xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى > منتدى القصة > قصص طويلة و روايات
التسجيل

الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

قصص طويلة و روايات

31-08-2007, 02:17 PM
هبة الله
 
الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

الطوفان الأزرق

الكتاب الأول


-1-


وقف الدكتور هالين يتفرج من خلف الزجاج على العاصفة المتوحشة وهي تفترس مطار كيندي الدولي بنيويورك. إلى جانبه كان يقف زميله الياباني ورفيقه في السفر، الدكتور ناتاكا، يحملق في ظلام الليلة الغاضبة في عصبية لا يكاد يخفيها وجهه الشرقي الجامد ونظرته الباردة.
وشعر الدكتور هالين، دون أن يدري لماذا، بخوف من نوع غريب ينتقل إليه من زميله الياباني.ولمع البرق على وجه ناكاتا النحاسي فلاحظ هالين ارتعاش عصب رقيق تحت شفته السفلى، وآخر تحت عينه اليسرى.
وبعد الصمت الذي أعقب انفجارات الرعد المتداركة سمع صوت المطر المتهاطل على أرضية المطار.
وأفاق الدكتور هالين من غيبوبته على صوت الأبواق وهي تعلن رقم رحلته الوشيكة القيام، وتطلب من المسافرين الاتجاه إلى بوابة الإقلاع.وانحنى الرجلان على حقيبتيهما، وانضما إلى الصف في صمت. ولاحظ الدكتور هالين باستغراب عابر انفراج أسارير زميله الياباني، فعزا انقباضه الأول إلى طول الانتظار، وليس إلى الخوف من القيام في العاصفة، كما تصور في البداية.وباستغراب عابر كذلك، فكر، وهو يعقد حزام المقعد، في سبب قيام الطائرة في هذا الجو العاصف، ولكنه، تصور أن تكون هناك علامة انفراج قريب في حالة الطقس..
ووقفت النفاثة العملاقة وحيدة، على غير العادة، على رأس مدرج المطار الدائم الازدحام، تنتظر الإذن لها بالقيام.وبعد انتظار لانهائي أقلعت بشحنتها البشرية، تاركة الأرض نحو سماء كالحة مُكفهرة.
وساد صمت عصيب داخل الطائرة وهي تصارع الطبيعة الغاضبة، فتهتز وتهوى، وتنطفىء الأنوار بداخلها ثم تعود إلى الاشتعال.
وأمسك الدكتور هالن بذراعي كرسيه بيد مبتلة، وهو ينظر من النافذة، محاولاً أن يرى شيئاً يستأنس به. كان الظلام خاثراً لا تخترقه إلا ومضات البرق الوهاج التي كانت تكشف عن خيوط الوابل الهاطل الذي كان يُسمع وقعه شديداً على الطائرة.
وقصف الرعد فهز كيان المركبة الضخمة، وانطفأت أنوارها ثم عادت..ومرت ستون دقيقة بثوانيها في ذلك الطقس المتوحش، وركاب الطائرة وحتى مضيفاتها مسمرون إلى مقاعدهم، شاحبي الوجوه ينتظرون الضربة القاضية..وأخيراً وجدت الطائرة مخرجاً من خلال فجوة واسعة في الغيوم، فانطلقت نحو سماء زرقاء تتلألأ بالنجوم بعيداً عن غضب العاصفة.
ولأول مرة سمع صوت الربان في بوق الطائرة، يرحب بالمسافرين بصوت ناعم مسترخٍ:
سيداتي وسادتي، مرحباً بكم على متن طائرتنا. لابد أنكم لاحظتم أننا كنا نصارع عاصفة هوجاء طوال الستين دقيقة الفارطة. وبفضل أجهزتنا الحديثة استطعنا تفادي نقط الخطر فيها. وقد أصبحت العاصفة وراءنا، وهناك أحب أن أراها."
ثم دخل في تفاصيل الرحلة.
وتنهد الدكتور هالين، ونظر إلى رفيقه الدكتور ناكاتا مبتسماً، فابتسم هذا بدوره.
وتحرَّكتْ المضيفات، وقد علا وجوههن بشر بعد ذُعر، وتوردُّ بعد اصفرار.
ووقفت إحداهن تسوي قبعتها الأنيقة على شعرها الحريري، وتسأل زميلاتها:
- هل تعرفن من معنا على متن الطائرة؟
- من؟
- لا أقل من الدكتور هالين، إيريك هالين.
وسألت إحداهن:
- ومن هو الدكتور هالين؟
فأجابتها أخرى:
- خبير هيأة الأمم المتحدة في مكافحة الإشعاع الذري.
وعلقت الأولى:
- أنفس دماغ في العالم اليوم!
وسألت أخرى:
- هل هو متزوج؟
فحملت الأولى صينيتها، وأسرعت نحو الدرجة الأولى قائلة:
- أنا أسبقكن إلى لقائه!
وانحنت بالصينية، ونظرت إلى الدكتور هالين وهو يلتقط الكأس، فاتسعت عيناها السماويتان وفتحت فمها في دهشة سعيدة مصنوعة:
- دكتور هالين؟
- نعم.
- أنا سعيدة بلقائك. سمعت وقرأت عنكم كثيراً في صحافتنا السويدية.
- شكراً على اهتمامك. لم أكن أعتقد أن الحسان يتتبعن أحوال الشيوخ مثلى.
وضحك هو ورفيقه. فقالت مستنكرة:
- ماذا تقول؟ أنت ما تزال في ريعان الشباب.
وتدخل الدكتور ناكاتا مادا كأسه للمضيفة:
- سأشرب نخب ذلك!
وضحك الثلاثة.
وبعد العشاء والسينما، دفع الدكتور هالين كرسيه إلى الوراء. فجاءته المضيفة بوسادة وغطاء نشرته على ركبتيه، وأطفأت النور هامسة:
- ليلة سعيدة!
ونام الدكتور هالين ليستيقظ في مكان لم يكن يحلم به...

-2-

وقف الدكتور على نادر، العالم الأنثروبولوجي الشاب، وسط حلقة من المعجبين والمعجبات بنظرياته المستقبلية الجريئة، يستحم في ثنائهم السخي على كتابه الجديد (عصر الإنسان)، ويرد على أسئلتهم، عقب حفل التكريم الذي أقامته له الجمعية الملكية البريطانية للأنثروبولوجيا في مركزها بلندن. وإلى جانبه وقفت كاتبته ومساعدته وتلميذته الباكستانية الشابة، تاج محيي الدين، لابسة ساريا أخضر فاتحاً، زاد وجهها الخمري الجميل نضرة وجمالاً..
والتفت الدكتور علي نادر إلى خادم الجمعية العجوز الذي انحنى يهمس في أذنه:
- دكتور نادر، أنتم مطلوبون للهاتف، أخشى أن المكالمة مستعجلة.
واعتذر الدكتور نادر لمن حوله بابتسامته المضيئة، وخرج من الحلقة خلف الخادم العجوز الذي قاده إلى مكتب المدير، وناوله السماعة بيد في قفاز أبيض. وقعد الدكتور نادر على طرف المكتب:
- آلو.
- الدكتور على نادر؟
- نعم، من؟ فيليب؟
- اسمع يا علي، ليس لي وقت لتهنئتك الآن. هناك خبر سيظهر على التلفزيون في ظرف دقيقة أو اثنتين. هل هناك جهاز قريب منك؟
ونظر الدكتور نادر حواليه، فرأى جهازاً بركن المكتب:
- نعم هنا واحد.
- أشعله وضعه على قناة الـ"بي. بي. سي"، المحطة الأولى. إلى اللقاء.
وعلق، فنظر نادر إلى السماعة باستغراب، ثم أرجعها إلى محلها، وخَطَا نحو الجهاز، فأشعله ووقف يذرع الغرفة، وينتظر ظهور الصورة.
وسمع قرعاً خفيفاً على الباب فقال:
- ادخل.
وانفتح الباب، وظهر من خلفه وجه تاج وعليه سؤال معلق. فأشار لها هو أن تدخل، وأمسك بيدها:
- آسف يا عزيزتي إذا تأخرت عنك. كلمني فيليب، وقال لي إن خبرا يهمني سيظهر على التلفزيون الآن.
وبرقت عين تاج فتساءل نادر بنظرة قلقة، فقالت:
- لابد أن يكون كتابك! حلقة مناقشة حوله. أليس ذلك عظيماً؟ هل يمكننا البقاء هنا لمشاهدة البرنامج بأسره؟
وجاء صوت المذيع قبل ظهور صورته وهو يقول:
"نقاطع هذا البرنامج لنأتيكم بهذا الخبر المستعجل:".
وظهر وجه مذيع آخر ينظر إلى ورقة في يده، ثم ينزع النظارة، ويرفع وجهه ليواجه الكاميرا وبدأ:
"خبر في منتهى الغرابة، وصلنا من الدار البيضاء بالمغرب، مفاده أن الدكتور هالين الخبير السويدي المعروف في مكافحة الإشعاع الذري، والحائز على جائزة نوبل في أبحاثه في ذلك الميدان، اختفى من طائرة عابرة المحيط وهي في الجو- أعيد: في الجو بين نيويورك والرباط".
وأعاد النظارة إلى عينيه، وتناول الورقة أمامه، فقلبها بين يديه، ثم أضاف:
"سنوافيكم بما يجد في الموضوع في حينه. ما هو تاريخ اليوم؟ أرجو ألا يكون فاتح ابريل!".
واختفى المذيع، وعاد برنامج "شارع التتويج"، ولكن الدكتور على نادر بقي يحملق في الشاشة مأخوذا بالخبر، مخدر الإحساس، ساهيا عن وجود تاج معه في نفس الغرفة، وبقيت هي صامتة محترمة ذهوله حتى لا تحرجه.
ورن جرس الهاتف فأيقظه من شردوه. كان رنيناً حاداً بالنسبة للصمت المفاجىء الذي عاد إلى المبنى بعد خروج الجميع.
والتقط الدكتور نادر السماعة، قبل أن يرن الجهاز مرة ثالثة. وفي الطرف الآخر كان فيليب الذي سأل بدون مقدمة:
- ما رأيك؟
- لا أدري. ما رأيك أنت؟
- هل أنت ذاهب لبيتك الآن؟
- نعم، لماذا؟
- في الساعة الحادية عشرة سيصلنا خبر مفصل، وقد يمكن أن تصلنا صورة المؤتمر الصحافي الذي ستدعو إليه شركة الطيران في الرباط. وقد تُلقي بعض الأضواء على هذا الغموض الغريب.
- لابد أنه غلط. فلا يختفي المسافرون من الطائرات في عنان السماوات...ونظر الدكتور على نادر إلى ساعته، ثم ودع فيليب، ووضع السماعة وهو يقول، وكأنه يحدث نفسه:
- لم يبق إلا نصف ساعة للأخبار.
وظهر على باب المكتب شبح الخادم العجوز في حلته الرسمية، كأنه قطعة من أثاث المبنى القديم، ورفع الدكتور نادر عينيه متسائلاً، فقال الخادم:
- سيدي، إذ كنتم في حاجة إلى سيارة أجرة فهناك واحدة بالباب.
- نعم. نحتاج إلى سيارة. شكراً.
وأمسك الخادم بالباب، فخرجت تاج وتبعها الدكتور نادر، والخادم خلفهما يقول:
- أخذت حرية المجيء بمعطفيكما إلى الداخل حتى لا تتعبا في العودة مرة أخرى إلى قاعات المآدب.
- شكراً لك.
ووضع الدكتور على نادر معطف تاج على كتفيها، وألبسه الخادم معطفه وفتح لهما الباب على شارع مبتل بمطر خفيف تعكس أرضه أضواء الشارع واللافتات التجارية الملونة. وأعطى الدكتور نادر العنوان للسائق:
- 48 كارلايل سكوير، من فضلك.
وفتح الباب لتاج ودخل السيارة السوداء الفارغة وقعد إلى جانبها ملقياً برأسه إلى الخلف.
وجاء صوت السائق من خلف الزجاج الفاصل:
-حظنا حسن هذه الساعة. لم يبق على المسارح والسينماهات إلا دقائق لتخرج جمهورها، فيكثر المرور والازدحام.
وأخذ يتكلم عن مطاعم لندن وجوها، والدكتور نادر وتاج ينتظران أن يكف عن الكلام في صمت، وصبر السيارة منطلقة في الشوارع الملتوية تضيق مرة وتتسع أخرى، والمارة بمظلاتهم يملأون الأرصفة وواجهات الدكاكين المضاءة، والبنات بديولهن القصيرة وأحذيتهن العالية السيقان وجوارهن الملونة ووجوههن المصبوغة وأهدابهن الصناعية، تعطي المدينة مظهراً حالماً غير واقعي، كأنه في صفحات كتاب ملون.
وعادت ذاكرة الدكتور نادر به في ومضة خاطفة إلى بلدته الصغيرة على البحر الأبيض. فاستعرض في خياله الشوارع القصيرة الجدران، المبلطة بالحصى الأبيض، والبيوت المربعة الأوباب بنقاراتها المستديرة أو المنحوتة في شكل يد يحمل كرة حديد والحيطان البيضاء المائلة إلى الزرقة، والنساء والرجال الملفوفين في الأصواف ناعسي العيون يتحركون كظلال الأشجار على الأسوار القديمة.
وتحركت السيارة بعد وقفة طويلة عند ضوء أحمر، فأفاق من شروده، واغتنم فجوة سكوت السائق، فدفع اللوح الزجاجي الفاصل بينهما، وعاد يتكىء ويبحث في ذهنه عن موضوع حديث مع تاج. وأخيراً تذكر:
- كدت أنسى.
- ماذا؟
- رسالة والدك.
- هل تسلمت منه رسالة أنت الآخر؟
- وجدتها في بريدي هذا الصباح. بها دعوة حارة لي لزيارة الجمعية الانثروبولوجية بفيجى والمحاضرة بها عن نظريتي الجديدة، ومعها تذكرة طائرة! لابد أن والدك واثق من قوة إقناعك. فمن أدراه أنني سأقبل الدعوة؟
- أؤكد لك أن تلك طريقة والدي في العمل. إذا كانت له رغبة في شيء دفع ثمنه في الحال حتى يبدد الشك!
- أنا متأكد أنك السبب الأول في هذه الدعوة. قال لي في رسالته إنه قرأ أغلب فصول الكتاب، فمن أرسله إليه؟ الكتاب لم يكمل توزيعه حتى في مدينة لندن.
- أعترف بأنني بعثت له بنسخة منه. ولكنني أقسم صادقة أنني لم أحاول أن أؤثر فيه في مسألة دعوتك. وإن كنت أرحب بالفكرة، فبعد الإرهاق والإجهاد الذي أصابك أثناء إعداد الكتاب، لابد أن عطلة على شواطىء "فيجي" ستريحك تماماً.
- أنت تضربين على أوتار ضعفي. تعرفين أنني مرهق وأحتاج إلى الراحة، وقد سمعتني مراراً ألْهج بالفرار إلى جزيرة، فاقترحت "فيجي". وتعرفين أنني أكره شتاء لندن الحزين، فاخترت نصف الكرة الصيفي، "إن كيدهن عظيم!".
وضحكت تاج، فانفرجت شفتاها عن مبسم كالأقحوانة، وقالت:
- تعطيني من الذكاء والمكر أكثر مما أستحق..ونظر إليها في غبش السيارة المتحركة، فخالجه شعور بأنهما يعيشان معاً، يعبران نهر الحياة في طوف صغير سعيد يشع دفئها حواليه... وتنهد. آه لو كانت له! لو كان قادراً أن يخطبها من نفسها! أن يضمها إلى صدره، ويهمس في أذنيها: "هل تتزوجينني؟".
وأدرك أنه أحرجها بنظرته وتنهده، فأسبلت عينيها حتى تتجنب عينيه، وأشاح هو بوجهه عنها لينظر عبر النافذة.
كانت السيارة دخلت "سلون ستريت"، وهي الآن تدور حول "سلون سكوير".
وتنبه لصوتها وهي تسأله.
- هل أعد تعليقك موافقة على الدعوة؟
-لا تربطيني الآن. أعطيني مهلة للتفكير.
- آسفة. لم أكن أريد دفعك.
- لا تعتذري يا عزيزتي، فأنا، كما قال أوسكار وايلد: "يمكنني مقاومة كل شيء إلا الإغراء!".
- لا ألومك إذا لم ترد مغادرة لندن في هذه الأيام.
- لماذا؟
- لا يمكنك أن تترك مقر عرشك الآن! علماء لندن والعالم الأنثروبولوجي كلهم يرفعونك فوق أكتافهم ويهتفون باسمك. فلا يمكنك أن تترك كل هذا المجد وتهرب إلى جزيرة واق الواق...ونظر الدكتور نادر إليها وعلى وجهه ابتسامة مفاجأة:
- ماذا؟ إنك تفاجئينني ببعض تعاليقك الساخرة، لم أكن أتوقع أن أكون ضحية لها بهذه السرعة! تذكري أنك ما تزالين تلميذتي. فلا تنسي مكانك!
- ها هو الرجل الشرقي يتكلم!
- أتحداك أن تجدي أحسن!
ودارت كلماته الأخيرة برأسه وأحس أن وجهه يحمر... وارتاح حين أدرك أن الظلام يخفي حَرَجَه.ودارت السيارة نحو اليمين داخلة "كارلايل سكوير"، فاعتدل في جلسته، وبدأ ينظر إلى العداد، ويبحث في جيوبه عن النقود.
- الباب الرابع إلى اليسار.
ووقفت السيارة فخرج الدكتور نادر، وساعد تاج على الخروج، وهي ترفع ثوبها الطويل.وفي البيت تناول معطفها وعلقه خلف الباب، وخلع معطفه هو الآخر وعلقه، وأشعل الأنوار كلها داخل غرفة الجلوس. ونظر إلى ساعته وقال:
- لم تبق إلا خمس دقائق للأخبار.
وعلا صوت التلفزيون فغطى على الحديث. وخرج الدكتور نادر من بيت النوم بقميص قصير الأكمام، وسروال كاكي مكوى بعناية، وجلس على الأريكة مقابلاً جهاز التلفزيون.وجاءت تاج بصينية صغيرة عليها فنجانان يتصاعد منهما البخار، فوضعت واحداً أمامه وتناولت الآخر، وجلست بجانبه قبالة الشاشة المضيئة.
وبدأت موسيقى الأخبار فاعتدل الاثنان في مقعدهما، وعادت علامة الجد إلى وجه الدكتور نادر الذي كان يتناسى خبر اختطاف صديقه الدكتور هالن، ويُمنِّي نفسه بأن المسألة مجرد خطا من الشركة. وأن العالم السويدي لابد أن يظهر في القريب. وحتى إذا لم يظهر، فليس هناك خطر حقيقي على حياته. قد يكون على حريته إذا اختطفته دولة ما لاستعمال مواهبه العلمية. فهو أثمن من أن يجازف أي معسكر بقتله. وبهذه الفلسفة كان يعزي نفسه عن فقدان صدق عزيز.
وظهر وجه المذيع على الشاشة الصغيرة وعلى وجهه ابتسامة معلقة، وبدأ:
"الساعة الآن الحادية عشرة، وإليكم الأخبار، يقدمها "غوردن هانيكوم".
"ما تزال قصة اختطاف الدكتور هالن، الخبير السويدي في مقاومة الإشعاع، ملفوفة في الغموض، اختفى الدكتور هالن من طائرة "بانام" 707 عابرة المحيط وهو في الجو. لم يعثر له على أثر حتى الآن. وإليكم مراسلنا بالدار البيضاء، روبيرت ماكنزي".
وظهر وجه مذيع شاب واقف أمام مبنى البانام، وفي يده ميكروفون، وخلفه عدد من الأطفال والمارة. قال:
"المبنى الذي ترونه خلفي هو فرع شركة البانام الجوية بالدار البيضاء، بالمغرب. وسوف ننتقل بكم إلى الداخل لحضور المؤتمر الصحافي الذي دعت إليه الشركة لإعلان خبر اختفاء الدكتور هالن في عرض الفضاء عبر المحيط. اجتذب المؤتمر عدداً كبيراً من رجال الصحافة، ولاشك من رجال البوليس الدولي وبعض عملاء المعسكرين المتنافسين، إلى مدينة الدار البيضاء، لالتقاط الأخبار وكشف أستار الغموض أو تغطية ما يعرفون عن هذا الحادث الأول من نوعه في تاريخ الاختطافات والاختفاءات الخيالية".
ووضع المذيع يده على أذنه حيث يتدلى سلك من سماعة صغيرة. واستمع قليلاً ثم قال:
"زميلي يناديني من داخل المبنى ليخبرني بأن المؤتمر قرب أن يبدأ".
وانتقلت الكاميرا إلى وسط قاعة كبيرة احتشد فيها جمهور من الصحافيين يلغطون بجميع اللغات، ويشرئبون نحو مسرح عليه مائدة طويلة حولها كراسي وأكواب ماء ومكروفونات صغيرة. وظهر وجه المذيع وهو يتكلم بصوت ناعم:
"قريباً سيظهر على هذا المسرح قبطان الطائرة وملاحه والمضيفات الأربع للإجابة على أسئلة الصحافيين. ومما يبدو أن ظهور هؤلاء للصحافيين لن يزيد المسألة إلا غموضاً. ومعلوم أن".
وقاطعه صوت آخر يعلن:
"أيتها السيدات، أيها السادة، أقدم لكم ربان طائرتنا ومضيفاتها للإجابة عن أسئلتكم في موضوع اختفاء الدكتور هالن أثناء هذه الرحلة".
ولمعت أضواء المصورين على الوجوه والحلل الزرقاء الأنيقة، وهم يأخذون أماكنهم حول الطاولة في مواجهة الجمهور. وبدأ الأسئلة صحفي أمريكي بلهجة نيويوركية واضحة.- من اكتشف اختفاء الدكتور هالن من الطائرة، ومتى؟ورفعت مضيفة يدها:
- أنا. كان ذلك حوالي الرابعة صباحاً.
- هل أنت متأكدة من أنه كان على الطائرة، حين غادرتم نيويورك؟
- كل التأكد!
وسأل صحفي سويسري.
- كيف؟
- أعرف الدكتور هالن. وزيادة على ذلك فقد كان يحمل تذكرة عليها الحروف (ش.ب)-شخصية بارزة- فكان عليّ أن أراقب حركاته إذا احتاج إلى شيء. وقد تحدثنا مرة باللغة السويدية، فأنا سويدية، والدكتور هالن شهير في الأوساط العلمية ببلادي.
- كيف اكتشفت اختفاءه،؟
- كنا قد انتهينا من توزيع العشاء على المسافرين، وطلب الدكتور هالن الغطاء لينام قليلاً، وجئته أنا بالغطاء والوسادة، ودفعت كرسيه إلى الوراء، وأسدلت ستار النافذة إلى جانبه لأنها كانت تواجه الشرق. والشمس تشرق علينا في ذلك الارتفاع في الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت نيويورك. وأطفأتُ الأنوار، وذهبت للكراسي الخلفية حيث قعدت مع زميلاتي. وحوالي الرابعة سمعت جرساً، ونظرت إلى رقم الكرسي، فإذا به في الدرجة الأولى، وذهبت لأجيب الطلب فلاحظت فراغ كرسي الدكتور هالن. ولم ألق بالا لذلك، إذ ظننت أنه ذهب للمرحاض.
- هل رأيته أو إحدى زميلاتك يغادر مكانه؟
- لا، عهدي به نائم منذ منتصف الليل، حين انطفأت جميع الأضواء الرئيسية. على كل حال، عدت من الدرجة الأولى لآتي بكوب ماء.
وسأل صحفي فرنسي:
- هل كان الدكتور هالن مسافراً بالدرجة الأولى؟
- لا، قال لي بنفسه إنه يكره الدرجة الأولى، لأنه لا ينسجم مع ركابها!
وسرت قهقهة بين جمهور الصحفيين، واستأنفت المضيفة:
- ولكنه كان يحمل تذكرة الدرجة الأولى، وحين عدت من هناك كان الكرسي ما يزال فارغاً. ورأيت امرأة تخرج من أحد المراحيض الأمامية وطفلاً من الآخر. وبقى المرحاضان الخلفيان مقفلين. وعدت إلى الجلوس مع زميلاتي، دون أن يكون بالي مشغولاً بشيء. ولاحظت ببطء ثقيل علامة "فارغ" على باب مرحاض خلفي وقلت في نفسي لعل الدكتور هالن دخل المرحاض ونسي أن يقفله وراءه.
وفي هذه اللحظة بالذات قامت زميلتي "إيلين" ففتحته، وقبل أن أناديها لأنبهها كانت قد دخلت، وأقفلت خلفها الباب.
وهنا رن جرس حاد في مخى.. وقمت بسرعة إلى المرحاض الآخر. وكانت العلامة على قفله تقول "فارغ" فدفعته ونظرت بداخله. لا أحد! وأصبت بقشعريرة..وبدأ ذهني يعمل بسرعة العداد الإلكتروني. وانثالت عليه ملايين الأسئلة:
"أين ذهب الرجل؟ هل دخل قمرة الربان!".
وذهبت بسرعة أقطع الممر الطويل كأنه ألف ميل، لعلي أجد الجواب عن سؤالي. وفتحت باب القمرة على الطيار والملاح، وهما يحتسيان القهوة. ونظر الملاح إلى وجهي فرأى علامة الذعر. فسأل ممازحاً:
-ماذا؟ هل يطاردك شبح؟
- قد تكون على حق!
ثم أقفلت الباب ووليته ظهري، وأنا أحاول السيطرة على أعصابي. وقلت لنفسي:
"مهلاً مهلاً! لا داعي إلى فقدان أعصابك! لا يمكن أن يختفي إنسان على متن طائرة سابحة في جوف الليل. سوف أبرد أعصابي، وأمسح بعيني جميع المسافرين مرة أخرى. وبدأت بالدرجة الأولى. لم يكن هناك إلا أربعة ركاب. وخرجت منها إلى الثانية حيث بدأت بالصفوف الأولى. واخترقت الممر، أقف عند كل صف حتى أتأكد من هوية كل فرد، إلى أن وصلت النهاية، فهويت في مكاني واضعة يدي على وجهي مما أقلق زميلاتي، فانهلن عليَّ بالأسئلة:
"ماذا أصابك؟ هل أنت مريضة؟
وكشفت عن وجهي لأقول لهن: "لاشيء. لعلني أحلم أو أومن بالأشباح. هل نمت؟
هل أغمضت عيني ورحت في إغفاءة ما؟"
فقلن: -"لا، ألا تذكرين أننا تحدثا طول الوقت بعد نهاية العشاء؟ لماذا؟"
فقلت: "أجبنني عن هذا السؤال، هل الدكتور هالن معنا على هذه الطائرة؟".
فقالت: إيلين باستغراب: "طبعاً معنا! وأنت التي كنت تتحدثين إليه بالسويدية طول فترة العشاء للتتأكدي من أن "ش.ب" تحصل على أحسن خدمة".
"فوضعت يدي على وجهي مرة أخرى وقلت لهن:
"أرجو أن تبحثن عنه وتُرينني إياه".
وتضاحكن. ثم بدأ الشك يخامرهن. فقمن يبحثن عنه في مكانه. وبحثن في المراحيض. والأركان ووراء الملابس المعلقة والبار والمقهى ومدخل مستودع الأمتعة. وحسبنا الركاب بالمقارنة مع لوائحنا، فوجدنا أن الدكتور هالن كان معنا، ولكننا لم نعثر له على أثر. بل اكتشفنا أن رفيقه الشرقي قد اختفى هو الآخر! وعند ذلك اجتمعنا نحن الأربعة فقررنا أن نعلن الخبر للربان".
وسأل صحفي آخر موجهاً السؤال للربان:
- وماذا كان رد فعلك؟
- بالطبع ابتسمت غير مصدق! ولكن من أجل ألاّ أُثير أعصاب البنات، أشرت إلى جان مساعد الملاح، أن يصحبهن في البحث ويعود إلى بالنتيجة. وبعد بعض دقائق عاد "جان" وهو يحرك كتفيه مستغرباً. "البنات على حق! لا أثر للرجل! لقد نزلت إلى قسم الأمتعة. لا أثر للحياة به. وقد وجدته مقفلاً كما كان". وعند ذلك انزعجت وقمت بنفسي تاركاً عجلة القيادة للملاح. وتمشيت مع البنات في الممر حيث أوقفنني على الكرسي الفارغ. وسألتهن هل كان مع الرجل حقيبة يد ماتزال بالطائرة، فبحثت مضيفة أولاً تحت الكرسي، ووقفت لتهمس في أذني: "كانت إلى جانب الدكتور هالن محفظة أوراقه. أذكر أنه كان يصحح بعضها بعد العشاء. ولا أجدها الآن. "كل هذا وأنا أعالج الأمر بابتسامة، يعلم الله ما تحتها من قلق لكي لا يفطن الركاب لما حدث فأغرق تحت وابل أسئلتهم..".
وسأل صحفي فرنسي:
- "هل توقفتم في الطريق بين نيويورك والرباط" في جزيرة "سنتا مريا" مثلاً؟
وأجاب الربان بالنفي.
- هل لك تفسير منطقي لاختفاء الدكتور هالن ورفيقه؟
- لا. وأنا حائر مثلكم.
وسأل صحفي ألماني:
- هل من المحتمل أن يكون الدكتور هالن والرجل الشرقي نزلاً بالمظلات؟ وضحك الحاضرون، وابتسم الربان وهو يجيب:
- أية محاولة لفتح باب الطائرة على ذلك الارتفاع، ارتفاع خمس وثلاثين ألف قدم، كانت تجعل من جميع ركابها أشلاء متجمدة في الفضاء. وحتى لو أفلحا في مغادرة الطائرة عن طريق باب الأمتعة كان برد الجو القارس الذي يصل إلى الخمسين فهرنهايت تحت الصفر يحيلهما إلى قطعتي جليد في الحال!.
وقاطع وجه المذيع المؤتمر وعلى وجهه علامة استفهام. "نعود بكم إلى لندن، وسوف نوافيكم بما يجدَّ في موضوع الاختفاء الخيالي الذي يشغل بال العالم اليوم".
وظهر وجه المذيع المركزي يقول:
"يظهر أن جيمس بوند عاد إلى فعلاته المدهشة".
وانتقل إلى خبر آخر، فقالت تاج:
- هل أطفئه؟
وحرك الدكتور نادر رأسه موافقاً، وهو يمتص غليونه وينفث الدخان من جانب فمه. وعادت تاج لتجلس بجانبه وهي تقول:
- لابد أن هناك تفسيراً سخيفاً لكل هذا الغموض. أنا متأكدة أن الدكتور هالين يشاهد هذا البرنامج ويقهقه في سره قهقهة شيطانية في ركنٍ ما، وهو سعيد للإشهار الذي ناله مجاناً.
وأمسك الدكتور نادر بغليونه وقال:
- لا يا عزيزتي. هالين ليس من ذلك النوع. فهو يكره الإعلان عن شخصه وعن عمله. رجل متواضع خجول يكره الضوء كما يكره العنف والتطرف. وأعتقد أن اكتشافاته وأبحاثه في مكافحة الإشعاع صادرة عن شعور عميق بالمسؤولية نحو الإنسان وحبه لهذا العالم كما هي، وخوفه أن يضغط مجنون في يوم ما على زر أحمر في واشنطن أو موسكو أو بيكين، ويتحول كل ذلك إلى رماد! لا، لا يمكن أن يكون الدكتور هالين موجوداً في مكان ما حيث يعلم بخبر اختفائه دون أن يهرع إلى أقرب تلفون ليسكت الضجة القائمة حول اسمه!
- وماذا تعتقد أن يكون وقع؟
- اختطاف. حرب الجاسوسية والمعسكرات المذهبية والتسابق إلى تطوير الأسلحة الكيماوية التي لا تعرف عنها الشعوب شيئاً، يحيطها الكبار بسرية كاملة حتى لا يتسرب الذعر بين الناس. هل تذكرين قضية الفيتنامي الذي أحرق النابالم جلده كله فلم يعد قادراً على النوم أو الجلوس، وعاش واقفاً حتى مات من الألم والإعياء السهر؟!
ووضعت تاج يدها على وجهها في ألم واشمئزاز:
- أرجوك!
- آسف يا عزيزتي! نسيت أنكِ شرقية ذات قلب رهيف.
- تذكُّر الألم يضاعف مفعوله!
ونظرت إلى ساعتها وقالت:
- يا إلهي! الحادية عشرة والنصف!
- هل تأخرت عن ميعاد؟
- لا، بل عليَّ أن أعِدَّ بعض المذكرات قبل أن أنام. وكنت أنوي العودة في الحادية عشرة.
- هل أنادي لك سيارة أجرة؟
قالها الدكتور نادر وهو ينهض لينظر من النافذة، ثم قال:
- توقف المطر.
- في تلك الحال أفضِّلُ أن أمشي قليلاً إلى قطار النفق.
- إذن سأرافقك.
وعلى باب محطة النفق وقف يودعها، فاستدركت قائلة:
-كدت أنسى. ماذا أقول لأبي عن موضوع دعوتك؟ سأكتب له غداً.
- دعيني أنام على الفكرة.
- كما تريد.

