xpredo script

العودة   منتدى نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى > منتدى القصة > قصص طويلة و روايات

بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي

قصص طويلة و روايات

31-08-2007, 01:56 PM
هبة الله
 
بيوتي 1 قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي

بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي
كانتالمرأة ترتدي وشاحاً برتقالياً لفته من حول جبينها بشدة إلى حد أنه بدا مثل قبعاتالنسوة في العشرينات من القرن العشرين، وكان صوتها يجرف أمامه أي معارضة، وكذا كلامرفيقيها وصوت الدراجة النارية براكبها الشاب التي كان محركها يدور في الخارج وحتىرنين أطباق الحساء في مطبخ مطعم "أنتيب" الصغير الذي كان فارغاً تقريباً الآن بعدأن حلّ الخريف بالفعل. كان وجهها مألوفاً لي. لقد شاهدته يتطلع من شرفة أحد المنازلالمرممة فوق الأسوار، وهي تتلفظ بعبارات التحبّب مخاطبة شخصاً ما أو شيئاً ما غيرمرئي في الأسفل. ولكني لم أكن شاهدتها منذ أن غربت شمس الصيف وظننتها رحلت معالأجانب الآخرين. قالت: "سأكون في فيينا لقضاء عيد الميلاد. أحب المكان هناك. تلكالجياد البيضاء الجميلة والصبية الصغار الذين يغنون ألحان باخ."‏
كانرفيقاها انكليزيين، وكان الرجل لا يزال يجاهد للحفاظ على مظهر الزائر الصيفي، ولكنبدنه كان يرتجف سراً بين الحين والآخر في قميصه الرياضي القطني الأزرق. سأل بصوتصادر من الحلق: "ألن نراك في لندن إذن؟ وقالت زوجته التي كانت أصغر سناً بكثير منكليهما: "أوه، ولكن عليك بكل بساطة أن تحضري."‏
قالت: "هناك صعوبات، ولكن لو كنتما ستذهبان إلى مدينة البندقية في الربيع...؟"‏
"لاأعتقد أنه سيكون معنا ما يكفي من النقود، أليس كذلك يا حبيبي؟ ولكن نود أن نغادرلندن. أليس هذا صحيحاً يا حبيبي؟"‏
قالبكآبة: "بالطبع."‏
"أخشىأن يكون هذا مستحيلاً تماماً بسبب (بيوتي)(1) كما تستطيعان أن تريا."‏
لمأكن قد لاحظت بيوتي حتى ذلك الحين لأنه كان حسن السلوك جداً. كان منبطحاً علىحافةالنافذة ساكناً شأن حلوى الكريمة فوق رف دكان الحلويات. أعتقد أنه أكمل كلب "بكيني" سبق لي أن رأيت... رغم أني لا أستطيع الادعاء بمعرفة النواحي التي ينشدها المحكمونفي مثل هذه الأمور.‏
كانأبيض كالحليب لولا أن قليلاً من القهوة قد أضيف إلى لونه، ولكن هذا لم يكن يعيبهإطلاقاً بل يعزز جماله. أما عيناه فكانتا تبدوان من حيث كنت أجلس سوداوين داكنتينمثل قلب زهرة، وما كان يعكرهما إطلاقاً أي تفكير. لم يكن هذا كلباً يستجيب لعبارة "جرذ" أو يظهر حماسة شبابية لو اقترح عليه أحد مشواراً على الأقدام. ما كان ليثيرأي اهتمام فيه ما هو أقل من صورته في مرآة كما خيل إلي. كان بكل تأكيد جيد التغذيةبحيث كان يتجاهل الوجبة التي يتركها غيره دون إنهاء، رغم أنه كان على الأرجحمعتاداً على شيء أثمن من أفخر أنواع القريدس.‏
سألتالمرأة الأكثر شباباً: "ألا تستطيعين تركه مع صديق ما؟"‏
"أتركبيوتي؟" لم يكن السؤال نوعاً من الجواب. مررت أصابعها عبر الشعر الطويل بلون القهوةبالحليب، ولكن الكلب لم يحرك ذيله قط مثلما كان من شأن كلب عادي أن يفعل. نخر مثلرجل عجوز أزعجه النادل في النادي: "كل قوانين الحجر الصحي تلك... لماذا لا يقومأعضاء مجلس الشيوخ لديكم بفعل شيء ما حول ذلك؟"‏
"نحنندعوهم بأعضاء البرلمان"، قال الرجل بطريقة ظننتها تحمل كرهاً خفياً.‏
"لايهمني ما تدعونهم به فهم يعيشون في القرون الوسطى. أستطيع الذهاب إلى باريس وفييناوالبندقية... عجباً، أستطيع الذهاب إلى موسكو لو أردت، دون أن أترك بيوتي في سجنرهيب مع كل تلك الأنواع من الكلاب الرهيبة."‏
أعتقدأنه سيحفظ في..." تردد بكل الكياسة الانكليزية المثيرة للإعجاب التي كان يزن بهاالكلمة المطلوبة بالميزان: "أيقول زنزانة؟ وجار؟ حجرة تخصه وحده؟"‏
"فكرفي الأمراض التي قد يصاب بها." رفعته عن حافة النافذة بسهولة كما من شأنها أن ترفعدثاراً من الفرو، ثم ضغطته بعزم على ثديها الأيسر. لم ينخر حتى. انتابني إحساس بشيءمتملك بالكامل. كان يمكن لطفل أن يتمرد على الأقل... فترة من الزمن. يا للطفلالمسكين. لا أعرف لِمَ لم أستطع الشعور بالشفقة على الكلب. ربما كان جميلاً أكثر منالمعتاد.‏
قالت: "بيوتي المسكين ظمآن."‏
قالالرجل: "سأحضر له بعض الماء."‏
"نصفزجاجة من مياه إيفيان لو سمحت. لا أثق بماء الصنبور."‏
عندذلك تركتهم لأن السينما في ساحة ديغول تفتح أبوابها في التاسعة.‏

