة الثورة، وتُتخذ فيها القرارات بالأغلبية؛ لذلك وجد كثير من أعضاء التنظيم أنفسهم أمام أحد خيارين: إما أن يرتبطوا بواحد من قيادات الحركة وبخاصة جمال عبد الناصر؛ فيكتسبوا بهذه الصفة ووجودهم السياسي النشط، بينما وجد آخرون أنفسهم في وضع لا يسمح لهم بذلك وبالتالي لم يكونوا إلا مجرد ضباط جيش، لا إسهام لهم في رسم السياسات؛ لذلك بدأ يظهر تيار معارض لقيادة الثورة في سلاح المدفعية وسلاح الفرسان، ففي المدفعية استمرت اجتماعات الضباط الأحرار في السلاح بعد الثورة تناقش مواقف القيادة، واشتد نقد تصرفات عدد منها، وطبعوا منشورات تطالب بتكوين قيادة جديدة عن طريق الانتخاب الحر، فانتهى الأمر باعتقال هؤلاء الضباط في (جمادى الأولى 1372هـ = يناير 1953م).
وفي سلاح الفرسان والمشاة تحدث الضباط عن جمعية عمومية تُعرض عليها القرارات الكبيرة التي تتعلق بالبلاد حتى لا ينفرد عشرة أو أكثر بإصدار مثل هذه القرارات، وطالبوا بإجراء انتخابات لمجلس قيادة الثورة، واقترح بعضهم أن يشمل المجلس أعضاء دائمين وآخرين منتخبين، كما طالب البعض بأن يكون مجلس إدارة نادي الضباط الذي حله الملك هو الممثل المنتخب لحركة ضباط الجيش.
وتقدم هؤلاء بطلب إلى محمد نجيب لتنظيم هيئة الضباط الأحرار، وتكوين رئاسة لها بالانتخاب من مندوبي الأسلحة، وذلك في (ذي الحجة 1371هـ= أغسطس 1952م) فلم تستجب قيادة الثورة لذلك، وما لبثت أن أصدرت قرارا بإلغاء تنظيم الضباط الأحرار بحجة أنه استنفد أغراضه، فتمسك الضباط بتنظيمهم وكونوا لجانا منهم عن طريق الانتخاب. فلما علمت القيادة بذلك نقلت بعض موجهي الحركة خارج أسلحتهم، واعتقلت البعض، فتجمع حوالي أربعمائة ضابط في ميس المدفعية مقررين الاعتصام حتى يُفرج عن زملائهم فاعتُقل البعض وحققت معهم قيادة الثورة، وكانت تلك الكلمة الفصل في وجود تنظيم الضباط الأحرار. وشهد (شهر جمادى الأولى 1372هـ = يناير 1953م)، أي بعد ستة أشهر من قيام الثورة، حملة اعتقالات بين الساسة المدنيين، وقرارا بحل الأحزاب، واعتقال ومحاكمة بعض ضباط المدفعية، وحل تنظيم الضباط الأحرار.
أزمة مارس

لم تقض حملة اعتقالات الضباط المعارضين وحل تنظيم الضباط الأحرار على حركة المعارضة في الجيش، حيث تصاعدت المعارضة بداخله في سلاح الفرسان في (رجب 1373هـ= مارس 1954م)، متواكبة مع حركة الصراع الحزبي ضد قيادة الثورة، وصفّيت الحركتان في أوقات متقاربة.
فقد تشكل مجلس قيادة الثورة من أحد عشر عضوا رأسه محمد نجيب، وكانت القيادة الحقيقية فيه لجمال عبد الناصر رئيس اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، وبدت في المجلس زعامتان، اكتسبت فيها زعامة محمد نجيب تأييد شعبيا كبيرا بسبب الإنجازات التي حققتها الثورة في بداية عهدها، أما زعامة عبد الناصر فقد استمرت علاقته الوثيقة بالضباط سواء في قيادة الثورة أو بين الضباط الأحرار.
وقد ازدادت السلطة الفردية لعبد الناصر مع تقدم انتصار مجلس قيادة الثورة على معارضيه من الأحزاب المختلفة، حيث وقف غالبية المجلس مع عبد الناصر في مواجهة الحركة الحزبية باستثناء يوسف صديق وخالد محيي الدين، وكان دور هذه الأغلبية يضعف بقدر ما كانوا يتغلبون على الحركة الحزبية.
وفي أزمة الصراع على السلطة بين نجيب وناصر، وجد نجيب نفسه رئيسا بلا صلاحيات بل ويتعرض إلى مضايقات تصل إلى حد الإهانة من بعض أعضاء المجلس، فقدم استقالته إلى مجلس قيادة الثورة في (19 من جمادى الآخرة 1373هـ= 22 من فبراير 1954م) فقبل المجلس استقالته، فقامت المظاهرات المؤيدة له التي قادها الإخوان المسلمون وكل القوى المناوئة للاستبداد والتسلط العسكري، وطالبوا بعودة الحكم المدني، كذلك تحرك سلاح الفرسان، وطالب بعودة نجيب.
وأمام هذا الإصرار الشعبي عاد نجيب إلى الحكم مرة ثانية، وأعلن إجراءات لوضع دستور وعودة الحياة المدنية، إلا أن عبد الناصر أدار معركة أخرى في الخفاء تخلص خلالها من مؤيدي نجيب في الجيش، ودبرت أعمال شغب وإضرابات في عدد من أحياء القاهرة، وقامت مظاهرات مدفوعة الأجر تندد بالحكم الديمقراطي وتدعو إلى سقوط نجيب، واقتحمت مجلس الدولة، واعتدت على رئيسه الفقيه الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري بالضرب، وحلّت جماعة الإخوان المسلمين، وبذلك استطاع عبد الناصر أن يجرد محمد نجيب من مؤيديه قبل معركته معه التي انتهت في (11 من شعبان 1373هـ= 17 من أبريل 1954م) باستقالة نجيب، وتولي عبد الناصر مكانه.
السودان والجلاء