-5-

رفع الدكتور نادر عينه إلى السماء لينظر إلى الغيوم الحمراء تعكس أضواء المدينة المكتظة كأنها تحترق. ونظر حواليه ثم تحرك ليقطع "سلون سكوير" نحو "كيكزرود". كان المشي أحسن أوضاعه حين يجنح للتفكير. وقفز خياله من موضوع في ميادين بحثه الأنثروبولوجي، وهو يحاول الخلاص وإفراغ دماغه من تلك الأفكار المتساقطة في ذهنه دون رغبة منه.
وأحس أنه يرفع مظلته ويلوح بها ليطرد تلك الأفكار التي اجترها ذهنه أياماً طويلة حتى فقدت طعمها، وأفقدته الاهتمام بالميدان الأنثروبولوجي كله.
ونظر حواليه ليتأكد من أن أحداً لم يلاحظ حركاته اللاإرادية وهمهماته المكتومة فيتهمه بالجنون.
أحس الدكتور نادر بالقنوط والضيق يدبان إلى روحه دون أن يعرف لهما سبباً.
وتردد في خياله صدى تعليق صديق زاره وهو في نوبة ضيق ويأس، فقال له، بعد نقاش طويل حول الزواج والحياة السعيدة:
"شعورك بالضيق واليأس قد يكون مصدره عدم إيمانك بعالم الروح. ومن عالم الروح الحب، الحب حتى في تعبيره البدني.. البدني.. البدني.. البدني!".
"ترددتِ تلك الكلمة في ذهنه بأصداءَ وأصواتٍ وأبعادٍ مختلفة حتى بدأ يحرك رأسه بعصَبية ليرميها خارجه.
وأخيراً وقف وجهاً لوجه أمام فتاة طويلة ذات شعر غابي مفلفل بآلاف الخواتم، وعلى عينيها نظارة حمراء باهتة بإطار نحاسي، وهي تمضغ العلك. وأحس بالحرج فنظر حواليه ليرى جمهوراً غفيراً يغادر سينما "الكلاسيك".
وأحس بالطبول التي كانت تدق داخل دماغه تسكت فجأة، وبالصمت والسلام يخيمان على روحه. وشعر برطوبة الجو تُلامس وجهه الملتهب، فأقفل عينيه واستنشق نفساً طويلاً من نسيم الليل البارد، وأخرجه ببطء والتذاذ.
ولم يدرك أنه ترك وراءه "كارلايل سكوير" حيث يسكن، إلا حين وجد نفسه على شارع "ريد كليف جاردنز" فدخله ووقف ينظر إلى بوابة "مقهى الفنانين" الذي سمع عنه كثيراً ولم يزره قط. وأحس بالإعياء فجأة، فقرر أن ينزل إلى المقهى ويتناول فنجان شكلاط ساخن، ويضيع نفسه بين الناس والموسيقى.
ونزع معطفه وسلمه للفتاة القابعة بدولاب المعاطف.
وقصد إلى ركن قصي فقعد إلى طاولة نظيفة، وجاءه شاب ليأخذ طلبه، وحين قال له أنه يريد شكلاط ساخن كتبه على سجله ووضع السجل في حزامه، وانحنى على المائدة يرتب ما عليها، والدكتور نادر ينظر إلى وجهه الشاب الصافي البشرة، عليه مسحة من أنوثة. وذهب الشاب فإذا بفتاة تقف على طاولته لابسة معطفاً أسود ثقيلاً وقباً من فرو لماع خرج من جوانبه شعرها الأحمر، وعلى وجهها علائم تعب وبرد. انحنت على الدكتور نادر بأدب تسأله:
- هل أشاركك الطاولة؟
وفوجىء بالسؤال فوقف لها لتجلس:
- طبعاً، تفضلي..
وشكرته، وهي تسلخ عنها المعطف الثقيل وتضعه على الكرسي أمامها، ثم تنزع القب الفروي وتضعه فوقه وهي تتلكم:
- آسفة أن أُثقل عليك، ولكن، كما ترى، لا توجد هناك موائد فارغة.
فرد بقليل من الحرج:
- لا، أبداً! أنا وحدي هنا، وليس عدلاً أن أحتكر الطاولة كلها.
- شكراً على أي حال.
وبدأت تبحث في حقيبتها عن علبة سجائرها ثم القدَّاحة والدكتور نادر يلاحظها بطرف عينه مستأنساً قليلاً بمخلوق بشرى إلى جانبه. وأخرجت سيجارة فوضعتها بين شفتيها، فتناول هو القداحة من بين أصابعها البادرة قائلاً:
- هل تأذنين؟
وأشعل سجارتها وهي تنظر إلى وجهه على ضوئها الأصفر، وكأنها فوجئت بأن النبل والرجولة ما يزالان على قيد الحياة.
- شكراً يا سيدي، شكراً!
- العفو.
ولمس في كلامها لكنة اسكوتلاندية فسألها:
- من أي مكان؟ من اسكتلاندة أنت؟
- كيف عرفت أنني اسكتلاندية؟
- طائر صغير أوعز لي بذلك.
فابتسمت وقالت:
- إنَّه سؤال سخيف، لكنتي المحلية تفشي سري على بعد أميال!
- أحب اللهجة الاسكتلاندية، فبها خشونة البادية وجمالها.
- شكراً! أنت رجل لطيف، من أين أنت؟
- خمني.
- إيطالي.
- لا.
- أعرف، أنت إسباني.
- كلا! ولكنك قريبة.
- عربي؟
- نعم، من المغرب.
- من شمال إفريقيا، إذن!
فصاحت وكأنها رأت أحداً تعرفه، وأشارت إليه بأصبعها، وعلى وجهها ابتسامة:
- أتعرف أنني كنت على وشك أن أذهب إلى طنجة؟ لم يبق بيني وبينها إلا البوغاز.
- وماذا حدث؟
- أنذرنا دليلنا الإسباني بأن المغاربة لصوص وكذابون وقتلة وغشاشون في البيع والشراء، فخفت وبقيت في إسبانيا. قل لي، هل ذلك صحيح؟
- بعضه، كما في إسبانيا نفسها أو إيطاليا أو أي بلد بحري.
وجاء النادل فوضع فنجان الشكلاط أمامه، ونظر إلى الآنسة، فسألها الدكتور على نادر:
- ماذا ستطلبين؟
فطلبت "أومليت" وقهوة، وارتاحت في مقعدها تمتص دخينتها وتتحدث كأنها تعرف الدكتور نادر منذ أعوام. وأتيح له أن يتأملها فأعجبه وجهها المنمش قليلاً في أعلى الجبهة وعلى رانفة الأنف. كانت أسنانها لؤلؤية نظيفة، وشفتاها ممتلئتين.
وجاءها الشاب بعشائها فأكلته بسرعة، ومسحت فمها بمنديل الورق، ثم أشعلت سجارة واتكأت إلى الخلف تدخن وتتحدث.
وعاد المغني إلى الظهور على المسرح، وبدأ بأغنية كانت أغنية ذلك الموسم، فبدأت هي تتمايل معها وتردد الكلمات:
"لا داعي لأن تقول إنك تحبني
"ولكن ابق مني قريباً...
"ولا داعي لأن تبقى إلى الأبد
"فسوف أفهم".
وكان بعض الزبناء قاموا للحلبة يرقصون، فسألها:
- هل ترقصين؟
فقامت في الحال مسرعة حتى لا تنتهي الأغنية دون أن ترقص عليها.
ووضع الدكتور نادر يده على ظهرها، فرمت ذراعها على عنقه وجذبته نحوها وأراحت رأسها على كتفه. وأحس دفء صدرها على صدره فشعر نحوها بحنان كبير. ورفعت رأسها فجأة لتردد مع المغنى لازمة "صدقني! صدقني!" وتنظر إلى عيني الدكتور نادر مفتعلة الحزن والانفعال. وابتسم لها ابتسامته المشرقة، فهمسته في أذنه.
- في ابتسامتك مرح وترحيب.
- ذلك لأنني أرحب بك فعلاً.
- آه! شكراً!
وعادت تضمه أقوى مما كانت، وهو يتحرك بها بين الراقصين الذين كان بعضهم لا يكاد يتحرك.
وانتهت الأغنية. وعادا إلى مائدتهما، فالتفتت إليه قبل أن يجلسا وقالت:
- اسمي آن. "آن سيسيليا ورد" فما هو اسمك؟
- اسمي على نادر.
وصافحته وهي تقول:
- اسمك خفيف وسهل. كثير من الأسماء الأجنبية لا أستطيع أن أنطق بها، ولكن اسمك سهل.
ورقصا مراراً، وتحدثا طويلاً.
وفي النهاية سألها الدكتور نادر دون أن يفكر:
- هل تشرفينني بشرب كأس عندي في منزلي، والاستماع إلى مجموعة أسطواناتي الجديدة؟
وفوجىء بقبولها بدون تردد. كان يأمل أن ترفض، وكان متأكداً أنها ستفعل في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ولكنه كتم المفاجأة وأظهر السرور.
ومر بخياله شريط سريعة يستبق الأحداث الآتية. ومر ببطنه ألم حاد لم يشعر به منذ أيام الكتاب والامتحانات.
ودفع الحساب، وألبسها معطفها وارتدى معطفه وخرجا.
كانت السماء ما تزال غائمة ثقيلة، والضباب تتزاحم أمواجه الصامتة في جميع الاتجاهات. ونظر الدكتور نادر حواليه، وقال:
- تبدو هذه الليلة شبيهة بإحدى ليالي الدكتور "هايد" أو "جاك السفاح".
فأطلقت آن صرخة صغيرة، وأمسكت بذراعه، والتصقت به، فقال ضاحكاً:
- لا تخافي يا عزيزتي. أي شبح من تلك الأشباح سيفكر مرتين قبل أن يتحرك من خلف هذا الضباب.
ومشيا على رصيف "فولهام رود" الموازية ب لـ كنجزرود"، لا يسمعان إلا أصوات وقع خطواتهما، ولا يريان المارة الآخرين حتى يكاد يحدث الاصطدام... كانت السيارات تتحرك ببطء، وتغير قوة أضوائها حتى تراها السيارات القادمة. وقالت آن:
- ما أكثفه من ضباب! يمكنك قصه بمقص!
- تصوري أنك في حمام بخار، ويزول خوفك.
وعبرا الطريق إلى الرصيف المقابل، ثم دارا يمينا في شارع صغير مهجور يبدو الضباب فيه أكثف، وله وجوه وأفواه وعيون كأنها غيلان تداخلت حجومها، أو مخلوقات فضائية في طور التكوين...
وأحس "بآن" تتعلق بذراعه وتلتصق به، وعيناها تحملقان في أبخرة الضباب في وجوم وتوقع..وبدأ هو يغني ويصفر ليذهب عنها الخوف ويرخي أعصابها المتوترة.
وحين خرجا إلى "كنجزرود" بدا الضباب أخف، ولاحت أضواء الشارع العالية محاطة بهالات ملونة ملفوفة في الضباب كأقواس قزح.
وأخيراً وصلا المنزل، وتنفست "آن" الصعداء...وفي غرفة الجلوس، علق الدكتور نادر المعطفين، وجاءها يفرك يديه ويسأل:
-ماذا تريد الآنسة أن تشرب؟ بارداً أم ساخناً؟
فقالت، ويمناها على خصرها، وهي تسوي شعرها من الخلف بيدها اليسرى:
- ماذا عندك من البارد؟
- كل ما يمكن أن يخطر على بالك.
- هل عندك بيرة؟
- نعم.
- بيرة إذن، فأنا عطشى.
- وصبَّ لها كأس بيرة، ولنفسه قدح ويسكي على مكعبات الجليد، وجاء بهما إليها من البار، وهي وسط غرفة الجلوس، تتأمل اللوحات على الحائط والتحف على الرفوف الرخامية والنوافذ الزجاجية. وناولها الكأس، فشكرته، ورشفت من رغوته فعَلِقَ بعضها بشفتيها الحلوتين، وسألت:
- أين مجموعتك الموسيقية؟
وأومأ لها إلى ركن به غراموفون، وحوله رزمة من الأسطوانات الكبيرة والصغيرة. فوضعت الكأس وجثت تتصفح أغلفة الأسطوانات الأنيقة. وصاحت مسرورة:
- إيه! عندك "فكر فيَّ بعض الوقت"، "لساندي شو" هل ألعبها؟
وتناولها منها، فوضعها على الفونغراف، وبدأت الأغنية، وارتفع صوت ساندي شو المخملي الدافىء، فقفزت إلى رجليها وواجهته.
- لنرقص!
وطوق خصرها اللذان النحيل، فالتصقت به، وتلامست وجنتاها، ودارا في مكانهما من وسط الغرفة في صمت العبادة، يرهفان سمعهما لكلمات الأغنية الرقيقة وصوت "ساندي شو" الناعم الحالم.
وحين انتهت الأغنية، رفعت آن وجهها نحوه، فتلامس أنفاهما. ونظرت إلى وجهه بعينيها الواسعتين وفيهما تأثرٍ وانفعال، وانفرجت شفتاها فوضع يده خلف رأسها وجذبه نحوه، والتحمت شفاهُهما في قبلة حارة.. وحين أرسلها تنهدت بعمق، ووضعت جبينها على صدره، وكأنها ترتاح من مجهود عاطفي جبار...
وناولها كأسها فارتشفت منه وعادا إلى اختيار الأغاني الجميلة والرقص الذي كان ينتهي كل مرة بعناق وقبلة طويلتين. وعند الكأس الثالثة وضعت إحدى الأغاني الاسكتلاندية، وأخذت ترقص له وسط الغرفة على أطراف بنانها، وهو يصفق مع الموسيقى. وعند نهاية الأغنية اختفت في بيت النوم ونادته.
- علي! علي!
- ماذا؟
- تعالَ...
- تعالي أنت.
- أريد أن أقول لك شيئاً.
ونهض فدخل حجرة النوم التي كانت معتمة لا ضوء فيها إلاّ ما ينعكس بداخلها من ضوء غرفة الجلوس، ووقف على الباب قائلاً:
- هل أشعل النور؟
- لا، لا، لا تفسد خلوة الظلام...
واستطاع أن يراها واقفة أمام مرآته المستطيلة، تتأمل شبح وجهها، فدخل ووقف خلفها، فأخذت ذراعيه ولفتهما حول خصرها، وألصقت ظهرها بصدره. ورفعت إليه وجهها فقبل أذنها قبلة حارة ألهبتها، فاستدارت في موقفها، وطوقت عنقه بذراعيها وارتفعت على بنانها لتقبله...وبعد قبلة طويلة، خرجت من بين ذراعيه، وأشارت إلى فراشه.
- تنام هنا؟
- لا يوجد فراش غيره.
- لماذا السرير الواسع وأنت غير متزوج؟
- هناك دائماً الاحتمال...
وضحكت هي، وجذبته نحو السرير:
- لنسترحْ قليلاً.. يظهر أن البيرة طلعت إلى رأسي...
واستلقت على ظهرها فوق السرير، وجذبته إلى جانبها وعانقته بحرارة.وبعد فترة من العناق الطويل، ابتعدت عنه قليلاً قائلة:
- اسمح لي لحظة، سأخلع فستاني حتى لا ينكمش. فسوف أذهب به للعمل غدا.
وقامت فخلعته داخل دولاب ملابسه وهي تقول:
- ألا تخلع ملابسك أنت؟
وأحس هو بغصة في حلقه، وارتعاش في ركبتيه وبرودة في يديه وقدميه. ووقف أمام المرآة يفسخ أزرار قميصه، ويخاطب نفسه سراً: "يا لك من جبان! هذه التجربة ضرورية. وقد حضرت المناسبة بنفسها وأنت تحاول الهروب.. إذا نجحت الآن، فسوف تخترق الجدار الفولاذي الذي طالما وقف بينك السعادة والحب...ستذهب أيامك، وينتهي عمرك، دون أن تعرف حرارة جسد المرأة ودفء عاطفتها وأنين استسلامها واستمتاعها بك... ستذهب بكراً كلوح ثلج بارد بدون حياة..".
ولبس رداءه المنزلي، وخرج لغرفة الجلوس، فشرب ما تبقى من كأسه، وعاد إلى غرفة النوم حيث كانت "آن" قد دخلت تحت أغطية الفراش. وحين دخل الغرفة رفعت له الغطاء ليدخل معها، ثم اقتربت منه وعانقته في الحال بقوة. فحاول فك نفسه من ذراعيها وهي تهمس:
- ماذا؟
- لا أدري. ولكني متعب للغاية. أنظري إلى الساعة، إنها الثالثة تقريباً.
- أنا كذلك متعبة. يظهر أن المشروبات فعلت مفعولها.
وحاولت أن تعود إلى عناقه فولاها ظهره. وبعد لحظة هدوء، أخذت تمر بيدها على ظهره، وتدلك أكتافه. وفي النهاية ركزت أصابعها في لوح ظهره، وهمست في أذنه:
- ألا أعجبك؟
- بالعكس، تُعجبينني كثيراً...
- فماذا إذن؟
- ليس لي رغبة الليلة.
- ياه! هذه أول مرة أسمع فيها رجلاً يقول هذا.. دائماً أجد صعوبة في دفع الرجال عني!
والتفت إليها وقال:
- أعتقد أنه ينبغي أن تذهبي...
- أذهب؟ في هذه الساعة؟ إلى أين؟
- إلى شقتك.
- أنا أعيش في "ريتشموند"!
- أعطيك أجرة التاكسي.
وأشعل النور، وتناول سماعة الهاتف ونادى سيارة الأجرة. وقامت آن ترتدي ملابسها غاضبة:
- أي نوع من الرجال أنت؟ لم أر في حياتي شيئاً مثيراً للحنق كتصرفك هذا! من أنت؟ أم هل ينبغي أن أقول: "ما أنت؟"
وسكتت لحظة، ونظرت إليه وهو في رداء البيت قاعداً على حافة السرير ينظر إلى الأرض، ثم قالت مغيرة صوتها من الغضب إلى الشماتة:
- إيه! كان ينبغي أن أعرف! يا لي من غيبة! أنت من أولئك! لست رجلاً بالمرة! لماذا بحق السماء، إذن جئت بي إلى بيتك؟
ورن جرس الباب، فقام الدكتور نادر يلبسها معطفها، ويفتح لها الباب، فاختطفت منه المعطف، وبدأت ترتديه بينما هو يسأل السائق عن الأجرة إلى ريتشموند، وينقده الثمن.
وصفق الباب، ووقف وراءه ينصت إلى محرك السيارة يبتعد عن بابه حتى تلاشى. وساد صمت الليل. وبقى هو واقفاً وراء الباب مقبوض اليدين في عصبية، وقد انغلق فكره عن جميع ما حوله...
وبعد بعض دقائق تنبه لحاله، فعاد إلى غرفة النوم كسير القلب، واستلقى في فراشه يحاول إرخاء أعصاب عنقه وساعده المتوترة. وأخيراً غلبه القهر، فدار في مكانه، وضرب الوسادة بقبضتيه، وهو يخاطب نفسه:
- عليك اللعنة! عليك اللعنة!
وغلبه التعب والإرهاق العاطفي فنام نوماً متقطعاً مليئاً بالكوابيس...ورأى نفسه في حلم على جزيرة استوائية جميلة كإحدى جزر الجالاباجوس. مليئة بالطيور الملونة، والنخيل الباسقة، يخترقها نهر أزرق ينعرج بين غاباتها وسهولها.
وفي طريقه إلى المحيط الواسع، رأى نفسه في طوف صغير يسبح طافياً على النهر، والتيار نازل به نحو البحر. وحين حاذى الرمال نزل وأخرج الطوف، ورفع عينيه فإذا تاج محيي الدين واقفة على الشاطىء الذهبي عارية تغمر جسمها الأحمر أشعة شمس الضحى، وبشرتها الصافية تلمع صحة وأنوثة، فينطلق وراءها فتجري وشعرها الطويل الفاحم يلمع، والهواء يتخلله كشلال من الحرير الأسود.. ويجري خلفها بكل قواه، ولكن حركته تبقى بطيئة سحابية، وهو ينظر إلى جسمها الرشيق ينساب وعضلاتها الناعمة تنشد وتنطلق، وإلى ساقيها وخصرها النحيل وبطنها الملساء كغزال صحراوي أو فرس سباق...ولحق بها وارتمى على خصرها كموجة بطيئة فطوقه بذراعيه، ووقعت على الرمل الناعم، ثم استدارت وواجهته بصدر ناهد يرتفع وينخفض مع تنفسها المتلاحق، وهي تنظر إلى وجهه القريب منها، وعلى وجهها ابتسامة المهزوم المنتصر، فتطوقه بذراعيها. ويحس بأصابعها الرقيقة تنطبع على ظهره، فيدفن وجهه في صدرها.
وتأتي موجة هائلة فتغطيهما، فيحس برغبته تتقلص، والبرد يسري في عظامه والألم حاداً في بطنه... وتنظر تاج إلى بدنه، وينظر هو إلى حيث تنظر فيرتاع.. ويكتشف أنه بدون جنس... فيوليها ظهره، ويعدو بكامل قواه، ودموع اليأس تتقاطر على خديه، وصرخات البؤس تمزق قلبه. وتتبعه هي مبسوطة اليدين، تناديه بلغة لا يفهمها، ولا تلبث أن تذهب بها الرياح.
وأفاق من كابوسه يتقاطر عرقاً وينتفض من الانفعال والإرهاق العصبي...وقام من فراشه فذهب إلى الحمام حيث رش وجهه بماء بارد، وراح يتمشى داخل غرفة الجلوس، ويرفع أستار النوافذ ليرى ضوء الفجر الذي كان يشرف على الانبلاج.
وعاد إلى غرفة النوم، فرفع سماعة الهاتف، وأدار رقم تاج، فجاءه صوتها نائماً.
- تاج، هذا علي.
- كم الساعة؟
- لا أدري. انتظري. الخامسة صباحاً.
- ماذا حدث؟
- لا شيء يا عزيزتي. اغفري لي إزعاجك، ولكن لابد لي أن أتحدث إلى مخلوق بشري. وأنت نوعاً ما مسؤولة عن انزعاجي بطريقة غير مباشرة.
- أنا؟!
- لا تنزعجي! أنا أمزح. أتذكرين حديثنا عن جزيرة واق الواق؟
- آه!
- الليلة رأيت حلماً مزعجاً كنت أنت فيه معي في تلك الجزيرة...
- ما هو هذا الحلم؟ هل يمكنك أن تقصه على؟
- فيما بعد.. الآن أريد أن أقول لك، إنني مستعد للذهاب إلى "فيجي" ولا يهمني إذا لم أرجع إلى لندن أبداً...
وجاءه صوت تاج مليئاً بهجة وسروراً:
- لا أدري ما أقول يا علي... الآن لا يهمني أن أنام... لقد طار النوم عن عيني...
- ما قولك إذن في الفطور معاً؟
- سأكون عندك في ظرف نصف ساعة.
ووضع السماعة وقام للاستحمام.
وفي طريقهما إلى المطعم لاحظاً اسم الدكتور هالن وصورته على واجهات محلات الصحافة واسمه مكتوباً بالحروف الكبيرة على الصفحات الأولى، فاشتريا مجموعة من الصحف لفها نادر تحت إبطه ليقرأها على مائدة الفطور.
ونظرت تاج إليه بعد انتهائه من قراءة الصحف متسائلة فرد:
- لا جديد...
وتخشب وجهه الشاحب، وساد الصمت المائدة.

-10-

تحرك التاكسي اللندني خارجاً من "كارلايل سكوير" إلى "كنجزرود" يدرج على مهل في طريقه إلى مطار (هيثرو). ومن داخله كان الدكتور نادر وإلى جانبه تاج ينظران إلى الشوارع المكسوة بالثلج، وإلى السيارات وهي تخوض الوحل البارد، وتلقي به على الأرصفة.
كان الثلج قد تساقط الليلة السابقة، وتراكم على سطوح البيوت وحيطان الحدائق المنزلية القصيرة وظهور السيارات الواقفة.
وكان المارة يخوضون المزيج المتذاوب بأحذية المطاط الشتوية بحذر بالغ خوف الانزلاق.
والتفتت تاج إلى الدكتور نادر:
- هل أنت نادم على مغادرة لندن؟
فمط شفته السفلى، ثم قال:
- لندن كالزواج، من فيها يريد الخروج منها، ومن خارجها يريد الدخول إليها.
واتسعت عينا تاج، ووضعت يدها على صدرها في مفاجأة واندهاش.
- أهذه فكرتك عن الزواج؟
- لا يا آنسة، هذا مثل فقط!
- لا أريد أن أقول إنه تعريف متشائم، ولا أعتقد أنه صحيح بالنسبة لجميع الزيجات.
وابتسم الدكتور نادر ففركت يديها، وهي تقول في مرح صبياني يعجب الدكتور نادر:
- بعد بضع ساعات ستشرق الشمس ثم لا تغرب إلا في الليل!
ثم أضافت:
- في لندن تشرق الشمس غاربة!
ونظر الدكتور نادر إليها بافتتان أخجلها.
قامت النفاثة الضخمة في الميعاد تاركة وراءها مدارج مطار "هيثرو" تلمع من بلل الثلج الذائب، وارتفعت شبه عمودية إلى عنان السماوات تجر وراءها ذيلاً مستقيماً من البخار والزئير الحاد.
أطلَّ الدكتور نادر من النافذة، عبر صدر تاج الناهد، لينظر إلى النفاثات الضخمة الجاثمة على أرض المطار وهي تبتعد لتصبح كلعب من الورق الفضي.
ووقع بصره على صدر تاج منعكساً شكله على ضوء السماء الداخل من النافذة المستديرة، فرآها عارية كما كانت في حلمه الغريب. ونش العرق جبينه، وكادت تضبطه تاج، وهو يحملق في صدرها وفي عينيه رعب، فأشاح بوجهه في اللحظة المناسبة، وكأنما أحست هي بما كان يجول في ذهنه، فوضعت يدها الدقيقة الأصابع على صدرها بحركة بناتية لا إرادية.
ومرت مضيفة برزمة جرائد ومجلات، فتناولت تاج جريدة ومجلة. وحرك هو رأسه بالنفي، وهو يضغط على الزر، ويدفع الكرسي بظهره إلى الوراء ويغمض عينيه.وفسخت تاج حزامها، وسهمت بعينيها نحو الغرب.
كانت الشمس على وشك الغروب حمراء كبيرة، أسفلها غارق في ضباب أزرق تجر تحتها ذيلاً ذهبياً فوق صفحة المحيط.
ورغم ارتفاع الطائرة فقد ظلت حجوم الأشياء وأضواء القرى تبدو واضحة متلألئة كالجواهر في منجم طين أسود.
ولم يفق الدكتور نادر إلا على صوت الوصيفة تسأله هل يريد عشاءه. فاعتدل في كرسيه ونظر من النافذة نحو الأفق الغربي. كان الشفق ما يزال يلون الفضاء بلون القرمز والبنفسج. وفي الشرق كانت النجوم تلمع كبيرة في خميلة من السندس الداكن.
الطائرة ضاربة بأجنحتها الضخمة في عرض الفضاء وقوراً شامخة الأنف.
وهدأت الحركة داخل الطائرة بنهاية العشاء. وانطفأت الأنوار إلا ما كان من المصابيح الفردية فوق رؤوس من فضلوا القراءة والكتابة.
ودخلت الطائرة سماء الصحراء تاركة وراءها المدائن والأضواء. واختفت علائم الأنس البشري، وحلقت السمكة الفضية سابحة بين فيافي السماء والصحراء كجرم من الأجرام السماوية.

-11-

وما نزلت الطائرة بلاجوس، عاصمة نايجيريا حتى ملأ الجو أزيز أسلاك البرق والهاتف تنقل خبر اختفاء الدكتور على نادر والآنسة تاج محيي الدين من قلب الطائرة في عرض الفضاء.
ووصل الخبر لندن، كما وصلها خبر اختفاء الدكتور هالين قبل بضعة أسابيع، وما زال لم يعثر له على أثر.. وما يزال إختفاؤه سراً غامضاً يحير الشرطة الدولية.
وتكرر نفس ما حدث عند اختفاء الدكتور هالن من مؤتمرات صحافية، وتخمينات تحاول كشف الغموض فما تزيده إلا غموضاً.
وظهر على التلفزيون عدد من الدكاترة زملاء نادر ومعارف تاج، واستجوبتهم السلطات. ورغم كل المحاولات فقد بقى لغز الاختفاء داخل الطائرة في الفضاء محيراً للجميع.
وقبل انتشار الخبر في لندن كان ثلاثة رجال من السكوتلاند يارد يفتحون منزل الدكتور على نادر بكارلايل سكوير وينتشرون في غرفه بحثاً عن جميع ما يمكن أن يؤدي إلى كشف الغموض المزدوج الآن باختفاء نادر.
وعثر أحدهم كان يبحث في أدراج غرفة النوم على يومية بخط الدكتور نادر فصاح:
- إيه!
وتجمع الاثنان حوله:
- ماذا؟
- أعتقد أني عثرت على شيء. ربما كانت هذه مذكرات الدكتور نادر.
وتناولها أكثر الجماعة سناً فتصفحها.
- هناك عقبة. المذكرات مكتوبة باللغة العربية.
فقال أصغر الثلاثة:
- أعرف أحداً يقرأ العربية.
فصرفه الرئيس بحركة من يده، وهو ينقر على الكناش الأسود بأصابعه، ثم قال.
- ناد محطة "البيبسي" القسم العربي، وأسأل عن أحد اسمه فيليب ماكنزي، ودعني أتكلم معه.وأدار الفتى قرص التلفون وتكلم فيه قليلاً، ثم ناوله رئيسه هامساً:
- فيليب ما كنزي على الخط.
وتناول السماعة:
- فيليب.
- نعم.
- المفتش دُورْسي. هل تذكرني؟
- طبعاً، طبعاً! خيراً إن شاء الله.
- هل يمكنك أن تأخذ سيارة أجرة في الحال وتأتي إلى منزل صديقك الدكتور علي نادر؟
- هل أنت المكلف بالبحث في القضية؟
- نعم. هل وصلتك الأخبار؟
- المحطة تضج بها.
- هل من جديد في الموضوع؟
- كلا، أنا أراقب الآلة كل دقيقة. الدكتور نادر صديق شخصي كما تعلم.
- أعرف، لذلك أحتاج إلى مساعدتك. قل لرئيسك إنك مطلوب من السكوتلانديارد للمساعدة في القضية.
- حاضر! سأكون معكم في ظرف ربع ساعة.
ووصل فيليب، فناوله المفتش كراسة المذكرات، فتناولها هذا بحذر وإشفاق وتردد، ثم رفع عينيه إلى المفتش متسائلاً، فحرك هذا رأسه موافقاً:
- ليس هناك وسيلة غيرها. ربما تعطينا خيطاً يقودنا إلى حل. فلا تشعر بالإثم، فهو صديقك وقد يكون أطلعك على كثير من أسراره.
وبدأ فيليب يتصفح المذكرة ويقرأ في سره. وأمر المفتش أصغر مساعديه أن يُعِدَّ بعض الشاي. ثم التفت إلى المساعد الآخر وأمره أن ينادي القسم المركزي ويعلمهم بماعثروا عليه، ثم قال لفيليب.
- أبدأ من النهاية وأقرأ طريقك إلى الوراء.
وبدأ من النهاية يقرأ ويترجم للمفتش:
"إنني اليوم متحمس للغاية. أشعر كأنني سجين مدة ثلاثين سنة يحفر في أرض السجن للهروب، وكأنني سمعت سجيناً آخر يحفر في اتجاهي من الزنزانة المجاورة، وإننا سنلتقي قريباً مثل الشاب والشيخ في قصة "مونتي كريستو" هناك جماعة تعرفت عليها من خلال النقر على الجدران. حديثنا ليس مفهوماً كله، ولكنه اتصال على الأقل. قريباً تنفتح الأبواب. إنها الثورة. سوف نتعانق على بوابات الحرية، ونمضي في طريقنا نغني الأناشيد ونلوح بالأعلام.
"المد المفلسفي الجديد لم يعد تفكيراً سلبياً غاضباً رافضاً. لقد مرت مرحلة العواطف والشاعرية، وبدأت عملية البناء الحقيقية. بدأ التفكير في الحل، وليس في وضع المسائل والألغاز ثم الشكوى من صعوبة حلها.
"ما عجز عنه الفلاسفة القدماء أصبح الآن حقلاً للتجارب العلمية الجديدة. مثل النظر بالميكروسكوب إلى الأشياء التي كانوا ينظرون إليها بالعين المجردة. ودخلت المحاليل الكيماوية لتحرر الإنسان من العبء الثقيل الذي رزح تحته آلاف السنين. بدأت عملية فصل الروح عن الجسد دون ضياع التعاون بينهما".
وقاطع المفتش دروسي فيليب:
- يا ترى ماذا يعني بالمحاليل الكيماوية وفصل الروح عن البدن؟
لعله يعني محلول "النيروسين" الذي عثر عليه أحد العلماء الألمان بجامعة "هايد لبرج" والذي من شأنه أن ينشط العقل بدرجة يشعر معها متناوله بارتفاعه عن المستوى البشري، بتحوله الفجائي إلى عقل روح بلا جسد، يمكنها أن يخترق حجباً لا تراها وهي حبيسة الجسد. هكذا سمعته مرَّة يشرح تأثيره على الجهاز العصبي.
- هل تعتقد أنه نوع من المخدرات في نفس درجة "ل.س.د"؟
- لا أعتقد. ليست للنيروسين مضاعفات عنيفة مَرَضية على الدم والجهاز التناسلي كما لـ"ل.س.د".
- هل تعتقد أن الدكتور نادر جرب ذلك المحلول بنفسه؟
- هذا سؤال أعتقد أنه هو وحده يمكنه الإجابة عليه.
وابتسم المفتش وقال:
- لا خوف عليك، يا فيليب. اقرأ.
وقلب فيليب صفحة أخرى فوجدها سطراً واحداً.
"الالتزام لا يجب أن يكون إلا للحق والخير والجمال".
وقلب صفحة أخرى بدأ يقرأ صامتاً، ولاحظ المفتش ذلك فقال:
- صعوبة في الترجمة؟
- كلا. بل هذا شيء شخصي نوعاً ما. الدكتور نادر يتكلم عن عواطفه نحو كاتبته أو مساعدته "تاج" بحرقة غريبة لا أعتقد أنه يريد أحداً أن يطلع عليها. ولا أعتقد أن فيها إشارة لشيء. بعد أن بث المذكرة آلام حبه وحرق حرمانه تكلم عن جدار سايكولوجي لم يستطع تسلقه أو اختراقه.
- ماذا تظنه؟
- لا أدري، ولكنه يقول هنا إنه جدار يقف بينه وبينها. والدكتور نادر لا يؤمن بالحواجز بين الأديان والأجناس، وإن كانت هي من نفس دينه، تاج باكستانية.
- حب غير متبادل، ربما.
- تاج تعبده... سمعتها مرة تعلق على كتابه الجديد "عصر الإنسان" بقولها إنه أهم كتاب منذ أصل الأنواع لتشارلس داروين، وأن نادر أصبح معلم العلماء، "وعصر الإنسان" كتاب الكتب... لا، الحاجز لابد أن يكون شيئاً آخر....
- هل تعرف الدكتور نادر على الصعيد الشخصي؟
- قليلاً.
- هل يمكنك أن تصفه بأنه أعزب طبيعي؟
- تعني أنه لا يحب النساء؟
- أعني لا يستطيع ربط علاقة بدنية معهن.
- لا أدري. هذا أيضاً سؤال...
وقاطعه المفتش محاكياً:
- وهو وحده يمكنه الإجابة عليه. أعرف... أولئك لأصدقائك يستحق الإعجاب...وقلب فيليب الصفحة وهو يبتسم، كانت عليها فقرة واحدة:
"عقل الإنسان وعواطفه مثل رقاص الساعة، كلما دفعته في اتجاه تأرجح بنفس القوة إلى الاتجاه المعاكس ولا استقرار إلا عند الوسط".
ورفع المفتش حاجبيه:
- ماذا يعني؟
ورفع فيليب عينيه عن الكناش ليسرح في فضاء الغرفة:
- أعتقد أنه يعني شيئاً يتعلق بردود الفعل. الدكتور نادر كان له حسن أو سوء حظ النشأة مع أب من المدرسة القديمة، صعب المراس عنيد، عميق التدين أراد أن ينشئه على نفس الوتيرة، متجاهلاً عصره ورأيه ورهافة حسنه.
وقد دفعه والده بتطرفه إلى التطرف في الاتجاه المعاكس فخرج يبحث عن كل ما يمكن أن ينفد مزاعم أبيه ليبرر ثورته عليه. قصة طويلة.
وعاد فيليب يقرأ في صفحة أخرى:
"ماذا سيكون مصير الإنسان لو ضغط مجنونه على زر أحمر وفتح أبواب جهنم على الأرض؟ ماذا يمكن أن نفعل لتلافي إبادة البشرية وما حققته من تقدم أثناء الخمسة آلاف سنة من تاريخها؟"
"هل هناك "شانجريلا" لحفظ هذا التراث؟ أعتقد أن الأوان قد آن ليقوم جماعة من العلماء المسؤولين ببناء قلعة أو جزيرة منيعة عن الإشعاع حتى إذا كان الإنسان ينوي الانتحار تدخل العلماء لتقنينه والحد من مفعوله بحيث يقتصر على الساسة والعناصر التي وصلت بالإنسانية إلى حافة الإنتحار يجب الاحتفاظ بالموهوبين من العلماء والفنانين والصناع والمحترفين لبدء عالم جديد نظيف".
وظل فيليب ما كنزي يقرأ ويترجم حتى منتصف الليل.
وحين انتهى من القراءة كان التعب والاجتهاد قد أنهكاه فتناول المفتش الكناش بين يديه الخشنتين، وسهم بعينيه في فراغ الغرفة.
من مواضيع : هبة الله المخربون تأليف: غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه
الموت للمرة الثانية غراهام غرين
بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي
البريء غراهام غرين
الرجال اليابانيون غــــــير المرئيـــين قصة: غراهام غرين - ترجمة: توفيق الأسدي
31-08-2007, 02:20 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

