xpredo script

العودة   منتدى نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى > منتدى القصة > قصص طويلة و روايات

الموت للمرة الثانية غراهام غرين

قصص طويلة و روايات

31-08-2007, 01:55 PM
هبة الله
 
الموت للمرة الثانية غراهام غرين

الموت للمرة الثانية
غراهام غرين


التقت بي مساء تحت الأشجار التي تنمو في محيط البلدة. لم أكترث بها ، و لو علمت أنها قادمة لتواريت. من غير شك هي الملومة عن شرور ابنها ، لو كانت شرورا. و لكنني لا أميل إلى أن أراها هكذا . على أية حال لقد كان معطاء ، و غير وضيع ، مثل آخرين في هذه البلدة ، قد أبوح بأسمائهم يوما.
كنت في غيبوبة ذهنية أتأمل ورقة شجرة و لو لا ذلك لما عثرت علي. كانت الورقة تتدلى من غصن مشقوق بالطول بفعل الرياح أو سوى ذلك ، حجرة رماها أحد أولاد البلدة.
لحاء الغصن الأخضر الخشن هو الذي أبقى عليها معلقة هناك.و قد استغرقت في التأمل ، لأن يرقة كانت تدب عليها ، و تدفع الورقة إلى التذبذب إلى الأمام و الخلف. كانت اليرقة تزحف نحو أصل الغصن ، و قد تساءلت إن ستتمكن من الوصول إليه سالمة أو أن الورقة ستسقط معها إلى المياه. تحت الشجرة ترى بركة ماء آسن ، و فيها تبدو المياه دائما محمرة ، و ربما ذلك يعود إلى الغضار الثقيل الذي ينجرف من التربة.
لم يصل إلى علمي مطلقا إن بلغت اليرقة الغصن ، لأنني ، كما أسلفت القول ، وقعت بين براثن المرأة البائسة . أول علامة عن قدومها كان صوتها و قد أصبح خلف أذني مباشرة. قالت لي بصوتها المنفر المعهود : ( كنت أفتش عنك في كل الحانات ).
كان من المألوف عنها أن تقول ( كل الحانات ) مع أنه لا وجود لغير إثنتين في هذه الأنحاء . هي تبحث دائما عمن يواسيها على جهود لم تبذلها في الحقيقة. لقد أفزعتني ، و لم أتمكن من تلافي الرد عليها بصوت لا تعوزه الخشونة. قلت : ( الأجدى بك أن توفري هذا العناء. من المفروض أن تدركي أنني لن أذهب إلى حانة في أمسية هادئة من هذا النوع ).
هيمنت المسكنة على الثعلبة العجوز . إنها دائما ناعمة إذا ما رغبت منك بشيء.
قالت : ( هذا المسعى من أجل ولدي الطيب ) ، و ذلك في إشارة منها إلى مرضه . حينما يتمتع بالصحة و العافية لا أسمع منها إشارة عنه غير ( ذلك الولد الآبق ) . لقد أجبرته على العودة إلى المنزل عند حلول منتصف الليل طوال أيام الأسبوع ، كما لو أن هنالك ملمات تترصد لرجل مثله في بلدة من نمط بلدتنا . حقا لقد توصلنا سريعا إلى طريقة نخدعها بها. و لكنني أعترض على المبدأ ـ رجل يافع فوق الثلاثين من عمره يتلقى أوامر من والدته ، فقط لأنها تفتقد إلى زوج تتحكم به . و لكن حينما يرقد مريضا ، و لو بعد الإصابة بنسمة هواء خفيفة ، يصبح لقبه عندها ( ابني الطيب ). قالت : ( إنه يحتضر . و الله وحده يعلم إلام ستؤول بعده حالتي ).
قلت : ( حسنا . و لكن ليس بوسعي ما أفعله من أجلك ). لقد كنت ممتعضا منها لأنه وصل إلى مشارف الموت قبل هذه المرة،و لم يتبق إلا أن تدفنه. و اعتقدت أن الأمر الآن كسابقه ، و بمقدور المرء أن يتخطاه. لقد التقيت به من حوالي أسبوع و هو في طريقه صعدا إلى الهضبة ليقابل في المزرعة فتاته ذات الأثداء المنتفخة. و لقدركزت عيوني عليه حتى أصبح مثل نقطة سوداء صغيرة ، حينما توقف بغتة بجوار صندوق مربع الشكل في الحقول . ذلك كان الاصطبل حيث يتقابلان بالعادة. إنني أتمتع بنظر جيد، و يسعدني أن أرى على أية مسافة و على أية درجة من الوضوح أستطيع أن أبصر.