كان موضوع السودان هو نقطة الخلاف الدائمة بين المفاوضين المصريين والبريطانيين لمدة تزيد على الثلاثين عامًا، فمصر تعتبر السودان جزءا منها لا يمكن التنازل عنه، وبريطانيا تريد فصل الاثنين؛ لذلك رأى رجال الثورة حل مشكلة السودان حتى يتمكنوا من التفاوض مع الإنجليز للجلاء عن مصر، فوافق الزعماء السودانيون على هذا الأمر، ودمجت الأحزاب السودانية التي تنادي بالاتحاد مع مصر في الحزب الوطني الاتحادي.
وكان على السودانيين أن يقرروا مصيرهم، إما بالاتحاد مع مصر أو الاستقلال، إلا أن سياسة بعض رجال الثورة خاصة "صلاح سالم" المسئول عنه الملف السوداني أدت إلى سقوط وزارة إسماعيل الأزهري المؤيدة للاتحاد مع مصر، وتألفت وزارة جديدة كانت تطلب الاستقلال، وبذلك انفصل السودان عن مصر.
وقامت الثورة بالتفاوض مع الإنجليز للجلاء عن مصر حتى جلت نهائيا عن مصر في (10 من ذي الحجة 1375هـ= 18 من يوليو 1956م). وانتقد الكثيرون اتفاقية الجلاء؛ لأنها أبقت مصر مرتبطة بالإنجليز، وضمنت لهم العودة إلى قواعدهم العسكرية في حالة حدوث اعتداء على مصر أو تركيا، وكان أكثر المنتقدين لها الإخوان المسلمين، وهو ما أوجد فجوة عميقة بين الجانبين.
…إن ثورة يوليو وأحداثها غزيرة؛ لأنها ارتبطت بمرحلة من التطور في مصر والعالم العربي، تصاعدت فيها موجات التحرير من الاستعمار والرغبة في الاستقلال، وهو ما عملت الثورة على تدعيمه ومساندته؛ فأيدت حركات التحرر العربي وغيرها.
أما على صعيد الداخل فكان للثورة أنصارها وخصومها، ضحاياها والمنتفعون منها، وكل يتخذ موقفه من تجربته التاريخية وملاصقته للحدث، وما تعرض له بسبب مواقفه. وإن كانت الثورة نجحت في إقصاء الملك عن عرشه وإقامة الجمهورية وإجلاء الإنجليز، وتحقيق نوع ما من العدالة الاجتماعية استفادت منه بعض طبقات الشعب خاصة المعدمة والفقيرة، فإن الديمقراطية وحرية الإنسان وكرامته كانت أولى ضحاياها؛ حيث نحّت الثورة الحياة الليبرالية التي اتسمت بها الحياة السياسية قبل الثورة، والتي تعد من أزهى عصور الديمقراطية في مصر، وجاءت بالحكم الفردي العسكري؛ حيث ذابت المؤسسات والقوى السياسية في شخص الزعيم، فأصبح هو القائد والمؤسسة.
من مصادر الدراسة:
· طارق البشري: الديمقراطية ونظام 23 يوليو- دار الهلال- القاهرة- ديسمبر- 1991.
· جمال حماد: 22 يوليو أطول يوم في تاريخ مصر- دار الهلال- القاهرة- إبريل- 1983م.
· طارق البشري: الديمقراطية والناصرية- دار الثقافة الجديدة- القاهرة- 1975م.
· عبد الرحمن الرافعي: ثورة 23 يوليو 1952- تاريخنا القومي في سبع سنوات 1952-1959- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة- 1959.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم : 30 / 11
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
حدث فى مثل هذا اليوم 1 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شعبان
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شوال
18-10-2006, 02:14 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم : 23 من رمضان

يوليو 1952.. مسيرة ثورة
(في ذكرى قيامها: 2 من ذي القعدة 1371هـ)


مصطفى عاشور



مجلس قيادة الثورة


شهدت الحياة السياسية في مصر عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية العديد من الأزمات السياسة في مختلف وجوه النشاط السياسي والاجتماعي، وتمثلت في: قضية الاستقلال الوطني، والنهوض الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وأزمة فلسطين، وأزمة الديمقراطية، ولم يكن هناك من سبيل للخروج من هذه الأزمات المترابطة إلا بعملية تغيير سياسي تحرك المياه الراكدة.
وكانت قضية الاستقلال أولى القضايا التي شغلت الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة، وكان الوفد هو رائد الحركة الوطنية والمطالب بالاستقلال بأسلوبه التقليدي وهو المفاوضة، ففي الفترة بين الحربين العالميتين جرت ست مفاوضات ومباحثات مع الإنجليز للحصول على الاستقلال فشلت جميعا عدا معاهدة (1355هـ= 1936م) التي وقّع عليها الوفد، وقبل فيها ببقاء القاعدة العسكرية البريطانية في مصر، فانحسر جزء من التأييد الشعبي له.
وخلال الحرب العالمية الثانية زاد تسلط الإنجليز على البلاد سياسيا واقتصاديا طبقا لما أملته المعاهدة السابقة من ضرورات الحرب، فلما انتهت الحرب تصاعدت مطالب الجلاء وإعادة النظر في المعاهدة، وفشلت حكومة السعديين وحكومة إسماعيل صدقي في تغييرها؛ فلجأت مصر إلى مجلس الأمن الدولي ليتخذ قرارا بجلاء القوات البريطانية عنها وعن السودان فلم يؤيدها إلا ثلاثة أعضاء؛ فلجأت حكومة الوفد إلى إلغائها في (المحرم 1371هـ= أكتوبر 1951م)، وبذلك وصلت حكومة الوفد إلى أقصى ما تستطيع في المطالبة بالجلاء.
أما الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فشهدت فترة ما قبل ثورة يوليو أزمات اقتصادية أدت إلى اضطرابات اجتماعية وعمالية، فزاد حجم الإضرابات الاقتصادية والنقابية. وفي الريف كان المشهد غريبا؛ إذ يملك 0.5% من الملاك أكثر من ثلث الأراضي الزراعية، وفي مواجهتهم أحد عشر مليونا من الفلاحين المعدمين.
وأدت الأزمات الاقتصادية إلى حدوث هزات اجتماعية فأضرب عمال الحكومة عن العمل، وأضرب المدرسون، وأضرب رجال الشرطة، وظهرت بعض القلاقل في الريف. وكانت الأزمات تحيط بالحكومات المتعاقبة ولا تجد لها مخرجا، وهو ما يدل على عدم قدرة أطر النظام السياسي على استيعاب ما يواجهه من أزمات.
وجاءت قضية فلسطين لتزيد حالة الاحتقان التي يعاني منها المجتمع والحركة السياسية في مصر؛ حيث انتهت حرب فلسطين بهزيمة عانى منها الجيش والسياسة المصرية عامة، وترتب على ذلك لجوء بعض الفصائل في الحركة السياسية في مصر إلى استخدام العنف ضد خصومها، والعمل العسكري ضد المحتل الإنجليزي، وترتب على تلك الهزيمة أيضا بروز الجيش المصري كمؤسسة مرشحة للقيام بدور هام في الحياة السياسة المصرية، فظهرت قضية الجيش وتسليحه كقضية سياسية وليست كقضية عسكرية، وزاد تدهور الأوضاع في مصر مع حريق القاهرة في (جمادى الأولى 1371هـ= يناير 1952م)، وعجز النظام السياسي القائم عن ضبط الأمور وممارسة الحكم. وعرفت الشهور الستة التالية للحريق أربع وزارات لم تكمل آخرها اليومين حتى جاء انقلاب الجيش.
الضباط الأحرار

غابت المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية في مصر فترة جاوزت الخمسين عاما منذ الاحتلال البريطاني لمصر، حيث تم تصفية الجيش من الضباط العرابيين، ثم غُيّب الجيش في السودان، غير أن حركة الضباط بدأت تنشأ في أواخر الثلاثينيات من مجموعات من الضباط بأهداف عامة شائعة تمثل استجابة لروح العداء للاستعمار البريطاني فبدأت بلقاءات شباب الضباط في معسكرهم في "منقباد" بصعيد مصر عام (1357هـ= 1938م)، ومنهم جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وغيرهما.

