xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى > منتدى القصة > قصص طويلة و روايات
التسجيل

البريء غراهام غرين

قصص طويلة و روايات

31-08-2007, 01:46 PM
هبة الله
 
البريء غراهام غرين

البريء
غراهام غرين



لقد كان أمرا إدا أن أصحب لولا إلى هناك. فهمت ذلك منذ اللحظة الأولى التي استنارت وجوهنا بأنوار القطارات في محطة البلدة الهامشية . في أماسي الخريف بمقدور المرء أن يستعيد خيطا أطول من الذكريات عن أيام الطفولة بالمقارنة مع أية فترة أخرى من العام ، و إن وجهها المشرق و الغامض ، و حقيبتها البسيطة التي يصعب أن تستوعب بين أشيائها لوازمنا الليلية ، كانت بصراحة غير منسجمة مع الإطار الذي يحيط بنا : صوامع الحبوب القديمة في عرض القناة الرفيعة ، الأنوار القليلة التي تشع في أعالي المرتفعات ، و بوسترات فيلم من عهود بائدة.
حينما قالت لي : ( دعنا نذهب إلى الأرياف ) أول اسم ورد إلى الذهن ، طبعا ، كان لراعي الكنيسة هيندرون . ما من أحد سوف يفطن أن لي هناك ، و لم أتكهن أنني هو من سوف يكون في تيار الذكريات. حتى الحارس الطاعن في السن قلب علي المواجع. قلت : ( سوف نجد مركبا بأربعة دواليب عند البوابة ). و بالفعل لقد كانت هناك. و لكن أول الأمر لم ألاحظ ذلك ، و انشغلت عنها بتأمل عربتي تاكسي أجرة و بشوارد من الأفكار. ( إن الماضي آت لا محالة ). كان الوقت معتما ، و الضباب الخريفي الخفيف ، مع روائح الأوراق الرطبة و ماء القناة لها جميعا أبعاد معروفة في أعماق الوعي الباطن.
قالت لولا : ( و لكن لم انتقيت هذا المكان؟ إنه كئيب).
لم يكن يجدي نفعا أن تفصح لها عن ابتهاجي به ، فقصور الرمال بمحاذاة القناة كانت هناك منذ الأبد و إلى الأزل ( أذكر : حينما كنت في السنة الثالثة من عمري خامرتني الظنون أن هذا هو القصد وراء ارتحال البشر إلى شواطئ البحار ) . أخذت الحقيبة ( ذكرت لكم كم هي خفيفة ، إنني أعدها بمثابة جواز سفر مزيف إلى عالم المظاهر ) و قلت علينا أن نتابع سيرا على الأقدام . وصلنا إلى الجسر المعلق و عبرنا من البيوت المشجرة. حينما كنت في الخامسة رأيت رجلا في أواسط العمر و هو يهرع إلى إحداها اينتحر. كانت بيده سكينة ، و في أعقابه كل الجيران على الأدراج . قالت : ( لم أعتقد أبدا أن الأرياف على هذه الحالة ). كانت تلك البيوت المشجرة قبيحة بالفعل ، مجرد علب من أحجار رمادية صغيرة ، و لكنني كنت أحفظها عن ظهر قلب. إن ذلك المشوار عندي يعادل الاستماع إلى عزف موسيقي. و لكن توجب علي أن أذكر شيئا أمام لولا. لم يكن خطأها أنها لا تنتمي إلى هذا المكان. تجاوزنا المدرسة ثم الكنيسة، وصلنا إلى محيط الشارع الرئيس العريض ، و إلى الإحساسات البشرية الأولى بالسنوات الإثنتي عشرة من بواكير حياتي. إن لم أحضر لن يتبادر إلى ذهني كم هو هو ذلك الشعور قوي و متمكن ، و بالأخص أن تلك السنين لم أتمتع فيها بشيء من الحبور أو بشيء من الشقاء ، بالمعنى الحرفي لتلك الكلمات ، لقد كانت سنوات عجافا ، و لكن الآن و مع رائحة أنفاس خشب الوقود ، و ما يهب علينا من نسمات باردة قوية من أحجار أرصفة مشحونة بالعتمات و الرطوبة ، أعتقد أنني أدركت كنه القيود التي كبلت جوارحي. إنها الرائحة التي تميز عهد البراءة.
قلت إلى لولا : ( هذا بنسيون جيد ، و لن تنجم عنه معاناة ، سوف ترين ، إنه مناسب للاستراحة. سنحصل على وجبة عشاء مع كؤوس شراب ثم نأوي إلى الفراش ). و لكن أسوأ ما في الأمر أنني رغبت من كل قلبي لو أتيت بمفردي. فأنا لم أعمد إلى العودة في السنوات التي خلت ، و لم أفهم لم الذكريات عن المكان حاضرة في ذهني. أشياء غابت في النسيان ، من قبيل كثبان الرمال تلك ، تصعد في رأسي مع نفحة مؤثرة من النوستالجيا و الشغف. لقد كنت في تلك الليلة على شفير السعادة الكبرى و لكن بطريقة مختلفة ، سعادة على شفا مزاج خريفي أسود غامض. و أنا أفكر بمصير البلدة الصغيرة ، مع البحث عن إشارات إلى تلك المرحلة من العمر ، حينما كنا نتحلى بقدر من التبصر و الأمل ، على الرغم من تعاستنا. هذا أمر تم و انتهى ، و لن يتكرر أبدا ، لأن لولا برفقتي ، و هي بلا صلة بموضوعي على الإطلاق. فقد تصادف أن التقينا قبل يوم خلى في بار ، و أحب الواحد منا الآخر. كانت لولا معقولة ، و ما من أحد سواها أرغب بمكوثه معي طوال الليل ، غير أنه كان يعوزها المكان المناسب في خضم بحر هذه الذكريات . كان الأجدى لنا لو ذهبنا إلى ميدنهيد. ذلك المكان يعتبر من الأرياف كذلك.