قابلته مجددا بعد منتصف الليل و ساعدته ليتسلل إلى المنزل من غير علم والدته ، و لقد كان يبدو على أتم ما يرام بعدئذ ، إذا استثنينا قليلا من النعاس و بعض الإرهاق. عادت الثعلبة العجوز إلى الإسطوانة نفسها مرة أخرى . نعقت بوجهي : ( إنه يسأل عنك ) . قلت : ( إذا كان مرضه بليغا . يستحسن له أن يجد في إثر طبيب ).
ـ ( الطبيب هناك . و لكن لم تسعفه الحيلة ). أدهشني ذلك لوهلة ، علي أن أقر ، ثم خطر لي ( هذا العفريت يتصنع . إنه ينوي على شيء ما ).
لقد كان ذكيا بما فيه الكفاية ليغش طبيبا. لقد حضرت له مشهدا قادرا على خداع موسى.
قالت : ( بالله عليك تعال معي ، لترى كم هو منهك ). و خلت أن صوتها يتلوى بصدق ، ربما لأنها و بطريقتها كانت مغرمة به. لم أستطع أن أمنع نفسي من الإشفاق قليلا عليها ، و لا سيما لأنه ، كما أعلم لم يكن مهتما بها أبدا ، و لم يتورع عن إعلان تلك المشاعر. تركت الشجرة و بركة المياه و اليرقة التي تصارع البقاء ، لأنني كنت على ثقة أنها لن تكف عني ، ما دام ( ولدها الطيب ) ، الآن ، يسأل عني.
لم يغب عن بالي أنها من أسبوع منصرم فقط فعلت ما بوسعها لتفرقنا. كانت تعتقد أنني أتحمل مسؤوليته ، كما لو أن رجلا لا يدخل عالم الخلود قادر على إبعاده عن امرأة من هذا النوع لو رغب في التقرب منها.
أعتقد أن هذه أول مرة دخلت فيها إلى مأواهم من الباب الأمامي منذ أتيت إلى البلدة قبل عشر سنوات. أرسلت نظرة تعجب إلى نافذته . خالجني الشك أنني سوف أنتبه إلى الآثار التي تركها السلم على الجدار بعد أن تسلقناه في الأسبوع الماضي لندخل. واجهنا بعض المصاعب في الحفاظ عليه مستقيما ، لكن أمه كانت غارقة في النوم. و كان أحضر السلم معه من الحظيرة ، و حينما أصبح في الداخل سالما حملته معي إلى هناك ثانية. غير أنك ، مع ذلك ، لا تستطيع أن تأخذ كلمته على محمل الجد . إنه يكذب على أعز أصدقائه و حينما وصلت إلى الحظيرة كانت فتاته قد رحلت. إن لم يتمكن من رشوتك بنقود أمه ، لا بد أن يرشوك بوعود يقطعها أناس آخرون. ما أن تجاوزت عتبة الباب حتى انقبض صدري. إنها من الطبيعي أن يهيمن الهدوء على البيت ، لأن الإثنين من غير أصدقاء على مقربة منهما ، مع أن للعجوز أخت زوج تعيش على مبعدة أميال قليلة. لم أسعد بصوت أقدام الطبيب و هو يهبط على السلالم ليلقانا. لقد زم ملامحه بطريقة عبوسة لنفهم من ذلك شيئا ، حول جلالة الموت على ما أظن ، حتى لو أنه موت صديقي. قال : ( إنه مستيقظ . و لكنه يحتضر. ما باليد من حيلة. لو رغبت له أن يموت بهدوء ، من الأفضل لك أن تسمحي لصيقه برؤيته . هناك فزع ينتابه بخصوص شيء ما ). كان الطبيب على حق. بمقدوري أن أقول ذلك حالما دخلت من تحت قوس الباب محني القامة إلى غرفة صديقي. كان متكئا على وسادة ، و عيناه ترقبان الباب ، بانتظار قدومي. كانتا براقتين و مذعورتين. و خصلة من شعره تهدلت على جبينه في أشرطة لزجة. لم أنتبه من قبل كم هو امرؤ قبيح. كانت له عينان خبيثتان تنظران فيك مباشرة شزرا. و لكن حينما يتمتع بصحة جيدة