جمال عبد الناصر


ثم ما لبث هؤلاء الضباط أن شكلوا حركتهم التنظيمية السياسية وآثروا الابتعاد عن الارتباط بالحركات الحزبية في المجتمع، وإن انتمى بعض ضباط حركة الضباط الأحرار إلى تيارات سياسية وفكرية معينة، وتشكلت اللجنة لهم عام (1369هـ= 1949م)، وعقدت أول اجتماعاتها واتفقت على تكوين خلايا سرية في الجيش إعدادا للانقلاب العسكري بعد ست سنوات.
إلا أن الضباط عجلوا القيام بانقلابهم بسبب معرفة الملك وأعوانه بحركتهم بعدما دخلوا في مواجهة علنية مع الملك فاروق في انتخابات نادي الضباط أسفرت عن فوز مرشحهم اللواء محمد نجيب على مرشح الملك في رئاسة النادي؛ فتقرر تعجيل موعد قيام الجيش بحركته، خاصة بعد تمكن الجهات الأمنية من كشف أسماء بعض الضباط الأحرار وغالبيتهم في اللجنة التأسيسية.
واختيرت ليلة 22 يوليو لها حتى تفاجأ الحكومة الجديدة التي يرأسها أحمد نجيب الهلالي، قبل أن يتمكن وزير الحربية الجديد من إصدار التعليمات والأوامر بالتصدي لها، ثم أجّل جمال عبد الناصر الموعد ليلة واحدة ليتمكن من استطلاع رأي قيادة الإخوان المسلمين في الموافقة على قيام حركة الجيش.
كان عدد الضباط الأحرار الذين أسهموا فعلا في القيام بحركة 23 يوليو حوالي تسعين ضابطا، كان ثلثهم من الضباط صغيري الرتب من رتبتي النقيب والملازم، أما الثلث الباقي من الضباط فأعلاهم رتبة هو المقدم (البكباشي). ولم يكن للتنظيم أحد في السلاح البحري قط، وكان لديه أعداد يطمئن إليها في سلاحي الفرسان والمدفعية والطيران.
وزارة الهلالي

كان نجاح اللواء محمد نجيب في انتخابات نادي الضباط على غير رغبة القصر ذا تأثير كبير في الحياة السياسية؛ إذ عمل القصر على حل مجلس إدارة نادي الضباط، فاستقال اللواء نجيب، وتدخل رئيس الوزراء حسين سري لإنقاذ الموقف بأن يعين نجيب وزيرا للحربية، فلم يتمكن من ذلك فقدم استقالته؛ فاختار الملك محمد نجيب الهلالي لتشكيل الوزارة الجديدة في (28 شوال 1371هـ= 22 يوليو 1952م)، واختير إسماعيل شريف الموالي للقصر وزيرا للحربية، غير أن هذه الوزارة لم تكمل يومين حتى قامت الثورة، وتحرك الجيش بقيادة اللواء محمد نجيب، وسيطروا على بعض الأماكن العسكرية وقيادة الجيش، وأعلن المقدم أنور السادات البيان الأول للثورة يوم (2 ذي القعدة= 23 يوليو).
واستطاع تنظيم الضباط الأحرار تقويض النظام القائم في ساعات معدودة، واعتلت حركة الجيش قيادة السلطة في البلاد، وقدم اللواء نجيب إلى رئيس الوزراء محمد نجيب الهلالي طلبات الجيش، وهي: تكليف السياسي المخضرم علي ماهر بتشكيل وزارة جديدة، وتعيين اللواء محمد نجيب قائدا عاما للجيش، وطرد ستة من حاشية الملك؛ فرفع رئيس الوزراء هذه الطلبات إلى الملك، فوافق عليها، ثم خُلع الملك فاروق بعد أربعة أيام من قيام الثورة، وغادر الملك وأسرته مصر واتجه إلى إيطاليا، وأُعلن أحمد فؤاد الثاني ملكا على مصر، تحت إشراف مجلس الوصاية.
ولعل نجاح حركة الضباط الأحرار في القيام بانقلابها الناجح، واستطاعتها السيطرة على الحكم وخلع الملك، رغم انكشاف بعض أفرادها قبل القيام بالحركة، وصغر عدد ورتب الضباط القائمين بها، واقتصارهم على بعض الأسلحة دون غيرها -يعود إلى استفادتها من بعض الإمكانات المؤسسية المتاحة لها كتنظيم عسكري؛ حيث قصرت الحركة أهدافها في تحقيق الانقلاب على احتلال أهداف عسكرية محددة هي مبنى قيادة الجيش ومعسكرات العباسية وألماظة، فضلاً عن هدف مدني واحد هو مبنى الإذاعة.
كما أن استقلال الضباط عن الحركة الحزبية مكنهم من التحرك باسم المؤسسة العسكرية، فاستقطبت بذلك ليلة الثورة قسما من الضباط غير المنضمين إليها، مثل: العقيد أحمد شوقي الذي انضم قبل قيام الثورة بست ساعات؛ ثقة منه في اسم محمد نجيب.
كذلك أفاد في فاعلية التحرك استغلال الضباط وضعهم الوظيفي بالجيش، فجرى التحرك في شكل تعليمات تنفيذية، دون إدراك المأمورين بالهدف وراء ذلك، فمثلا يوسف صديق أحد الضباط المشاركين في الثورة أظهر لجنوده أنهم يقومون بعمل خطير لصالح الوطن، ولم يدرك هؤلاء أنهم يقومون بانقلاب عسكري، يستهدف السلطة وخلع الملك، ولعل بعضهم ظن أنه يتحرك تنفيذا لأوامر الدولة وليس العكس. يضاف إلى ذلك أن مخططي حركة يوليو حرصوا أن يجذبوا بعض أصحاب الرتب المعتبرة نسبيا لملء الفراغ في القيادة، فجاء اختيار اللواء محمد نجيب ليرأس الحركة؛ لما يتمتع به من رتبة عالية وسمعة طيبة في الجيش، كما أنه شخصية معروفة للمدنيين.
قوانين الثورة الجديدة