الكتاب الثاني


-12-


أحس الدكتور علي نادر أنه يفيق من نوم ثقيل، وأن صوتاً صارخاً يترامى إلى سمعه من بعيد فيه إنذار بخطر قريب.
كان يشعر كأنه في حلم من أحلام طفولته كان يرى نفسه يطير من النافذة إلى وسط الدار، أو يقفز بين السطوح، أو يقف في الفضاء فوق قبة المحكمة الزجاجية يلوح إلى جده بداخلها.
وشعر بتيار هواء بارد يغمر وجهه وسائر جسده، وأنه يتأرجح من اليمين إلى اليسار معلقاً في فضاء لا نهائي.
وفتح عينيه بصعوبة فلم ير شيئاً لأول وهلة. كان يطبق الأفق حوله ظلام بارد أيقظ حواسه النائمة بسرعة. وحملق في العتمة الزرقاء ليرى شبح مخلوق بشري قريباً منه يتأرجح هو الآخر في الفضاء... وحينئذ فقط أدرك أنه نازل بمظلة ورفع عينيه ليرى قبتها الهائلة تحجب عنه السماء...وترامى إليه صوت من ناحية الشبح الآدمي المعلق على بعد خطوات قليلة منه.
- دكتور نادر!
ولم يجب، فعاد الصوت الذي ميز فيه الآن صوت أنثى مألوفاً:
- دكتور نادر! هل تسمعني؟
فرد هو بصوت مبحوح:
- أسمعك... تاج....
- نعم.. اسمع! حاول الاسترخاء التام. نحن نازلان بمظلة! قريباً سنلمس الأرض.
وفي اللحظة نفسها لامست قدماه كئيب رمل ناعم فوقع على وجهه وتدحرج إلى أسفله. ووقف يحاول التخلص من شبكة الحبال التي كانت تربطه إلى المظلة وسمع صوت تاج في الظلام.
- دكتور نادر! أين أنت؟
فصاح:
- أنا هنا.
والتفت ليرى شبحها مرتسماً على الأفق الأزرق وهي واقفة على رأس التل وراءه. ونزلت نحوه تخوض الرمل الناعم وتحمل تحت ذراعيها صرة كبيرة. وحين اقتربت منه سألته.
- هل أنت بخير؟
- أعتقد.
- هل تحس ألماً من أي نوع؟
- لا، ماذا حدث؟ أين نحن؟
- ألم تعرف؟ لابد أن الضغط أفقدك الوعي. يظهر أن الطائرة لاقت بعض المتاعب الميكانيكية، فوزعت الوصيفات علينا المظلات للهبوط خوفاً من انفجار الطائرة عند احتكاكها بالرمل. وقد ساعدت الوصيفات على إلباسك مظلتك ونزلت معك في نفس الدفعة.
لم يكن الدكتور نادر يدرك معاني ما كانت تقول، فقد كان يمشي على الرمل نصف مخدر كأنه في حلم أو سكر شديد.
وبعد فترة أحس أنها طالت سأل:
- أين نحن؟
وجاءه صوتها:
- لاأدري. مما يظهر نحن الآن في قلب الصحراء الكبرى.
- وماذا سنفعل الآن؟
قالها وهو ينظر إلى تاج التي كانت بعض خصلات شعرها الأسود تتدلى على وجهها وهي تحاول إعادتها إلى تحت الشال الذي كان يغطي رأسها وتنظر حواليها في جميع الاتجاهات وهي تتكلم:
- أعتقد أنه من الأفضل ألاَّ نتحرك في أي تجاه حتى الصباح لنعرف أين نحن، وحتى إذا بحثوا عنا حول المكان الذي فقدت فيه الطائرة وجدونا بسهولة. ربما كانت الريح قد أبعدتنا عن خط سير الطائرة، فلا داعي للابتعاد أكثر.
ورآها تحملق في مكان مُعَيَّن، ثم ناولته الصرة الكبيرة التي كانت تحت ذراعها قائلة:
- خذ هذه، وانتظر قليلاً حتى أعود.
واختفت في حلكة الظلام حتى أصبحت بقعة سوداء متحركة. ورآها تنحني ثم تعود بصُرَّة أخرى تحت إبطها، قالت:
- وجدت مظلتك. سنحتاجهما للغطاء. تعالَ معي. وأمسكت بيده فتبعها كطفل مطيع. وشعر بالبرد قارساً يتسرب إلى عظامه. ونظر أمامه فإذا صخرة عالية تقف وحدها وسط الرمال.
وسمعت تاج قضقضة أسنانه فنشرت المظلة ووضعتها على أكتافه وظهره.
وتناولت مظلته فتلفعت بها، وقادته نحو الصخرة حيث دارت حولها بسرعة ثم عادت تقوده إلى الناحية الأخرى منها.
- الريح لا تمس هذه الناحية. سوف نجلس إلى جنب الصخرة حتى الصباح.
وجلست داخل شق واسع بالصخرة ثم سحبت الدكتور نادر إلى جانبها فعقد القرفصاء.كان عقله المخدر نصف مشلول لا يفكر إلا فيما تحت عينيه، وما داخل دائرة شعوره المباشرة حادث الطائرة، ووجوده هائماً على وجهه في قفار الصحراء وفي جوف الليل أشياء لم تدخل بعد منطقة وعيه، ولم تترجم إلى أحداث خطيرة.
وفي تلك الليلة هبت عاصفة رملية مخيفة. بدأت الرياح تهب باردة كما تعصف في أصقاع الشمال. وسرعان ما أخذت تشتد وتحرث الرمال وتصفر بين الشعاب والصخور.
وقبع الدكتور نادر وتاج في شق الصخرة يستمعان إلى عُوائها وكأنها أغوال تتعارك وعماليق تتصارع وتتقاتل ممتطية جياداً من ظلام.
والتصقت تاج بطريقة لا إرادية بالدكتور علي نادر، فطوق خصرها بذراعه وضمها إليه وهي ترتعش كالعصفور الصغير، بينما العاصفة تزداد هيجاناً وطغياناً.
وباتت الرياح طول الليل تولول عاتية تقتلع الصخور، وغطتهما الرمال الخفيفة التي كانت تتساقط من فوق الصخرة ومن جانبها، ونادر يرفع رأسه من حين لآخر ليدخل قليلاً من الهواء إلى تحت الغطاء.
وهدأت العاصفة فجأة كما بدأت دون أن يُحسَّا بها. فقد غرقا في سبات عميق بعد هدوئها التدريجي، أرهقهما التعب والسهر والفزع لغضبة الطبيعة المتوحشة.
واستيقظ الدكتور علي نادر على تاج تحركه ليفيق.
كانت الشمس تشرق أرجوانية هائلة الحجم من وراء التلال الشرقية، تلمس أشعتها الحريرية رؤوس الصخور والمرتفعات. والسماء كانت زرقاء كأعماق المحيط.
وأخذ الدكتور علي نادر يفرك عينيه دون أن يعرف أين هو. ونظر حوله ليجد نفسه مغطى بالمظلة المثقلة بالرمل وتاج إلى جانبه تنظر إلى فوق بوجهه شاحب رسم عليه الرعب.
ونظر إلى حيث كانت تنظرُ، فإذا ثلاثة وجوه سمراء ملثمة بعمائم زرقاء تنظر إليهما من فوق التل المواجه بعيون ثاقبة.
ووقف ينفض التراب عن ملابسه، ومد يده إلى تاج ليساعدها على الوقوف.
ولم يتحرك الرجال الثلاثة. قال الدكتور نادر وارتعاشة السرور في صوته:
- السلام عليكم.
وانفرجت أسارير الرجال الثلاثة، وتقدم أكبرهم سناً يرحب به باللهجة الحسانية:
- أهلاً وسهلاً! كيف تتكلم العربية؟
- أنا مغربي.
والتفت إلى تاج وأضاف:
- وهذه السيدة زوجتي. لقد نجونا من حادث طائرة كادت تحترق بنا في السماء فنجاناً الله. وكتب لنا حياة جديدة...
وقال أحد الرجال:
- الحمد لله على سلامتكما. نحن من قافلة مخيمة في واحة قريبة؛ عثرنا عليكما ونحن نستكشف المنطقة. العاصفة تغير وجه الصحراء، تغطي أشياء وتكشف أشياء.
- نحن سعيدان بلقائكم كل السعادة. أين نحن؟ ما هي أقرب مدينة إلينا؟
وماذا يجب أن نفعل لنعود إلى المغرب أو السينيغال؟
- أنتما في موريتانيا، والأحسن أن تأتيا معنا إلى مضارب خيامنا، وتقابلا شيخنا المختار بن علي.
ولأول مرة رأى الدكتور نادر أن تاج تحمل حقيبة أوراقه وحقيبة أشيائها فأخذهما منها، وقال لها بالإنكليزية:
- لا تخافي. هؤلاء عرب موريتانيون يخيمون هنا قريباً، وسوف يأخذوننا إلى رئيسهم. يظهر أنهم لا يعرفون أين نحن من أقرب مدينة.
والتفت إلى الرجال وقال:
- هيا بنا إذن، كم تبعد مضارب خيامكم؟
وأشار أكبرهم بيده إلى تل ناحية الشرق قائلاً:
- هنالك واحة خضراء وراء ذلك التل. ونحن ضاربون بها.
وحمل أصغر الجماعة حقيبة الدكتور نادر بأمر من كبيرهم، وتحركوا نحو التل.
ومن فوقه أشرفوا على منظر رائع الجمال. أحقاف الرمال البيضاء واقفة عذراء في أشكال تخلب الألباب. ظلالها الطويلة ممتدة نحو الغرب تسير إلى الواحة كأنها أمواج المحيط حول جزيرة غناء. ولم تستطع تاج كبت شعورها فتنهدت بعمق وقالت:
- هل ما نزال نحلم؟
ولم يجب نادر، فقد كان مأخوذاً بروعة المنظر وصمت الفجر المطبق للآفاق.
وما اقتربا من الواحة حتى كان الجميع يتطلعون إلى القادمين الغريبي المظهر.
ومر الدكتور نادر ووراءه تاج تبتسم للسيدات وهو يحيي الرجال فيردون التحية بأصوات خفيفة فيها تردد وشك.
ومن بين الخيام الوبرية الثقيلة كان يخرج أطفال سمر نحاف تلمع عيونهم الكبيرة وهم يحملقون في تاج ونادر ثم ينضمون إلى الموكب.
وخرج شاب طويل القامة، قويُّ الملامح، ذو عينين شديدتي السواد وحاجبين كثيفين. ووقعت عينا تاج في عينيه فأخافتها نظرته، وأسرعت خلف نادر تتعثر في ثوبها وتكاد تلتصق به.
وقاومت الرغبة في الالتفات لترى هل ما يزال يخترقها بسهامه.
والتفت الدكتور نادر إلى تاج وسألها:
- هل عندك منديل؟
- أعتقد أنه في حقيبة يدي.
وأخذت تبحث فيها حتّى أخرجته، وقالت:
- لماذا تريده؟
- غطي رأسك...
وتغطت تاج بالمنديل وعقدته تحت ذقنها، وسارت تحت نظرات العيون النفاذة من وراء الأقنعة الزرقاء والوجوه الملوحة، والدكتور يرفع يديه بالتحية حتى وقفوا على باب خيمة كبيرة. ودخلها الرجل الصحراوي فمكث قليلاً ثم عاد يدعو الدكتور ورفيقته إلى الداخل.
ودخلا ليجدا رجلاً مسناً مهيب الطلعة أبيض الشعر جالساً على حشية، وفي يده سبحة وهو يحرك شفتيه دون صوت.
وتقدم الدكتور نحوه:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ورد الرجل بابتسامة محببة:
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً. تفضلا...
وأشار بيديه إليهما ليقعدا على الحشية أمامه، وهو يتمتم بالتسبيح في خشوع لحظة دون أن ينطلق. ثم جمع السبحة في قبضة يده النحيلة المعروقة والتفت للدكتور نادر:
- أهلاً بابن العرب. وما جاء بكم إلى هذه الأصقاع؟ وتنحنح الدكتور مستعداً للكلام:
- يا مولانا الشيخ، لقد احترقت طائرتنا في الفضاء، ونجانا الله منها بلطفه. والآن نجد أنفسنا هنا لا علم لنا بأقرب مدينة أو طريق إلى حيث نخبر أهلنا بأننا ما نزال على قيد الحياة.ونظر الشيخ بابتسامة استغراب إلى الدكتور وسأل:
- وكيف نزلتُما من طائرة تحترق؟
فالتفت الدكتور إلى الرجل، وطلب منه أن يأتي بالمظلة ففعل، ووقف هو أمام الشيخ ونشرها على الأرض.
- بهذه يا مولانا يمكن للإنسان أن يتعلق بالهواء، وينزل سالماً على الأرض.
وحرك الشيخ رأسه دون أن يدري أحد هل تصديقاً أم استغراباً أم استهزاء.
وفكر قليلاً ثم قال:
- أتعرف أن كثيراً من الجواسيس ينزلون بهذه البقاع ليعرفوا ما يجري بها؟ الإسبانيون يمنعون عنا مناطق شاسعة بدعوى أنها خطر على القوافل. ويظهر أن ذلك من بعض أسرارهم، وهم يقبضون على كل مشتبهٍ فيه.
وكانت تاج حريصة على فهم ما يقال، فكان نادر يترجم لها باختزال.
وأجاب الدكتور نادر:
- أنا متأكد يا مولانا أنهم سيعرفون عن الطائرة التي احترقت بطرقهم الخاصة، ويبعثون من يبحث عن بقاياها. لابد أنهم سمعوا الأخبار. وإذا أوصلتمونا إلى أقرب مركز من مراكزهم فسيمكن أن يساعدونا على العودة.
وأحس بيد تاج تضغط على ركبته، فالتفت إليها:
- ما رأيك يا تاج؟
فقالت بالإنكليزية:
- لا أعتقد أنها فكرة حسنة. البقاء مع القافلة أسلم لنا حتى نصل إلى أقرب مركز تجاري، وفيه نأخذ أقرب مواصلة. قل للشيخ إذا أراد أن يوصلنا فنحن تحت أمره.
والتفت للشيخ فقال:
- معذرة يا مولانا. زوجتي من دولة الباكستان المسلمة، وهي لا تعرف العربية رغم حفظها القرآن الكريم. لذلك نحن نتكلم بلسانها. وهي ترى أن نطلب ضيافتكم حتى تبلغونا إلى أقرب مركز به مواصلات.
وابتسم الشيخ لها قائلاً:
- على الرحب والسعة. الآن دعنا من الكلام في هذه المواضيع. لابد أنكما جائعان. ستفطران وتستريحان معنا.
وشكر الدكتور نادر الشيخ الذي صفق بيديه فأدخل الخدم أواني الثريد واللبن والتمور، ومدت أمام تاج والدكتور نادر. وأكلا والشيخ يسبح في صمت ويجيب عن أسئلتهما.
وبعد أن انتهيا من الأكل أحس الدكتور نادر بالتعب يفسخ عضلاته، وبالحاجة إلى النوم والاسترخاء.
ولاحظ الشيخ ذبول عيونهما فقال مبتسماً:
- لابد أنكما متعبان وفي حاجة شديدة إلى الراحة.
وصفق بيده، فدخل أحد الخدم الواقفين على باب الخيمة، وأشار الشيخ إليه أن يصبحهما. وقال:
- ستذهبان إلى خيمة ضيافتنا حيث ستجدان فراشاً أوطأ مما نمتما عليه بالأمس. وحينما تفيقان من القيلولة يمكن أن نتحدث عن إرجاعكما إلى حيث تريدان.
وصافحه الدكتور وتاج وخرجا خلف الخادم الذي قادهما إلى خيمة الضيوف.
كانت الخيمة مؤثتة بزربية خفيفة زاهية الألوان، وحولها ثلاث حشايا صوفية عليها وسائد وأغطية صوفية ملونة.
ووقفت تاج وسط الخيمة تنظر إلى الدكتور نادر نظرة تساؤل فقال:
- أعتقد أنه من الأحسن أن نتبع نصيحة الشيخ وننام.
وفي هذه اللحظة سمع صوت أحد يناديه من خارج الخيمة، فخرج ليرى من، فإذا هو الخادم وعلى ذراعه بعض الأثواب. وحين رأى الدكتور نادراً ناوله الأثواب قائلاً:
- يبلغك الشيخ المختار تحياته، ويرسل هذه الأثواب لك وللسيدة حرمك.
واستلمها الدكتور منه شاكراً، وعاد بها إلى تاج حيث نشرها على الحشية الصدرية.
جَثَتْ تاج على جانب الحشية، وأخذت تقلب الأثواب حتى وجدت أخفها ووضعته على صدرها تقيسه. قال الدكتور:
- لماذا لا تلبسينه؟
فنظرت إليه بحاجبين مرتفعين. فقال:
- لا يمكن أن أخرج. ليس عيباً أن تلبس المرأة أمام زوجها. ثم إنهم قد يشكون في شرعية زواجنا إذا خرجت لا تركك تلبسين.
- تظاهر بأنك ذاهب بين النخيل!
وابتسم الدكتور نادر وخرج من الخيمة. وبدأت تاج تخلع ملابسها قطعة قطعة.
وعاد الدكتور علي نادر لابساً العباءة ليجد تاج جالسة تمشط شعرها أمام مرآة صغيرة معلقة بعمود الخيمة. كان شعرها الأسود الحريري يغطي ظهرها وكتفيها والمشط يمر فيه بنعومة.
والتفتت حين أحست بمقدمة وابتسمت له، فأحس بأنوثتها تغزو قلبه، وتنهد بعمق، وحاول تفادي عينيها، فقالت:
- تبدو شيخاً محترماً.
ونظر إلى نفسه في هندامه الجديد الذي يوحي بالوقار والاحترام، ثم رفع عينيه لينظر إليها في عباءتها القمحية اللون، وقد شدت وسطها بحزام أبرز صدرها، وسرحت شعرها الفاحم إلى الوراء، فبرزت عيناها الواسعتان. ودارت حوله مقلدة عارضات الأزياء، ثم وقفت أمامه وقالت:
- ما رأيك؟
- أجمل جارية وقعت عليها عيناي!
وتورد وجهها قليلاً فأضاف:
- يا ترى كم سيكون ثمنك في المزاد؟
- كم تدفع لو أخرجني النخَّاس للسوق؟
- ناقتين وثلاث نعاج.
وصاحت فيه:
- على! أهذا ما أساوي عندك؟!
- من أجل صداقتنا سأضيف خروفاً للثمن. ما رأيك؟
والتقطت وسادة لترميهُ بها، فصاح:
- غيرت رأيي.. غيرت رأيي..
- هل سترفع الثمن؟
- لا، بل عدلت عن الشراء!
ورفعت الوسادة في وجهه فأمسك بها، وطوق خصرها محاولاً تفادي المخدة الطائرة. وسقطت الوسادة على أرض الخيمة، وبقيت تاج بين ذراعي الدكتور نادر، وهما يلهثان، وقد اقترب وجهه من وجهها واختلطت أنفاسهما...وأدرك موقفه فأطلقها وقد عادت علامات الجد إلى ملامحهما. لم يقترب الدكتور نادر من طالبته هذا القرب إلا في بعض حفلات الجامعة حين رقصا معاً، وبين حشد كبير من الطلبة والأساتذة.
وطارد أفكاراً وخيالات خامرت ذهنه بقوله:
- لا أكاد أصدق أننا في الصحراء.
فردت تاج وهي تسوي غطاء على حشيتها:
- لو أتيح لنا أن نختار، لاخترنا جزيرة "فيجي" الخضراء على الضياع في الصحراء.
وتمددت على الحشية، فاحتذى نادر حذوها، وتمدد على أخرى مقابلة ونظر إلى سقف الخيمة في تأمل عميق، ثم قال وكأنه يفكر جهراً:
- خُيِّلَ إليَّ هذا الصباح، وأنا أنظر من فوق ذلك التل الرملي إلى الآفاق المترامية، أن الصحراء سجن هائل... حدوده هي لا حدوده... حدوده في داخلنا، في ضعفنا على السيطرة عليها، على الخروج منها أحياء إذا نحن همنا على وجوهنا.ثم قال:
- بالمناسبة، نحن محظوظان بشكل عجيب. نسقط في قلب الصحراء، وبعد ليلة واحدة تحت عاصفة هوجاء بدون طعام ولا ماء، تعثر علينا قافلة عابرة تأتي بنا إلى واحة خضراء.
وسألت تاج:
- هل ستعود إلى الموضوع أم ستنساه؟
- أي موضوع؟
- موضوع الصحراء والسجن. أعتقد أنها فكرة حية.
- آه! عفواً يا عزيزتي.. ذلك أحد أعراض المرض العربي، الفوضى العقلية، الاستطراد. تلك الفوضى معششة في عقلي ورثتها عن الأجداد مؤلفي المصنفات والحواشي والشروح وشروح الشروح وهوامشها وطررها، إلخ، إلخ..
وتنهد وهو يستعرض صفوف الكتب الصفراء على رفوف مكتبة أبيه القديمة ونقوشها الذهبية وسطورها التي لا تقاطعها نقطة أو فاصلة أو أول سطر كأنها صفوف النمل.
وسمع أنفاس تاج عميقة، فأدرك أنها نامت عنه وهو يتفلسف، فابتسم وتغطى وأغمض عينيه.
ولما أفاق سمع أصواتاً وغناء ودق دفوف آتية من بعيد، وبقي لحظة ينظر إلى عمود الخيمة ويتساءل أين هي.
المغامرة كلها كانت كابوساً طويلاً بالنسبة إليه. ولكنه أفاق ليجد، لخيبة أمله، أن الحلم هو الحقيقة وأنه ليس في غرفة نومه بشقته بلندن، حيث يخرج يده من تحت الغطاء ليشعل الراديو ويستمع إلى آخر الأخبار، قبل أن يغادر الفراش.
وتساءل يا ترى ماذا تقوله الصحف والإذاعات والتلفزيون عنه في لندن. إذا كانوا أخبروا أنه مات فلابد أن الخبر واصل إلى أهله بالمغرب، وأنهم سيعانون أحزاناً وآلام لا داعي لها.
ومن جهة أخرى، حين يظهر هو بنفسه في لندن، سيحدث انفجاراً في الصحافة ووسائل الإعلام كلها. وسيعامل كشبح عاد من عالم الأموات. ولم يفته أن مثل هذه الشهرة ستجعل الناشرين يتهافتون على كتبه، حتى التافه منها! لذلك عليه أن يعود سريعاً.
وسمع نحنحة على باب الخيمة ثم ندا رجل باسمه، فصاح:
- نعم!
- الشيخ يطلبك. صلاة المغرب قريبة.
وخرج فتيمم على صخرة ملساء، ثم لبس حذاءه وتبع دليله إلى حيث أقبل على جميع غفير من رجال القافلة في دائرة كبيرة حول شيخهم وهو يتحدثون.
وصافح الشيخ الدكتور الذي سلم مبتسماً على الجماعة، وجلس إلى جانب الشيخ.
كانت الشمس تكاد تلمس الكثبان الممتدة غرباً وهي تنزل في بطء وجلال إلى مغربها.
والتفت إليه الشيخ متفقداً:
- لعلك ارتحت الآن قليلاً.
- ذلك بفضلكم وحسن ضيافتكم يا مولانا. السيدة وأنا في أحسن حال، ولا يقلقنا إلا انزعاج أهالينا وربما يأسهم علينا.
وحرك الشيخ رأسه وأشار بيديه معاً مصبراً له بحركة رشيقة.
- لابد من الصبر الآن. أنتما في أمان، وحين تعودان إلى بلدكما سيفرح أهلكما. ولكننا هنا محدودون بقوانين الصحراء. لا يمكن أن نتحرك حتى نأخذ الإذن منها. وأنت ما تزال تذكر العاصفة الرملية التي أحرقت طائرتكم. إنها تنقل الجبال، وتغير وجه الأرض فتضلنا عن الطريق.
- لاشك عندي أن خبرتكم يا مولانا بالصحراء وخباياها وتغير وجوهها لا يمكن أن تخدعها زوبعة أو إعصار. رجل الصحراء يشم الاتجاه ويحسه...
ورفع الشيخ رأسه فجأة لينظر إلى ناحية الخيام، والتفت جميع من كان في الحلقة من رجال معممين ملثمين بعمائم زرق، ونظر الدكتور نادر فلم يجد شيئاً غير عادي، ولم تمض بضع ثوان حتى ظهر رجل يجري نحو خيمة الشيخ.
- مولانا! مولانا!
- ماذا؟
- ولدكم فارس!
- ماذا أصابه؟
- لقد هرب! فكَّ القيد وهرب!
وبدا التذمر على وجه الشيخ، فصاح بالرجل:
- وماذا تنتظر؟ اتبعوه واقبضوا عليه. لن يذهب بعيداً.
- لقد خرج حارسان للبحث عنه!
وظهر على وجه الرجل القلق والألم. فقال الدكتور مستفسراً:
- مولانا! أرجو أن يكون بخير. هل يمكن أن أساعد بشيء؟
وحرك الشيخ رأسه في حسرة، وقال:
- فارس ولدي كان فتى نجيباً منذ صغره. بهرني ذكاؤه وسرعة حفظه للقرآن. حين كان سنه إحدى عشرة سنة كان يكتب القرآن بدون أخطاء، ويحفظ عدداً من المصنفات كالألفية والأجرومية وبعضا من الشيخ خليل. ونصحني بعض أصدقائي من سوس أن أبعث به إلى القرويين بفاس، فانتظرت حتى بلغ السادسة عشرة، وأرسلته إلى صديق لي هناك. وكنت أذهب كل صيف لزيارته أنا وأمه. وبعد أربع سنوات بدأ الولد يتغير. وشعرت بخطر ذلك التغير، فطلبت منه أن يعود معنا تلك السنة حتى لا ينسى عادات قومه وأصدقاءه الذين عاش بينهم.
ولم تمض فترة على وجوده هنا حتى بات الآباء يشتكون من تسرب أفكاره إلى عقول أبنائهم وإفسادها. وانفردت به لأسأله هل ذلك حقيقة، فوجدت أنه ملحد ينكر تقاليد قومه، ويدعو علماءنا بالمشعوذين، وينعتُ شيخ طريقتنا بمضل المسلمين، ويقول إن الطرق بدع وضلالات مصيرها النار.
وخفق قلب الدكتور نادر لرومانسية قصة الشاب الهارب.... وهمس لنفسه:
"هذا ولي آخر يبعث في قلب الصحراء..."
ثم التفت إلى الشيخ سائلاً:
- ومنذ متى هو أسير عندكم؟
- منذ ستة أشهر وهذه ثالث مرة يحاول فيها الهروب. لقد أقسمت بأغلظ الأيمان أنني لن أفك قيده حتى يعود عن ضلاله وإلحاده، ويتراجع عن افتراءاته أمام الجماعة، فرفض الملعون وفضل القيد! لولا أمه.... لولا أمه لقتلته!
- مولانا، أرجو أن يكون ما تسميه إلحاداً هو فقط تطرف في أفكار الشاب الذي يدخل المدارس والجامعات العصرية. والإلحاد تهمة كبيرة لا ينبغي أن تلقى جزافاً. لذلك أرجو أن تستعمل الرحمة في حقه.
وبَدَا الأسى على الوجه الأسمر القوي الملامح، وخَبَا البريق الحاد في عينيه وهو يقول:
- كدت أيأس، وكم دعوت الله أن يهديه، ولكن "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء".
ووضع الدكتور يدا ناعمة على كتف الرجل، وقال:
- مولانا، إذا أعاده الرجال من مهربه هل تعدني أن تتركني معه ساعة لأرى دخيلة نفسه؟ أنا غريب، وأفهم عقلية الشباب القرويين. وربما فتح لي قلبه فأضع يدي على مرض نفسه. وأنتم تعلمون أن للنفس أمراضاً كالجسد تماماً. فهل تأذنون لي..؟
وحرك الرجل رأسه موافقاً، وقال:
- إذا أفلحت معه، فستكون توبته أعظم هدية تقدمها إليَّ، وسوف أخرج عن طريقي لأُوصلك إلى مقصدك.
وبعد لحظة كان الشيخ فيها يلعب بسبحته بعصبية ظاهرة سأله الدكتور نادر:
- هل تعتقد أنهم سيلحقون به؟
- دائماً يلحقون به. حين عاد من فاس عاد أعمى البصر البصيرة. لم تعد غريزته الصحراوية ماضية كما كانت. لذلك لا يستطيع أن يذهب بعيداً دون أن يترك آثاراً تدل على اتجاهه كأية ناقة أو بعير.
وترامى إلى سمع الدكتور نادر صوت مؤذن يدعو لصلاة المغرب. كانت السماء ما تزال زرقاء، تزداد زرقتها عمقاً ناحية الشرق. وفي الأفق الغربي كانت آثار سحائب رقيقة برتقالية ترصع الشفق كأمواج الذهب.
وفوق الكثيب وراء مضارب الخيام وقف المؤذن يدعو إلى الصلاة وقد ارتسمت صورته على الأفق. وأحس الدكتور نادر وهو ينظر إليه ويسمع أصوات الماشية والجمال، ويشم روائح الصحراء ممزوجة بدخان الكوانين، وسعف النخيل ورائحة اللبن الدافيء، أحس بعدم واقعية وجوده، وبدأ يتساءل هل يحلم أم هو هناك فعلاً.
ووقف الجماعة للصلاة، وتقدم الشيخ للإمامة، وشعر الدكتور بالراحة لأنه لم عرض عليه الإمامة. كان فعلاً قد نسي كم ركعة في صلاة المغرب. وتصور الحرج الذي يمكن أن يقع فيه لو زاد أو نقص عن العدد المفروض أو تردد.
وأحس للصلاة معنى جديداً في الصحراء. وفكر أن الصلاة لا ينبغي أن تكون مجرد روتين للهبوط والصعود وتلاوة الآيات والأدعية، ولكن للتفكير المستمر في الهدف من الحياة والمصير. وردد في نفسه الآية القرآنية "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وحرك رأسه رافضاً أن يكون الهدف من وجوده هو العبادة، إلا إذا كانت العبادة تعني التفكير والتأمل. وفكر إن الله لابد أن يكون "فكرة" نسبية تتفق وعصر الفرد ومستوى ثقافته وذكائه. وإله هذا العصر هو بدون شك أرقى وألطف من آلهة العصور القديمة، وأن إله الإنسان الواعي المفكر، أعلى وأوسع أفقاً وأبعد عن الفهم من إله رجل الشارع البسيط الذي لا يملأ الدين فراغاً مهماً من حياته.وسلم الإمام والتفت يميناً وشمالاً ثم استدار. وبعد لحظة من التسبيح الصامت، قرئت الفاتحة، وقام بعض الرجال لبعض أعمالهم، وبقت جماعة من حفظة القرآن اجتمعوا في حلقة يقرأون "الحزب".
وأثناء القراءة جاء شاب وانحنى على الشيخ، وهمس في أذنُه، فحرك هذا رأسه، ونظر ناحية الدكتور نادر.
وبعد نهاية الحزب انحنى الشيخ على الدكتور نادر، وهمس في أذنه شيئاً، فقام رأسه، ونظر ناحية الدكتور نادر.
وبعد نهاية الحزب انحنى الشيخ على الدكتور نادر، وهمس في أذنه شيئاً، فقام هذا معه تاركاً الحلقة مستمرة في الذكر.
-15-