تبرقان بطريقة تنسيك خساستها . كان هنالك ما هو مبهج و مريح في بريقهما ، كما لو أنهما تقران ( أنا حقا خسيس و قبيح . و لكن ماذا يهمك في ذلك؟. إن لدي قريحة ). هو ذلك البريق ، على ما أقدر ، هو الذي تجد بعض النساء فيه جاذبية و تحريضا . و لكن الآن ، و مع انطفائه ، كانتا ملتهبتين فحسب . ظننت أن من واجبي إنعاشه ، لذلك اغتنمت فرصة أنه في الفراش وحده و جعلت من ذلك طرفة. و على ما يبدو لم يتقبل ذلك. و بدأت أخشى أنه ينظر إلى موته من منحى ديني ، فقد طلب مني بصوت قاطع و مختصر أن أجلس. قال بصوت متهدج : ( إنني أموت. و أود أن أطلب منك شيئا. ذلك الطبيب غير مقنع. إنه يعتقد أنني أهذي. أنا خائف أيها الرجل العجوز. أريد أن أتأكد من ...). و بعد فترة صمت طويلة أضاف : ( شخص ذو فطرة )، و انحدر قليلا في فراشه. قال : ( لقد مرضت على نحو خطير من قبل ذات مرة . قبل أن تستقر هنا. لم أكن أكبر من صبي. الناس يخبرونني أنني من المفترض في عداد الأموات. كانوا على أهبة أن يحملوني إلى المدافن ، حينما منعهم الطبيب من ذلك في الوقت المناسب ). لقد سمعت بمحاولات كثيرة من هذا النوع ، و لم أر سببا مقنعا لإصراره على إخباري بذلك. ثم اعتقدت أنني فطنت إلى وجهة نظره. لم تهتم أمه من قبل لتتأكد من صحة نبأ موته ، و مع ذلك لدي قناعة تامة أنها أظهرت جسامة مصابها : ( ولدي الطيب. ليس بمقدوري أن أعلم كيف أستمر من غيره ). و أنا على يقين أنها ، بعدئذ ، قد صدقت نوازعها. لم تكن مجرمة. إنما تنحو لأن تكون متسرعة فقط. قلت : ( اسمعني أيها العجوز ) ، و أسندته إلى أعلى قليلا بواسطة وسادته ، و أضفت لأسعده : ( ما من أمر يدعوك إلى الفزع. لا أظن أنك تموت . على كل حال لا بد أن الطبيب سوف يكابد قبل أن ينقلوك من هنا. هذا كله سلوك شائن. لِمَ ، إنني على ثقة أن أمامك سنوات لا عد لها. و سوف تمرح مع بنات كثيرات ).
قال: ( لم لا تتوقف عن هذه الثرثرة ؟). لقد أدركت أن النوازع الدينية قد أخذت منه كل مأخذ. و أضاف : ( لم ، لأنني لو بقيت على قيد الحياة لما لمست فتاة. لن أفعل ذلك. أبدا ). حاولت أن لا أبتسم ، و لكن كان من الصعب أن تحافظ على وجهك جامدا. هنالك دائما ما هو مضحك في أخلاقيات رجل مريض. قلت : ( على أية حال ، يجب أن لا يهمك شيء). قال: ( ليس هذا هو الأمر. أيها الرجل العجوز. حينما وصلت إلى هذه الحالة قبل هذه المرة ، اعتقدت أنني ميت لا محالة. لم يكن ذلك نوعا من الرقاد. أو الراحة بسلام. هنالك باستمرار من هو بجواري ليحاسبني على كل شيء. كل فتاة التقيت معها. حتى الشابة التي لم تكن متفهمة. حصل ذلك قبل مجيئك بوقت. كانت تعيش على بعد ميل من هنا ، حيث توجد راشيل الآن ، و لكنها رحلت بعدئذ مع عائلتها. إنهم يحاسبونني حتى على النقود التي أخذتها من الوالدة. إنني لا أسمي ذلك سرقة. لقد جرى الأمر ضمن العائلة. و لم أحظ بفرصة لأدافع عن نفسي. و هم يحاسببونني حتى على الأفكار التي راودتني. ليس بمقدورك أن تتحكم بأفكارك). قلت : ( هذا كابوس ).
ـ ( أجل . إنه حلم. أليس كذلك؟. من النوع الذي يحلم به الناس المرضى. إنني حتى أتكهن بما سوف يحصل لي. ليس بوسعي أن أحتمل الضرر. هذا ليس عدلا. رغبت لو غاض الدم من وجهي، و لكن لم أستطع. لقد كنت ميتا). قلت ، و قد أثارت مخاوفه أعصابي: ( هذا في الحلم ). قلت مرة ثانية: ( في الحلم فقط ).