اتخذت الثورة عددا من الإجراءات المحققة لأهدافها السياسية والاجتماعية التي تبنتها، وفي دعم سلطتها الجديدة وتثبيت أركانها، فأصدرت بعد أيام من قيامها أمرا بإلغاء الألقاب، ثم أصدرت قانون تطهير الإدارة الحكومية.
وقد قام اللواء نجيب بتشكيل وزارة جديدة (18 من ذي الحجة= 7 من سبتمبر) أصدرت بعد يومين من تشكيلها قانون الإصلاح الزراعي الذي حدد الملكية الزراعية، وكان هذا القانون إجراء ثوريا ذا صلة مباشرة بجوهر المشكلة الاجتماعية القائمة وقتها، وأوجد شعبية كبيرة للثورة في الريف. أما القانون الآخر الذي أصدرته الوزارة فهو قانون حل الأحزاب.
كان دستور 1923 يشكل عائقا أمام عدد من القوانين التي تصدرها الثورة، حيث عُرضت هذه القوانين على المحاكم، ودُفع بعدم دستوريتها، كما أن القوانين كانت تصدر بأوامر ملكية من هيئة الوصاية دون عرضها على مجلس النواب لإقرارها؛ لأن المجلس حل قبل قيام الثورة، وهذا الأمر يشكل تهديدا على شرعية الثورة الوليدة؛ لذلك ألغت قيادة الثورة دستور 1923م ببيان أعلنه القائد العام للجيش في (23 من ربيع الأول 1372هـ= 10 من ديسمبر 1952م).
وكان أهم قرارات الثورة في (6 من شوال 1372هـ= 18 من يونيو 1953م) حيث أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بإلغاء النظام الملكي، وإعلان النظام الجمهوري، واستقالت وزارة محمد نجيب، وشُكلت وزارة جديدة ضمت عددا كبيرا من العسكريين، وأصبح نجيب رئيسا للجمهورية، ورئيسا لمجلس قيادة الثورة، ورئيسا للوزراء، وكان أول قرار وقعه الرئيس نجيب مرسوم ترقية الرائد عبد الحكيم عامر إلى رتبة اللواء، وتعيينه قائدا عاما للجيش.
حركة المدفعية والفرسان

عندما قامت ثورة يوليو لم يكن لتنظيم الضباط الأحرار خريطة تنظيمية ترسم الأبنية ومستويات العمل والعضوية وتحدد الاختصاصات وطريقة اختيار القيادات، فلم يظهر من الناحية التنظيمية إلا الهيئة التأسيسية قبل ثورة يوليو، التي ما لبثت أن اتخذت اسم مجلس قيادة الثورة، وتُتخذ فيها القرارات بالأغلبية؛ لذلك وجد كثير من أعضاء التنظيم أنفسهم أمام أحد خيارين: إما أن يرتبطوا بواحد من قيادات الحركة وبخاصة جمال عبد الناصر؛ فيكتسبوا بهذه الصفة ووجودهم السياسي النشط، بينما وجد آخرون أنفسهم في وضع لا يسمح لهم بذلك وبالتالي لم يكونوا إلا مجرد ضباط جيش، لا إسهام لهم في رسم السياسات؛ لذلك بدأ يظهر تيار معارض لقيادة الثورة في سلاح المدفعية وسلاح الفرسان، ففي المدفعية استمرت اجتماعات الضباط الأحرار في السلاح بعد الثورة تناقش مواقف القيادة، واشتد نقد تصرفات عدد منها، وطبعوا منشورات تطالب بتكوين قيادة جديدة عن طريق الانتخاب الحر، فانتهى الأمر باعتقال هؤلاء الضباط في (جمادى الأولى 1372هـ = يناير 1953م).
وفي سلاح الفرسان والمشاة تحدث الضباط عن جمعية عمومية تُعرض عليها القرارات الكبيرة التي تتعلق بالبلاد حتى لا ينفرد عشرة أو أكثر بإصدار مثل هذه القرارات، وطالبوا بإجراء انتخابات لمجلس قيادة الثورة، واقترح بعضهم أن يشمل المجلس أعضاء دائمين وآخرين منتخبين، كما طالب البعض بأن يكون مجلس إدارة نادي الضباط الذي حله الملك هو الممثل المنتخب لحركة ضباط الجيش.
وتقدم هؤلاء بطلب إلى محمد نجيب لتنظيم هيئة الضباط الأحرار، وتكوين رئاسة لها بالانتخاب من مندوبي الأسلحة، وذلك في (ذي الحجة 1371هـ= أغسطس 1952م) فلم تستجب قيادة الثورة لذلك، وما لبثت أن أصدرت قرارا بإلغاء تنظيم الضباط الأحرار بحجة أنه استنفد أغراضه، فتمسك الضباط بتنظيمهم وكونوا لجانا منهم عن طريق الانتخاب. فلما علمت القيادة بذلك نقلت بعض موجهي الحركة خارج أسلحتهم، واعتقلت البعض، فتجمع حوالي أربعمائة ضابط في ميس المدفعية مقررين الاعتصام حتى يُفرج عن زملائهم فاعتُقل البعض وحققت معهم قيادة الثورة، وكانت تلك الكلمة الفصل في وجود تنظيم الضباط الأحرار. وشهد (شهر جمادى الأولى 1372هـ = يناير 1953م)، أي بعد ستة أشهر من قيام الثورة، حملة اعتقالات بين الساسة المدنيين، وقرارا بحل الأحزاب، واعتقال ومحاكمة بعض ضباط المدفعية، وحل تنظيم الضباط الأحرار.
أزمة مارس