لم أجد البنسيون في المكان الذي أتذكره بالتحديد. رأيت هنالك مقر البلدية ، و كان بجوارها مبنى جديد لسينما ذات قبة على النمط المغربي ، و كافتيريا . و كان هنالك علاوة على ذلك كاراج لم يكن له وجود في أيامي .
و نسيت أن أخبركم عن اللغة باتجاه اليسار نحو أعلى منحدر هضبة توجد فيلات على جانبيها.
قلت : ( لا أعتقد أن هذا الدرب كان سالكا في تلك الفترة ). سألت لولا : ( في أيامك؟).
- ألم أخبرك؟ لقد ولدت في هذه النواحي.
قالت لولا : أود لو أصفعك على قفاك لأنك أتيت بي إلى هنا. أظن أنك اعتدت على التفكير بليال من هذا النوع ، حينما كنت صبيا.
قلت : ( نعم ). فالغلطة أولا و أخيرا ليست غلطتها. إنها فتاة معقولة. و قد أحببت عطرها. و كان لها على شفتيها روج لونه من نوع مفتخر. و لكنها سوف تستنزف مدخراتي، كما لو أنني مصاب بنوبة اسمها لولا. بعدئذ ستأتي كل تلك الفواتير و الأثمان و المشاريب. حاذر أن يذهب من الذهن أن النقود تتسرب من يديك في أي مكان في العالم. على هون مشيت في أسفل الطريق. كان هنالك شيء ما يضطرم في رأسي ، و لكن لم يكن بوسعي أن أتذكر ما هو ، لو لم ينحدر في تلك اللحظة من سفح الهضبة حشد من الأولاد نحو دائرة القناديل المضيئة. كانت أصواتهم حادة و لها طنين. و أنفاسهم تتبخر إلى أعلى و هم يمرون من تحت المصابيح المشعة. و بحوزة كل منهم حقيبة من الكتان ، و بعض تلك الحقائب مطرزة بالحروف الأولى. و كانوا في أبهى حلة وة تبدو الثقة في النفس عليهم. و قد التأمت الفتيات الشابات الصغيرات في صف متراص واحد ، و كان لهن مظهر متماثل من ربطات شعر و أحذية ملمعة و فرقعة صاردة من عصف أصابع البيانو. لم يخامرني الشك أبدا أنهن في الطريق إلى تمرين راقص ، مثلما اعتدت أن أفعل من قبل بالذهاب إلى الذهاب بيت صغير له شكل مربع يقودك إليه درب متعرج صاعد حتى منتصف سطح الهضبة. أكثر مما سبق تمنيت لو أن لولا ليست معي. إنها تفقد تآلفها التدريجي مع المكان ، و كأن هنالك ، مثلما خطر لي ، " شيئا مفقودا من الصورة " ، أو إحساسا بالضنك الملتهب القاتم في أعماق الذاكرة. جرعنا قدرا من الشراب في البار ، و لكن كان علينا أن نقتل نصف ساعة من الوقت قبل أن يحين موعد إعداد\ مائدة الطعام. قلت لولا : لن ترغبي بالتسكع في هذه البلدة. إن لم تمانعي ، سوف أنسحب مقدار عشر دقائق لأتفقد مكانا كنت أعرفه ).
لم تعترض. رأيت في البار رجلا محليا ، ربما هو مدير مدرسة ، يتشوق لدعوتها إلى كأس . كان باستطاعتي أن أراه كم يحسدني ، و أنا برفقتها في البلدة من أجل ليلة واحدة.