ـ ( أجل . لا بد أنه حلم ـ أليس كذلك؟. لأنني استيقظت. الغريب في الأمر أنني شعرت بعدها بالقوة و الطمأنينة ، لقد وقفت على قدمي في وسط الطريق. و رأيت على مسافة غير بعيدة ، و أنا أرفس التراب ، حشدا صغيرا من الناس على أهبة تشييع رجل ـ الطبيب هو الذي منعهم من دفني ).
قلت: ( حسنا ؟). قال: ( أيها العجوز. افترض أن ذلك حصل. افترض أنني ميت. لقد آمنت بذلك و والدتي من بعدي و لكنك لن تثق بها. لقد عشت بعدها ردحا من السنوات. اعتقدت أنها نوع من الفرصة الثانية. و لكن الأمور ذهبت نوعا ما باتجاه قاتم... ذلك لا يبدو لك ممكنا. غير ممكن. طبعا هو غير ممكن.. أنت تعلم أنه ليس ممكنا. أليس كذلك؟). قلت: ( و لم لا؟. معجزات من هذا النوع لا تحدث في هذه الأيام ، و على كل حال ، ليس من المتوقع أن تحدث لك ، أليس كذلك؟. و هنا بخلاف الأمكنة الأخرى التي خلقها الله تحت الشمس ). قال: ( يا للفظاعة. لو أن هذا صحيح ، و علي أن أمر به مرة ثانية. لن تحزر ماذا من الممكن أن يحصل لي في ذلك الحلم. لا بد أنه أسوأ الآن). توقف عن الكلام ، و بعد لحظة ، أضاف كما لو أنه يقرر حقيقة: ( إذا مات أحدهم لن يعود للاوعي أهمية على الإطلاق ). قلت : ( طبعا هو حلم ). و ضغطت على يده. لقد كان يرعبني بأوهامه. رغبت لو يموت بسرعة ، حتى أتمكن من الفرار من تحت نظراته اللئيمة ، التي لها لون الدم ، و المذعورة لأتمكن من رؤية ما هو مبهج و ممتع ، راشيل التي أتى على ذكرها مثلا ، التي تعيش على بعد ميل من هنا. قلت : ( لماذا. لو هناك رجل واحد قادر على صنع معجزات من هذا النوع ، لا بد أن نسمع بآخرين مثله. أؤكد لك ذلك. حتى لو أنه على مبعدة من هذه البقعة التي باركها الرب). قال: ( هنالك آخرون. و لكن هذه الحكايات لا تصل لا لمسامع المساكين الذين يصدقون كل شيء. أليس كذلك؟. يقولون عديدون مرضى و مقعدون عالجهم شخص ما. لقد أتى إلى رجل ولد أعمى و لامس جفنيه ، فعاد إليه البصر حالا. هذه حكايات زوجات طاعنات في السن. ألست معي ؟). سألني ، و هو يتلعثم بصوته المذعور ، ثم همد فجأة و تكوم على جانب الفراش. بدأت أقول : ( طبعا. تلك هي أكاذيب). و لكنني لم أتابع، بسبب عدم الحاجة لذلك. لم يكن بوسعي إلا أن أهبط السلالم لأدعو أمه إلى أعلى لتغلق عينيه. كان يعوزني الاستعداد لألمسهما و لو مقابل نقود العالم كله. لقد مضى علي زمن طويل قبل أن أفكر بذلك اليوم ، عهود و عهود مضت ، حينما مست جفوني نفحة باردة كما لو أنها رضاب ، و لما فتحت عيني كان رجل على شاكلة شجرة تحيط بها أشجار سواها قد مروا بعيدا عني.





ترجمة : صالح الرزوق



من مواضيع : هبة الله البريء غراهام غرين
الرجال اليابانيون غــــــير المرئيـــين قصة: غراهام غرين - ترجمة: توفيق الأسدي
حب تحت المطر رويات أحلام
الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي
بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي
 

الكلمات الدلالية (Tags)
للمرة, الموت, الثانية, غراهام, عرين

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

الموت للمرة الثانية غراهام غرين

الساعة الآن 03:11 AM.