لم تقض حملة اعتقالات الضباط المعارضين وحل تنظيم الضباط الأحرار على حركة المعارضة في الجيش، حيث تصاعدت المعارضة بداخله في سلاح الفرسان في (رجب 1373هـ= مارس 1954م)، متواكبة مع حركة الصراع الحزبي ضد قيادة الثورة، وصفّيت الحركتان في أوقات متقاربة.
فقد تشكل مجلس قيادة الثورة من أحد عشر عضوا رأسه محمد نجيب، وكانت القيادة الحقيقية فيه لجمال عبد الناصر رئيس اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، وبدت في المجلس زعامتان، اكتسبت فيها زعامة محمد نجيب تأييد شعبيا كبيرا بسبب الإنجازات التي حققتها الثورة في بداية عهدها، أما زعامة عبد الناصر فقد استمرت علاقته الوثيقة بالضباط سواء في قيادة الثورة أو بين الضباط الأحرار.
وقد ازدادت السلطة الفردية لعبد الناصر مع تقدم انتصار مجلس قيادة الثورة على معارضيه من الأحزاب المختلفة، حيث وقف غالبية المجلس مع عبد الناصر في مواجهة الحركة الحزبية باستثناء يوسف صديق وخالد محيي الدين، وكان دور هذه الأغلبية يضعف بقدر ما كانوا يتغلبون على الحركة الحزبية.
وفي أزمة الصراع على السلطة بين نجيب وناصر، وجد نجيب نفسه رئيسا بلا صلاحيات بل ويتعرض إلى مضايقات تصل إلى حد الإهانة من بعض أعضاء المجلس، فقدم استقالته إلى مجلس قيادة الثورة في (19 من جمادى الآخرة 1373هـ= 22 من فبراير 1954م) فقبل المجلس استقالته، فقامت المظاهرات المؤيدة له التي قادها الإخوان المسلمون وكل القوى المناوئة للاستبداد والتسلط العسكري، وطالبوا بعودة الحكم المدني، كذلك تحرك سلاح الفرسان، وطالب بعودة نجيب.
وأمام هذا الإصرار الشعبي عاد نجيب إلى الحكم مرة ثانية، وأعلن إجراءات لوضع دستور وعودة الحياة المدنية، إلا أن عبد الناصر أدار معركة أخرى في الخفاء تخلص خلالها من مؤيدي نجيب في الجيش، ودبرت أعمال شغب وإضرابات في عدد من أحياء القاهرة، وقامت مظاهرات مدفوعة الأجر تندد بالحكم الديمقراطي وتدعو إلى سقوط نجيب، واقتحمت مجلس الدولة، واعتدت على رئيسه الفقيه الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري بالضرب، وحلّت جماعة الإخوان المسلمين، وبذلك استطاع عبد الناصر أن يجرد محمد نجيب من مؤيديه قبل معركته معه التي انتهت في (11 من شعبان 1373هـ= 17 من أبريل 1954م) باستقالة نجيب، وتولي عبد الناصر مكانه.
السودان والجلاء

كان موضوع السودان هو نقطة الخلاف الدائمة بين المفاوضين المصريين والبريطانيين لمدة تزيد على الثلاثين عامًا، فمصر تعتبر السودان جزءا منها لا يمكن التنازل عنه، وبريطانيا تريد فصل الاثنين؛ لذلك رأى رجال الثورة حل مشكلة السودان حتى يتمكنوا من التفاوض مع الإنجليز للجلاء عن مصر، فوافق الزعماء السودانيون على هذا الأمر، ودمجت الأحزاب السودانية التي تنادي بالاتحاد مع مصر في الحزب الوطني الاتحادي.
وكان على السودانيين أن يقرروا مصيرهم، إما بالاتحاد مع مصر أو الاستقلال، إلا أن سياسة بعض رجال الثورة خاصة "صلاح سالم" المسئول عنه الملف السوداني أدت إلى سقوط وزارة إسماعيل الأزهري المؤيدة للاتحاد مع مصر، وتألفت وزارة جديدة كانت تطلب الاستقلال، وبذلك انفصل السودان عن مصر.
وقامت الثورة بالتفاوض مع الإنجليز للجلاء عن مصر حتى جلت نهائيا عن مصر في (10 من ذي الحجة 1375هـ= 18 من يوليو 1956م). وانتقد الكثيرون اتفاقية الجلاء؛ لأنها أبقت مصر مرتبطة بالإنجليز، وضمنت لهم العودة إلى قواعدهم العسكرية في حالة حدوث اعتداء على مصر أو تركيا، وكان أكثر المنتقدين لها الإخوان المسلمين، وهو ما أوجد فجوة عميقة بين الجانبين.
…إن ثورة يوليو وأحداثها غزيرة؛ لأنها ارتبطت بمرحلة من التطور في مصر والعالم العربي، تصاعدت فيها موجات التحرير من الاستعمار والرغبة في الاستقلال، وهو ما عملت الثورة على تدعيمه ومساندته؛ فأيدت حركات التحرر العربي وغيرها.
أما على صعيد الداخل فكان للثورة أنصارها وخصومها، ضحاياها والمنتفعون منها، وكل يتخذ موقفه من تجربته التاريخية وملاصقته للحدث، وما تعرض له بسبب مواقفه. وإن كانت الثورة نجحت في إقصاء الملك عن عرشه وإقامة الجمهورية وإجلاء الإنجليز، وتحقيق نوع ما من العدالة الاجتماعية استفادت منه بعض طبقات الشعب خاصة المعدمة والفقيرة، فإن الديمقراطية وحرية الإنسان وكرامته كانت أولى ضحاياها؛ حيث نحّت الثورة الحياة الليبرالية التي اتسمت بها الحياة السياسية قبل الثورة، والتي تعد من أزهى عصور الديمقراطية في مصر، وجاءت بالحكم الفردي العسكري؛ حيث ذابت المؤسسات والقوى السياسية في شخص الزعيم، فأصبح هو القائد والمؤسسة.
من مصادر الدراسة:
· طارق البشري: الديمقراطية ونظام 23 يوليو- دار الهلال- القاهرة- ديسمبر- 1991.
· جمال حماد: 22 يوليو أطول يوم في تاريخ مصر- دار الهلال- القاهرة- إبريل- 1983م.
· طارق البشري: الديمقراطية والناصرية- دار الثقافة الجديدة- القاهرة- 1975م.
· عبد الرحمن الرافعي: ثورة 23 يوليو 1952- تاريخنا القومي في سبع سنوات 1952-1959- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة- 1959.
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم غرة المحرم
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الآخرة
حدث فى مثل هذا اليوم : 12 يونيو
حدث فى يوم 8 ربيع أول
حدث في مثل هذا اليوم : 25 إبريل
18-10-2006, 04:11 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى 10 من رمضان

مولد الاستاذ
محمد مؤمن احمد عبد الخالق
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شعبان
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الأولى
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الآخرة
حدث فى مثل هذا اليوم : 14 ابريل
حدث في مثل هذا اليوم 8 إبريل
22-10-2006, 10:38 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم : 5 من رمضان

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة amr_mero1
شكرا ليك اخ موسى
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم : 12 يونيو
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الآخرة
حدث في مثل هذا اليوم : 28 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
26-10-2006, 03:47 PM
موسى بن الغسان
 
مدكور أبوالعز صاحب أول ضربة جوية : عاش صامتاً ومات في ليلة القدر

مدكور أبوالعز
صاحب أول ضربة جوية :
عاش صامتاً ومات في ليلة القدر
كان »مدرسة« لأفضل الطيارين..
وعزلوه من الجيش مرتين بسبب عبقريته العسكرية