بعدالحادية عشرة خرجت ثانية. وبما أن الليل كان جميلاً باستثناء ريح باردة قادمة منجبال الألب، فقد درت من حول الساحة. وبما أن الأسوار كانت مكشوفة جداً، فقد اتخذتالشوارع الضيقة القذرة انطلاقاً من "بلاس ناسيونال" نحو "شارع دوساد" و"شارع ديبان." كانت كل صناديق القمامة قد أفرغت من محتوياتها وقامت الكلاب بالتغوط علىالأرصفة والأطفال بالتبول في البلاليع المحاذية للطرقات. كانت هناك بقعة بيضاءاللون ظننتها في البدء قطة تتحرك خلسة على امتداد الواجهات الأمامية للبيوت، ثمتوقفت. وعندما اقتربت تسللت كالحية خلف صندوق قمامة. وقفت مندهشاً ورحت أراقب. كانشكل من النور عبر أضلاع مصراع إحدى النوافذ قد رسم خطوطاً على الطريق بشكل جلد نمرمخطط أصفر اللون، وها هو بيوتي يتسلل خارجاً من جديد وينظر إلي بوجهه الأشبه بزهرةبنفسج وعينيه السوداوين الخاليتين من التعبير. أعتقد أنه توقع مني أن أرفعه، لذاكشر عن أسنانه محذراً.‏
صرخت: "عجباً! إنه بيوتي!" نخر نخرة عضو النادي وراح ينتظر. هل كان حذراً لأنه وجد أنيأعرف اسمه؟ أم هل ميز من ملابسي ورائحتي أني أنتمي إلى الطبقة نفسها التي تنتميإليها المرأة ذات القبعة، وأني واحد ممن يعارضون نزهته الليلية؟ أصاخ فجأة أذنيهتجاه المنزل الذي فوق الأسوار. ربما سمع صوت امرأة تناديه. لا شك أنه نظر إلي بريبةوكأنه أراد أن يرى إن كنت قد سمعت ما سمعه هو أيضاً. وربما لأنني لم أتحرك فقداعتبر نفسه في أمان. بدأ يتموج على الرصيف ولديه نية محددة، مثل ثعبان البوا المغطىبالريش في ذلك المشهد من العرض الراقص في ملهى ليلي حين يلتف باحثاً عن القبعةالرسمية السوداء. لحقت به من مسافة حذرة.‏
ماكان يؤثر فيه يا ترى؟ الذاكرة أم حاسة الشم الحادة؟ فبين كل صناديق القمامة فيالشارع المتواضع كان هناك صندوق واحد دون غطاء. كانت أشياء كثيرة لا يمكن وصفهاتتدلى منه. وقف بيوتي، الذي تجاهلني تماماً الآن، كما قد يتجاهل كلباً أدنى منزلة،على ساقيه الخلفيتين بينما ساقاه الأماميتان اللتان غطاهما الريش الأبيض الرقيقكانتا تمسكان بحافة الصندوق. التفت برأسه ونظر نحوي دون تعبير بعينين كبركتين منالحبر. كان يمكن لعراف بالأحرى أن يقرأ فيهما سلسلة لا متناهية من التنبؤات. قفزكما قد يفعل الرياضي وهو يرفع نفسه فوق قضبان الجمباز، فأضحى داخل صندوق القمامة. وكانت ساقاه الأماميتان المغطاتان بالريش- أنا واثق أني قرأت في مكان ما أن الريشمهم جداً في مسابقات الجمال الخاصة بكلاب بكين- تنبشان وتنقبان بين الخضر البائتةوالكرتونات الفارغة والبقايا المسحوقة في الصندوق. أصبح مستثاراً وراح يتشمم بأنفهشأن خنزير يفتش عن الكمأة. ثم بدأت ساقاه الخلفيتان تعملان لترميا القمامة منخلفه... قشور الفاكهة على الرصيف وحبات التين المتعفنة ورؤوس السمك. وأخيراً نالمبتغاه: أمعاء طويلة لحيوان لا يعرف جنسه أحد. رماها في الهواء حتى التفت من حولعنقه الأبيض كالحليب ثم هجر صندوق القمامة وراح يتمختر في الشارع كالمهرج وهو يجروراءه الأمعاء التي كان يمكنها أن تكون حبلاً من المقانق.‏
عليأن أعترف أني كنت مؤيداً له. لا شك أن أي شيء أفضل من عناق ثدي غير ناهد.‏
حولمنعطف وجد زاوية معتمة ملائمة على نحو واضح أكثر من غيرها لنهش الأمعاء لأنها كانتتحوي بقعاً كبيرة من الغائط. اختبر الغائط أولاً، كونه عضواً في النادي، ثم ترنحعليه لفترة طويلة وأطرافه في الهواء، وهو يحك فراءه الذي بلون الحليب بالقهوة بذلكالشامبو الداكن بينما الأمعاء تتدلى منه، وعيناه الحريريتان تحدقان بهدوء إلى سماء "ميدي" السوداء الهائلة.‏
أعادني الفضول إلى بيتي، على أي حال، عن طريق الأسوار. وهناك علىالشرفة كانت تتكئ المرأة محاولة على ما أعتقد أن تميز كلبها في ظلال الشارع فيالأسفل. سمعتها تنادي بقلق: "بيوتي! بيوتي!" ثم راحت تنادي بصبر نافد آخذبالارتفاع: "بيوتي! عد إلى البيت! لا شك أنك انتهيت من الفرفرة الآن يا بيوتي. أينأنت يا بيوتي؟ بيوتي؟" مثل هذه الأمور الصغيرة تدمر إحساسنا بالتعاطف، فلا شك أنهلولا تلك القبعة البرتقالية القبيحة لكنت شعرت ببعض الشفقة على تلك المرأة العجوزالعاقر الواقفة هناك وهي تنادي على بيوتي الضائع.‏