تسلقت منحدر الهضبة. كانت البيوت الأولى كلها جديدة. لقد أبغضتها. إنها تحجب عني عناصر من الذاكرة مثل حقول و بوابات كانت هنا. و أصبحت أشبه بخارطة لحقت بها الرطوبة و هي في الجيب إلى أن اختلطت أجزاء منها بأجزاء أخرى. حين تفتحها لا بد و أن تذهب في طي الخفاء مساحات واسعة منها. و لكن عند منتصف الطريق رأيت البيت الحقيقي هناك. إنه الدرب إذا. و لعل السيدة العجوز بذاتها هي التي تلقي الدرس الآن. في حضور الأولاد ينتابك الإحساس السري بتقدمك في العمر. في تلك الأيام لم تكن في تقديري تزيد عن خمسة و ثلاثين عاما. بوسعي أن أسمع ضربات البيانو. إنها لا تزال تتبع الروتين نفسه. أولاد ما دون الثامنة من العمر ، ما بين الساعة 6 -7 بعد الظهر. أولاد ما بين البداية و دخلت منها إلى ممر صغير. كنت أحاول أن أتذكر. لم ما هو سبب الذكريات. ببساطة أعتقد إنه الخحريف ، البرد ، أوراق الغابات المبللة ، و ليس البيانو الذي كنا نعزف به ألحانا في تلك الفترة. تذكرت أيضا الفتاة الصغيرة بالطريقة التي تأتي بها الذكريات غلى المرء من غير عون الصور الفوتوغرلفية. كانت أكبر مني بسنة واحدة. كانت في بداية عامها الثامن كما أظن. لقد أحببتها كما لم أحب أحدا ، كما أعتقد. على الأقل لم أسخر من هوى الصغار، خطيئة نرتكبها عادة. إنها تبعث فيك الشعور المستحيل البغيض بالفراق ، فقط لأنه لم يعد هنالك طمأنينة. بالطبع ، المرء يبتدع حكايات عن بيوت تلتهمها النيران ، و عن حروب و عقوبات مؤجلة ، لتثبت كم أنت مقدام. و هذا تراه في عينيها . و لكن دون أن تجرؤ على التفكير في الزواج على الإطلاق. إن المرء يدرك دون أن يخبره أحد أن هذا لن يحدث ، و مع ذلك إن معاناته لن تكون أقل. و عادت إلى الذاكرة كل تلك الألعاب في حفلات أعياد الميلاد ، و أنا أشهق معصوب العينين وراء رغبة شاقة في الإمساك بها. و بذلك تتسنى لي الفرصة كي ألمس ز أحضن ، و مع ذلك لم يحصل أن ألقيت القبض عليها. كانت دائما تعرف كيف تبتعد عن طريقي. و لكن مرة في الأسبوع و خلال شتائين حصلت على الفرصة : لقد رقصت معها. و هذا جعل الأمور تسوء ( لقد بتر سبيل اتصالنا الوحيد ) حينما أخبرتني في أحد الدروس الأخيرة أنها في الشتاء القادم سوف تنضم إلى الصف الأعلى. لقد أحبتني جدا ، إنني على ثقة من ذلك ، و لكن لم يكن في حوزتنا طريقة للتعبير الأمثل عن هذا الحب. اعتدت أن أذهب إلى أعياد ميلادها ، و هي كانت تشاركني مناسباتي. و لكن لم نتسابق معا في طريق العودة من دروس الرقص إلى البيت. إن ذلك لا يخلو من الغرابة ، و لكنه لم يخطر لنا. كان علي أن أنضم إلى جماعتي عن الذكور ين مثيري الأعصاب. و كانت هي الجنس المحاصر بمشاعر الاعتزاز و بطنين و حفيف الرغبة ، على الطريق الهابط من الهضبة. ارتجفت هناك في الضباب. فرفعت ياقة معطفي. كان البيانو يعزف لحن رقصة قديمة من نمط سي بي كوشران < >. يبدو