مدكور أبوالعز


تقرير: ياسر شوري

مثل كل الأبطال والمقاتلين والفرسان رحل الفريق مدكور أبوالعز قائد القوات الجوية الأسبق في صمت.. ورغم حضور الرئيس مبارك لجنازته العسكرية، فإن دولة مبارك كانت غائبة! تجاهلت أجهزة الدولة الرسمية بطلاً من أبطال العسكرية ورمزاً من رموز الوطنية المصرية، وصاحب أول ضربة جوية ضد إسرائيل بعد 40 يوماً فقط من هزيمة 67. تجاهل إعلام مبارك السيرة العسكرية الحافلة للفريق مدكور أبوالعز ولم يكلف نفسه معاناة إلقاء الضوء علي بطولاته وأعماله العظيمة. تجاهلت أجهزة مبارك الفريق مدكور أبوالعز الذي جمع ما تبقي لدي مصر من طائرات بعد النكسة وأعاد تأهيلها ووجه بها ضربة موجعة لإسرائيل بعد 40 يوماً فقط من احتلالها لسيناء، وجعل موشي ديان يصرخ طالباً وقف إطلاق النار.
تجاهل إعلام مبارك الفريق مدكور أبوالعز الذي أقسم ألاّ تضرب طائرة مصرية علي الأرض بعد 67 وبني الدشم والمخابئ للطائرات داخل المطارات، وأدخل تكتيك الطيران المنخفض للقوات الجوية وهو نفس التكتيك الذي أثمر بعد ذلك نصر أكتوبر.
غابت دولة مبارك، ولكن الشعب كان حاضراً في جنازته، فالشعب لا ينسي أبطاله ورموزه، خاصة من هم في حجم وتاريخ مدكور أبوالعز.
الشعب كان حاضراً في عشرات آلاف البرقيات التي أرسلتها أسر مصرية تذكر للفريق مدكور أعماله الكبيرة، وكان حاضراً في آلاف البرقيات التي أرسلها ضباط شبان بالقوات المسلحة لا تزيد رتبتهم عن رتبة الملازم واعمارهم لا تزيد علي 24 عاماً.. لم يقابلوا الفريق مدكور ولم يعملوا معه وجميعهم لم يكونوا قد ولدوا عندما أنهي هو حياته العسكرية.. أرسلوا إلي أسرته ينعون فيه القدوة والمثل الذي يبحثون عنه ووجدوه في سيرته العسكرية.
عن عمر يناهز الـ88 عاماً والـ7 أشهر رحل الفريق مدكور أبوالعز وهو يصلي الفجر في ليلة القدر.. فارق الحياة بعد أن فرغ من صلاته ومات جالساً وهو يرفع كفيه بالدعاء.
ولد الفريق مدكور أبوالعز في 13 مارس عام 1918 بقرية ميت أبوالغالب التابعة لمحافظة الدقهلية وقت ميلاده، وحالياً تابعة لمحافظة دمياط.. التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1937 وعمره وقتها 17 عاماً فقط جعلته أصغر ضابط بين خريجي الكلية ثم تدرج في مناصب القوات الجوية حتي وصل إلي منصب مدير الكلية الجوية في الفترة من عام 1956 حتي عام ،1963 وكان رئيس أركان حربه في هذه الفترة الرائد طيار محمد حسني مبارك الذي وصفه الفريق مدكور أبوالعز وقتها بأنه كان خير معاون له وعلي يديهما تخرج في الكلية نخبة من أفضل طياري القوات الجوية، تشكلت منهم بعد ذلك القوة الضاربة لسلاح الجو المصري.
ورغم نجاح الفريق مدكور أبوالعز في منصبه فإن الخلافات التي نشبت بينه وبين الفريق صدقي محمود قائد القوات الجوية ووشايات بعض الحاقدين علي نجاحه، لدي جمال عبدالناصر وزعمهم أن الفريق مدكور أبوالعز تخرج من تحت يديه عشر دفع من الطيارين كلهم يحبونه ويأتمرون بأمره، ومن الخطر عليه - أي علي جمال عبدالناصر - بقاء مدكور أبوالعز مديراً للكلية الجوية.
نجحت الوشاية في التأثير علي عبدالناصر وخرج الفريق مدكور أبوالعز من الكلية الحربية، ولكن عبدالناصر أراد أن يعبر له عن اعتزازه به فقام بتعيينه محافظاً لأسوان أثناء سنوات إنشاء السد العالي منذ عام 1964 حتي عام 1967.
لم يسعد الخبر الفريق مدكور أبوالعز فهو لا يتصور نفسه سوي قائد عسكري ولم يكن يدري أن ما جري ليس سوي منحة من الله في صورة محنة حتي لا يكون بعد ذلك كبش فداء لهزيمة 67 لو بقي مديراً للكلية الجوية.
ذهب الفريق أبوالعز إلي أسوان محافظاً وهو لا يجهل أسوان فحسب، وإنما يجهل الحياة المدنية بالكامل.. لم يستسلم للأمر وقام بجمع المعلومات، واستعان بأهل العلم، ولم تمر سوي شهور قليلة ليلمع الفريق مدكور محافظاً بعد أن لمع كقائد عسكري، وقام بمجرد معرفته بالتفاصيل بإنشاء كورنيش أسوان الذي يعد علامة بارزة بأسوان حتي هذه اللحظة.
واستمر الفريق مدكور أبوالعز محافظاً لأسوان، وفي إحدي زيارات عبدالناصر خطب مدكور أبوالعز بالأرقام متحدثاً عن إنجازاته في أسوان، وبعد الحفل سأله عبدالناصر وقد فاجأته الإنجازات، هل هذه الأرقام حقيقية أم أنها للاستهلاك المحلي؟ فرد الفريق مدكور أنها أرقام حقيقية لا أعرف غيرها وليس لي دراية بلغة الاستهلاك المحلي.
وهكذا انتقل الفريق أبوالعز من ميدان إلي ميدان لا يعرف غير العمل الجاد، وشاءت الأقدار بعد ثلاث سنوات من خروجه من ميدانه الأساسي »الجيش« أن يعود إليه مرة ثانية، وفي لحظات حالكة من تاريخ مصر عقب نكسة 1967.
فبعد خطاب التنحي الذي ألقاه عبدالناصر بعد النكسة وإصرار الشعب علي بقائه كان أول قرار يصدره عبدالناصر هو قرار عودة الفريق مدكور أبوالعز للقوات المسلحة قائداً للقوات الجوية، وصدر القرار تحديداً يوم 10 يونية في نفس يوم خطاب التنحي، وقام الرئيس عبدالناصر بعد ذلك بإرسال طائرة خاصة حملت الفريق أبوالعز من مطار أسوان إلي القاعدة الجوية بألماظة، وفي ألماظة استقبل تلاميذ الفريق مدكور أبوالعز أستاذهم بحفاوة بالغة أسعدته ولكنه قال لهم مباشرة: إن هذا الوقت ليس وقت الاحتفالات وإنما وقت العمل لحين استعادة الكرامة.
توجه الفريق أبوالعز بعد ذلك مباشرة إلي منزل الرئيس عبدالناصر في منشية البكري، ويروي تفاصيل هذا اللقاء اللواء طيار مدحت سامي أبوالعز ابن شقيقة الفريق الراحل قائلاً: وجد الفريق أبوالعز الرئيس عبدالناصر منكس الرأس، أسود الوجه، وعندما رآه استقبله بالترحاب وقال: لقد أرسلت الحرس الجمهوري بالكامل إلي الجبهة، وليس أمامي الآن سوي »طبنجتي« ولا أعلم ماذا سيفعلون معي الآن.
وفي هذا اللقاء طلب الفريق مدكور من الرئيس عبدالناصر عدة مطالب من بينها مطالب كان قد طلبها بعد حرب عام 1956 مثل إنشاء »دشم« ومخابئ للطائرات بالمطارات المصرية تحت الأرض، وحماية سماء مصر بالمدافع المضادة للطائرات.
ويقول اللواء مدحت أبوالعز ابن شقيقة الفريق الراحل: إن هذه المطالب طلبها الفريق أبوالعز بعدما رأي الطائرات المصرية تضرب علي الأرض بعد عام 56 ولم يستجب الفريق صدقي محمود قائد القوات الجوية، ومعه المشير عبدالحكيم عامر له، وصدق حدس الفريق أبوالعز بعد ذلك وكان ما كان في نكسة 67 عندما كانت الطائرة الإسرائيلية تدمر 50 طائرة مصرية دفعة واحدة وهي واقفة علي الأرض.