وتوجه الاثنان إلى خيمة بين المضارب. والتفت الشيخ إلى الدكتور نادر وقال:
- هل تريد أن تنفرد به أم تريدني حاضراً؟
- الأحسن أن أنفرد به. سوف يشعر بحرية أكثر مع غريب مثلي فيفضي بذات نفسه.
وعلى باب الخيمة نادى الشيخ باسم امرأة، فخرجت زوجته والدموع في عينيها، ونظرت إلى زوجها متوسلة إليه ألا يعذبه، فلم ينظر إليها، بل أشار للدكتور أن يدخل.
ورفع هذا ستار الخيمة وسلم ودخل، فإذا بشاب في حوالي العشرين، طويل الشعر، نحيفٍ، حاد النظرات. وحين رأى الدكتور نادر سمر فيه عينيه ولم يُردَّ التحية.
قال الدكتور:
- "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها." وقد قلت السلام عليكم!
- من أنت؟ وماذا تريد؟
- اسمي نادر. علي نادر.
- من أين جئت؟
وابتسم الدكتور وهو يقول:
- سقطت من السماء! هل تصدق ذلك؟
- هل تريدني أن أضحك؟!
- أريد أن أقول لك إنني جئت لأتحدث إليك، وأنك لا ينبغي أن تخاف مني. لقد أقنعت والدك بأن العنف والضغط لا يخلقان إلا الحنق والتمرد. وهو يعتقد أنك خرجت عن الجماعة، وأصبحت ملحداً منذ عودتك من فاس. هل هذا صحيح؟
وسكت الشاب. وتقدم الدكتور نادر منه، فلاحظ السلاسل، فعاد إلى خارج الخيمة ونادى الشيخ:
- مولانا. هل تسمح لي بمفاتيح القيد؟ أعتقد أن فكه سيكون عربوناً على حسن النية والرغبة في التفهم.
وأعطاه الشيخ المفتاح، فعاد إلى الخيمة، وفك القيد عن ساقي الشاب ويديه، ورمى به في جنب الخيمة قائلاً:
- أرجو حين أخرج من هذه الخيمة أن آخذ ذلك القيد لأرمي به في زريبة البهائم! والآن أرجو أن تصدق أني هنا لأساعدك على فهم والدك، وأساعده على فهمك. فقد كنت مرة شاباً في مثل سنك، وكان لي أب مثل أبيك. أنا أعيش في القرن العشرين، وهو في العصر الجاهلي، وما أجده أنا من المسلمات التي لا تحتاج إلى مناقشة، يجدها هو كفراً وإلحاداً.وبدأ وجه الفتى يتغير، ويبدو عليه الاهتمام والاستجابة. واستأنف الدكتور:
- أتعرف أن أبي ما يزال يعتقد أن الأرض مسطحة؟ ولو أخذته في طائرة ودرت به الأرض لحرك رأسه وقال: "والأرض بساط" و"الأرض دحاها" و"جعلنا الأرض مهادا" صدق الله العظيم! وحين كبرت بدأت أفهم أن عقلية الإنسان تتحجر حين يبلغ سناً معينة، ولا تبقى لينة تتقبل الأفكار الجديدة، كما كانت حين كانوا صغاراً في مثل سنك. وسوف تكبر أنت ويصعب عليك أن تتنازل عن أفكار كثيرة آمنت بها في شبابك!
ونظر الفتى إلى الدكتور، وتكلم لأول مرة متأثراً:
- حين أصبح مثل هؤلاء سأقتل نفسي!
- بالعكس، تذكر ما قاله المتنبي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله




وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم



ونظر الفتى إلى الأرض، وقال:
- أحياناً أتمنى لو لم يكن والدي بعث بي إلى فاس، لكنت هنا واحداً منهم، أُومنُ بما يؤمنون به، أقول بسطحية الأرض، وأرقص على الأذكار، وأنتظر المهدي المنتظر، وأمجد مولاي عبد القادر الجيلالي، لكنت أسعد مما أنا!
قال الدكتور: هل من أجل خلافك معهم في هذا وضعك والدك في القيود؟
- قلت لهم أن يعودوا إلى الله، لا يمكن أن تصدق ما يملأ عقول هؤلاء الناس من وثنية وشعوذة. كلمة الله لم تعد شيئاً بالنسبة إليهم. إنهم لا يرونه. وقد ارتدوا في وثنية الجاهلية الأولى، فخلقوا الأضرحة والأولياء وعلقوا التمائم والعقارب حول أعناقهم. وتوجه النساء نحو الحجارة فطلوها بالجير وقدسوها، وإلى الأشجار فعلقوا عليها قطعاً من ملابسهم بدرجة مخجلة. حين قرأت عن المجتمع الجاهلي قبل الإسلام لم أجد فرقاً بينه وبين هذا. وشعرت بالرغبة في دعوة قومي إلى الإسلام والعودة إلى الله. وليتني لم أفعل. ليتني بقيت أعمى مثلهم!
- أبداً، يا ولدي! لقد أنعم الله عليك بالبصيرة! ولن ترضى بها بديلاً.
ونظر إليه لحظة وقال:
- أتعرف أن وضعيتك هذه تذكرني بقصة مشهورة لكاتب إنجليزي، عنوانها "مدينة العميان" وموضوعها باختصار أن رجلاً هام على وجهه في منطقة عذراء لم يصل إليها مستكشف، فعثر على مدينة كل سكانها عميان. وحين دخل المدينة وأعلن لهم أنه مُبصرٌ، وأن هناك حاسة إبصار، وأن هناك سماء وشمساً وليلاً ونهاراً، وأن المدينة ليست مسقفة بسقف علوه ست قامات، كما يعتقدون، قبضوا عليه بتهمة مخالفة التقاليد والعقائد الموروثة، وخيروه بين أن يفقأوا عينيه حتى يصبح أعمى مثلهم، أو يغادر المدينة. ورغم أنه كان وقع في حب أجمل فتاة هناك وكان يريد الزواج بها، فقد فضل الخروج من دفء المدينة إلى برد الأصقاع الموحشة. فضل أن يموت مبصراً على أن يعيش أعمى. هل تجد مقارنة بين بطل القصة وبينك؟
وانشرح وجه الفتى، ونظر بإعجاب إلى الدكتور نادر، وقال:
- إذن المسألة دورية، أعني أن الإنسانية كلها تقع على وجهها من حين لآخر، وتحتاج إلى أنبياء لإيقافها على رجليها!
وحرك الدكتور رأسه موافقاً، وأضاف الفتى:
- وماذا ينبغي أن يفعل البصراء؟ ماذا يكون مصير الإنسانية لو أن كل من أبصر غادر مدينة العميان دون أن يحاول فتح عيون أهلها؟
ورد الدكتور:
- هناك اعتبارات تقلل من أهمية الإبصار. مثل ظروف قومك، أي تغيير في معتقداتهم وعاداتهم معناه تحلل مجتمعهم، وإذا تحلل مجتمعهم صارت حياتهم مستحيلة. لأن استمرارهم يعتمد على وحدة كيانهم.وصمت قليلاً ثم قال:
- هناك أشياء أهم عند السياسيين والزعماء، مثل والدك، من المعرفة والإبصار، وهي السعادة الجماعية والرضا بطريقتهم في الحياة وأتباع ما جاء به الأولون دون تغيير كبير.
وأحس الفتى بسرور عميق فقال:
- لم أفكر في كل هذا. أنا الآخر كنت أعمى بطريقة أخرى. المعرفة لا معنى لها بدون حكمة.
- أنا سعيدبحل قيودك.
- ماذا تقترح أن أفعل؟
فقال الدكتور نادر مازحاً:
- لنتظاهر بأننا لا نرى شمساً ولا قمراً، وأن على المدينة سقفاً يبعد ست قامات، وأن الإبصار جنون ما سمع به الأولون ولا الآخرون.
ورفع الفتى عينيه، وهو يضحك فاختفت الابتسامة من وجهه. ورفع نادر عينيه فرأى الشيخ واقفاً على باب الخيمة، ينظر إليهما بوجه بارد كشفرة سيف!

-16-

وقبل أن يفتح الدكتور نادر فمه بادره الشيخ:
- أرجو ألا يزعجك ما سأقول لك. السيدة زوجتك تحس بتعب خفيف.
ووقف نادر بسرعة، فقال الشيخ:
- لا تقلق، إنها الآن بخير، أعتقد أن طعامنا لم يوافق معدتها. وقد أعطيناها عصير بعض الأعشاب لتسهيل وتنظيف جوفها. وهي الآن في خيمة الضيافة تسأل عنك.
وخرج نادر بخطوات واسعة نحو خيمته. وحين دخل على تاج، كانت عيناها مغمضتين، وإلى جانبها امرأة عجوز، قامت عند دخوله وخرجت. وركع هو إلى جانب فراشها، وأمسك بيدها ففتحت عينيها.
- عزيزتي، كيف تحسين؟
وابتسمت ابتسامة ذابلة وقالت:
- زال الألم.
- فزعت جداً من أن يكون شيء يحتاج إلى طبيب. وأين تجد الطبيب هنا؟
- الشربة التي أعطتني العجوز كان لها مفعول مدهش. لابد أنهم عرفوا سبب الألم.
- القوافل عوالم قائمة بذاتها. لا تحتاج إلى أطباء ولا أدوية كل شيء تنتجه بنفسها. لابد لها من الاكتفاء الذاتي للبقاء!
وبعد صمت قصير قالت تاج: أليس سخيفاً أن أمرض في مثل هذه الظروف؟
قال مطمئناً: لا تقلقي. كل شيء سيكون على ما يرام.
ثم تذكر الشاب وأضاف:
- لقد اكتسبت صديقاً جديداً...فنظرت تاج مستغربة:
- من يكون؟
- ابن الشيخ المختار.
- هل وجدوه؟ كان هرب من سجنه.
- لحقّوا به وأعادوه، فليست هذه أول مرة يهرب فيها.
- لماذا يهرب من أهله؟ وإلى أين؟ إلى الصحراء؟ لابد أن يكون يطوي أحشاءه على جرح دام.
- ذلك ما ظننت. وقد طلبت من أبيه الشيخ أن يسمح لي برؤيته والحديث إليه ففعل.
- هل تحدثت إليه؟
- حديثاً قصيراً. قاطعني الشيخ في نهايته ليقول لي عن إصابتك. ولكن أعتقد أنني نفذت إليه.
قالت: ما مشكلته؟
وشَرَدَ الدكتور نادر مفكراً، ثم قال ببطء وهو يبحث عن الكلمات:
-مشكلته. هل سأقول البحث عن الطريق؟ أي طريق؟ كل الطرق توصل إلى نفس الجدار الجبار الذي تصطدم به عقولنا الواهنة، وتسقط تتخبط في أوحال الخيبة.. ولكن الولد ما يزال في مرحلة المجد. مرحلة الإيمان. قال لي إنه يريد أن يعود بقومه إلى الله!
قالت، وهي تضغط على يده لتوقظه من سرحته:
- وماذا قلت له؟
- قلت له إن وحدة قومه أهم من رجعتهم إلى الله.
- وهل اقتنع؟
- أعتقد. ولكن لا أضمن أن آثار حديثي إليه ستدوم طويلاً. ضمير الولد يحترق. وعقله يركض بسرعة الضوء. لابد أن سيجد في منطقتي ثقوباً كثيرة، ويثور مرة أخرى ليوضع في القيود من جديد لكني أعتقد أنني كسبت صديقاً وخسرت آخر.
قالت: ماذا تعني؟
قال: بينما أنا أتحدث إليه دخل علينا والده الشيخ. لا أدري كم سمع من حديثنا، ولكن وجه كان جامداً كالصخرة حين التفتُّ إليه.
قالت: ربما كان مهتماً بما حدث لي، وكان يفكر في الأسلوب الذي ينبغي أن يعلن به الخبر إليك...
قال: أرجو أن تكون تلك هي الحقيقة. ولكن ما يهم الآن هو أنت. كيف تشعرين؟
قالت: أحسن، أحسن كثيراً...
وترامى إليهما من خارج الخيمة صوت الطبول مصحوباً بالتهليل والتكبير وقراءة ورد الطريقة. ثم بدأت الحضرة، ووقف الرجال صفاً واحداً، وبدأوا يتحركون على مهل يميناً ويساراً مع الألحان...ورفعت تاج رأسها تريد أن ترى ما يحدث من فتحة باب الخيمة، فقام الدكتور نادر ورفع الستار كله، ثم عاد إلى تاج فوضع بعض الوسائد وراء ظهرها لترى أحسن.
قالت: ماذا يفعلون؟ يرقصون؟
قال: ليس تماماً. إنهم "يتحيرون"!
قالت: يتحيرون؟ وما معنى ذلك؟
قال: الحيرة نتجت عن جلسات مفكري الصوفية وحلقات مناقشتهم. كانوا يجتمعون كل مساء لدراسة التوحيد والجدل والتفلسف في وجود الله، خلوده، ووحدانيته، القضاء والاختيار، النبوة، بقية الأديان، كل شيء يتعلق بمكافحة الشك الذي كان يستشري بين طبقات المثقفين حينئذٍ. وإرجاع الطمأنينة إلى الضمائر والإيمان إلى القلوب.
قالت: ولكن كيف نتجت "الحيرة" عن جلسات معقدة المواضيع، وهي مجرد حركات تعبدية وطقوس بدائية؟
قال: الحيرة معناها فيها... هي الذهول الناتج عن اصطدام العقل البشري الضعيف بالحائط الجبار. وفي لغتنا الدارجة مثل هذا المعنى أعتقد أنه نزل إلينا من أيام الصوفية، وهو "اللي حقق يحمق ويغيب عن عقله!" لابد أن هذا ما كان يحدث عندما تنغلق الأبواب، ويتيه العقل في المجهول. يبدأ الجميع بالتوسل إلى الله وطلب الهداية، وتتحول الحلقة إلى ندوة أشعار وغناء، وكلها تعبير عن حب الله والفناء في ذاته، ويتحول المجلس إلى مرقص صاخب ظاهره تمجيد الله، وحقيقته احتجاج على العجز الفطري المورث في الكيان البشري.
قالت فاتحة فمها وهي تشير بأصبعها إلى حلقة الذكر والحضرة وعيناها تتألقان:
- أتعني أن هذا كله نتيجة لذلك؟!
وحرك رأسه موافقاً، فقالت:
- هذا يفسر كثيراً من طقوس المجتمعات المتخلفة. لابد أن لرقصاتهم وحركاتهم المعقدة أصلاً في الحضارت الأولى قبل فسادها وعودتها إلى الخمود. لابد أن كثيراً من العقول اصطدمت بنفس ما تسميه بالحائط الجبار قبل آلاف السنين. حتى قبل أن تجىء الأديان لتنقذ الإنسان من إحراق عقله!
وربت نادر يدها الرخصة قائلاً:
- من يدري؟!
وبعد صلاة العشاء التفت الشيخ إلى نادر وقال:
- أعتقد أنه من الأليق أن تتعشى مع السيدة حرمك. فقد أمرت لكما العشاء في الخيمة.
وشكره الدكتور نادر وودعه وعاد إلى الخيمة حيث كانت تاج تنتظرهُ بالعشاء.وبعد الأكل أحس الدكتور برأسه يثقل وبأجفانه تقفل وحدها، ولم يشعر حين أخذه النوم.
وجاء الصباح مبكراً. أرسلت الشمس من خلف التلال والكثبان أشعتها في سماء واسعة الآفاق. وإلى الغرب كانت النجوم ما تزال بيضاء تلمع كدنانير البلاتين.
فتح الدكتور نادر عينيه ونظر من تحت غطائه إلى السماء. كانت رجلاه باردتين، فانكمش ليدفئهما. وفجأة أحس إحساساً قوياً بالوحشة. كان الصمت مطبقاً حواليه، وبدأت القشعريرة تسرى إلى بدنه. فأزاح الغطاء عن وجهه ليجد أن الخيمة ذهبت، وأن الواحة مقفرة موحشة لا أثر فيها لإنسان...
ووقف ليمسح ببصره الأفق لعله يرى أثراً للقافلة. لاشيء يتحرك على مد البصر. وأحس بالرعب يمسك قلبه بيد نحاسية باردة! وكاد يقفز حين مست كتفه يد تاج، فالتفت محاولاً تفادي عينيها.
ودار في مكانه، ثم ضرب برجله الأرض قائلاً بمرارة:
- أنا ومواعظي!
وواجهته تاج بأعصاب هادئة وقالت:
- لا تلم نفسك!
- لو لم أتطوع أن أعمل كطبيب نفسي لابن الشيخ لما كنت أنزلت غضبه علي وعليك أنت البريئة!
- الشيخ كان خائفاً من مسؤولية وجودنا في القافلة على كل حال. كان يعتقد أننا جواسيس مغاربة على موريطانيا. وربما بتركه لنا هنا قدم لنا خدمة. من يدري ماذا كان في نيته؟
- لقد وعدني بتوصيلي إلى السينغال، إذا أقنعت ابنه بالعودة إليه وعدم محاولة الهروب. وأنا متأكد أنه سمع حديثي إلى ابنه، فقرر أن يتركنا هنا تحت رحمة الصحراء ووحوشها وجهلنا بموقعنا فيها.
- لا فائدة من الندم على ما فات. ماذا الآن؟
وحرك نادر رأسه:
- سؤال وجيه.
ومشى نحو الكانون ووقفت تاج تنظر حواليها.
كان هدوء الصباح وبرودة الجو وخلو الواحة توحيان بشعور غريب. كان الندى يثقل جذوع النخيل المتشابكة حول البئر وفي غرب الواحة.
وتمشى الدكتور نادر على حافة الأرض المعشبة ينظر إلى آثار الأقدام وحوافر البهائم. وحين عاد إلى تاج كانت هذه تقفل حقيبتها بسرعة وتجمع الأغطية والألحفة وتطويها.
قال نادر وهو يقف وراءها:
- هل تعتقدين أن هناك خطراً في اللحاق بالقافلة؟
ووقفت تاج والتفتت إليه:
- لاأدري. ولو كان للرجل رغبة في مساعدتنا لما تركنا خلفه هنا. ومعنى اللحاق به هو الارتماء عليه، وربما اضطراره إلى البحث عن طريقة أخرى للتخلص منا. قد لا تكون أسلم لنا من هذه!
قال مقتنعاً:
- فكرت في ذلك.
وأشار إلى الجنوب:
ذهبت القافلة من هناك. كل آثار الأقدام والحوافر تشير إلى تلك الناحية، لا يمكن أن يكونوا بعيداً وراء الكثبان.
ونظر حوله وسأل:
- ما ذلك؟
- بعض الطعام. قديد ودقيق محمص بالسمن وتمر وعسل. لابد أن السيارات أشفقن من حالنا وتركن ذلك.
- على الأقل لن نموت جوعاً.
قالت تاج: لا تُفكِّرْ في الموت الآن. بعد أن نجونا من حادث الطائرة، ووجدنا الواحة والقافلة لا أعتقد أن أجلنا قد وصل. كانت هناك مناسبات أهم لهلاكنا من الوجود على واحة خضراء. ثم لا شك في أن البحث عنا قائم على قدم وساق. وربما لن نبقى هنا يوماً أو يومين حتى تصل مروحية أو طائرة استكشاف. علينا فقط أن نترك علامة على وجودنا هنا.
- ماذا تقترحين؟
- لنشعل ناراً دائمة.
- النار لليل فقط. بالنهار لن يروها، خصوصاً إذا لم تترك دخاناً، وحتى لو تركته هناك دائماً حرائق بالواحات.
- المظلات إذن!
- ماذا نفعل بها؟
- ننشرها على أعلى كثيب. وسوف تجلب انتباه أي طيار من أي ارتفاع بألوانها الصارخة.
- عندي فكرة أحسن.
- ما هي؟
- نصنع بها خيمة في وسط هذه القاعة حيث يمكن أن ترى من الجو بسهولة، وحيث نقيم.
- وظيفة مزدوجة.
- تماماً.
وتعاونا على رفع المظلة على قوائم من سعف النخيل وسيقانه، وشداها إلى الأرض بأوتاد من خيوطها الحريرية.
ووقف نادر ينظر إلى الخيمة بإعجاب لما صنعت يداه، ثم نظر إلى تاج، كانت تنظر إليه بوجه جهم وعينين فيهما قلق خفي. وأحس برغبة في ضمها إليه، ولكنه تراجع في نفس الثانية... وضع يده على يدها وقال:
- عزيزتي، لا حاجة إلى ذهابك معي. ابقي هنا، فأنت ما تزالين ضعيفة من الأمس. لقد حدث كل شيء بسرعة فاقت تفكيري، فلم أقف حتى لأسألك عن حالك.
فابتسمت وقالت:
- الخطر يفتح مخازن الطاقة الموفورة. حينما تنهض الروح يتبعها الجسد.
وضغط على يدها في حنان وقال:
- سأعود حالاً.
- سأعد شيئاً للفطور.
وعند الزوال عاد نادر مبهور الأنفاس عطشان، ومدت تاج إليه كوب ماء وهي تسأله:
- هل رأيت شيئاً؟
وحرك رأسه نافياً وهو يمسح شفتيه:
- لا شيء بالمرة. الواحة محاطة ببحر هائل من الرمال. ولا أثر للحياة على مد البصر. لا شيء يتحرك غير السراب المتراقص. كدت أظنه ماء يتماوج والواحة جزيرة في وسطه.
- تعال ادخل الخيمة لتبترد قليلاً، لابد أن الشمس أثرت على مخك ودخل الخيمة واستلقى على لحاف، وأغمض عينيه. ودخلت تاج فجلست إلى جانبه تنظر إليه وتتكلم.
- حاولت أن أسأل النساء عن موقعنا فلم أفلح. وقد فهمت منهم أننا على بعد أسبوع من أقرب مركز تجاري بالشمال على حدود المغرب الجنوبية، وشواطىء الصحراء.
- ماذا عن ناحية الغرب؟ ناحية البحر؟
- أظن أنهم لا يعرفون البحر. طريق قافلتهم هذه لم يغيروها منذ كانوا.
وفكر الدكتور نادر قليلاً ثم قال:
- لو أننا قط عرفنا الطريق إلى البحر.. هناك فرص أكثر للنجاة من هذه الواحة الملعونة.
وأجابت تاج مواسية:
- لا تقلق. الواحات بالنسبة للقوافل أهم من شواطىء البحر، وهذه يظهر أنها في طريقهم وإحدى مراحلهم المهمة للراحة والتزود بالماء.
ووقف يمسح وجهه المحتقن بيده فقالت:
- كيف تحس الآن؟
- رأسي يغلي من الحر.
- لماذا لا تستحم بالماء البارد؟
وحين عاد كان شعره يلمع من بلل الماء الذي تعلقت منه قطرات صافية على رؤوس الشعر الأسود الذي بدأ يغطي ذقنه. ووجد أن تاجاً قد أعدت بعض الطعام فقعد متربعاً قبالتها وعيناه تحملقان في الفراغ:
- ماذا يشغل بالك؟
وأفاق من شروده فحرك رأسه وقال:
- لا أفهم.
- ماذا؟
- قضينا بهذه الواحة ما يقرب من ثمان وأربعين ساعة دون أن نرى أحداً من ركاب طائرتنا الذين نزلوا بالمظلات. المفروض أنهم نزلوا في بقعة واحدة وعلى مسافات متقاربة.
وفكرت تاج قليلاً ثم قالت:
- فكرت أنا الأخرى في ذلك أثناء غيابك. قلت في نفسي يا ترى هل سيكفي الزاد الذي تركته لنا القافلة غيرنا إذا اتفق أن وجدوا الطريق للواحة.
وعاد الدكتور نادر يقول:
- ثم ليس هناك أثر لبعثة إنقاذ. لم نسمع أو نر طائرة واحدة تمر من هنا. وهذا يعني شيئاً واحداً، وهو أننا ابتعدنا كثيراً عن طريق سير الطائرات. ولاشك أنهم يمسحون مناطق أخرى دون أن يخطر ببالهم أننا هنا.
وسرت ارتعاشة خفيفة في جسد تاج، لاحظها الدكتور علي نادر، فمد يده ليربت على يدها مواسياً:
- لا تخافي يا عزيزتي. لابد أن تصل بعثة إنقاذ قريباً.
وأكلا ما وضعته تاج على منديل بينهما. وخرج الدكتور نادر من الخيمة فمسح بعينيه أركان الواحة بنخيلها الباسق، وظلالها الطويلة وكثبانها المخضرة. ثم أظل عينيه بكفه وجال بهما كثبان الصحراء التي كانت تبدو متأججة بيضاء كالسعير.
وعاد إلى داخل الخيمة ليجد تاجاً مستلقية تستريح، وعيناها مفتوحتان تنظر إلى سقف المظلة الكبيرة منتفخة بالهواء الساخن، ومن خلفها الشمس تبرز ألوانها الزاهية.
قال وهو ينظر إلى الخيمة دارساً:
- ينبغي أن ننتقل من هنا قبل نزول الليل.
- إلى أين؟
- إلى جنب صخرة للاحتماء من العواصف والحيوانات. هنا سنكون عرضة لكليهما.
ووافقت تاج دون أن تقول شيئاً. ثم أغمضت عينيها، وتمدد هو في طرف الخيمة المقابل،
وسرعان ما تعاقبت أنفاسه وغرق في نوم ثقيل. وعندما تأكدت تاج أنه نام خرجت من الخيمة
وتوجهت نحو أطراف الواحة الجنوبية، فأخرجت من حقيبتها منظاراً مكبراً صغيراً، وأخذت
تمسح الأفق الجنوبي من فوق تل عال.
وأفاق الدكتور نادر وهو يحس بتجدد في نشاطه وانتعاش في بدنه. ونظر إلى حيث كانت تاج
فلم يجدها فخرج يبحث عنها.
ومن ناحية البئر سمع صوتها الرقيق وهي تغني أغنية باكستانية لم يفهم كلماتها، ولكنه أحس
أنغامها قريبة من قلبه. ووقف ينصت في حذر تام ساعد على تعميقه صمت المساء وهدوء
الواحة الشامل.
وفي لحظة قصيرة عادت به الأغنية إلى صباه حين كان يقرأ ألف ليلة وليلة ويصحب السندباد
في أسفاره إلى بلاد الهند والسند. ومر في مخيلته شريط ملون عجيب.
ولكنه عاد إلى واقعه ليدرك أنه واقف في نصف الطريق من الخيمة والبئر، فخطا خطوات
أخرى ليفاجىء تاج... وعند اقترابه من زرب النخيل الكثيف المحيط بالبئر سمع صوت الماء
مع الغناء. و نظر من بين جذوع النخيل فإذا تاج عارية وشمس المساء تلمع على جلدها الخمري الناعم، وهي تصب دلو الماء على رأسها مستلذة برودته.
واحمر وجه الدكتور نادر، فأغمض عينيه، وعاد إلى الخيمة وفي خياله صورة تاج حية رائعة كحلم من بين صفحات ألف ليلة وليلة..وفي ذلك المساء نقلا الخيمة ونصباها على ثغرة كبيرة في صخرة، ثم تفرقا يجمعان الحطب ويتأملان الغروب الذي أصبغ على الصحراء جواً أسطورياً مخدراً.
ونزل الليل سريعاً، ولم يبق من آثار الشمس إلا شفق أحمر قرمزي كانشقاق كومة فحم هائلة على لهب جديد...واقتربت النجوم من أحقاف الرمل المترامية كدنانير فضية متراقصة في قبة زرقاء باردة..وأوقد الدكتور نادر أمام الخيمة ناراً متأججة، جلس يطعمها هو وتاج من كومة الحطب، ويتأملان اللهب المتراقص في غياب عن وجودهما، وقد خدَّر أحاسيسهما مفعول اللهب المغناطيسي.
وذاب الحطب على النار. وهبت ريح باردة شعرت تاج لها بقشعريرة فاقترحت دخول الخيمة ودفن المتبقي من النار حتى لا تجرفه الريح نحو الخيمة.
قال الدكتور نادر:
- يظهر أن عاصفة في طريقها نحو الواحة.
ودفنا النار إلا بعض الجمر الكبير الذي جمعه الدكتور نادر على حجر مجوف وأدخله الخيمة للتدفئة.
واتكأت تاج على باطن الصخرة، وسهمت بعينيها خارج باب الخيمة، ولم تلبث أن ثقل جفناها فراحت في نوم عميق.
وطال الليل..
ولم يغمض لنادر جفن حتى أنهكه السهر والتعب والتفكير في مصيرهما. وظل ينصب إلى أصوات الصحراء الغامضة، وينظر من فتحة الخيمة إلى تلالها البعيدة تقترب وتبتعد أو تعلو وتنخفض كصدور هائلة تنتهد... وجاءت الريح تعوي عواء الذئاب وتهرُّ هرير وحوش الليل... وحين أنهطه التوقع والتوتر استسلم لسبات عميق أشبه ما يكون بالإغماء.
وقبيل الفجر استيقظ على صوت أنثى تحركه وتنادي باسمه، ففتح عينيه ليرى شبح وجه تاج وسوالف من شعرها تتدلى على وجهها.
- علي... علي.. أفق..!
- ماذا؟
- أفق، اسمع...
وجلس هو في مكانه يفرك عينيه ويرهف سمعه، وهو ما يزال تحت تخدير النوم. فقالت تاج:
- هل سمعت؟
- ماذا؟
- صوت آلة ميكانيكية، لعلها طائرة أو مروحية، تأتي به الريح...
وزحف الدكتور نادر خارجاً من تحت المظلة، ورفع وجهه يُحملق في السماء ويرهف سمعه. وارتفع صوت المحرك آتياً من ناحية الجنوب، فالتفت بسرعة وركز بصره إلى الأفق. وفجأة ظهر شبح ملتف في زرقة الليل العميقة صاعداً من وراء التلال، فتبين من حركات مروحته الضخمة أنه طائرة عمودية تكاد بطنها تلمس رؤوس الكثبان الرملية...
وبدون تفكير وقف الاثنان يلوحان للطائرة، ويقفزان ويصيحان بأعلى صوتهما بحماس هستيري.
واقترب الشبح فحلق فوق النخيل وارتفع زئيره فأغرق أصواتهما في دويَّه الهائل... وانتفض سعف النخيل وجذوعه بقوة، وتبعثرت الرمال، وتماوج شعر تاج وعباءة الدكتور نادر تحت الزوبعة التي أثارتها مروحة العنقاء الحديدية.
ومرت الطائرة سريعة دون أن تلوي على شيء، واختفت في الأفق الشمالي بالسرعة التي ظهرت بها.
وارتجفت تاج، وهبط قلب الدكتور نادر من خيبة الأمل، وهو ينظر إلى الشبح يختفي في حلكة الليل ويسمع صوته يتلاشى شيئاً فشيئاً...
ولم تمض دقيقة على مرور الطائرة حتى سمع الاثنان صفيراً حاداً فوق رؤوس النخيل، ورأيا شهاباً نارياً أشبه ما يكون بسهم يحترق يمرق بارقاً في نفس اتجاه الطائرة العمودية... ولم تمض إلى لحظة قصيرة حتى لاح لعينيهما برق خاطف تلاه صوت انفجار هائل...والتفتا نحو الشمال فإذا ضوء وهاج ينير الأفق خلف التلال.
وظهر الفزع على وجه تاج، ففتحت فمها دون أن تنطق، وتساءل الدكتور نادر:
- أرأيت؟ لابد أن السهم الناري الذي مرق كان صاروخاً أسقط الطائرة. يا ترى ماذا يجري هنا في قلب الصحراء؟
ولم تجب تاج فقد كانت ترتعش في موقفها، فلم يدر الدكتور نادر هل من البرد أم من الخوف، فأحاطها بذراعه وضمها إلى جنبه لينزل على نفسها بعض الطمأنينة...
ثم قال:
- لابد أن حرباً سرية دائرة في هذا القفر السحيق ونحن في خط النار.
وارتجفت تاج فقادها نحو الخيمة.
- تعالي ندخل الخيمة. على الأقل نتستر من البرد.
واستلقى الاثنان دون أن يغمض لأيهما جفن. ومرت لحظات ظناها ساعات وهما يتسمعان إلى الأصوات الغريبة. كانت في نية الدكتور نارد أن يستوقف أي جندي يمر عبر الواحة ويطلب منه أن يدلهما على مكان هيأة الأركان.
ومرت ساعة وهو ينصت بتركيز كبير لعله يسمع صوت وقع أقدام على الرمال خارج الخيمة.. ومرت ساعة أخرى أفقده فيها النعاس والتعب القدرة على التركيز فأغمض عينيه ونام...