لي أن هذه رحلة طويلة عليها فقط لأعثر على لولا في نهايتها. هنالك شيء ما يتعلق بالبراءة يصعب على المرء أن يفقده . و الآن لأنه لا تنتابني السعادة فيما يخص هذه الفتاة ، بإمكاني و ببساطة أن أغادر من هنا لأبتاع أخرى. و من ثم إن أفضل ما أفكر فيه هو تحرير رسالة ملتهبة بالعاطفة أقوم بعدئذ برميها في ثقب ( إنه من المدهش كيف تبدأ في تذكر كل شيء ) منحوت في البوابة ، لقد ذكرت لها في إحدى المرات موضوع ذلك الثقب ، و لا شك أنها عاجلا أو آجلا سوف تمد أصابعها إلى داخله لتعثر على رسالتي. و تساءلت ماذا يمكن لوضوع الرسالة أن يكون. ليس بوسع المرء أن يكتب الكثير عن أحاسيسه ، هكذا خطر لي ، في تلك الأيام. و لكن لأن التعبير المكتوب لن يلم بالحقيقة ، ذلك لا يتضمن حكما أن العذاب قد زال و أصبح أقل وطأة مما نشعر به من معاناة أحيانا و الآن. و أذكر كيف كنت أتلمس بأصابعي ذلك الثقب لعدة أيام متتالية لأجد الرسالة في مكانها. ثم توقفت دروس الرقص . ربما في شتاء السنة التالية. لم أعد على يقين. ما أن غادرت من البوابة حتى بدأت أنظر إن كان الثقب في موضعه. كان هناك. وضعت أصابعي فيه ، و في مخبئها الحصين من تقلبات الفصول و توالي السنين ، نتفة الورق تلك كانت في مكانها. تناولتها و فتحتها. و أشعلت عود كبريت ، لسان خفيف من النار توقد في الضباب و الظلام. و لقد صدمني أن أرى بتلك الشعلة صورة مخزية و فظة. ليس هنالك من خطأ في الأمر. كانت هنالك الحروف الولى من اسمي تحت رسوم صبيانية غير دقيقة لرجل و امرأة. غير أن هذا لم يحرض الذكريات مثلما فعلت الأنفاس المتبخرة الحقائب الكتانية ، الأوراق الرطبة ـ أو حتى أكوام الرمال. لم أتعرف على هذا الخط ، ربما يود غريب مريض النفس و شاذ أن يرسمها على جدران مرحاض. كل ما نما إلى ذاكرتي كان عن نقاء و كثافة و عذاب تلك العاطفة. شعرت في البوابة كما لو أنني ضحية لمؤامرة خائنة. خلت لنفسي ( على كل حال ، لولا ليست خارج هذا السباق ). و لكن ، فيما بعد ، و في تلك الليلة ، حينما أدارت لي لولا ظهرها و أخلدت إلى النوم. بدأت أدرك بأعماقي كم هي تلك الصورة بريئة. لقد كنت على ثقة تامة أنني رسمت شيئا جميلا و له معنى. إنه الآن ، و بعد مشوار ثلاثين عاما فقط ، من هذه الحياة ، بدت الصورة في ناظري فاجرة.




ترجمة : صالح الرزوق



من مواضيع : هبة الله الرجال اليابانيون غــــــير المرئيـــين قصة: غراهام غرين - ترجمة: توفيق الأسدي
البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
دقت ساعه الزهور ( سلسلة أحلام )
المخربون تأليف: غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه
الشمس العمياء ( سلسلة روايات أحلام )
 

الكلمات الدلالية (Tags)
البريء, غراهام, عرين

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

البريء غراهام غرين

الساعة الآن 08:26 PM.