ويضيف ابن شقيقة الفريق الراحل: لقد كان الفريق مدكور أبوالعز يؤمن بأن البداية لأي جيش قوي هي القوات الجوية، وكان يري أنه من الشرف لسلاح الجو المصري أن يفقد إحدي طائراته في معركة مع طائرات العدو في الجو، ولكن من العار فقد طائرة وهي واقفة علي الأرض لذلك أخذ علي نفسه عهداً بألا تضرب طائرة مصرية علي الأرض بعد 67 وقام علي الفور وخلال ثلاثة أيام من توليه قيادة القوات الجوية بالمرور علي المطارات المصرية بالكامل، وحدد احتياجات كل مطار، ثم بدأ بعد ذلك في تجهيز المطارات الأمامية في طنطا وانشاص بالدشم!!
أما أهم حدث قام به الفريق مدكور أبوالعز ومازال الشعب المصري يذكره له، فهو قيامه بعد 40 يوماً فقط من نكسة 67 بتوجيه ضربة جوية للعدو الإسرائيلي بسيناء نجح خلالها في إصابة مطارات العدو ومراكز القيادة، وتشكيلاته علي مدار يومين هما 14 و15 يوليو عام 1967 دون أن يفقد طائرة واحدة بعد أن نجح في تجميع 250 طائرة هي كل ما تبقي من سلاح الجو المصري بعد هزيمة 67 وأعاد تأهيلها وقام بالطلعتين رداً علي الغطرسة الإسرائيلية علي الجبهة، واستفزاز الإسرائيليين للجنود المصريين علي الجبهة بحركات وأفعال تنال من كرامة العسكرية المصرية فأقدم علي المغامرة ونجح لدرجة أن إسرائيل وهي لا تفرق بين الدفاع عن الوطن، والإجرام في حق البشرية بالمطالبة برأس الفريق مدكور أبوالعز، وبعدها يطلب موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي وقف إطلاق النار الذي وافق عليه الرئيس عبدالناصر بعد أن رجع في الأمر للفريق أبوالعز.
ويروي اللواء مدحت أبوالعز ابن شقيقة الفريق مدكور أبوالعز هذه اللحظات قائلاً: لقد كنت أحد الطيارين الموجودين بغرفة العمليات عندما أبلغ الرئيس جمال عبدالناصر بطلب موشي ديان وقف إطلاق النار، وكان رد الرئيس عبدالناصر وقتها اسألوا: مدكور أبوالعز.
ويضيف: عندما نقل إلي الفريق مدكور ما قاله الرئيس عبدالناصر مال إلي الوراء في اعتزاز المنتصر وتنهد تنهيدة الثائر للكرامة المصرية، وقال: الآن يمكن إيقاف اطلاق النار.
ويشير اللواء مدحت إلي أن الفريق مدكور أبوالعز استخدم في هاتين الطلعتين تكنيك الطيران المنخفض، وكان ممنوعاً علي الطيارين المصريين استخدامه قبل هذه الضربة، واستمر بعد ذلك حتي عام 1973 عندما قامت القوات الجوية بتوجيه الضربة الأولي بنفس الأسلوب.. أسلوب الطيران المنخفض وتحقق بعدها نصر أكتوبر.
وكما يقولون فإن للنجاح أعداء لم يستمر الفريق مدكور أبوالعز في القوات الجوية سوي 4 أشهر قام خلالها بإعادة بنائها، واستكمال إنشاء مخابئ الطائرات ومهد لحرب أكتوبر بالضربة الجوية التي قام بها يومي 14 و15 يوليو وكان لخروج الفريق مدكور الثاني من القوات المسلحة سببان هما:
- أولاً زيادة شعبيته بشكل لافت للنظر بعد الضربة الجوية حتي إنه في إحدي زيارته لقاعدة طنطا الجوية، وكان ذلك في يوم جمعة فخرج من القاعدة للصلاة بمسجد السيد البدوي، فإذا بالخبر ينتشر بين الناس فتهب جموع الشعب في طنطا إليه حتي أنه وصل إلي سيارته في ساعتين، وقام أهالي طنطا برفع سيارته من فوق الأرض، ونقل هذا المشهد بالكامل لعبدالناصر ويبدو أن الأمر لاقي ضيقاً شديداً من عبدالناصر، خاصة أنه الوحيد الذي رفعت الجماهير سيارته من قبل في سوريا والسودان فكيف يشاركه في الأمر آخرون.
أما السبب الثاني فهو الخبراء الروس الذين استقدمهم عبدالناصر للقوات المسلحة المصرية، وكان الفريق مدكور أبوالعز قد لفت انتباهه جملة قالها له عبالناصر في أحد اللقاءات عندما قال له ماذا أفعل »يعني أجيب الروس يمسكوا الجيش« هذه الجملة لا يكون لها معني في وقتها ولا يفهم منها سوي أنها تعبير عن ضيق الرئيس ببعض الأمور بالجيش ولكنها كانت مقدمة لاستقدام الخبراء الروس بعد ذلك، وكان الفريق مدكور أبوالعز لا يرتاح لذلك منذ أن التقي برئيس الأركان الروسي المارشال زخاروف، وبعض القيادات الروسية بعد توليه قيادة القوات الجوية، ووجد فيهم غطرسة ويتعاملون مع القادة المصريين بتعال.
ولم يقبل الفريق أبوالعز هذا الوضع واشتبك مع قائد الأركان الروسي، وتراشقا بالكلمات مما دفع الروس إلي الشكوي لعبدالناصر من الفريق أبوالعز، كانت هذه المقدمات كفيلة بالتأكيد للروس أن أبوالعز سوف يكون عقبة أمام أغراضهم بالسيطرة علي الجيش المصري، وبالفعل عندما قرر الرئيس جمال عبدالناصر الاستعانة بالكامل بالخبراء الروس كان أول مطلب لهم هو اقصاء الفريق أبوالعز من الجيش.
وقد روي الفريق أحمد نوح وزير الطيران المدني في ذلك الوقت، وكان أحد الأصدقاء المقربين للفريق مدكور أنه كان في زيارة لروسيا، وكان الفريق مدكور وقتها لايزال قائداً للقوات الجوية أن الروس سألوه سؤالاً غريباً عندما قالوا: هل الفريق أبوالعز مازال قائداً للقوات الجوية؟ حتي أنه أصابه القلق فقام بالاتصال بمصر وكان الفريق مدكور لايزال قائداً للقوات الجوية، ولكنه عندما عاد لم يجد الفريق مدكور في مكانه بالقوات الجوية.
وبنهاية خدمة الفريق مدكور أبوالعز بدأ دخول السوفييت للقوات المسلحة وعلي وجه الخصوص القوات الجوية.
وصدر قرار إحالة الفريق مدكور أبوالعز إلي التقاعد في نوفمبر عام 1967 بعد 4 أشهر فقط من توليه المسئولية ولم يستطع عبدالناصر مواجهة الشعب، الذي أعجب بالقائد الذي ضرب إسرائيل بعد 40 يوماً فقط، وبسلاح الطيران الذي تفوقت به علي مصر بحجة تعيينه مستشاراً، وعندما أراد الفريق مدكور تقديم استقالته رفضها عبدالناصر ولكنه عاد وقبلها بعد أن قضي الفريق مدكور عدة أشهر كمستشار اكتشف خلالها أن الأمر ليس سوي »ركنة« وأنه بلا عمل ظناً منه أن الرأي العام قد نسي الفريق مدكور أبوالعز.
بعد الخروج الثاني آثر الفريق أبوالعز الابتعاد وعاد إلي قريته ميت أبوغالب وعندما جاء موعد انتخابات مجلس الشعب فوجئ الفريق مدكور أبوالعز بالناس أثناء قيامه بجولة استطلاعية تطالبه بدخول الانتخابات وبالفعل قام بترشيح نفسه في دائرة كفر سعد ونجح باكتساح ليدخل برلمان عام 77 وكان عضواً بارزاً وعندما قام السادات بحل المجلس رفض العودة إليه مرة أخري قائلاً: لقد تعرضت للحل مرة ولن أترك لأحد أن يقرر أن يحلني مرة أخري في إشارة منه إلي قرار حل المجلس.
وأمضي ما تبقي من عمره هادئاً ساكناً حتي وافته المنية في ليلة القدر1427.