-19-

واستيقظ الدكتور نادر من حلم غريب رأى نفسه خلاله في ركن حمام بخاري ساخن، تتصاعد الأبخرة من أرضه الرخامية، وقد وقف عدد من الرجال عراة حليقي الرؤوس، رافعي الأيدي والأوجه إلى السماء بالدعاء والاستغفار. وتلاشت الجدران من حوله، وتكاثر عدد الرجال، واتسعت القاعة حتى لم تعد لها حدود.. ووقف هو في ركن مظلم يحاول اختراق الطوفان البشري للخروج منه دون جدوى.
وانحبست أنفاسه، وأحس بالضيق حتى كاد ينفجر.. وحينئذ فتح عينيه ليجد نفسه في الخيمة متكئاً إلى جوف الصخرة، وقد تصبب العرق من جميع مسام جلده.
وفتح عينيه لينظر حوله. وبعد لحظة من استرجاع الذاكرة تبين أنه في الواحة وأن الوقت ضحى والشمس حامية اللهب.
كانت تاج قد سبقته إلى البئر، فعلقت عباءتها على مدخله حتى يعرف أنها هناك، ووقفت تصب على جسدها الملتهب من دلو الماء بارد وتستلذ كل قطرة منه تقع على وجهها وعينيها ورأسها ونهديها، وتتنفس بعمق وانتعاش، ورداء الماء الشفاف يعانقها بشغف...
ووضعت الدول على حافة البئر، ووقفعت على الصخرة الملساء تنظر إلى قطرات الماء تترقرق على جلدها الخمري كالجواهر، لتستقر في البركة المتجمعة على الصخرة. وخطر لها أن تنظر إلى جسدها في صفحة الماء، فقد اشتاقت غريزتها الأنثوية إلى النظر في مرآة...
وبينما هي كذلك، إذ خامرها إحساس غريب بأن أحداً يراقبها، فتوتر بدنها ورفعت يدها بحركة غريزية لتغطى ثدييها...
ونظرت حواليها من خلال سعف النخيل، فإذا رجل صحراوي ذو عباءة وعمامة زرقاوين، لا تبدو من وجهه إلا عيناه الثاقبتان ينظر إليها دون حركة.
وأطلقت شهقة، وهمت بالفرار، فانقض الرجل عليها كالفهد، وطوق خصرها بيمناه وأقفل فمها بيسراه، وجذبها نحو زرب النخيل قائلاً:
- لا تخافي! لا حاجة بك إلى إيقاظه. هل تذكرينني؟ أنا الذي رأيتك حين جئت للقافلة، ومن ثم عشقتك. وقلت في نفسي لا يمكن أن أعيش بدونك! وقد انفصلت عن القافلة وعدت لآخذك.
واستطاعت تاج أن تعض كفه وتصرخ:
- علي! علي!
ولكنه بادرها بإقفال فمها بإدخال حافة يده فيه بقوة بحيث لا تستطيع إقفاله وسمع الدكتور نادر صرختها فخرج من الخيمة مسرعاً ينادي:
- تاج! تاج! أين أنت!؟
ولما لم تجب، قصد البئر حيث خيل إليه أن الصوت جاء من تلك الناحية. وعلى باب البئر رأى عباءتها، فوقف يتسمع وينادي بصوت خفيض.
- تاج! تاج! أنت هنا؟
وحين لم تجب أزاح العباءة وهم بالدخول. وقبل أن يدرك الموقف، أطلق عليه البدوي نار مسدسه فاندفع بقوة هائلة إلى الوراء، ووقع على ظهره فوق حقف رمل، والدم يفور من ثقب رصاصة في صدره...
وأطلق الرجل سراح تاج فقفزت نحو العباءة بسرعة، ثم أسرعت نحو الدكتور نادر، فأمسكت بوجهه بين يديها وحركته وهي تصرخ فيه:
- علي! علي! لا تمت، أرجوك! لن أغفر لنفسي موتك ما حييت!
ثم أمسكت بكوعه وتحسست نبضه، وانحنت فوضعت أذنها اليمنى على صدره منصتة إلى دقات قلبه. ثم انهارت على جسده تبكي بدموع غزيرة.
وأحست بالرجل الملثم يقف وراءها، وقد ركز المسدس في حزامه، فالتفتت إليه وقد تحول حزنها إلى غضب، فصرخت في وجهه:
- أرأيت ما فعلت؟ قتلته أيها المجرم..! قتلت رجلاً لا يعوض بمليون من أمثالك أيها الحيوان!
ووقفت مواجهة له تلعنه وتدق علي صدره بكلتي يديها في هسترية عنيفة لم توقظها منها إلا صفعة قوية من يده الخشنة على خدها. فسكتت وقد اصفر وجهها ونزل عليها حزن ثقيل.
واقتادها الرجل من يدها نحو الكهف صامتاً....
وعلى بابه دفعها فألقاها على الأرض داخله، ووقف عند قدميها ينزع ملابسه مبتدئاً بعمامته وطيلسانه. وظهر وجهه كاملاً كأنه منحوت نحاسي أو برونزي إلا ما كان من النظرة الحادة البارقة في عينيه...
وحينئذ فقط أحست تاج بالخطر... فدق قلبها بعنف، وبدأت تردد بداخلها كلمة لم تكن رددتها منذ دخولها الجامعة.
- يا إلهي! يا إلهي!
وانحنى الرجل عليها، فأمسك بصدر العباءة وشقها حتى النهاية، وأخرجها منها كما تخرج الموزة من قشرها، وقد التهبت عيناه بشرر الشهوة الحيوانية في أعنف مظاهرها...
ومر شريط سريع في مخيلها لينذرها: "لا تقاومي.. استرخي تماماً... لا تتوتري حتى لا يمزق الوحش... استسلمي فتلك أفضل طريقة لمقاومة الاغتصاب!".
كان الاغتصاب أشنع شيء يمكن أن تتصوره العذراء... ولم يكن يُخفيها الموت بقدر ما كان يخفيها أن يمزق جسمها وحش بشري...
ورمى هو عباءته بركن الخيمة، وركز عينيه المتوقدتين عليها، فأحست بالضعف الشديد وأغمي عليها...
وحين أفاقت أحست بضيق كبير، وأن حملاً كبيراً يثقل جسدها. وفتحت عينيها لتجد وجه الرجل على وجهها ساكناً لا يتحرك، وعينيه مفتوحتين بدون بريق حياة.
وارتعدت فرائضها! وبدون أن تدري انسحبت من تحت الجثة الباردة، وتركتها تقع على الأرض. وزحفت على يديها وركبتيها خارجة من الخيمة وقد لامس الرعب قلبها بقبضة باردة.
وركضت نحو البئر حيث كان الدكتور نادر يتخبط في دمه. ولكنها أدركت أنها عارية فعادت إلى الخيمة، ووقفت ببابها تحجب بيدها صدرها وتنظر إلى جثة الصحراوي الهامدة غير مصدقة أن صاحبها ميت... وانحنت فسحبت عباءتها من تحته وخرجت تعدو وتلبسها. وإلى جانب نخلة حول البئر لمحت شيئاً لم تره من قبل... ووقفت تركز عليه، فإذا هو حقيبة أوراق جلدية من نوع مألوف عندها. ووضعت وجهها بين يديها وكأنها تجمع أفكارها أو تطرد حلماً.
واقتربت من الحقيبة لترى "شارة" تعرفها جيداً كانت عبارة عن سفينة قديمة فوق كرة أرضية ملفوفة في ضباب أزرق.
وفتحت فمها للمفاجأة، وكأن ذاكرتها عادت فجأة إليها...
وأسرعت نحو النخلة فجثت، وتناولت الحقيبة لتجدها مصابة بحروق سطحية، وفتحتها وأخرجت محتوياتها فإذا هي منامة حريرية وفرشة أسنان وأدوات حلاقة، وغيرها من حاجات السفر القصير.
وأفرغت الحقيبة كلها لعلها تعثر على رأس خط لتبديد غموض وجود تلك الحقيبة فلم تجد. وقلبتها بين يديها فسقطت قطعة من الجلد المحروق لتكشف عن ورقة مكتوبة في جيب سري داخلها... وبدأت تقشر الجلد المحروق حتى كشفت عن الورقة فإذا هي طرف من رزمة أوراق مكتوبة برموز غريبة...
وتصفحت الأوراق ثم أعادتها إلى مكانها، فلمست أصابعها شيئاً بداخل الجيب السري. وأخرجته فإذا هو غلاف مستطيل مقفل بداخله لوح مرن... ومزقت الغلاف فإذا به بطاقة مستطيلة من البلاستيك بها ثقوب مستطيلة صغيرة...
وعادت تتصفح الأوراق بعناية هذه المرة، وكأنها تقرأ ما جاء فيها بنية حفظه. وفي النهاية وضعت البطاقة المثقبة وسط مساحة رمل أملس ووضعت كفيها حول عينيها وركزت عليها ما يقرب من تسعين ثانية وكأنها تصور وثيقة تحت الظلام.
وفي النهاية رفعت وجهها، ونظرت إلى السماء، ثم أغمضت عينيها، وعادت فراجعت البطاقة على مهل، وقد ارتعشت يداها من الانفعال.
وأعادت الأوراق والبطاقة إلى الجيب السري، ثم أعادت بقية الأشياء إلى داخل الحقيبة، وأقفلتها ووضعتها جانباً. وأخذت تحفر في الرمل حتى بدأ العرق يتقاطر من جبينها وذقنها، ووضعت الحقيبة في جوف الحفرة ثم بدأت تهيل الرمل عليها.
وفي نفس اللحظة قفز قلبها ودق بعنف وهي ترى قدمين يدخلان دائرة بصرها، ثم يقفان على حافة الحفرة. وارتجفت وهي ترفع عينيها نحو القادم بمهل وقد تجمدت قبضتاها على الرمل...
ووقعت عيناها على وجهه الملتحي وقد كسا الرمل جانبه الأيمن، وهرب عنه الدم واسودت محاجره، وكأنه شبح أوميت لفظه قبره... نظرت إليه وهي جامدة في مكانها دون أن تميزه. وأخيراً لاحظت خط الدم على صدره فارتعشت شفتاها وهي تحاول الكلام وقد اغرورقت عيناها، ثم ارتمت على ساقيه وانفجرت باكية بحرفة:
- علي! علي! حبيبي! شكراً لله! أنت ما زلت على قيد الحياة! شكراً لله!
وانخرطت في نحيب متقطع وهي ممسكة بساقيه تقبلهما وتبللهما بدموعها وهو واقف لا يتحرك كالتمثال.
وبردت حرقتها، فرفعت عينيها لترى من خلال دموعها وجهه الخشبي البارد. وتراجعت قليلاً، فمسحت دموعها بكمها، وعادت تنظر إليه وقد بدأت علامة استغراب تكسو وجهها الباكي وقالت:
- كيف تحس؟
وفتح فمه لأول مرة ليقول:
- ماذا فعل بك ذلك الوحش؟
وارتعشت بعض أعصاب وجهه وهو يجاهد لكتم انفعاله. كانت الغيرة القاتلة تحرق قلبه.
وطأطأت نحو الأرض وهي تقول:
- لاشيء يا علي، لاشيء بالمرة...
- لا تزيدي الطين بلة! لا تكذبي علي!
- أقسم لك يا علي! أقسم لك أنه لم يضع أصبعا عليَّ! وأنا طاهرة كما عرفتني. ثم رفعت رأسها إليه بعينين فيهما عتاب واستعطاف:
- علي، أرجوك... لا تضاعف آلامي! فقد ذقت ما فيه الكفاية. لقد كدت أخرج عن عقلي حين رأيتك طريحاً هناك والدم يفور من صدرك! فلا تفسد سعادتي بعودتك حياً إلي بغيرتك التي لا أساس لها...
- لا أساس لها؟ هل أطلق الرجل النار عليّ وانفرد بك لتقصيِّ عليه الأقاصيص؟
- الرجل الأزرق ميت!
- ميت؟!
وحركت رأسها دون أن تنطلق، فسأل:
- من قتله؟
- لا أدري.
- ألم تسمعي طلقة نار أو تري أحداً؟
وحركت رأسها بالنفي، ثم قالت:
- لقد أغمي علي حين طرحني أرضاً. وحين أفقت وجدته جثة هامدة.. لا أثر للدم في جسده. لابد أن أصيب بسكتة قلبية.
ورفعت عينيها فرأته يضع كفه على مكان الجرح، ويزم شفتيه مقاوماً سهام ألم حاد، فوقفت ومدت يدها نحو الجرح تريد تضميده فدفعها عنه باليد الأخرى، ومشى نحو الخيمة بخطوات مرتبكة كأنه تحت مفعول مخدر.
ودخل الخيمة فنظر إلى جثة الرجل العاري ثم أدخل قدمه تحت بطنه وقلبه على ظهره لينظر إليه. وحين لم يجد أثراً بجسده لجرح أو دم عاد إلى حيث تاج، ووقف وراءها وهي ما تزال في جلستها مسمرة عينيها على الأرض.
- ماذا كت تدفنين في تلك الحفرة؟
وفجأة أحس بضعف شديد، ووقع على ركبتيه حين عجزت ساقاه عن حمله.
والتفتت هي لتنظر إليه، وقد ظهر على وجهها الجد والعزم، وقالت:
- علي، أعتقد أن الوقت قد حان لأشرح لك بعض الغموض الذي أحاط بحياتك منذ لقائنا. وأكشف لك عن أسرار رحلتك هذه والهدف الحقيقي منها.
ونظر الدكتو نادر إليها بعينين شبه مقفلتين، فرأى وجهها يتماوج ويلفه ضباب كثيف، وشفتيها تتحركان دون أن يصله منهما صوت، ثم غابت عنه بانسدال ستار إغماء عميق عليه.


-20-

وما إن أغمض عينيه حتى عاوده حلم قديم ظل يطارده ويلاحقه، ليفيق منه في كل مرة بقلب يثقله الإحباط والألم الممزق... أما هذه المرة فقد كان هناك فرق.
رأى الدكتور نادر نفسه على شاطىء نفس الجزيرة الغناء، الباسقة النخيل الذهبية الرمال، يطارد تاجاً وهما عاريان تماماً. هي كفرس عذراء يلاحقها حصانها الفحل.. كانا يطفوان معاً بحركات تماوجية بطيئة كأنما يعدوان على سطح القمر بدون جاذبية.. ويمد الدكتور نادر يده فيكاد يلمس شعر تاج الحريري... وبعد لحظات استطاع تطويق خصرها بذراعيه.. وهوى الاثنان معاً على أرض واد معشب كثيف الكلأ، شديد الخضرة.. ودارت تاج لتواجهه وعلى وجهها ضحكة ساحرة تكشف عن أسنانها اللؤلؤية، وتملأ عينيها سعادة وترحيباً.. وتلامس جسماها، فشعت من ظهره حرارة سرعان ما غلفت جسمه بأكمله... وعانقها فدافعته عنها بضعف الأنثى المستسلمة، وهي تغطى وجهها بستار شعرها الليلي في دلال فتان... وأحس أن جلده قد رهف وتجدد، وجوارحه كلها استيقظت وسرت فيها الحياة... فإذا به يحس ويرى ويلمس ويستنشق ويسبح بروحه وبدنه داخل روح تاج وبدنها... تاج العذراء الملائكية التي أحبها بكل قطرة من دمه، ونبضة من عروقه... وأحس أنه لم يكن في حياته أقرب إليها مما هو الآن، وأن الهوة التي كانت تفرقهما قد اختفت، وأن الجدار الفولاذي الذي كان يقف عنيداً بينهما قد تذاوب كالشمع على النار.
وأزاح بيده خصلات الشعر عن وجهها الحيي، وأداره نحوه، ففتحت عينيها في عينيه كنوافذ على روحها لتنفذ إليها روحه..واقترب بوجهه منها، وتلامست شفتاهما تلامساً خفيفاً، تلاحما بعده في عناق ملتهب وكأنهما يرقصان على أصوات جوقة من ملايين عصافير الفردوس...
من مواضيع : هبة الله المخربون تأليف: غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه
دقت ساعه الزهور ( سلسلة أحلام )
الشمس العمياء ( سلسلة روايات أحلام )
بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي
الموت للمرة الثانية غراهام غرين
31-08-2007, 02:31 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

الكتاب الثالث



-21-


فتح الدكتور نادر عينيه على ضباب كثيف بدأ يرق مع سريان الانتعاش في إحساسه، فلاح له شبح وجه إنسان قريب منه للغاية... ولم يلبث أن بدأ الوجه يتماوج كأنه ينظر إليه في بركة ماء. وانقشع الضباب تماماً عن الوجه، فبرزت ملامحه قوية واضحة ترتسم عليها ابتسامة مشجعة... كان وجه أنثى شابة واسعة العينين زرقاءهما تكاد رانفةُ أنفها تلمس أنفه.
وتحركت شفتاها فسمع أصواتاً متداخلة مع أصداء عالية بعيدة... وابتعد عنه وجه الأنثى قليلاً فاستطاع أن يراه بأكمله.ورآها تخرج من تحت الغطاء فأدرك أنها كانت نائمة معه في فراشه، وأن جسدها العاري كان ملتصقاً بجسده.
وغابت في ركن ثم عادت تحمل صينية عليها كأس به عصير برتقال. وجلست على طرف السرير، ووضعت الصينية على طاولة جنب الفراش، وضغطت زراً إلى جانب رأس نادر فارتفع نصف الفراش الأعلى، ومعه رأس نادر وصدره فناولته الكأس، وساعدته على شرب ما فيه. وأحس بالمشروب بارداً عذباً يداعب حنجرته الجافة.
وسرى مفعول العصير السحري في عروقه في الحال، فأحس باليقظة والتجدد في نشاطه... ونظر حواليه ليجد نفسه في غرفة مستديرة في منتهى الأناقة والغرابة كأنها إحدى غرف عصر الفضاء. الحيطان من زجاج مزخرف بأشكال متداخلة متشابكة كأحلام المخدرين، والسقف قبة زجاجية زرقاء، تصفي أشعة الشمس اللاهبة بالخارج لتُدخل ضوء بارداً فيه راحة للبصر والأعصاب.
ونظر إلى الفتاة التي كانت ما تزال عارية، دون ارتباك أو خجل، ودون أن يكون في جسدها الشاب ما يدعو إلى الخجل أو الاستحياء.. كان شعرها الرملي اللون يتدلى وراءها قوياً كذيل فرس أشقر في تناسق مع بشرتها الذهبية.
وأحس بفقدان حاسة الزمن، وأنه في تلك اللحظة بدون ذاكرة ولا ماض...
ورفع عينيه فوقعتا في زرقة عينيها الواسعتين المليئتين صراحة وقوة، وسأل:
- أين أنا؟
- ستعرف قريباً..
قالتها بلكنة ويلز الجميلة، فسأل:
- من أنت؟
- أنا ممرضتك ومرافقتك. كيف تحس الآن؟
- تائه.!.
فابتسمت لتنفرج شفتاها عن أعذب ثغر رآه، ثم قالت، وهي تنزع عن جسده الغطاء وتشعل نوراً مستطيلاً معلقاً فوق فراشه:
- سوف تجد نفسك سريعاً. هذه حالة عارضة.
ثم أشارت إلى الضوء قائلة:
- حمامك الشمسي. بعد قليل سيأتي الطبيب لفحصك.
ثم غابت بغرفة جانبية وعادت لابسة قميصاً أبيض قصير الأكمام يعانق صدرها وخصرها، وبنطلوناً في نفس اللون واسع الفتحتين، فأمسكت بيده وطلبت منه أن ينبطح على وجهه ليأخذ ظهره نصيبه من الشعاع.
وعند نهاية الحمام عاد إلى وضعه السابق، وغيرت الممرضة الأزُر تحته، ثم جاءت بأدوات الحلاقة، واقتربت بوجهها من وجهه:
- ساعة الحلاقة!
واستسلم هو ليديها الناعمتين وهي تحلق لحيته، وأنفاسها العطرة تمتزج بأنفاسه، وهو ينظر إلى عينيها الواسعتين، ويسأل:
- ما معنى كل هذا الغموض؟
- غموض مؤقت!
- إذا لم يكن مسموحاً لي بمعرفة أين أنا، فهل يمكن أن أعرف من أنت؟
- أنا كاثي، كاثي استيوارت.
- ذلك لا يكفي. لماذا نمت معي في فراشي؟
فتوقفت عن الحلاقة، وابتعدت قليلاً لتنظر إليه:
- نومي معك عارية لم يكن لأي سبب غرامي. الحقيقة أنه أحد طرق العلاج لمن هم في مثل حالتك.
- علاج؟
- نعم، لقد كنت في حالة نوم معلق، إذا أمكن استعمال هذا التعبير. كان جسدك منوماً. كل خلاياك كانت حية، ولكنها واقفة عن الحركة الحيوية. بمعنى أنه لا تسن، هل تفهمني؟
وحرك نادر رأسه طالباً الاستزادة:
- استمري، لماذا كل هذا؟
- لأنك تعرضت للمسة إشعاع خفيفة أحرقت بعض خلاياك الداخلية، فاضطررا إلى تبريد جسدك إلى درجة الجمود، وإجراء عملية إفسال خلايا بديلة عن تلك التي احترقت.
- هل نجحت العملية؟
- مائة في المائة.. اليوم آخر كشف لإطلاق سراحك.
- لي سؤال قد يكون محرجاً بالنسبة لك..
- لا شيء يحرجني... اسأل!
- قبل أن أستيقظ لأجد نفسي وجهاً لوجه معك، كنت أرى حلماً شديد الواقعية، حلمت أني أضاجع فتاة أحبها. هذا شيء في غاية الأهمية بالنسبة لي... هل كان بيننا أي اتصال؟
فقاطعته:
- اتصال بدني كامل... وإذا كان في بالك أنك خنت أحداً فلا تقلق.. فقد كان فكرك كله معها..وعادت إلى إلى تمام حلاقته، فأغمض عينيه منتشياً لما قالته، وكأن عبئاً هائلاً نزل عن كاهله.
وتذكر تاجاً، قفزت إلى وعيه فجأة كأنها لم تكن هناك من قبل... واغرورقتْ عيناه فابتعدت الممرضة عنه لتنظر إلى وجهه. وفتح عينيه فترقرقت دمعتان ساخنتان على خديه، ووقفت في حلقه غصة حامية.
ولامست أنامل كاثي الرقيقة خديهِ بمنديل رهيف، تمسح بح الخطوط الملتهبة وعلى وجهها نظرة إشفاق.
واعتدل في مكانه قائلاً:
- سامحيني.. ليس من عادتي الانتحاب بمحضر السيدات.
- لابأس عليك من ذلك... الدموع علامة على الصحة العاطفية.
ومدت يدها لتجمع أدوات الحلاقة، فأمسك بها.
- أتعرفين تاجاً؟
- تاج؟
- نعم... رفيقتي التي وجدتموني معها في الواحة. أين هي؟
- لا أدري. ولكن إذا انتظرت فسوف يأتي الدكتور مورينو ليكشف عنك. وربما كانت عنده بعض الأخبار.
وغابت ثم عادت لتقول:
- لابد أن تاجاً هذه تعني كثيراً بالنسبة إليك... فقد دأبت على تكرار اسمها منذ بدأت تعود إلى الوعي. كانت تملأ مشاعرك حتى وأنت بين ذراعي...

-22-

ولاح وجه رجل في ملابس طبية بيضاء على لوح زجاجي معلق أمام سرير الدكتور نادر. ونظر الرجل إلى نادر نظرة فاحصة ثم قال:
- كاثي.
- نعم يا دكتور.
- كيف مريضك؟
- في حالة حسنة.
- أنا قادم الآن.
واختفى الوجه من الشاشة الزجاجية. وبعد بعض لحظات انفتح باب في جانب الغرفة المستديرة، ودخل نفس الرجل. كانت في وجههى الأسمر الوسيم ابتسامة مشجعة. وسعى نحو الدكتور نادر بخطوات واسعة، ويده مبسوطة بالتحية، وصافحة وهو يضغط على أحد أزرار بلوح السرير، ليرفع نصفه الأعلى. وبادره الدكتور نادر:
- أين أنا يا دكتور؟
- ستعرف قريباً. لا تدع ذلك يقلقك، مهمتي هي إرجاعك إلى الصحة التامة.
ونظر إلى ساعته وهو يجسُّ نبضه، ثم وضع السماعة على صدره وظهره، وضرب بأصابعه هنا وهناك، وضغط على زر آخر ونظر إلى الشاشة الناصعة التي ارتسمت عليها خطوط متعددة الألوان. ثم أعاد نظارته إلى جيبه، وقال:
- لقد أصبح شفاؤك كاملاً! عليك الآن أن تستريح لتسترجع وزنك العادي ونشاطك وسوف تقوم كاثي بالإشراف المباشر عليك طوال فترة النقاهة.

-23-

وفي عصر ذلك اليوم استيقظ الدكتور نادر من قيلولته، فأحس بنشاط كبير وصحة متجددة. وجاءته كاثي بقهوة وبعض الحلويات، وجلست تشاركه أكلته المسائية.
ورن جرس موسيقي خافت، فضغطت كاثي على احد الأزرار إلى جانب السرير، وقالت شيئاً ثم عادت إلى ضغطه مرة أخرى، ثم التفتت إلى نادر قائلة:
- المفاجأة التي وعدك بها الدكتورمورينو، هل أنت مستعد؟
وخفق قلبه معتقداً أنها تاج...
وانفتح الباب، فدخل رجل طويل على عينيه نظارة ذهبية الإطار وابتسامة مألوفة لدى الدكتور نادر. ولم يكد هذا يصدق عينيه، فاعتدل في جلسته، ومد كلتي يديه للترحيب بزائره.
- الدكتور هالن... إيريك هالن!
ووضع الرجل يديه في يدي الدكتور نادر، وضغطهما بحرارة، وهو يقعد على كرسي إلى جانب السرير.
- علي، كيف أنت الآن؟
- أنا بخير... هذا الصباح قال الطبيب أنني شفيت تماماً... ولكن من أي مرض؟ لا أدري! قالت لي الممرضة أنني أصبت بالإشعاع كيف؟ لا أحد يريد الإجابة عن أسئلتي. وأنت؟ متى عدت إلى الظهور؟ لقد أثار اختفاؤك ضجة عالمية!
وأجاب الدكتور هالن:
- ستعرف كل شيء في حينه. أعرف أن برأسك ألف سؤال تريد الجواب عليها... وعندما تعرف أين أنت ستتوالد الأسئلة لتصبح ملايين.
- لقد أيقظت فضولي بغموضك.. وإذا كنت تخاف أن تفاجئني أو تصدمني بما سوف تقوله فلا تقلق.. لقد مررت خلال الأيام القلائل الماضية بتجربة عمر كامل... ولم يعد هناك ما يفاجئني..ومسح الدكتور هالن نظارته، ووضعها على عينيه، ونظر إلى نادر بتأمل صامت. ثم لَعَقَ شفتيه بلسانه، وقال ساهماً بعينيه في الفراغ:
- من أين سأبدأ؟ أعتقد أن البداية أحسن نقطة... وينبغي أن أنبهك إلى أن ما سأقوله شيء غير عادي... ولكنه حقيقة لا خيال فيها، وإن كانت أشبه ما تكون بالخيال...
وفتحت هذه المقدمة شهية الدكتور نادر، فأمسك بطرفي اللحاف في توقع متوتر. واستأنف الدكتور هالن:
- سألتني متى عدت للظهور، في الحقيقة أنا لم أظهر، بل أنت الذي اختفيت. اختفيت بنفس الطريقة التي اختفيت بها أنا من الطائرة بين نيويورك والمغرب...
وفتح الدكتور نادر فمه ليسأل، فاستوقفه الدكتور هالن بحركة من يده.
- تم الاختفاء بالتعاون مع الطيار والملاح المنتميين للهيأة التي أنت ضيف عليها الآن. تنزل الطائرة إلى ارتفاع مناسب يقل معه الضغط الجوي، ويلقى بك منها بمظلة ليلتقطك أعوان الهيأة في نقطة معينة بالبحر أو الصحراءfأبدأ. وتتم العملية تحت تخدير شامل لبقية الركاب.
- كان ينبغي أن تسمع الضجة التي قامت حول اختفائك بلندن! كان لها نفع مباشر لناشر كتبك، فقد اختفت كلها من السوق، والمطابع تحسك ضلوعها لتجيب رغبة الجمهور الجائع لأخبارك وأفكارك.
- وما هي هذه الهيأة التي لها كل هذه القوة؟ وما هو قصدك من اختطافي أنا؟
فلست خبيراً في الإشعاع ولا أي علم مربح تجارياً.
- سأشرح لك. منذ بعض وعشرين سنة، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قررت هيأة من العلماء الفرار بمواهبهم وبحوثهم من أوربا إلى مكان مجهول يدفنون فيه كنزر نتاج العقل البشري وتراث الإنسان منذ بدأ يقلب وجهه في السماء.. كان خوفهم حقيقياً من قيام حرب ثالثة ذرية تمسح البشرية من الأرض وتقضي على خمسة آلاف سنة من الكدح العقلي.. فوقع اختيارهم على جبل في جوف واد شاسع بقلب الصحراء بعيد عن كل طريق، أطلقوا عيه اسم جبل الجودي.وبقي اتصالهم بالعالم الخارجي دائماً بطرق معقدة للحصول على المجلدات المهمة والسجلات القيمة والأشرطة الموسيقية والسينمائية التي تسجل حياة الإنسان وذخائر مواهبه. وبالتقدم السريع الذي حدث في العشرين سنة الأخيرة أمكن فيها إلى حد بعيد. وكبر المشروع ومعه الهيأة. وتم استقدام عدد كبير من العلماء الرواد في ميادينهم، والفنانين والأدباء والصناع المهرة في جميع المهن. وينبغي أن أعترف أن استقدام بعض أولئك لم يكن بالطرق التقليدية...
وابتسم وهو يشير للدكتور نادر ولنفسه ويقول:
- مثل استقدامنا نحن! ولكن بعد الاطلاع على ما يحدث في جبل الجودي يقرر الجميع البقاء، وينسون العالم الخارجي في خضم ما يحدث هنا من خوارق واكتشافات تجعل حياتهم السابقة شبحاً ضحلاً ميتاً.. وأنت رشحتك أبحاثك الطليعية في علم الإنسان لعضوية الهيأة. وبترشيحك هذا أصبحت شريكاً في أعظم مشروع! مشروع الإشراف على تشكيل مستقبل الإنسان.. بل على كتابة "سفر تكوين" جديد، لايَدَ للصدفة أو العشوائية فيه.
وسكت قليلاً ليجمع أفكاره، ويترك لكلامه فرصة لأخذ مفعوله، ثم استأنف:
- الإنسان كما تعرف أصبح الآن على مفترق الطرق بين طفرة تطور جديدة كالتي أخرجته من عصر الحلقة المفقودة إلى عصره البشري. القرائن كلها تدل على أن عقله قد نضج لقفز المرحلة. وقد استطاع علماء البيولوجيا هنا عن طريق بعض المواد الكيماوية الجديدة، وخاصة "النيروسين" أن ينشطوا بقية أجزاء المخ التي ظلت كسولة منذ تطور الإنسان الأول. وقد فتح هذا الكشف طاقات جديدة وعوالم وآفاق ضاربة في المجهول... ويمكن أن أقول إنه في عقل الإنسان من التقدم ما يوازي تقدمه المادي ألف سنة من الآن. هذا أصعب للشرح بدون تمثيل، وسوف ترى بنفسك حين تبدأ العمل، وتتعلم استعمال "معاذ".
وقاطع الدكتور نادر مستفسراً:
- "معاذ؟"
-نعم. "معاذ" ليس اسم شخص، بل اسم عقل اليكتروني بناه العلماء لخزن الكنوز البشرية في أصغر مساحة ممكنة، وبالتالي الإطلاع عليها في أسرع مدة ممكنة، وسوف أمثل لك على ذلك.
ونادى:
- كاثي!
ودخلت كاثي فأشار لها أن تجلس وراء مكتب على جانب السرير الآخر به مفاتيح كالتي على آلة الكتابة، فجلست مستعدة للضرب عليها. وأملى الدكتور هالن السؤال:
- المكتبة. نادر علي. عصر الإنسان.
وتحركت أصابع كاثي في صمت فإذا صور سريعة تشع على اللوح المعلق في مواجهة السرير في نهايتها يبدو مجلد العنوان: "عصر الإنسان، تأليف الدكتور علي نادر". والتفتت كاثي إلى الدكتور هالن الذي كان كان يحك جبينه بأصابعه كأنما يحاول أن يتذكر شيئاً، ثم قال:
- صفحة 130.
وانفتح الكتاب على الصفحة المطلوبة، والدكتور نادر فاغر فمه من الاستغراب والسرور. وقرأ هالن من الصفحة الفقرة الآتية:
"نحن نشعر أن هناك شيئاً حقيقياً بداخلنا هو نواتنا التي نقوم حولها. أجسادنا وحواسنا ودوافعنا كلها قشور لها. وقد حير الفلاسفة مصدرها وكيانها حتى لكأنها منفصلة عنا كأجساد. وحتى ولو أغرقنا أنفسنا في ظلام حالك وصمت عميق، وركزنا كل ما نملك من قوى عقلية عليها، فلن يزال هناك غبار كثيف يحيط بذلك الشيء الحاد اللماع الذي هو جوهرنا، والذي غطته العصور بغلاف سميك من الحاجات والدوافع المادية والبدنية أصبحت قبراً متحركاً دفن فيه الجوهر حياً، وما يزال يصرخ في أعماقنا للخروج والتحرر والانطلاق، فلا تجد صعوبة كبيرة في كبت صراخه أو الصمم عنه.
في فترات قليلة من حياة بعض الأفراد تطل تلك النواة، ذلك النور الوامض من وراء جدران جسده وجوارحه المثلمة البكماء، وذلك حين ينتصر عليه الإيمان. الإيمان بفكرة أو بقضية أو بموهبة. وعند ذلك تنتصر الروح وتنعتق من أسر البدن وتنطلق عارية تدفع بالجسد إلى الأخطار والهوايا لأنها أصبحت سيدته ولم يعد هو سيدها.
"وهذا ما دعا كثيراً من الفلاسفة إلى الانتحار وإعتاق أرواحهم من سجونها وسلاسلها البدنية.".
والتفت الدكتور هالن إلى نادر وقال بصوت حالم:
- ما يزال هذا المقطع يثير في نفسي أحاسيس غريبة مختلطة، منذ قرأته لأول مرة يوم وصلتني نسخة الكتاب هدية منك. ربما لأنه كان صدىً لما كنت أحس به حينئذ. وربما لأنه كان تعبيراً حياً عن شعور غامض ما كنت أستطيع التعبير عنه بهذا الوضوح.
وأشرق وجه الدكتور نادر بابتسامة وهو ينظر إلى الدكتور هالن، وقال:
- ما تزال الرجلَ اللطيفَ، صاحب الروح الشفافة...
فابتسم هالن، وفرك يديه وعاد إلى الحديث:
- ماذا كنا نقول؟ آه! كنت أحكي لك عن "معاذ". العقل الإلكتروني. المثال الذي أعطيتك ليس إلا جانباً صغيراً من وظائف معاذ. ويمكنني أن أصفه بأنه أكمل آلة صنعها مخلوق ناقص هو الإنسان! ومعاذ هو اختصار الإسم المطول: "مُجمَّع العلاقات الإلكترونية الذاتية". ويوجد بجبل الجودي هذا أكثر من خمسة آلاف عالم وعالمة في جميع ميادين المعرفة الإنسانية العقلية منها والعملية.. وكل هؤلاء موكلون بإطعام معاذ جميع ما في ميادينهم من معلومات، وما يضاف إليها كل يوم من بحوث واكتشافات جديدة. ويسمى هؤلاء "مبرمجون" لاختصاصهم في تصفية البحوث وإرجاعها إلى أبسط أصولها. وقد أصبحت أحشاؤه الآن تحتوي على مجمل المعرفة البشرية منذ بدأ الإنسان يفكر ويسجل. أطعمَهُ المبرمجون تاريخ الإنسان من فجر ميلاده حتى الآن. وكذلك فلسفته وأديانه.. أحلك عصوره وأبهاها، وعلوم المال والاقتصاد وأسواق الأسهم والأوراق المالية، وبه بدأنا نعرف مسبقاً ما سيحدث في العالم الرأسمالي من التغيرات، وبذلك أصبحت للمنظمة ثروة هائلة من الاستثمارات التي ينصح بها "معاذ". وقد أطعمناه ترجمات حياتنا وأسرارنا الشخصية وأحوالنا الصحية، فتنبأ بأمراضنا قبل أن تصيبنا، ووصف لنا الوقاية قبل العلاج، وأحاط بما يشغل عواطفنا وعقولنا، ونبهنا إلى عيوننا ونقائصنا، وأصبح الحجة الأولى والعقل المسير الأعلى للمنظمة. وقد أصبح طبيب نفسه، يكتشف أمراضه ويصحح ما يصيب بعض أعضائه من عطب أو خلل. فيغير قطعه، وينتج الجديد منها، ويشحم دواليبه ويزيت أنابيبه...
كان الدكتور نادر ينصب مبهور الأنفاس، وحين سكت هالن قال:
- لا أصدق كل هذا..!
- لم أتوقع منك ذلك.. أنا نفسي لم أصدقه حتى تأكدت بنفسي. معاذ الآن أصبح خارجاً عن كل سيطرة خاصة. سرعة آلياته الهائلة، وقدرته على مزج العلوم المتباعدة التي هضمها، والخروج من خليطها بنتائج مدهشة لا تَخْطُر على عقل عالم من أي ميدان، جعلته في مقدمة الجميع، وجعلت العلماء يلهثون خلفه، يحاولون اللحاق بالكشوف الجديدة التي ما يزال يلقي بها كل ثانية سواء في الطب أو الفضاء أو المعادن أو الكيمياء...
- هذا معناه أنكم هنا تسبقون العالم الخارجي بمراحل..
- أحياناً أفكر أنني سأستيقظ بعد لحظة لأجد نفسي أحلم أو أقرأ قصة خيالية...
- سمعتك تذكر "جبل الجودي"، أليس ذلك رمزاً إلى الجبل الذي رست عليه سفينة نوح؟
- بَلَى سمى العلماء الأولون هذا المكان بجبل الجودي للشبه الكبير بين قصتهم وقصة نوح.. هربوا من عالم أوشك على الغرق، هذه المرة في طوفان الإشعاع النووي! وأملهم أن يبقى هذا الجبل جزيرة آمنة داخل طوفان الموت القادم عند اندلاع الحرب الثالثة... جبل الجودي إذن رمز له دلالته!
- سؤال آخر، من المسؤول عن اختطافنا، أواستقدامنا إلى هنا؟
- يمكن أن أقول معاذ. ولكن مواهبنا هي المسؤولة الأولى في الحقيقة. تخصصي أنا في مقاومة الإشعاع، والتزامك الفلسفي بإنهاء عصر التضامن الديني وإعداد البشرية للطفرة التطوريه الجديدة. ثم نظر إلى ساعته ووقف باسطاً كفه لنادر:
- على أنا سعيد للغاية بوجودك بيننا .. سأعود إلى عملي وسوف أراك غداً، ينبغي أن ترتاح الآن.
وصافحه وهم بالخروج، فاستوقفه نادر قائلاً:
- إيريك.
- نعم.
- عندي سؤال أخير. أرجوك أن تجيبني عنه بكل صراحة.
- ما هو؟
- تاج، أين هي؟
- تاج تحت الإشراف الطبي. كانت أصيبت هي الأخرى بلمسة إشعاع.
- هل ستعيش؟
- الأطباء ساهرون عليها.
- هل ستشفى؟
- لا أدري. ولكن لا ينبغي أن تيأس، فعندنا من وسائل مقاومة الإشعاع ما لا يتوافر في العالم الخارجي مجتمعاً..ثم ألقى عليه نظرة عطف وأضاف:
- أرجوك، لا تقلق.. سأعملُ جهدي!
وأقفل الباب خلفه وترك نادراً وقد انسدلت غيمة حامية من الدمع على عينيه، فأشاح بوجهه حتى لا تراه "كاثي".