(1) - بيوتي: تعني الجميل أو الجمال بالانكليزية (المترجم).‏
غراهام غرين: (1904-1991) روائي وقاص انكليزي شهير. من أهم أعمالهالروائية: "الأمريكي الهادئ" (1955) و"رجلنا الذي في هافانا" (1958) و"القضيةالمحترقة" (1961) و"ممثلو الكوميديا" (1966) و"القنصل الفخري"‏
(1973) و"العامل الإنساني" (1978) و"الرجل العاشر" (1985). وقد تحولكثير من رواياته إلى أفلام سينمائية ناجحة. كما كتب القصص والمسرحيات وكان غزيرالإنتاج.‏
كانغرين مهتماً بالصراع الروحي في عالم آخذ بالانهيار. ولد في بريطانيا لأب كان مديرمدرسة. وقد درس لاحقاً في جامعة أوكسفورد وعمل في الصحافة ثم ككاتب متفرغ كما عملموظفاً في وزارة الخارجية البريطانية في غرب أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب سافر في رحلات مطولة.‏
تتميزأعمال غرين بالتفاصيل الحيوية وتنوع الخلفيات (المكسيك، أفريقيا، هاييتي، فييتنام) والتصوير الموضوعي للشخصيات الواقعة تحت مختلف الضغوط الاجتماعية والسياسية أوالنفسية. الشر كلي الوجود. في أعماله المتأخرة فإن بعداً من الشك والصراعالأخلاقيين قد أضيفا إلى الرعب والتشويق. في روايته "مونسينيور كيخوته" (1982) فقدقارن ما بين الماركسية والكاثوليكية، ولكن لهجته فيها كانت أرق. كما نشر له بعدوفاته كتاب: "عالم يخصني: مذكرات حلم" (1994) الذي كتبه غرين في الأشهر الأخيرة منحياته، وهي مذكرات جزء منها خيالي وآخر يتعلق بسيرته الذاتية أعتم فيها على (800) صفحة من المذكرات التي كان يخطها خلال أربعة وعشرين عاماً.‏
" عنالإنكليزية"‏
من مواضيع : هبة الله الموت للمرة الثانية غراهام غرين
البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
الشمس العمياء ( سلسلة روايات أحلام )
حب تحت المطر رويات أحلام
دقت ساعه الزهور ( سلسلة أحلام )
 

الكلمات الدلالية (Tags)
المزيد, بيوتي1, ترجمة, توفيق, غراهام, عرين, ـــ, قصة

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي

الساعة الآن 09:22 AM.