من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم 6 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي القعدة
حدث في مثل هذا اليوم 9 إبريل
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
26-10-2006, 03:51 PM
ام محمد2008
 
مشاركة: مدكور أبوالعز صاحب أول ضربة جوية : عاش صامتاً ومات في ليلة القدر

مشكور على الخبر
من مواضيع : ام محمد2008
01-01-2007, 09:58 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: مدكور أبوالعز صاحب أول ضربة جوية : عاش صامتاً ومات في ليلة القدر

من مواضيع : موسى بن الغسان حدث فى مثل هذا اليوم غرة رجب
حدث في مثل هذا اليوم ( 22 صفر )
حدث في مثل هذا اليوم : 1 يناير
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي القعدة
حدث في مثل هذا اليوم 6 إبريل
02-01-2007, 09:03 PM
hossam_alfd
 
مشاركة: مدكور أبوالعز صاحب أول ضربة جوية : عاش صامتاً ومات في ليلة القدر

مجهودك رائع اخ موسى
مشكوووور
من مواضيع : hossam_alfd
21-08-2007, 10:03 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: مدكور أبوالعز صاحب أول ضربة جوية : عاش صامتاً ومات في ليلة القدر

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة hossam_alfd مشاركة: مدكور أبوالعز صاحب أول ضربة جوية : عاش صامتاً ومات في ليلة القدر
مجهودك رائع اخ موسى
مشكوووور
نورت يا امبراطور
من مواضيع : موسى بن الغسان جريمة التعذيب في جوانتانامو وأبي غريب جريمة إدارة ودولة وحضارة ! !
حدث في مثل هذا اليوم 11 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي القعدة
حدث فى مثل هذا اليوم : 12 يونيو
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة ذي الحجه
21-08-2007, 10:19 PM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى مثل هذا اليوم : 6 من رمضان

اللهم ارحم عبدك احمد تمام وادخله فسيح جناتك
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم : 25 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم : 14 ابريل
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الآخرة
حدث في مثل هذا اليوم : 28 إبريل
حدث فى يوم 8 ربيع أول
25-08-2007, 08:43 PM
antanuo
 
رد: حدث فى مثل هذا اليوم :9 من رمضان

شكرا لك اخى الكريم على موضوعك الجميل
من مواضيع : antanuo
12-10-2007, 11:38 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: رد: حدث فى مثل هذا اليوم :9 من رمضان

شكرا لك اخى الكريم على مروركم
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم : 28 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شعبان
حدث في مثل هذا اليوم 9 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم : غرة جمادى الآخرة
حدث في مثل هذا اليوم : 11 سبتمبر
12-10-2007, 11:50 AM
موسى بن الغسان
 
مشاركة: حدث فى 10 من رمضان

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة موسى بن الغسان مشاركة: حدث فى 10 من رمضان
مولد الاستاذ

محمد مؤمن احمد عبد الخالق
كل سنه وانت طيب يا استاذ محمد مؤمن
وربنا يوفقك فيما تريد
من مواضيع : موسى بن الغسان حدث في مثل هذا اليوم 2 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم غرة المحرم
حدث في مثل هذا اليوم : 28 إبريل
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شوال
حدث فى مثل هذا اليوم 1 إبريل
03-09-2008, 09:32 PM
الامل المعبر
 
يسلمو يعطيكم الف عافيه انشاالله
من مواضيع : الامل المعبر
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أبل, اليوم, حدث, رمضان, غرة, في, إذا

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
40 وسيلة لاستغلال شهر رمضـــان

حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان

الساعة الآن 06:57 AM.