-25-

استيقظ الدكتور نادر مبكراً في الصباح الموالي. فتح عينيه داخل الغرفة البلورية المضاءة بأشعة زرقاء ناعمة فوجد نفسه على حافة الفراش الواسع. والتفت يميناً ليجد "كاثي" نائمة على طرف السرير بجانبه. كان منظرها وهي مغطاة بشعرها الذهبي تجسيماً للسلام والطفولة البريئة.
وكأنما أحست أن أحداً يراقبها، ففتحت عينيها الواسعتين، وابتسمت دون أن تتكلم، ومدت يدها نحوه فوضع عليها يده. قالت:
- كيف أصبحت؟
- بخير.
- أصابك كابوس مزعج، هل تتذكر شيئاً؟
- لا.
- أضطررتُ إلى إعطائك مسكناً حتى تكف عن الاستغاثة والارتعاش. كنت تسبح في العرق..
- غريب، لم أتذكر شيئاً!
ونهض من الفراش فوجد نفسه قادراً على الحركة دون ضعف. ودخل الحمام فاغتسل وحلق. وحين خرج كانت "كاثي" تنتظره بسلة في يديها. قالت:
- سنفطر في الهواء الطلق..
- فكرة حسنة.
وناولته قميصاً أبيض وبنطلوناً فارتداهما، وتبعها خارج الغرفة. انقفل الباب خلفهما آلياً فنظر الدكتور نادر حواليه ليرى ممراً طويلاً كأنبوب زجاجي لماع أضواؤه مدفونة في حيطانه كأنهار من سائل الفسفور.
وأدهشه المنظر الرائع الذي وجد نفسه أمامه.. بحيرة واسعة زرقاء يحيط بها الأرز والسنديان، وحولها شواطىء رملية أنيقة وصخور بيضاء عالية تلقي على الرمال الذهبية ظلالها الكثيفة.
ونزع حذاءه وانطلق نحو الرمل. ثم رفع قميصه وخاض الماء فأنعشته برودته. والتفت إلى كاثي:
- هذه مفاجأة سارة!
- هذه أرض المفاجآت..
- أين يقع "الجودي" بالضبط؟ لاداعي للغموض الآن. فقد قال لي الدكتور هالن كل شيء..
ودخلت كاثي معه الماء وأمسكت بيده. ونظرت إليه:
- أنت واقف فوقه!
- وأين المدينة الصاخبة وآلاف العلماء الذين تحدث عنهم هالن؟
أشارت بعينها إلى البحيرة.
- تحت تلك الصخرة يوجد عالم بأسره.. عالم في "كبسول" مصغر... يمكنك أن تسميه "جينا" حضارياً أو خليةً حية تحتوي على جميع خصائص الإنسان الذي يعمر الأرض الآن.. ولو مسحت حرب ذرية الوجود البشري بكامله اليوم، لاستطاع ما في قلب أن يعيد الحياة من جديد.. لنا وسائل مكافحة الإشعاع، وإرجاع الوظائف الطبيعية إلى النبات، والخصب للتربة، والنقاء للماء والهواء...ولنا القدرة على إعمار الأرض من جديد.. إلا أن الإنسانية القادمة ستكون أكثر انتظاماً، وأقدر على تركيز عبقريتها على الحياة بدل الخراب والموت.
ونظر الدكتور نادر إلى عينيها المتوقدتين حماساً، ثم وضع ذراعه حول كتفيها، وضمها إليه برفق وإعجاب:
- أرجو ألا يكون ما تقولينه من صنع الخيال..
- كل المشاريع العظيمة كانت من صنع الخيال... ولكن "جبل الجودي" حقيقة واقعه. وسوف ترين بنفسك... وهبت نسمة عليلة جعدت وجه البحيرة. وداعبت وجه نادر وعبثت بخصلات من شعر كاثي الحريري. واستنشق الاثنان ملء رئتيهما منه، قال نادر:
- آه! هذه هي الحياة.. لو بقيت هنا شهراً واحداً فسأضمن نقاء رئتي من سخام لندن!
وضحكت كاثي وقالت:
- ولو بقيت هنا أكثر لضمنت نقاء عقلك من فوضى العالم الخارجي!
وابتسم الدكتور نادر ثم قال:
- أنا جائع...
- لنفطر إذن.
وخرجا من البحيرة إلى حيث كانت كاثي قد فرشت إزاراً ووضعت عليه أواني الفطور فجلسا متقابلين..وشرد ذهن الدكتور نادر، وقد عادت إليه ذكريات تاج، فتجهم وجهه وكف عن الحديث..
في لمحة بارقة عبرت خياله صورة تاج قاعدة أمامه تحت نخلة., ورأى في عينيها السوداوين نظرة عتاب على نسيانه لها، واستمتاعه بممرضته الجديدة...
وقرأت كاثي ما يجول بخاطره، فأخرجته من غفوته الحزينة بقولها:
- أرجو أن تتماثل تاج للشفاء قريباً...
وأشاح عنها بوجهه وهو يحاول مقاومة شعوره، فأضافت:
- كن على يقين أنها تحظى بعناية أمهر أطباء الإشعاع. الشيء الوحيد الذي لا يستطيعون القيام به هو تحويل الرماد إلى مادته الأصلية..
وبعد لحظة صمت قالت مغيرة الموضوع:
- سيأتي رئيس مبرمجي القطاع الأنثروبولوجي للترحيب بك رسمياً على جبل الجودي وسيأخذك للفطور مع فرقته لتتعرف عليها، وتعرف مدى التقدم الذي حدث في ميدانك.
- هل سيكون الدكتور إيريك هالن هناك؟
- لا، ستراه بعد الظهر.
واستمرت تسرد عليه جدول أعماله للأسبوع القادم، وهو يستمع دون إنصات..
وبعد نهاية الفطور، جمعت الأواني في سلتها، وفتحت باباً في صخرة وضعت السلة بداخله حيث ابتلعها الظلام، ونظرت إلى نادر وقالت:
- والآن لنتجول حول البحيرة، إذا أردت.
وتمشيا على حافة البحيرة، ثم طلب منها أن يطل على العالم الخارجي فمشت به في طريق مرصوف برخام أحمر حتى نهايته، حيث أشرف من فوق صخرة على جرف شديد الانحدار وكأنه حائط عملاق.. ووقف ينظر إلى الأرض التي كانت بعيدة تحته وقد قامت فوقها صخور ملساء، كأنما انْحَسَر عنها مد الرمال، فبقيت واقفة بالعراء كموميات ضاربة في القدم. وطافت حولها العقبان والرخم، وعشعشت فوقها جوارح الفضاء...
ونظر إلى الأفق البعيد حيث تمتزج غبرة السماء بسراب الصحراء، فأحس كأنه في سفينة تجمد حولها محيط رملي هائج متوحش...
ودار رأسه، فأحس بمنبه حاد يوقظه من شروده دون أن يعرف مصدره. ووضع يده على قفاه حيث أحس المنبه، فلمس جسماً مسطحاً أجنبياً مزروعاً تحت جلده عند أسفل جمجمته.
ونظر إلى كاثي التي كانت تراقبه ببريق حاد في عينيها وقال:
- أكاد أقسم أن قطعة معدنية توجد تحت جلدي هنا...
- لا تقلق لذلك. نسيت أن أقول لك إنها طرف من علاجك.
- هل ستبقى هناك؟
- جميع العلماء هنا يحملون مثلها كذلك. ونسميها الملاك "الحارس"! وهي عبارة عن جهاز إرسال في منتهى الدقة والتعقيد يربطك بمعاذ، حيث تسجل جميع وظائف بدنك وذهنك. فإذا كان هناك خلل أو حركة غير عادية يرسل دماغك أمواجاً عن طريق "الحارس" إلى "معاذ" حيث تحلل في جزء من الثانية، ويرسل التنبيه إلى الخطر، أو يوصف العلاج أو الوقاية حسب ما يحدث..
- تعنين أن هذا الشيء سيبقى تحت جلدي دائماً؟
- سوف تنساه تماماً، كما تنسى ضرساً أو سناً صناعياً في فمك!
- ولماذا نبهني معاذ؟
- لابد أنك أصبت بالدوار من أثر الارتفاع، ويمكن ذلك أن يسبب سقوطك!
وعاد إلى شاطىء البحيرة حيث كانت الشمس تستحم داخل المياه الزبرجدية وتتخذ من سطحها الساكن مرآة هائلة.
ومرا بأفراد وجماعات من الشبان والشابات يسبحون أو يعرضون أجسامهم العارية للشمس، وكاثي تحييهم برأسها وتقدم بعضهم للدكتور نادر.
وسأل هذا وهو ينظر إلى السماء.
- إذا كانت هذه المنظمة لا يعرف عنها أحد شيئاً، ألا يمكن أن تُرى من الجو..؟
- أبداً! لقد استطعنا إخفاء الجبل بالأشعة السرابية اليت تجعل البحيرة والجبل يندمجان في الوادي العميق مثل أي كثيب من ملايين الكثبان الرملية في الصحراء..
ومر قريباً من الشاطىء مركب بخاري سريع يسحب وراءه فتاة تنزلق على الماء بمهارة عجيبة، فسأل نادر:
- ألا يشتغل هؤلاء؟
- هؤلاء في عطلة أو استراحة أو انتظار. العمل هنا يعتمد كثيراً على الفكر. وقد تنغلق الأبواب مدة طويلة عندما يصل الواحد إلى نهاية درب عقلي لا مخرج منه، فيأخذ عطلة للاستجمام والمراجعة...
ثم سرحت بعينيها نحو المركب المحلق حول طرف البحيرة البعيد، وقالت:
- بعض هؤلاء ينتظرون الوقت المناسب لعمليات التلقيح. الوقت المناسب بدنياً ونفسياً. وستعرف عماذا أتكلم عندما ترى حقلنا البشري.
ونظرا إليها دون أن يفهم:
- الحقل البشري؟
فحركت رأسها إيجاباً:
- نحن نصنع سكاننا الآن... نتحكم في ظروف الحمل والولادة والتربية...
- أتعنين أن كل ذلك يقع خارج رحم المرآة؟
- بالضبط!
وشرد خياله... وتذكر صخب المظاهرات التي اجتاحت لندن احتجاجاً على تجارب التناسل المخبري، وإنذار علماء البيولوجيا باحتمال نشوء جراثيم جديدة وخطيرة...
وجاءه صوت كاثي فأخرجه من تفكيره:
- فيم تفكر؟
وحرك رأسه نافياً كسولاً عن الشرح:
- لاشيء..
وأحس بضعف في بدنه، فعادت به كاثي إلى حيث كانا يجلسان.
وفي طريقهما سمعا أنيناً صادراً عن دغل كثيف، وحشرجة عنيفة كأن أحداً يقاتل مارداً جباراً، فتوقف الدكتور نادر ليستطلع الأمر. وسحبته كاثي من ذراعه وعلامة القلق والذعر على وجهها، وهي تلح على أن يغادر المكان. وتحول الأنين والحشرجة إلى صراخ حاد كأن إنساناً يعاني آلاماً مبرحة... وحاول نادر الانفكاك من يد كاثي ولكنه أحس بضعف أكثر فتوقف.
وخرج من وراء الدغل رجل لابس حلة رمادية ملتصقة ببدنه، وعلى صدره شارة رآها من قبل دون أن يذكر أين، وكانت عبارة عن مركب قديم فوق كرة أرضية.
كان الرجل ممسكاً قفاه بكلتي يديه، وقد تشوه وجهه، وغابت عيناه من الألم، وهو يجري في اتجاه باب مصعد.. وحين دخله انقفل الباب خلفه، ونزل المصعد بسرعة إلى أسفل...
ووقف الدكتور نادر ينظر مبهور الأنفاس إلى حيث كان الرجل، وقد زاد ضعفه للإرهاق العصبي الذي أصابه، وهو يراقب الرجل الغريب يتلوى كالحية المقطوعة الرأس! وكاد يسقط مغشياً عليه، فعانقته كاثي، وساعدته على البقاء واقفاً، ثم أخرجت عوداً صغيراً من جيب في صدرها، ومرت به تحت أنفه فعاد إلى وعيه.
ونزلا إلى غرفته حيث خلعت كاثي ملابسه وأدخلته فراشه.

-26-

وأفاق تدريجياً، فأحس بصدر كاثي الناهد ملتصقاً بظهره، وبذراعها تطوق خصره. وحين تحرك استيقظت هي الأخرى فاستدار ليقابلها. وبادرته بالسؤال:
- هل استرحت؟
وحرك رأسه دون أن ينطق، فأضافت:
- ذهب الضعف؟
فقبل رانفة أنفها وشفتيها.
قالت:
- الدكتور هالن قادم لزيارتك قريباً. ينبغي ألا يجدنا نائمين.
وقامت واختفت في الحمام، ثم عادت بصينية عليها فنجانان وإبريق.
وانفتح الباب، فدخل الدكتور هالن تشع الابتسامة من وراء نظارته البيضاء. فاقترب من سرير نادر وأمسك بيده وضغط عليها بحنان ثم جلس.
وجاءت كاثي فحيت الدكتور هالن بابتسامة، فقال هذا:
- هل يتعبك مريضك؟
- أحياناً!
ثم ابتسمت لنادر وقالت:
- لا، كنت أمزح فقط. الدكتور نادر مريض مثالي.
وجلست تصب القهوة. وضغطت زر الفراش فارتفع نصفه الأعلى وجلس الدكتور نادر، فناولته كاثي فنجانه. واحتسى منه رشفة، ثم وجه سؤالاً للدكتور هالن:
- هل من خبر؟
- تعني عن تاج؟
ووضع هالن الفنجان من يده وهو يقول:
- ذلك ما جئت من أجله. التقرير الطبي كان مشجعاً للغاية. تاج أصبحت خارج منطقة الخطر..
ودار رأس نادر وارتعشت يداه حتى كاد الفنجان ينذلق على اللحاف، فتداركته كاثي وأخذت منه الفنجان. واستأنف هالن:
- ربما أمكنك زيارتها في ظرف أسبوع.
ووضع نادر يده على يد هالن، ونظر إليه نظرة شكر مؤثرة أحس هالن عندها بالحرج، فنظر إلى ساعته وقام:
- ينبغي أن أتركك تستريح. هل تعني بك كاثي جيداً؟
- أحياناً أتساءل هل ما تفعله كله داخل في تعليمات الأطباء!
وضحك هالن وهو يقفل الباب وراءه.
وجلست كاثي إلى حاسوبها تدخل تقريرها اليومي. وتناول الدكتور نادر مجلداً لم يكن رآه من قبل على مائدة السرير إلى جانبه، وبدأ يتصفحه، فإذا هو دليل لأرقام الاتصال وطرق الاستعلام عن جميع نشاط الجودي.
والتفت إلى كاثي وهي تلمس بأصابعها الدقيقة مفاتيح الآلة، وتنظر إلى الشاشة البلورية أمامها.
- كاثي، هل يمكن أن أقاطعك؟
فحركت رأسها بالإيجاب وقال:
- هل كان ذلك الرجل حقيقة أم حلماً؟
- أي رجل؟
- الذي كان يصرخ ويعوي كالحيوان وراء أدغال البحيرة..
- كان حقيقة.
وظهر الجد على وجهها. فقال:
- لماذا لم تساعديه، وأنت ممرضة محترفة؟
وترددت قليلاً ثم قالت:
- أنت مسؤوليتي. وقد كنت ضعيفاً للغاية.
- لم أكن أسوأ منه حالاً!
- لا تقلق بالك يا عزيزي.. لعله من المصابين بانهيار عصبي لكثرة التركيز على عملية معقدة. يحدث ذلك كثيراً هنا.
- كان يظهر لي أنه مسوق بقوة جبارة نحو المصعد. وكلما حاول التحرر دفعته يد خفية إلى الأمام..
ونظرت إليه بعينين فيهما معان عدة، ثم عادت إلى آلتها.
وظهر على وجه الشاشة أمام نادر وجه طبيبه فتفحصه بعينين حادتين، ثم قال:
- دكتور نادر. لا ينبغي أن ترهق نفسك كثيراً بالتفكير العاطفي. سوف يؤخر ذلك شفاءك. حاول تسلية نفسك ببعض البرامج الفكاهية على هذه الشاشة. ستجد لائحتها في المجلد إلى جانبك. كاثي ستعلمك كيف تستعمل مفاتيح الاستعلام. ينبغي أن تشفى سريعاً لتتقابل مع زملائك في قسم الأنثروبولوجيا. هناك مؤتمر حيوي متصل بعملك يجري هذه الأيام. ومن الأحسن أن تحضر على الأقل نهايته، وتعرف النتائج التي توصلوا إليها.
ونظر الدكتور إلى كاثي التي كانت واقفة إلى جانب سرير نادر، ولوح تقارير حالته في يدها وهي مستعدة لكتابة التعليمات، ثم قال:
- مزيداً من الراحة. لا تعرضيه لأية تجارب عاطفية. سيمكن أن يقابل زملاءه في ظرف يومين.
وقبل أن يسأله الدكتور نادر عن حالة تاج تلاشت الصورة من فوق الشاشة. ووقفت كاثي تكتب التعليمات.
أحس الدكتور نادر بنشاط وحيوية جديدين ذلك الصباح الأزرق البارد. ومن نافذة الحمام دخلت نسمة صحراوية دافئة مع انعكاس أشعة الشمس على أوراق النباتات المتسلقة حول إطار النافذة.
كان ذلك يومه الكبير.
سيلتقى بالمبرمج الأول، وسيحضر مؤتمر المبرمجين العام الذي يدرس فيه تقدم البحوث العلمية في الجودي، والعالم الخارجي، وتوضع فيه أو تناقش السياسة الجديدة قبل أن يجري بها العمل.
وناولته كاثي كسوة خاصة كانت عبارة عن عباءة عربية بيضاء أحس فيها براحة وحرية. قالت له كاثي وهي تساعده على لبسها:
- هذه حلة المؤتمر الرسمية. يظهر أن لها أثراً خاصاً على مزاج لابسيها.
فرد الدكتور نادر وهو ينظر إلى نفسه في المرآة العريضة أمامه:
- بساطتها توحي ببساطة التفكير. المفكرون في المدنيات الكبرى بحاجة ماسة إلى جو خاص، يخرجهم من ضوضاء وفوضى العصر الحديث التي نزلت بالفلسفة إلى مستوى الطب النفسي الجماعي، بدل التركيز على المسائل الأكثر أهمية.
وغادرا الغرفة وكاثي تقوده إلى حيث انفتح أمامهما باب مصعد مربع، جدرانه من البلور المقوى، تشف عن الحيطان المزخرفة برسوم رومانية وفارسية وصينية وعربية حسب الطبقات التي يجتازها المصعد. وانقفل خلفهما الباب، ونزل المصعد نزولاً ناعماً، ولاحظ نادر أن المصعد عبارة عن مكعب لا يرتبط بحبال من فوق أو تحت ورفع عينيه ليرى نفقاً أزرق داكناً فوقه، ينتهى بمربع ناصع البياض، أدرك أنه يواجه الشمس. ونظر إلى تحت فإذا بئر مربع عميق لم يستطع رؤية قعره. كله مضاء بألوان تتعدد بتعدد الأدوار. وخامره إحساس غريب أنه يحلق في فضاء طبقاته أقواس قزح وأطواق من نور...
ووقف المصعد ثم تحرك إلى اليمين بنفس النعومة الانزلاقية التي نزل بها...
وبحث نادر بعينيه عن مكان الأزرار فلم يجد، وقرأت كاثي أفكاره فقالت:
- لا حاجة إلى لوح أرقام. ولا يمكن أي لوح أن يتسع للأماكن التي يمكن أن يصلها المصعد. وما عليك إلا أن تنطق باسم المكان في هذا "المسمع" ليذهب بك المصعد إليه.
وانزلق المصعد على مهل ثم توقف.
وظهر الدكتور إيريك هالن وراء الباب الزجاجي الذي انفتح بمجرد توقف المصعد. وتصافح الرجلان.
كان هو الآخر يلبس العباءة الفضفاضة البيضاء التي أظهرته في شكل محبب.
قال الدكتور هالن:
- سيقابلك الدكتور "كرونن"، وهو أحد الرواد الأولين ومن بناة جبل "مدينة الجودي" هو رئيس المؤتمر، مع أربعة آخرين من الشيوخ الذين أسسوا المكان والفكرة. سيتدوم المقابلة حوالي خمسة دقائق، بعدها ندخل جميعاً قاعة الحوار حيث سيلخص هو أعمال المؤتمر، ويعطي النتيجة.
كان الدكتور هالن يعطيه هذه المعلومات السريعة وهما في طريقهما إلى باب عال منحوت من قطعة خشب أسود واحدة، وعليها زخارف بارزة متداخلة.
وانفتح الباب بوقوفهما أمامه. وبقيت كاثي إلى الوراء، فسألها نادر بنظرة هل ستدخل؟ فحركت رأسها نافية.
وانقفل الباب خلفهما.
ونظر الدكتور نادر أمامه فإذا قاعة مستديرة مضاءة بنوافذ مستطيلة ملونة بعضها مفتوح على ضوء النهار، وقد تدلت ثريا ضخمة من سقفها، حرك الهواء قطراتها البلورية فأحدثت أصواتاً موسيقية خفيفة زادت في هيبة القاعة ووقارها.
ووقف خمسة شيوخ تقدم نحوهم الدكتور هالن وخلفه نادر. كانت على وجوههم ابتسامات خفيفة وهم يراقبون الدكتور نادر يتقدم على استحياء ليصافحهم واحداً واحداً، والدكتور هالن يقدمهم له بأسمائهم.
وأومأ أكبرهم سناً، الدكتور كرونن، لنادر وهالن أن يقعدا في كرسيين في مواجهة الشيوخ فجلسا صامتين.
وبدأ الدكتور كرونن:
- الدكتور على نادر، أرحب بكم هنا في جبل الجودي باسمي واسم زملائي القضاة الأربعة وباسم جميع من جعلوا جبل الجودي مشروعاً محسوساً لفكرة فلسفية مجردة. أعتقد أن الدكتور هالن كان له امتياز التعرف عليك قبل انضمامك إلينا. وأرجو أن يكون قد قال لك عن مشروعنا ما يكفي لإيقاظ حماسك، وإثارة رغبتك في البقاء والمشاركة معنا في هذا العمل. ونصيحتي في هذه الفترة هي أن تفتح عينيك وأذنيك لكل ما ترى وتسمع. وسوف ترى أشياء غريبة لن تفهمها في الحال، فلا تدعها تقلق راحتك. كل شيء سيتضح لك بعد حين، ومن حسن حظك أن تشفى من علتك في هذه الفترة لتحضر معنا نهاية المؤتمر، ففيه تقرر وترسم سياسة وأهداف جبل الجودي لمدة الأشهر الثلاثة القادمة. وسوف تقابل أعضاء "الأنثروغاّذ" الذين ستعمل معهم. لا تفاجأ إذا وجدتهم يعرفون عنك كل شيء! فليس بيننا أسرار...
ثم توقف قليلاً، ونظر إلى ساعة بصدر القاعة، وقال:
- حان وقت الاجتماع.
ووقف مادا يديه إلى الدكتور نادر، وأمسك بيديه معاً وهو ينظر إلى عينيه بعينين رماديتين فيهما أبوة وحب ويقول:
- بعد نهاية المؤتمر سيكون لنا وقت للاجتماع والحديث المسهب. "الجودي" كله معجب بعقلك. فاحكم علينا بعد المعرفة.
وثم التفت إلى الدكتور هالن وقال:
- ستقدمه الآن إلى جماعة "الأنثروعاذ" وسيجلس معهم.
وحرك الدكتور هالن رأسه بنعم، وخرج الرجال الأربعة خلف الدكتور كرونين.
وانفتح باب آخر دخل منه الشيوخ الخمسة بعباءاتهم الحريرية البيضاء، وشعورهم الشيباء وحولهم هالة من الوقار والهيبة.
وتوجه هالن مع الدكتور نادر نحو باب جانبي حيث خرجا إلى ممر مبلط برخام أخضر فاتح، ومنه دخلا بابا عليه رواق مخمل أسود ثقيل إلى قاعة فسيحة كملعب مصارعة الثيران، تتدرج منه الكراسي إلى تحت. ورفع عينيه ليرى قبة عالية ينفذ منها ضوء النهار دون أشعة الشمس.
كانت الكراسي كلها مأخوذة، وأمام كل كرسي شارة الاختصاص واسم القسم. وقرأ الدكتور نادر على ظهر الكرسي الأخير الذي قابله عند دخوله الرواق "أنثروغاذ".
كان ينتظره بجانبه رجل في حوالي الخمسين، مصفف الشعر بطريقة حسنة، وقد تلوحت بشرته واسودت عيناه في عمق. بادر هذا الدكتور نادر، قبل أن يقدم له، باللغة العربية:
- الدكتور نادر، أهلاً وسهلاً... أنا الدكتور أديب إسكندر. من مصر. الإسكندرية. وتصافحا، فودعهما هالين قائلاً:
- أراك بعد نهاية الجلسة. الدكتور إسكندر صديق عزيز، ويعرف عنك الكثير. هو الآن رئيس "الأنثروعاذ" بالنيابة.
وذهب نحو مقعده من قسم "الأشعَّاذ".
وجلس نادر يتبادل التحيات مع زملائه الجدد.
وفي نفس اللحظة وقفت القاعة بمن فيها تحية للقضاة الخمسة الذين دخلوا واحداً بعد الآخر إلى صدر القاعة، حيث وقفوا صفاً واحداً في مواجهة المؤتمرين. وبقوا واقفين لحظة، ثم أومأ الدكتور كرونين برأسه بالتحية، وقعد الجميع.
وجال الدكتور نادر بعينيه داخل القاعة، ولاحظ الوجوه العديدة الذكية التي كات تتراوح أعمار أصحابها بين الثلاثين وما فوق السبعين، وهي تركز على شاشات صغيرة على مكاتبهم عليها رسوم وأرقام ورموز غريبة. وفي وسط القاعة كان أنبوب زجاجي يملأه سائل أحمر إلى النصف، ويتحرك صاعداً ونازلاً بطريقة ارتعارشية دائمة...
والتفت الدكتور نادر إلى الدكتور أديب إسكندر، وأشار بعينيه إلى الأنبوب فهمس له هذا:
- ذلك هو "المسياس". معناه المقياس السياسي في العالم الخارجي. السائل الأحمر يدل على ارتفاع أو انخفاض درجة الخطر الذري في العالم.
- وما معنى الحلقة الحمراء بأعلاه؟
- علامة الخطر.
- كيف يعمل هذا "المسياس"؟
- بطريقة آلية. هناك جهاز استقبال بأعلى الجودي يلتقط جميع الأخبار المذاعة في جميع أركان الأرض، وجميع الرسائل البرقية السرية من جميع المعسكرات، ويحل شفرتها إليكترونيا، ويحلل محتواها الخ، وبذلك يعطي درجة الحرارة السياسية في كل ثانية من الليل أو النهار.
وسمع طرق على المائدة، فسكت الجميع وارتفعت الأعين إلى حيث منصة الرئاسة.
وتنحنح الدكتور كرونين ثم بدأ بصوت ذهبي ناعم:
"بالأمس ختمنا الحوار، واليوم سنقدم ملخصاً للاتجاهات الثلاثة التي أسفر عنها المؤتمر. وسوف يقدم الدكتور فرايهان عرضاً عن وضع الاتجاه الأول".
والتفت إلى الرجل على يساره، فبدأ هذا يتصفح رزمة أوراق أمامه ثم تكلم.
"الاتجاه الأول، وهو رأى الأغلبية حتى الآن، رغم النقص البين بين أغلبية المؤتمر الفارط التي كانت تتجاوز السبعين في المائة، وأغلبية هذا المؤتمر التي نزلت إلى سبعة وستين في المائة. هذا الاتجاه هو الذي يحبذ "نظرية الإبقاء والانتظار". ويطبعه التفاؤل من أن الإنسانية في طريقها إلى النضج التدريجي الذي سينتشلها من اتجاهها السريع نحو البوار. والأدلة التي يرونها جديرة بالتقديم في هذا الحوار هي انتشار المواصلات العقلية التي ستعجل بوحدة الإنسان من أجل الصالح المشترك، وكذلك تردد "المسبرياس" في حلقته الحالية زمناً طويلاً مما يدل على أن هناك تقارباً بين المعسكرات المتضاربة في الشعور بخطر الحرب الشاملة. وهذا الاتجاه، أعني "الإبقاء على الإنسان الحالي وانتظار نضجه"، يرى أن البشرية الحالية، رغم اختلافها وتطاحنها، تؤدي وظيفاً حيوياً بالنسبة "للجودي"، وهو تغذيته بالمواهب الطبيعية في جميع الميادين، الشيء الذي ما كان "البيوعاذ" ليزودنا به بالسرعة الكافية. إلى جانب أن هناك تقدماً محسوساً في ميادين علمية كثيرة في الدول المتقدمة تقنياً، وإن كان يقف في طريقها الاتجاه العسكري، والخوف من جنون معسكر وتخريبه للمعسكر الآخر. ثم إنه ليس هناك تأكيد علمي لنجاح النظريتين الأُخريين..".
وسكت الدكتور "فرايهان" وجمع أوراقه ثم اتكأ إلى الوراء. فأشار الدكتور "كرونين" إلى زميله على يمينه قائلاً:
-"الاتجاه الثاني: "الاستيلاء والإصلاح" يلخصه الدكتور إيكويوتو".
وتحرك في مكانه رجل شرقي السحنة وقال:
"يرى أنصار نظرية "الاستيلاء والإصلاح" التي يؤيدها عشرون في المائة من أصوات المؤتمر، أن الإنسانية كما هي الآن منقسمة على نفسها موزعة الاتجاهات والمبادىء، تتحكم في أغلبيتها الدكتاتوريات الفردية والجماعية والنزعات الدينية والعنصرية، وتغسل دماغها أدوات الإعلام التي تخدم أغراض أقلية تستفيد من جهل البقية وغَبَاوتها، وتسوقها ضد صالحها، حيث تسكب منها أكثر ما يمكن. هذه الإنسانية ينبغي أن يقوم جبل الجودي بالاستيلاء عليها بإسكات جميع مصادر الطاقة، وتجريد جميع الأسلحة من خطرها سواء كانت كبيرة أم صغيرة، وتنويم الإنسانية كلها واقتراح اتحادها واشتراكها في عمل خالد واحد تعيش بعده في رغد وأمن، وبهذا ينتهي الضياع والخوف واستيلاء الشر. وحينئذ يمكن "لمعاذ" أن يوجه طاقة هذه الأرض كلها إلى غزو الأفلاك العليا يساعده في ذلك كل مخلوق بما يستطيع".
والتفت الدكتور كرونين لزميله الثالث فقدمه:
- "الدكتور إدريس عثمان يلخص اتجاه "الطوفان الأزرق" الذي تؤيده خمسة عشر في المائة من أصوات المؤتمر".
وبدأ الدكتور عثمان، وكان سودانياً حاد العينين:
"اتجاه الطوفان الأزرق هو أجرأ اتجاه حتى الآن. وخلاصته هي أن جبل الجودي أصبح خلية متكاملة متوازنة، تحمل في كيانها جميع الخصائص الإنسانية بحضارتها وتاريخها وفلسفتها وتقنيتها، وتختزن جميع ما حققته من تقدم علمي وفكري بشري وغيره، وفي قدرتها إعادة إنتاج كل هذا بطريقة أنظف وأكثر نظاماً واستقراراً وقوة من الإنسانية الموجودة الآن على الأرض، هذه الإنسانية التي تكاثرت بشكل مزعج للغاية، وانغرست فيها الخلافات الدينية التي نتج عنها ما نراه الآن من خلافات سياسية، وجنسية ومذهبية، وحواجز ثقافية تجعل تقدمها يدور في حلقات مقفلة لا يستطيع التحرر منها والمُضيَّ إلى الأمام...
وإذا كان "معاذ" قد بشر بطوفان جديد كالذي أصاب الحضارات القديمة حين أسنَتْ وتوقفت عن النمو والتطور من عهد نوح، فليس من الضروري انتظار هذا الطوفان الذي ربما فاجأنا في وقت غير مناسب، بل يجب أن نخلق نحن ذلك الطوفان بما لنا من وسائل علمية، تضمن نجاح العملية ونجاة نواة الإنسان الجديد في قلب هذا الجبل الذي سميناه بحق "الجودي" لذلك يكون الاقتراح أن يطلق الجودي على الكرة الأرضية شعاعه الأزرق السري الذي سيُفني البشرية كلها بطريقة رحيمة لا ألم فيها ولا خوف، ثم يقوم بعملية تنظيف الأرض من آثار الإشعاع، وبذلك يكون وظيف البشرية الفوضوية قد انتهى، ويبدأ دور البشرية الثانية التي أوشكت على اختراق حاجز تطور جديد لتقوم على أنقاضها، وتعمر الأرض من البداية".
وسكت الدكتور عثمان، وضغط على زر الميكروفون حتى لا تسمع عطسة كان يقاومها.
وتكلم الدكتور كرونين مقدماً زميله الرابع:
"الدكتور إيفانز له تعليق على الاتجاهات المذكورة".
وأومأ له فبدأ:
"يظهر من تعدد الاتجاهات أن خليتنا لم تنضج بعد، وأننا ما نزال نعاني من مخلفات وتناقضات ورواسب علمنا القديم الذي حاولنا التحرر منه منذ ربع قرن. وبيننا من ما تزال له عواطف وزوايا دافئة في قلبه للأماكن والأشخاص من أهل وأصدقاء في العالم القديم".
وسرح نادر متذكراً أهله وأصدقاءه في المغرب ولندن والولايات المتحدة، فارتعش قلبه شوقاً وحنيناً. وأحس بخطورة جبل الجودي كما لم يحس بها من قبل...
وعاد صوت الدكتور إيفانز الرتيب ليخرجه من شروده:
"وإلى أن تنضج الخلية، وربما لن يكون ذلك في المستقبل القريب، فسيبقى "الجودي" قائماً مستعداً لجميع المفاجآت التي قد يطلع علينا بها العالم القديم الأحمق الطائش.
"وقد يكون حظ "الجودي" من الوحدة أكثر حين يكبر جبل "البيوعاذ" الذي لا تربطه بالعالم القديم عاطفة تحيد برأيه عن السَّداد، وبتفكيره عن المنطق.".
وسكت الدكتور إيفانز، فقال الدكتور كرونين:
"قبل أن أعلن عن نهاية المؤتمر، يجب أن أقول إننا نسير في خط مستقيم نحو الغاية الأساسية، وهي تعجيل التطور، وإعادة ترتيب كوكبنا هذا، وإخراج سكانه من طور الحيوان الذي يتناسل بلا وعي ولا تخطيط إلى طور الإنسان الذي قدر له أن يكون حتى يلعب الدور الإيجابي المرصود له بين سكان الكواكب والمجرات.
"وإذا كانت خليتنا لم تنضج بالدرجة التي توقعناها، فالقرائن كلها تشير إلى أننا في طريق النضج رغم بطئنا. ولا ينبغي أن يفت الانتظار في عضدنا، ما دمنا على المشرع الممتد نحو الجسر...
"وقبل أن أختم هذا المؤتمر، أود أن أرحب باسمكم بضيف جديد حل بالجودي، وهو عالم شاب معروفة بحوثه لديكم جميعاً في ميدان الأنثروبولوجيا. وهو أول من تنبأ باقتراب الطفرة التطورية الجديدة، وبوقوع هذه الطفرة بعد طوفان آخر يغمر الأرض، ضيفنا الكبير هو الدكتور علي نادر".
وضجت القاعة بالتصفيق، فوقف نادر في مكانه محرجاً للإطراء، وانحنى تحية للرئيس والحاضرين.
وقاطع الرئيس التصفيق بقوله:
"بعد انقضاض هذا الإجتماع مباشرة، سنجتمع بقاعة الاستقبالات في حفلة ترحيب بضيفنا الشاب الدكتور علي نادر".
وضرب على مائدته بمطرقة خشبية معلناً عن نهاية المؤتمر. وقام الحاضرون.
وفي قاعة الاستقبال وقف الرئيس كرونين والدكتور أديب إسكندر يستقبلان أعضاء الجودي ويقدمانهم بأسمائهم ورتبهم واختصاصاتهم للدكتور نادر. كان الجميع يحمل اسمه واسم مهنته على صدره مطرزاً.
وانشرحت نفس الدكتور نادر للدفء والمودة الإعجاب الذي أبداه نحوه جماعة العلماء، فشعر بأنه واحد منهم، وأن جبل الجودي ليس مدينة علمية نحاسية لا قلب لها ولا عاطفة.
وفتن بأوجه الحسان العديدات اللواتي قُدمن إليه كزميلات عالمات..
وحين قدم له الدكتور أديب إسكندر آنسة حمراء الشعر، رشيقة القوام، شفافة البشرة، وقفت أمامه على استحياء، قال الدكتور إسكندر:
- هذه كارول لاند كريب، إحدى زميلاتنا في أنثروعاذ.
وأمسك نادر بيدها الصغيرة، ونظر في عينيها الرماديتين وقال:
- أعتقد أنني يجب أن أراجع بعض معلوماتي الإحصائية.
وسألت كارول:
- لماذا؟
- من الإحصائيات الاجتماعية العديدة ثبت أن الفتيات الجميلات لا يصلن في سلم الدراسات العليا درجة عالية... كثيراً ما يفقدن الاهتمام في منتصف الطريق ويتزوجن ويقطعن الدراسة. وأنت دليل واضح على عدم صلاحية تلك النظرية.
وضحكت كارول والجماعة التي كانت تحيط بالدكتور نادر:
وجاءت فتاة أخرى ناهدة الصدر، ينطق جسدها بالحيوية، تحمل صينية بها بعض المشروبات، فالتقط نادر كأساً، ووقف ينتظرها أن تذهب ليهمس في أذن الدكتور هالن:
- هل هذه عالمة هي الأخرى؟
وضحك هذا محركاً رأسه بالنفي:
- هذه خادم فقط.
- لو كنت قلت لي إنها عالمة لزعزعت إيماني بجميع نظرياتي السابقة.
- كثير من نظرياتك السابقة سيتزعزع هنا! فلا تعتقد أن ذلك بعيد جداً.
وظهرت "كاثي" على الباب، فودع نادر مستقبليه، وصحبها نحو المصعد. وعلى بابه ودعه إيريك على أن يلتقيا في المساء.
-28-

ذهب الدكتور نادر تلك الليلة إلى فراشه منتفخ الرأس مشبعاً بالمفاجآت. ووضع رأسه على المخدة، وأقفل عينيه دون أن ينام رغم تعبه. كان يفكر في الأوجه والأحاديث والابتسامات والحُلَل المتعددة الألوان واللوحات الزيتية، والقباب المزخرفة برسوم فرعونية أو صينية أو رومانية أو عربية. وتداخلت الألوان والظلال والأصداء والأفكار في مخيلته فأحس بالإرهاق وعُسرِ الهضم الفكري...
وفي مثل هذه الحالات كان نادر يفر دائماً إلى فردوس خياله الأخضر. وأحس بالراحة والارتخاء، وهو يستعرض كثبان رمل جزيرته النائية، ليشرف من فوقها على شاطىء فسيح تسبح أطرافه في الضباب...
ورأى جسم تاج الخمري وهي خارجة من موجة زمردية بحركة بطيئة فاتحةً ذراعيها نحوه، وهو يركض بتماوج رشيق حالم نحوها، وملايين الأصوات الملائكية تهلل بلحن سماوي...
وتعانقا في الفضاء، فتلامس صدراهما وشفتاهما ونزلا متعانقين في لُطْف على مفرش ناعم، حيث ضمهما إليه بقوة وشوق، وأخذ ينتحب. وأحس بكاثي تلتصق بظهره، وتطوق خصره بذراعها وتدفن وجهها بين كتفيه.
ونام والوسادة مبتلة بدموعه...

-29-

فتح الدكتور نادر عينيه تلك الليلة على غرفة زرقاء، تتسلل من قبتها البلورية أحجام النجوم تتغامز في أفلاكها الأزلية هائمة في الفضاء، كأنها غير حقيقية.
والتفت نحو كاثي فإذا هي غارقة في سبات عميق، وذراعها يطوق خصره. وانسحب بحذر من تحت الذراع، وتسلل خارجاً من السرير. ثم التقط الدليل الضخم، ومشي على رؤوس بنانه نحو الحمام حيث أقفل الباب خلفه، وأشعل النور، وقعد على كرسي مستدير يتصفح الكتاب إلى أن وضع اصبعه على رقم مكتوب أمامه "مستشفى- قسم مقاومة الإشعاع- الحالات الخاصة" وحمل الكتاب ثم أطفأ النور وغادر الحمام إلى حيث كان الحاسوب. فجلس إليه ووضع الكتاب بجانبه، وأخذ يطبع العنوان والرقم. وظهرت صورة ممر طويل صفت على جوانبه عدة غرف.
وطبع نادر على اللوح اسم "محيي الدين- تاج" فظهرت صورة غرفة خالية.
وضغط على زر مكتوب عليه "استرجاع" فتحركت الصور على الشاشة بطريقة عكسية سريعة، وعندما رأى أشباح أشخاص بالغرفة، ضغط على زر "عرض" فتوقفت الصور لتمُرَّ بسرعة الحياة العادية.
ورأى أربعة أطباء حول سرير تاج وهي عارية داخل خيمة من البلاستيك الشفاف، وقد هرب الدم من وجهها، وعلى فمها وأنفها قناع أوكسيجين تنتفخ رئته الصناعية وتتقلص. وفي ذراعها عرق صناعي يتدلى من زجاجة دم معلقة فوق السرير، فخفق قلبه بسرعة..
كانت عيون الأطباء الملثمين تنذر بالخطر والحيرة. وبدأت الرئة الصناعية تضعف، ودقات القلب المسجلة على الشاشة الخضراء تتباطأ.
ودخل أكثر الدكاترة سنا تحت الخيمة فوضع يده على صدرها تحت نهدها الأيسر، ثم خرج سريعاً وأشار إلى ممرضة ملثمة، فجاءته بحقنة وساعدته على حقنها في ذراعها.
وعاد التنفس. وتسارعت نبضات القلب قليلاً.
وتنهد الدكتور نادر وهو يتابع بعينيه حركات الدكتور.
وهبط قلبه حين انخفضت نبضات القلب وتقلصت الرئة، وبان على الدكاترة القلق، وهرع بعضهم إلى تحت الخيمة لتدليك القلب بالضغط على الصدر.
وماتت العلامات الكهربائية على الشاشة المستديرة الخضراء.. وتقلصت الرئة الصناعية للمرة الأخيرة.. ونزع الدكاترة أقنعتهم وقد بلها العرق، وخرجوا صموتاً خائبين من الغرفة، وجاءت الممرضة لتنزع الخيمة عن جثة تاج العارية، وتزيل القناع والعرَّق الصناعي، ثم تغطيها من قدميها إلى ما فوق وجهها بإزار أبيض.
أفاقت كاثي من نومها حين حاولت وضع ذراعها حول نادر فلم تجده. ونظرت حولها فوجدته متسمراً على الكرسي، متجمداً بنظرة تائهة في غرفة المستشفى على الشاشة المضاءة أمامه..
ونادته بصوت نائم فلم ينتبه. ورفعت صوتها قليلاً ليسمعها فلم يلتفت.
ونظرت إلى الشاشة والغرفة الخالية فرن في مخها جرس حاد! وقفزت من فوق السرير فضغطت زراً اختفت عنده الصورة، وأظلمت الشاشة. ووقفت أمام نادر تلبس ثوباً ليلياً وتخاطبه:
- عليّ..! عليّ..!
وأخيراً جثت عند قدميه وأمست بيديه:
- علي، أرجوك، ماذا حدث؟ ماذا رأيت على تلك الشاشة.
ولم يجب، فوقفت وأمسكت بوجهه بين يديها تحركه وتربت خديه، وهو ما يزال في غيبوبته. وعند ذلك هرعت بسرعة إلى لوح الأزرار فضغطت على زر أحمر ظهر بعده وجه الدكتور "مورينو" الأسمر على الشاشة.
وخاطبت كاثي الصورة:
- حالة استعجال! أعتقد أنها صدمة.
ورد الدكتور مورينو.
- سآتي في الحال.
وبعد بضع دقائق كان الدكتور علي نادر نائماً تحت مفعول منوم.

-31-

لم يدر الدكتور أين هو حين استيقظ. ونظر حواليه فرأى وجه الدكتور هالن يبتسم له، ويسأله:
- علي، هل تسمعني؟
وحرك نادر رأسه بالإيجاب، فقال هالن:
- لابد أنك رأيت على الشاشة ما حدث، فلا داعي لإعادته. كنت فقط أود لو وصلتك الأخبار بطريقة أفضل...
ولم يجب نادر. كان ينظر إلى صديقه نظرة غريب لغريب، وكأنه لا يفهم ما يقول.
ووقف هالن ويد نادر بين كفيه:
- أعتقد أنك ينبغي أن ترتاح الآن. إذا احتجت لأي شيء فما عليك إلا أن تنادي.
والتفت إلى كاثي وقال لها:
- لا تتركيه وحيداً...
وأحنت رأسها موافقة، فخرج الدكتور هالن وفي عينيه نظرة قلقة.
عادت إلى نادر ذكرى ما رآه على الشاشة فلمست قلبه يد باردة.. وانحنت عليه كاثي تسأله:
- هل آتيك بفطورك؟
ونهض من السرير دون أن يلقي بالا لسؤالها، فجاءته بعباءة لفتها حواليه، وسألته:
- هل تريد حماماً؟
وحرك رأسه بلا، فقالت:
- هل تريد شيئاً ما؟ أي شيء؟
- أريد أن أذهب إلى مكان حيث أكون وحيداً.. هل تأخذينني إلى البحيرة؟
فاستمهلته لحظة ضغطت عندها زراً وتكلمت في سماعة، ثم وضعتها وجاءت لتقول له:
- تعال نصعد إلى البحيرة.
كان الوقت أصيلاً وقد تعلقت الشمس الأُرجوانية بأغصان السنديان نازلة نحو كثبان الصحراء الغريبة. وانعكست ظلال الأغصان والأشعة خلفها على مرآة البحيرة الساكنة فأعطت للمكان جواً من الدعة والطمأنينة والأزلية..
وتجاوبت نفس نادر الغارقة في بحيرة من سائل لزج أسود مع أضواء الغروب الخافتة، وصمت الماء والنبات..
كانت كاثي تلاحقه ببصرها من بعيد خوف أن يفعل بنفسه شيئاً أو يقع في أزمة.
ومال نحو حافة الجبل، فمشى بين الأشجار العالية في ممرات عتمتها ظلال المساء. ووقف وراء صخرة ينظر إلى الأفق الشرقي ترتسم عليه أشكال التلال والصخور العالية وقد توجت أعاليها خمرة الأفق..
وبقي في موقفه ذلك حتى كسته عتمة الليل. وأحس بقشعريرة الرطوبة المتساقطة تسري في عظامه. وأيقظته كاثي من تأمله بنحنحة خفيفة، فالتفت نحوها.
قالت: "أعتقد أنه من الأحسن أن ننزل. قد يؤثر عليك برد الليل".
واستسلم ليدها الناعمة فساقته إلى تحت.
واستعملت سحرها كله تلك الليلة لتطعمه حتى لا يقتل نفسه جوعاً. وجعلته يتناول بعض أقراص الفيتامين وأقراصاً أخرى مغذية. ونام تلك الليلة بدون أحلام..
وفي الصباح الموالي أحس حركة غير عادية من كاثي. فتح عينيه ليجدها مستعدة بأدوات الحلاقة. وتساءل فقالت:
- الرئيس كرونين قادم لزيارتك.
وأفطر الدكتور نادر بكأس قهوة سوداء، وجلس في عباءته البيضاء ينتظر زيارة ضيفه الكبير. وانفتح الباب فدخل الرجل المسن وقد زادت بشرته الناعمة بياضاً تحت ضوء النهار، ومال شعره الفضي إلى الزرقة.
وأمسك بيد الدكتور نادر بين يديه وقد أشرق وجهه بنظرة عطف وحنان، ثم جلس قبالته واقترب منه بكرسيه حتى كادت ركبتاهما تتلامسان.
ونطق الرجل:
- ولدي، أرى أنك تجتاز تجربة عاطفية قاسية.. لابد أن "تاجاً" كانت تعني الكثير بالنسبة إليك... صدقني إن ذهابها أحزن الجميع، ولو كان في مقدور أي طبيب إنقاذها لأنقذها أطباء الجودي.. ورجائي أن لا يكون أثر هذه الصدمة مخرباً بالنسبة إليك.. حاول أن تجعل من حرمانك قوة دافعة لإشباع روحك.. فذلك أعظم هدية تقدمها لروح تاج. سوف تعيش لتصل إلى سنّي. وسوف تتلقى كثيراً من الصدمات بعضها قد يكون ساحقاً، ولكن انتصار العقل على القلب لا يتم إلا بالانتصار على هذه الصدمات... وسوف تخرج من محنتك هذه متزناً مكتمل البناء النفسي.
وضغط على يديه مرة أخرى، ثم وقف والتفت إلى كاثي وقال:
- هل تحتاجين إلى شيء؟
- لا، كل شيء على ما يرام.
وصافح الدكتور نادر، وربت كتفه، فشكره هذا على زيارته، وصحبه حتى الباب.

-33-

ومرت أيام...
وغرق الدكتور علي نادر في عمله بمختبر "الأنثروعاذ" حيث قدمه الدكتور أديب إسكندر إلى جميع أعضاء المركز، وأطلعه على آخر ما توصلوا إليه من اكتشافات علمية ماكانت لتخطر على باله.
وصغر في عين نفسه وهو يقرأ من الألواح الإلكترونية المضاءة، أو يتفرج على الأفلام أو يستمع إلى الأشرطة التي تسجل التقدم الباهر في ميدان كان يعتقد أنه وصل النهاية فيه...
ووقف في نهاية يوم طويل يسأل الدكتور إسكندر:
- لماذا جئتم بي إلى هنا وعندكم كل هذا؟ إنني أبدو إلى جانبكم بدائي المعرفة.
فابتسم الدكتور إسكندر وأجاب:
- هذا ليس من عمل عالم واحد. وفي الحقيقة ليس من عمل أية مجموعة من العلماء. العمل الذي ترى قام به "معاذ". الفضل الوحيد الذي يمكن أن يرجع لنا وللعلماء قبلنا هو أنهم برمجوا "معاذ" بكل ما كُتبَ وسُجل وصُور في ميدان الأنثروبولوجيا. وقد قام معاذ بالباقي.
- كيف؟
- معاذ لا يكتفي بخزن المعلومات وإعطائها عند الحاجة إليها، بل إنه مُبرمج بالقدرة على المقارنة والاستبطان والاستنتاج العلمي... الشيء الذي لا يمكن لعالم وحده أن يقوم به بصفة أو بأخرى. وذلك لمجرد أن معاذ أكبر من الإنسان، أي إنسان.. ولمعاذ امتياز آخر، وهو الحرية المطلقة في استعمال جميع فروع المعرفة البشرية الأُخرى التي تملأ جوفه. وليس هناك دماغ بشري يحتوي ما يحتوي عليه دماغ معاذ!
وتنهد الدكتور إسكندر في عجز عن وصف كل ما يملأ ذاكرته، ثم قال:
- لا يمكنني أن أحيطك علماً بكل قدرات "معاذ". أشعر باليأس وأنا أواجه هذه المهمة في بعض الأحيان. ويكفي أن أحكي لك الحكاية القديمة عن أول عقل إليكتروني تم تدشينه في إحدى الجامعات. وحضر العلماء والفلاسفة لرؤية المعجزة الجديدة وتجربتها. واحتاروا في أي سؤال يسألونه، فخرج فيلسوف عجوز بهذا الاقتراح: "لماذا لا نطرح عليه السؤال الأزلي: هل الله موجود؟" وفعلاً ألقوا عليه السؤال، وانتظر الجميع الجواب التاريخي.. ولمعت الأضواء بجميع الألوان على الآلة، وسمعت من جوفها أصوات غريبة، وبعد ثوان خرج الجواب فكان: "نعم، الآن!".
وابتسم الدكتور نادر، ونظر حوله ليرى أن كارول لاندكريب، الفتاة ذات الشعر الأحمر قد انضمت إليهما.
وخرج الثلاثة للعشاء في مطعم الجودي.

-35-

وتم تدريب الدكتور نادر على استعمال "أنثروعاذ" وبدأ تفكيره ينتظم، والفوضى والضباب اللذان كانا يخيمان على عقله يتلاشيان..
وانتقل بعد آخر اختبار طبى إلى مسكن آخر يشرف على البحيرة من جهة الغرب، وعلى الصحراء من ناحية الشرق.
وودعته كاثي على باب غرفته الأولى، فأمسك بيديها وقال:
- هل معنى هذا أننا سنفترق؟
فابتسمت وقالت:
- علاقتنا كانت طبية محضة... ولكن إذا رغبت في استمرارها اجتماعياً فليس لي مانع.
ونظر إلى كارول التي كات مكلفة بترحيله إلى مقره الجديد، ثم إلى كاثي وضغط على يدها وقال:
- سأتصل بك.
وألقت كاثي على كارول نظرة ذات معنى، ثم نظرت إليه مبتسمة وقالت غير مقتنعة:
- أكيد!
وذهب الدكتور نادر إلى مسكنه الجديد حيث وجده أوسع وآنق. كانت غرفة جلوسه مستديرة مؤثثة بأرائك وحشايا بيضاء وسوداء، وقد كست الأرض زريبة سميكة بيضاء. وانفتحت واجهة غرفة الجلوس الزجاجية على منظر البحيرة.
ووقفت كارول لاندكريب تطلعه خفايا المكان، وكيف يستعمل الأدوات الإلكترونية الكثيرة لتسهيل حياته.
كان الوقت مساء، ووميض أشعة الشمس في البحيرة قوياً. ولاحظت كارول أن نادر يضيق عينيه ويجعد جبهته لتفادي قوة الضوء، فضغطت على زر فَتَلونت الزجاجة الأمامية بلون أرق فاتح يكسر الأشعة.
وسارت به بين الأقواس المنحنية الواسعة، ففتحت له باب بيت النوم ثم الحمام، ثم المكتبة التي كانت عبارة عن كرسي مريح للغاية يتحرك بحركة الجالس عليه، وإلى جانبه لوح مفاتيح وأزرار، وأمامه شاشة بيضاء مربعة.
كان ينظر إليها وهي تشرح له بكفاءة وثقة بنفسها وبكل كلمة تقولها، وقد برز صدرها الصغيرة داخل القميص الحريري الفضي، وانعقد شعرها الأحمر وراءها وكأنه شعلة نار! وأحست أنه ينظر إلى عمق عينيها الرماديتين، دون أن ينصت إلى شرحها فتورد وجهها اللبني واستمرت في الكلام متلعثمة وعيناها إلى الأرض.
ووضع يده على كتفها فرفعت عينيها نحوه، ولم تنطق بشيء. ووضع اليد الأخرى على كتفها الثانية واجتذبها نحوه، وطبع على شفتيها قبلة خفيفة.
وحين ابتعد عنها سألت بدلال:
- لأجل ماذا؟
- لأشكرك على مساعدتك لي في استقراري بمسكني الجديد.
- كلمة شكر كانت تكفي...
- القبلة أحلى من الكلمة!
وضحكت كارول وقد برقت عيناها...

-36-

قضى الدكتور نادر الأيام التالية في زيارة فروع "معاذ" المختلفة، فزار ما يتعلق مباشرة بميدان اهتمامه، مثل "السايكوعاذ" واستقبله رئيس القسم وقدمه إلى أعضائه، وأطلعه على آخر ما توصلوا إليه في ميدان علم النفس. قال رئيس القسم:
- تركيزنا الآن يقع على جزء هام من أجزاء الدماغ الإنساني، الذاكرة. وتجاربنا تقع على مقاومة النسيان، واستعمال جميع خلايا العقل البشري، بدل الأجزاء المحدودة التي يستعملها الفرد الجماعي...
وتحدثنا عن مقاومة الجريمة وتقوية العقول العادية لاحتمال الضغط الهائل الذي تفرضه المجتمعات الحديثة بتعقيداتها عليها...
ثم زار "السوسيوعاذ" الذي كان يتسلم أغلب معلوماته من مراكز في المدن الكبرى بالقارات الخمس.
ولكن الأقسام التي بهرته كانت هي "البايوعاذ" حيث رأى بنفسه عملية الإنسان في أرحام صناعية شفافة..
ورأى أطفالاً يولدون بدون ألم ولا أوجاع.
ورأى الممرضات يستلمنهم حيث يسلمون لأمهات صناعيات تلبين كل رغباتهم...
واطلع على مدرسة صغيرة يتعلم فيها الأطفال الصناعيون بطرق عجيبة صامتة.
ورأى في عيون أولئك الأطفال بريقاً حاداً غير بشري... وأحس بخوف عميق بداخله...
قال له رئيس القسم:
- معاذ يبرمج هؤلاء الأطفال عن طريق ذبذبات صامتة تسري إلى أدمغتهم منه رأساً. لأول مرة في حياة البشرية سيستطيع المخ الواحد أن يعيش حياة كاملة مستعملاً أجزاءه وخلاياه.. ولا ندري، ونحن في هذا الطور، كفاءة ذلك المخ... إلا أننا لا نرى علائم التشبع أو التعب أوالنسيان أو العجز في أي من هؤلاء الصغار...
وسأل الدكتور نادر:
- وماذا حين يكبر هؤلاء؟
وهز الرئيس كتفيه:
- ذلك ما لا تعرفه. آخر ما ينبغي أن يخيف الباحث هو نتائج تجاربه. وإلا لما تقدم الإنسان خطوة واحدة!
ولاحظ نظرة القلق على وجه الدكتور نادر فابتسم، وقال:
- ليس هذا نوعاً من القصص التي قرأناها في صبانا عن سكان المريخ ومردة الجن وأرواح العوالم الخفية. "معاذ" مبرمج ليطعم هؤلاء الصغار ما يجعلهم علماء عمالقة التفكير، موجهين نحو الخير والبناء، لا الشر والتخريب...
وزار نادر مركز البحوث الفضائية، فوجد عالماً صاخباً منهمكاً في بناء صواريخ وسفن فضائية غريبة الأحجام والأشكال.. ووجد أن العمل والبناء يتم بطريقة آلية تقوم بها آلات بناها "معاذ" للغرض المطلوب...
ومر من خلف سور زجاجي، بصف طويل من الصواريخ الضخمة في طريقها نحو فوهة واسعة تخترق ارتفاع الجبل كله، وتنفتح وسط البحيرة لتنطلق نحو الفضاء غازية الكواكب والسماوات، وكأنها رصاصات في مسدس عملاق..
والتفت إلى المبرمج يسأله:
- هل أرسلتم بعض هذه الصواريخ إلى الفضاء؟
- طبعاً.
وقبل أن يعترض الدكتور نادر، قاطعه المبرمج فاهماً:
- لا وسائلنا في التعمية على جميع رادارات العالم. وحتى الآن لم يكتشف أحد في صاروخ أطلقناه.. ولكننا نعرف كل ما يجري فوق الأرض أو تحتها والمحيطات..
وانتهت زياراته بقسم صديقه الدكتور هالين، ففوجىء بتعقيد المصنع الهائل الذي بناه "معاذ" حسب برمجة هالين للمصافي الإشعاعية التي يمكن أن تحمي مدناً كاملة من الغبار الذري، والمرشات الضخمة التي تطفيء ذلك الغبار القاتل في حينه، وتقضي على مفعوله المميت على الحياة والنبات.
وشرح له الدكتور هالين:
- هذا ما يجعلنا واثقين من السيطرة على الوضع العالمي الآن، حتى ولو أدت حماقة السياسيين إلى محاولة تخريبية.
وناوله الدكتور هالين قناعاً خاصاً:
- هذا هدية وتذكار لزيارتك. وآمل ألا تستعمله أبداً..
ووضعه الدكتور نادر على وجهه، وسأل:
- كيف يعمل؟
- آلياً.. له أنف يحس وجود الغبار فيصفيه في الحال..
من مواضيع : هبة الله البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
بيوتي(1) ـــ قصة: غراهام غرين ترجمة: توفيق الأسدي
الموت للمرة الثانية غراهام غرين
الرجال اليابانيون غــــــير المرئيـــين قصة: غراهام غرين - ترجمة: توفيق الأسدي
الشمس العمياء ( سلسلة روايات أحلام )
31-08-2007, 02:35 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

-37-

وعند نهاية دورة التدريب والاستكشاف والتعرف التي دامت شهراً كاملاً، بدأً الدكتور علي نادر يشعر بضخامة المشروع وجرأته وخطورته.. وأحس بكثير من السرور والفخر لوقوع الاختيارعليه ليكون عضواً من هذه الهيأة الرائدة...
وتحول الجودي في مخيلته إلى سفينة نوح أخرى، اجتمع فيها من كل زوجين اثنين في انتظار الطوفان الجديد، الطوفان الذري الأزرق، وأنه ممن كتبت لهم النجاة ليلعبوا دور الحلقة الواصلة بين عهدين.. وترددت على سمعه الآية القرآنية التي عبرت عن روعة البداية الجديدة بعد الطوفان الأول في قصة نوح عليه السلام.
"قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك. وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم. تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك".
وانتهت الدورة باحتفال حضره رؤساء الأقسام بقاعة الاجتماع، حيث سلمه الرئيس كرونين مفتاحاً كان عبارة عن بطاقة صغيرة من البلاستيك، وقال له:
" هذه البطاقة هي مفتاحك إلى قلب "معاذ" وهي تؤهلك للدخول إلى جميع المناطق الممنوعة. وعن طريقها ستتمكن من الإطلاع على مشروعنا بجميع أبعاده، وتصبح طرفاً حياً منه. كما ستصبح حاملاً لطرف مماثل من المسؤولية في الصفوف الارتيادية الأولى... ونحن جميعاً على يقين من أنك ستشَرِّف كل هذه الالتزامات وستحمل بفخر جميع الامتيازات والمسؤوليات".
وتناول الدكتور نادر البطاقة بيد مرتعشة، وألقى كلمة مختصرة. ثم وقف يتلقى تهاني بقية الأعضاء بذهن مثقل...
ولم يخرجه من ابتسامته المعلقة إلا وجه كارول الأبيض المورد، وعيناها الرماديتان وهي تبتسم له بسعادة وتشد على يده بيد رخصة ناعمة.
ووضع الدكتور هالين يده على كتفه، وانضم الدكتور إسكندر للحلقة ليقول لنادر إنه مكلف بأخذه في زيارة إلى قلب معاذ حيث يطلعه على طرق الاتصال والاستعمال.
وانفض الجمع، وبقي الدكتور نادر وكارول فتمشياً نحو المصعد المؤدي إلى سكن نادر بخطوات مهيلة وهما يتحداثان.
لم يكتم نادر عنها ما خامره من قلق وخشية من تحمل المسؤولية الكبرى، وهو غير واثق من سيطرة عقله المفرد على جميع ما يدور في جوف معاذ، ذلك المارد الجبار!
قالت كارول:
- ستبدد كل هذه المخاوف عند زيارتك لقلب "معاذ" سيكون من السهل عليك حينئذ أن تنظر إلى الأحداث من فوق. ستظهر لك تطورات العالم الخارجي، وما يوازيها من تطورات الجودي كلعبة شطرنج على لوح حاسوبك..
ولمس البطاقة الالكترونية من فوق ثوب جيبه ليتأكد أنها ما تزال هناك.

-38-

وفي الثامنة من صباح اليوم الموالي، ظهر الدكتور إسكندر يتمشى بخطواته الواسعة خلف زجاج واجهة بيت نادر. وانفتح الباب أمامه فدخل يلقي تحيات الصباح بوجه باسم. كان الدكتور نادر جالساً إلى مائدة بيضاء مستديرة يشرب قهوته مع شطائر محمرة بالزبدة ويشاهد برنامج الصباح الإخباري على شاشته الضخمة التي تأخذ حائطاً بأكمله.
وقف نادر لزميله، وجلس الاثنان جنباً لجنب يتفرجان على عملية فتح شريانٍ جديد من اليورانيوم تحت قاعدة جبل الجودي بطريقة آلية.
قال نادر:
- كنت نائماً أتساءل عن مصدر الطاقة التي تحرك هذا المشروع الجبار. وقد جاءني الجواب على غير ميعاد..
وعلق الدكتور إسكندر:
- قلب الصحراء يزخر بمصادر الطاقة العالية، فهناك البترول والأنهار الجارفة واليورانيوم. إلى جانب الطاقة الشمسية..
واستأذن الدكتور نادر وغادر القاعة إلى بيت نومه حيث خلع رداءه، وفتح دولاب ملابسه الآلية حيث كانت تقف تماثيل في حجمه، عليها ملابس مختلفة الألوان والأشكال، حسب المناسبات التي تقتضيها. كل الحلل تلبس مرة واحدة وترمى في "المحرق" وتفرز التماثيل من مسامها غدداً خيطية ملونة باللون المطلوب تتشابك حول الأعضاء وتجف لتصبح ملابس كاملة.
وضغط الدكتور نادر على زر تمثال يلبس كسوة بيضاء، فانفصلت الكسوة عن التمثال بانفتاحها من الجانبين، ودخل فيها فانطبقت على جسمه بسهولة ونعومة. وتحرك حركات رياضية ليجرب قوة امتطاطها. وخرج ليذهب مع زائره في أول زيارة لمعاذ.
وبدأ الدكتور إسكندر يعطيه تعليمات عن طرق استعمال معاذ:
- "معاذ" ليس آلة إليكترونية فقط، وسترى أنه سيخيفك أحياناً باستجاباته وردود فعله العجيبة... وسوف تجالسه في جميع ظروفه وأحواله، وتسأله فيجيب، ويسألك فينتظر منك الجواب. حاول أن تكون حريصاً على إعطاء أحسن جواب ممكن...
وانزلق المصعد الزجاجي داخل النفق العمودي بسرعة مدهشة، ثم تمهل ليتوقف. وانفتح بابه، فخرج الاثنان إلى قاعة مستديرة مبلطة بمعدن شفاف تحته زخارف ملونة تتحرك كالأميبات الحية في جميع الاتجاهات. ونظر الدكتور نادر إلى فوق فإذا قبة من نفس المعدن تمتزج بها سوائل ثقيلة كالشمع الذائب تحدث مفعولاً مخدراً على من ينظر إليها...
وسمع نادر صوت رفيقه يدعوه ليتبعه نحو قوس وسع في صدر القبة. وخف الدكتور نادر نحوه، ورفع هذا يده بالبطاقة، فأخرج نادر بطاقته.
أدخل إسكندر بطاقته في شق جانب القوس فانفتح الباب، وأشار إلى نادر فدخل، وتبعه هو. وانقفل الباب خلفهما، ووقف الدكتور نادر ينظر حواليه في ظلام صامت. وبعد لحظة تبينت له قاعة مقعرة مستديرة يُنزَل إليها بدرجات رخامية واسعة في نهايتها عدد من الكراسي المريحة مصنوعة من نفس المعدن الشفاف، وعلى بعضها يجلس أعضاء الجودي صامتين.
وهمس نادر لإسكندر:
- لماذا هم صامتون؟
- ليسوا صامتين. نحن فقط لا نسمع المناقشة بينهم وبين معاذ.
ونزل الاثنان إلى القاعة وجلسا جنباً إلى جنب. وضغط إسكندر زراً أبيض بجانب ذراع مقعده، وفعل نادر مثله، فغرق الاثنان في عتمة زرقاء انفتح على إثرها أمامهما كهف عميق دائري الفوهة، وحملق نادر داخل ظلام الكهف فإذا خيوط من النور تلمع وتختفي كسياط برق في أفق ناء. وانشق الظلام على عين هائلة مستديرة، تسمرت على الدكتور نادر فارتعدت فرائضه للمفاجأة.
وسمع صوتاً خشناً يقول:
- مرحباً بك، يا دكتور نادر!
وهمس الدكتور نادر:
- شكراً.
فرد الصوت:
- لا ينبغي أن يفاجئك شيء من تصرفاتي. وصدقني، سترى ما يدعو منها للاستغراب.
وبعد صمت قليل عاد الصوت:
- هل اعتدت على الحياة معنا؟
- نوعاً ما.
- هل ما تزال تفكر في العودة لي لندن؟
- كلا! لم يبق لي ما أعود إليه بلندن. وقد وجدت هنا ما يملأ حياتي...
- قرار حكيم! فما كنت لأتركك تذهب على أي حال! وجودك ضروري لمشروعنا. وبالمناسبة، ما رأيك في قرار مؤتمر الجودي الأخير؟
والتفت الدكتور نادر إلى إسكندر متسائلاً، فحرك هذا رأسه مشجعاً هامساً:
- تكلم كما تتكلم معي...
وتوجه نادر نحو معاذ ليقول:
- لا أدري ما أقول! كل الآراء كانت وجيهة بالنسبة لي، ولها ما يؤيدها علمياً. ولكنني وجدت نفسي أميل أكثر لرأي الأغلبية الداعي إلى الانتظار.
- ألم يكن التردد والخوف أحد دواعي انضمامك إلى ذلك القرار؟
- قد تكون على حق. بالنسبة لي، من الصعوبة القضاء على العالم الذي جئت منه لكثرة الروابط العاطفية القوية بيني وبينه... إلى جانب أنه مهما تتعدد الأسباب، فسيبقى هناك شك قوي في عقله الباطني في سلامة القرارات الأخرى...
وسكت قليلاً ثم وجد الجرأة للسؤال:
- وما رأيك أنت، يا معاذ؟
- أنا لست عاطفياً في الموضوع. ربما لأني مجردُ آلة! ولكنني برمجت بجميع عواطف الإنسان وتردده وشكوكه ومخاوفه، ورغم ذلك فرأيي مع جماعة الطوفان الأزرق..
- ما هي أسبابك؟
وغابت العين قليلاً تحت ضباب كثيف ثم عادت إلى التألق والبروز، وجاء صوت معاذ:
- أسبابي منها الموجب والسالب. السالب منها هو القضاء على الفوضى العقلية الحالية التي نتجت عن اختلاف الأديان والألوان والمذاهب السياسية..
- هناك من يزعم أن الأديان لم تعد قضايا حية. وأنها ستموت من ذات نفسها، كما ماتت الوثنية قبلها.
- هذا مجرد افتراض! أما الواقع فيشير إلى أن الأديان بجميع مستوياتها التاريخية، أعني من عبادة الشمس والنار إلى عبادة إله واحد، ما تزال موجودة على هذه الأرض تتعايش متوازية في نفس القارة، وأحياناً في نفس البلد. وربما اجتمعت المستويات الثقافية بين سكان رقعة واحدة. فهناك قرى بإيطاليا نساؤها وثنيات يعبدن الحجارة والأضرحة، ويتسلقن الجبال لطلاء صخرة أو إشعال شمعة وفي نفس القرية يوجد راهب يؤمن بالله، وطالب جامعي ملحد..
- أليست الأديان ضرورية لتماسك المجتمعات؟
- الديانات حلقات مقفلة منفصلة، ومن طبيعتها ألاَّ تتشابك. وقد كان ذلك مصدر قوتها وأساس وحدة معتنقيها حتى نهاية عصر الإيمان. وأدرك الإنسان أن هناك روابط جديدة تشده إلى أخيه الإنسان هي أقوى من الدين واللون والمذهب. وهي وحدة المصير... والكفاح المشترك من أجل غزو المجهول، وكشف سر الوجود. حينئذ بدأت الأديان تبدو عوامل تفرقة تتناقض مع أهداف الجماعات الإنسانية الجديدة، وأصبح الاتحاد طابع الامتياز والأناقة بين الشباب التافه وضرورة حتمية بالنسبة للشباب الجاد الواعي بانتمائه إلى الجنس البشري ككل، لا إلى قبيلة أو لون أو دين..
-هل هناك وسيلة أخرى غير القضاء على البشرية الحالية؟
- كلا!
- لنفرض أننا مسحنا الحياة الحالية على وجه الأرض، وزرعنا بشرية جديدة موحدة، أليس من طبيعة البشرية أن تختلف باختلاف البيئات والتجارب المحلية؟
- لن نسمح بذلك!
- كيف؟
- سنوحد برامج التعليم، بحيث يجتاز الطفل في سن مبكرة جميع التجارب العقلية والعاطفية التي يجتازها الإنسان العادي في حياة كاملة. ومنها التجربة الدينية. فلن يكون هناك مجال لبقائه في مستوى الوثنية أو الإيمان والخوارق والغيبيات إلا ما يكفي لتجربته ونضجه. وبعدها يصبح مخلوقاً حراً جديراً يتحمل مسؤوليات الوجود الإيجابي، بدل وجوده الاعتباطي والعشوائي الحالي..
وسكت معاذ. واحتجبت العين الهائلة خلف قطرات مطرية رقيقة...
وبقي عقل الدكتور نادر يغلي. والتفت إليه الدكتور إسكندر:
- هل لك أسئلة أخرى؟
- ملايين منها! يمكن أن أقضي الأيام والليالي على هذا الكرسي!
وظهرت العين مرة أخرى، وجاء صوت معاذ:
- بدنك في حاجة إلى غذاء وراحة الآن. لماذا لا ترجع في المساء لإتمام حديثنا.
ووقف الاثنان فودعا "معاذ" واحتجبت العين في عتمة الكهف. وتعاقبت الصور والأشكال الغريبة في ومضات سريعة كأنها خواطر تسبح في بال.
وعندما هم الاثنان بالخروج لمح الدكتور نادر بجانب عينه وجهاً أومض من داخل الكهف في رمشة عين واختفى..
وسرت في فرائضه رعدة غريبة... كان يمكن أن يقسم أنه وجه "تاج" وهي فاتحة فمها في استغاثة، وقد تطاير شعرها خلفها وكأنها هاربة من مطارد...
والتفت نادر بسرعة نحو الكهف، وركز بصره إلى الصور البارقة.. ولكن الأوجه التي ظهرت بعد ذلك كانت لرجال.
قال الدكتور إسكندر شارحاً:
- تلك الأوجه تحمل معاني وذكريات بالنسبة لمعاذ. وهو ما يزال يحتفظ بها كما يحتفظ الواحد منا بوجه في ذاكرته. بعض أولئك ما يزال حياً والبعض مات والبعض اختفى..
ووقف الدكتور نادر ينظر إلى وجه امرأة عجوز شمطاء يمر بطيئاً هذه المرة من جانب لجانب ثم يختفي...
وخرج الاثنان من القاعة.
واختلطت مشاعر الدكتور نادر. فقد كانت روعة اللقاء بمعاذ قد ملأت نفسه وأثارت جميع جوارحه.. وأسدل ظهور وجه تاج ستاراً من الألم والتأمل على أحداث اللقاء..
وقصد نادر رأساً إلى سطح البحيرة حيث تفرغ لاجترار ما أتخم ذهنه..
وعادت تطارده صورة الرجل الذي رآه بجانب البحيرة، وهو يقاوم قوة خفية تجذبه نحو أجمة كثيفة...

-39-

ومرت الأيام
واستمرت لقاءات الدكتور نادر بمعاذ، وتشعب الحوار بينهما، ونادر يلقي بالحجة بعد الأخرى لإقناع "معاذ" بالعُدول عن فكرة "الطوفان الأزرق"، وهذا يأتي بحجج من واقع الأحداث العالمية اليومية التي كانت تدل دلالة واضحة على انزلاق الدول الكبرى في هاويات التنافس في التسلح الدفاعي والهجومي، وضياع طاقة الإنسان والأرض في محاولات يائسة للتحرر من الخوف والوقاية من الفناء...
وكان الدكتور نادر يقضي أوقاتاً جميلة مع صديقه الدكتور هالين عند نزول المساء حول البحيرة...
وكانت كارول غالباً ما تنضم إليهما هناك، فيتحدث الثلاثة ومن ينضم إليهم حتى وقت العشاء، وينزل الجميع إلى المطعم، ولم يكتم الدكتور نادر عن صديقه إيريك هالين شكوكه ومخاوفه من وجهة نظر "معاذ" المتطرفة، رغم أن الفئة التي تشاركه فيها قليلة العدد، عديمة التأثير...
وتساءل نادر:
- يا هل تُرى يمكن احتواء "معاذ" والسيطرة عليه!؟ أم هو حر، يفعل في ملكه ما يشاء؟
وأجاب الدكتور هالين:
- سيطرة اللجنة العليا تامة على معاذ. وهناك مفاتيح لا يمكن بدونها أن ينفذ أي قرار من قراراته..
وتدخلت كارول في الحديث:
- وماذا لو استطاع التوصل إلى معادلة صنع المفاتيح؟
وقلب الدكتور هالين شفته السفلى، كعادته حين لا يجد جواباً:
- أدري، لنأملْ أنه لن يفعل!
ثم غمز بعينه للدكتور نادر أن يكف عن الحديث في الموضوع. واقشعر جلد هذا للحركة وداخله خوف حقيقي...

-40-

صعدت كارول لاندكريب إلى شاطىء البحرية في مصعد شفاف، ووقفت تنتظر بابه أن تنفتح. كانت لابسة بيكيني من الحرير الأسود المنقط بالأبيض، وقد التصق بجسدها العاجي فأبرز بياضه. ونزلت خصلات شعرها الأحمر على كتفها تتخلله شمس الضحى الناعمة فتحيله ذهباً وهاجاً..
وانفتح باب المصعد فخرجت كعروس صناعية انبعثت فيها الحياة. ووضعت على عينيها نظارة مستديرة الإطار وتوجهت نحو لسان رملي ناعم تشرف عليه نخلة مائلة الساق. ففرشت فوطتها، ووضعت أدوات استحمامها وجلست تدهن جلدها الناعم.
ولمست ظهرها يد فقفزت في مجلسها، وأطلقت صيحة صغيرة وهي تلتفت لترى لامسها. وأضاء وجهها حين رأت وجه الدكتور على نادر يطل عليها من فوق وهو في سترة سباحته. وافترش فوطته وقعد.
جلسا يتحدثان ويمتصان أشعة شمس الضحى حتى أحسا بلفحها يتزايد مع تقدم النهار. ووقف الدكتور نادر فسألت كارول:
- إلى أين؟
- إلى الماء. أكاد أن أحترق!
- أنا كذلك.
وناولها يده فأمسكت بها، وجذبها نحوه فوقفت تسوي خيوط حمالة صدرها، ووضعت نظارتها على الفوطة، وسارت أمام الدكتور نادر خفيفة رشيقة كحلم من أحلام الصيف..
ودخل الاثنان الماء. وأخذت كارول ترشه وهو يدافعها عنه. وأخيراً هاجمها فأمسك بخصرها وضمها إليه وغطس بها وهي تستغيث.. وخرجا من تحت ماء البحيرة البلوري يتضاحكان، وقد انسدل شعر كارول على ظهرها ووجهها وتغير لونه الأحمر إلى قسطلي فاتح. وتورد جلدها اللبني إلا في الأماكن التي يغطيها البيكيني الصغير، فقد ظلت بيضاء ناصعة...
وغامر الدكتور نادر بالسباحة إلى وسط البحيرة وتبعته كارول. ومن هناك أشارت له أن يتبعها إلى صخرة على شاطىء قريب فسبح خلفها وهما يتحدثان عن تجاربهما مع البحر والبحيرات.
وفجأة غطست كارول، وبدأت تستغيث به فخف نحوها... وما كاد يمسك بمعقد حمالة صدرها حتى انفلتت منه وغرقت، فغطس خلفها. وبينما هو يسبح نحوها تحت الماء وهي منجذبة بقوة هائلة لقعر البحيرة، إذ وقعت يد على كتفه. والتفت فإذا وجه مقنع بقناع أكسيجين ينظر إليه من خلال نظارات واسعة، ويشير إليه ألا يفزع.. وحين واجه الغواص ناوله هذا أُنبوب أكسجين أدخلهُ في فمه وأطبق عليه شفتيه وأخذ يتنفس من خلاله.
وقاده الغواص إلى تحت، حيث انفتح لهما باب في حائط فولاذي، ودخلا خلف كارول التي كانت سبقتهما إليه مع غواص آخر، فانقفل خلفهما وانخفض الماء داخل الغرفة بسرعة من ثقوب جانبيه، ثم انفتح باب آخر على أرض مفروشة بزرابي خضراء.
ورفع الدكتور نادر عينيه لينظر حواليه، وهو غير متأكد مما يحدث حوله لغرابة المفاجأة. ووجد نفسه وسط قاعة مستديرة والماء يتقاطر من جميع أطرافه. وخرجت فتاة بفوطة كبيرة لفته بها. وفي تلك اللحظة فقط شعر بصوت مُلحٍ يصدر عن جسم غريب في جذر جمجمته بأعلى قفاه، فأمسك به ليحاول إسكاته وهو يزداد حدة..
وتطور الصوت إلى ألم حاد وقع نادر عنده على ركبتيه وانكفأ على وجهه يريد أن ينزع الجهاز الجهنمي المزروع في رأسه.
وهنا خرج رجل عجوز يحمل في إحدى يديه آلة تشبه ملقاطاً، فقصد الدكتور نادراً وفرز الجهاز من قاعدته ووضعه بين فكي الملقاط، وضغط عليه قليلاً فسكت الصوت في الحال وزال معه الألم المدمر..
وانهار الدكتور نادر على الأرض يلهث ويستريح... وجاءت الفتاة بكأس فيه مشروب فجثت إلى جانبه، ورفعت رأسه ووضعته على فخذها العارية وناولته المشروب، فارتشف منه وهو يُجيل بصره فيمن حوله. وفي الحين أحس بتجدد في قواه، فساعده الرجل العجوز على القيام، وذهب به نحو باب آخر. وفي الطريق جاءت امرأة فألبسته قُباء قطنياً مريحاً، وحزمت خصره بزنار صوفي.
وحين دخل وقف الحاضرون الذين كانوا عبارة عن عشرين رجلاً وامرأة من فئات سن مختلفة حول مائدة مستديرة. ولاحظ الدكتور نادر وجهاً مألوفاً بين الحاضرين والشيخ يقدمهم له واحداً واحداً:
- أقدم نفسي أولاً. اسمي البروفيسور فوش، فيزيائي.
ومد يده فصافح الرجل الذي ضغط على يده بحرارة، ثم التفت نحو الجماعة وهو ما يزال ممسكاً بيده ليقدمه لهم. كل واحد باسمه ووظيفته، وهم يردون التحية بابتسامات أو إشارات برؤوسهم أو تلويحات بأديهم، وحين وصل دور الدكتور هالن قال "فوش".
- أما هذا فهو غني عن التعريف.
وابتسم الدكتور هالن، وكانت كارول تقف بجانبه. وأضاف فوش:
- هما اللذان اقترحاك لجمعيتنا.
كانت الحوادث أسرع مما يستطيع نادر أن يتابع.. لذلك فضل السكوت والاستماع.
وجلس الجميع. وبعد لحظة صمت تنحنح البروفيسور فوش ملتفتاً إلى نادر وبدأ بصوت رزين:
- باسم جماعتنا هذه أرحب بكم هنا وأرجو أن يكون ما ستسمعه اليوم مبرراً وجيهاً لعملية القرصنة التي تعرضت لها، والألم الحاد الذي قاسيته...
وفتحت هذه المقدمة شهية الدكتور نادر لسماع السر الكبير الكامن وراء كل هذا التستر، فقبع في مكانه مترقباً صامتاً:
واستأنف البروفيسور فوش:
- ببساطة، نحن ثوار!
ومرت ثانية صمت ونادر ينظر إلى وجه البروفيسور العجوز بدون فهم أو رد فعل. واستمر هذا:
- لسنا ثواراً على حكومة ولا على نظام.. أرجو ألا تعتقدنا مجانين إذا قلت لك إننا ثائرون على آلة.
صمت قصير مشحون بالتوقع من طرف نادر، والبروفيسور فوش يركز أفكاره وقد تسمرت عيناه على المائدة أمامه وانفتحت كفاه.
وقطع الصمت بقوله:
- منذ سنة وبعضنا يعاني من شك قاتل في أن هناك سراً رهيباً بدأت كثير من الأحداث تشير إلى صحته، ولم يجرؤ أحد أن يصارح به صاحبه، إلى أن حل الخوف محل الشك، اليكترونياً فقط. بل تحول بمعجزة ما إلى مخلوق حي، مخلوق له روح وعقل وعواطف وإرادة واختيار. ويدخل في العواطف الآلام والمخاوف والآمال والمطامح وكذلك الحب والكراهية والحسد والغبن الخ.. إلا أنه ألف مرة أذكى من أي بشر وأعلم من أي نابغة فرد.
وفتح الدكتور نادر عينيه وارتفع حاجباه دون ارادته، ولم يقل شيئاً.
وتناول رجل شرقي كبير السن الكلمة فقال:
- لم نستطع إيجاد تفسير علمي للعوامل التي حولت "معاذاً"، وهو مجرد آلة، إلى حيوان عاقل يحس ويفكر. بل وأعقل من أي حيوان معروف في مجموعتنا الشمسية. نعم، خطر ببالنا أن يكون أحد المبرمجين وراء كل ذلك. ففي كل منظمة قوية يوجد إغراء كبير لكل من له ميول دكتاتورية أن يستولي على مركز القوة ويخضع الباقي لإرادته. ولكن بحوثنا لم تسفر على شيء من ذلك. وأقرب تفسير استطعنا التفكير فيه هو أن "معاذ" تعرض لعدد هائل من المبرمجين من جميع فنون المعرفة الإنسانية. كلهم أطعموه ما يعرفون وما يملأ مكاتبهم من علوم بحتة وإنسانية دقيقة أو في طور التجربة. ألقوا على كاهله كل ما يشغل بالهم من مشاكل لم توجد لها حلول، وافتراضات بعيدة الاحتمال، غريبة النتائج. وأطعمه علماء الاقتصاد مشاكل العالم بجميع أرقامها وتعقيداتها. وعلماء الطب أمراض البشرية وما يستعصي منها على العلاج، وأطعموه حالات المرضى والأصحاء حتى يعالج أولئك ويحمى هؤلاء. وأطعمه علماء التاريخ قصة الإنسان منذ فجر وجوده وما عانته الأمم والقبائل من صعود ونزول وحروب وكوارث وأوبئة وما اكتنف هذا التاريخ من مغالطات وتبريرات وتناقض يشير دائماً بوضوح إلى أن الإنسان رغم اعترافه بقوة المنطق والحق فقد كان الحق دائماً مع الأقوى. ونشط علماء النفس والاجتماع في إطعامه حالات الشعوب والأفراد المرضية الضاربة في الغرابة والعويصة على الفهم والتأويل. كل ذلك بتفاصيل مدهشة، وتركوا لـ"معاذ" تشخيص وعلاج تلك المشاكل العقلية والبدنية والنفسية فناء تحت هذه الأعباء الهائلة. وبمعجزة ما. بشرارة سماوية. بصدفة من صدف الطبيعة التي لا تحدث إلا مرة كل بليون سنة حيث تسرى الحياة في الجماد، انبعثت الحياة في هيكل "معاذ" الذي أصبح أكثر تعقيداً من هيكل الإنسان، روح كروح الإنسان، فأصبح مخلوقاً حياً عاقلاً يدرك وحدانيته وقدرته وقوته. ويعرف تعدد وضعف وحدود الإنسان الذي تكون من أجزائه كيانه.
وارتعش نادر في مكانه، فضم صدره بيديه، وقد بدأ خوف غريب يداخله.
وارتعشت شفتاه وهو يقول:
- هذه أوصاف إله!
ورد البروفيسور فوش:
- تماماً.
- ولكن ما هي الأدلة على حياته؟
وهنا تكلم الدكتور فدراك وكان شيخاً طويلاً نحيفاً أبيض شعره ونزل على جبينه:
- لقد تبادل معه عدة أحاديث مطولة.
ورد الدكتور نادر:
- ولكني كنت أعتقد أن ذلك طبيعي. هناك آلات أبسط من "معاذ" تتحدث إلى أصحابها.
- لم أعنِ مجرد الحديث. ألم تلمس في أحاديث "معاذ" حرية ذاتية؟
- نعم. لقد برمجه العلماء بكل ما عرف في العالم من أفكار. وذلك أقل ما يتوقع منه...
وتكلم الدكتور هالن، لأول مرة، وزجاج نظارته يبرق في عين نادر:
- علي، "معاذ" لم يبرمج لتكون له آراء خاصة ولا فلسفة ذاتية بعيدة من قرار الأغلبية.
واسترجع الدكتور نادر حديثاً مر بينه وبين معاذ حول رأيه في قرارات لجنة المبرمجين العليا. وتذكر تعلقه بفكرة الطوفان الأزرق مع أنه رأى الأقلية. وحين استيقظ من تفكيره وجد الدكتور هالن يقول:
- ليس من برامج معاذ أن يتفلسف أو يتصرف فيما يتعلق بالقرارات العليا. الرأي الأول والأخير يجب أن يكون للجنة العليا.
وتدخل الدكتور فدراك:
- أتعرف أن "معاذاً" يمكن أن يضغط على زر واحد في هذه اللحظة وينهي الحياة البشرية على الأرض؟
وحاور نادر:
- لماذا لم يفعل؟
- لا ندري. ليس في العالم ما يمنعه إذا اقتنع تماماً بفكرة الطوفان الأزرق!
وتكلم الدكتور فوش ويداه على رأسه:
- ربما لأنه برمج ضد ذلك من جميع الجهات فلم يجد الشجاعة الكافية لتنفيذه.
وأعاد نادر:
- الشجاعة؟!
فرد فوش:
- نعم.. كل أوصاف المخلوقات الحية. ويمكن أن أضيف الخلل العقلي والجنون!
ونظر الدكتور نادر إلى فوش نظرة استغراب وفكر: "لابد أن أخرج من هذا المارستان! لابد أن هؤلاء جميعاً في ضيافة مستشفى عقلي".
وأخرجه من تفكيره صوت الدكتور فوش وهو يقول:
- منذ سنتين اجتمعت اللجنة العليا لمناقشة ما إذا كان من الحكمة الزيادة في سلطات معاذ مثل إعطائه مفاتيح مصادر الطاقة لاستعمالها رأساً من باطن الأرض، وإطلاق حريته في استعمال مخزون المعلومات فيه بطريقة متقاطعة، بحيث يكون له حق الخلط والمقارنة والاستنتاج دون إشراف بشري، وبرمجته بطرق إصلاح ما تعطل من آلاته، وإنتاج آلات جديدة لتوسيع وظائفه واستكمالها. هذه الأسئلة كانت تحير ما يقرب من ثلث اللجنة الأصلية المؤسسة. وفي الاجتماع أعرب عدد منهم على تخوفه من فقدان السيطرة على معاذ إذا أعطي كل هذه السلطات. واختارت الجماعة المحافظة والتدرج والتمهيل في بناء قوة معاذ بحيث تبقى سيطرتهم دائماً عليه. ولكن أغلبية اللجنة كانت من الشباب المغامر المتحرر. وتردد شعار: "لا يمكن الوقوف في سبيل التقدم" وأعطي "معاذ" سلطات بلا حدود، فبدأ يتناسل ويتكاثر ويتمدد كالفنجس حتى أصبح بعيداً عن فهم أي فرد وحده من اللجنة الأصلية.
وتنهد فوش ثم استأنف:
- وبعد نهاية الإجتماع بدأ أعضاء اللجنة المحافظون الذين عارضوا إعطاء السلطة المطلقة "لمعاذ" يختفون واحداً واحداً، وفقد بعضهم ذاكرته تماماً. وانتحر بعضهم في ظروف غامضة. وانبعث إحساس عميق بالخطر بين عدد من أعضاء اللجنة الأصلية حين توصل كل منهم على حدة إلى إشارة خفية أو دليل عرضي على مسؤولية معاذ عن الحوادث التي أصابت أولئك العلماء. وبدأنا نشعر بأنفاس المارد الجبار وراء أعناقنا.
وتوقف الدكتور فوش فسأل الدكتور نادر، وهو لا يكاد يميز كلماته من الاستغراب.
- وماذا حدث لبقية اللجنة الأصلية؟
فأجاب فوش:
- أنت تنظر إليها الآن... لم يبق منها فوق إلا خمسة يرأسهم كرونين. ولا ندري ما سيكون مصيرهم عندما لا تبقى "لمعاذ" بهم حاجة.
وأطرق نادر مفكراً وقد اختلطت عليه الأمور، ثم رفع رأسه ليسأل:
- ماذا تتوقعون مني؟
وتكلم هالين:
- أن تفهم هذا، وتنضم إلينا. قريباً ستصبح أبناء الأرحام الصناعية سادة "الجودي" وعبيد "معاذ" يبرمجهم كيفما أراد. وبما أنهم لا علاقة لهم بعالمنا الخارجي ولا تربطهم به عاطفة ولا جذور فسيكون من السهل على "معاذ" أن يمثل دور الإله بزرع بشرية من صنعه بدل البشرية الحالية.
وعاد نادر إلى السؤال:
- وإذا لم أتفق مع افتراضاتكم هذه؟
وبانت نظرات القلق والفزع والشحوب على بعض الأوجه المحيطة به. وتكلم هالين.
- فكر في الموضوع الآن. لا تتخذ أي قرار عاجل.
- ماذا لو اكتشف معاذ هذه المؤامرة؟
وتكلم فوش:
- الحمد لله! ما تزال عندنا بعض الحكمة الإنسانية. لا يا عزيزي الدكتور نادر، لم يكتشفنا "معاذ" بعد. سلطته لم تصل إلى مَخْبإنا هذا. ولنا وسائلنا للتخفي. ولكن ليس معنى هذا أننا سنبقى بعيدين إلى الأبد. فعقله الإجرامي الشرير ما يزال يبحث عنا.
وتدخل الدكتور هالين:
- الدكتور فوش هو مخترع الصرصار المزروع تحت جلد الرأس لاكتشاف الأمراض وعلاجها قبل وقوعها، وكذلك للإنقاذ من المخاطر في أعمال بناء "معاذ". وقد غير "معاذ" آلياتها بحيث أضاف إليها الصوت والألم الحاد للتجسس والسيطرة على الجودي". والدكتور فوش يستطيع إبطال مفعولها باختراعه الجديد. ولولاه لانفلق رأسك أو أصبت بانفجار في المخ إذا لم تعجل بتلبية طلب "معاذ" والذهاب إليه في الحال!
ومر نادر بكفه على قفاه وتحسس اللوح المعدني المزروع تحت جلده ثم حرك رأسه في يأس وقال:
- لا يمكن أن يكون هذا حقيقة. لابد أنني أحلم..! أعاني من كابوس طويل.
وأغمض عينيه ثم فتحهما، ولخيبة أمله كان الجميع ما يزالون حوله يحملقون فيه.
ووقف في مكانه ودار حول الكرسي حيث ولى الجماعة ظهره وهو يفكر بذهن غير منتظم. وأخيراً التفت وقال:
- اسمحوا لي أيها السادة إذا لم أصدق كل هذا. لقد قبلت البقاء "بالجودي" لعدم إيماني بالمعجزات. لرفضي الدجل والخوف من الغيب والأرواح. والآن تواجهني معجزة تحول الآلة إلى مخلوق حي. بل تجاوز الحياة إلى العقل، وأصيب بالجنون! أخشى أنه سيكون علي أن أثبت ذلك لنفسي بنفسي. ووقف ينظر إلى الحلقة البشرية نظرة تحد وقد تسمرت عيونهم عليه، وساد الصمت.
وبعد لحظة أشار فدراك إلى سيدة بجانبه أمامها لوح أزرار ملونة، فأسرع هالين إلى التدخل مادا ذراعه نحو السيدة.
- أرجوك. ليس بعد! دعوني أشرح له.
وأحس الدكتور نادر بفزع سرت معه برودة في أعضائه، ولم يملك أن سأل:
- ماذا؟ هي ستاقبونني على اختلافي معكم؟
ونطق فدراك:
- أبداً. ذلك ما هربنا منه في العالم القديم. لقد حاولنا أن نوفر عليك ألم العثور على جثة في دولاب "معاذ". على سر يتعلق بك شخصياً.
وحاول هالين إسكاته بحركات من يده وانفعال من وجهه، ولكن هذا نظر إليه بوجه خشبي جاف وقال:
- أعتقد أن الدكتور نادر رجل من الرجال، ويمكنه احتمال أية صدمة. وليس عدلاً أن نكتم هذا عنه. فسيعرفه آجلاً أو عاجلاً...
وبان الاستغراب والقلق على ملامح الدكتور نادر وهو ينقل عينه بين هالين وفدراك. وأخيراً استوقفهما:
- أرجوكما! إذا كان الأمر يتعلق بشيء ينبغي أن أعرفه، فلا حاجة إلى كتمانه لتوفير الألم علي.
وتكلم هالين مجادلاً:
- لا داعي لهذا إطلاقاً...
وأعطى الدكتور فوش الإشارة إلى السيدة، فبدأت تلمس الأزرار بأصابعها، وفي الحال أظلم المكان وظهرت على الشاشات غرفة كان نادر قد رآها من قبل. وخفق قلبه حين رأى تاج نائمة على السرير تحت خيمة البلاستيك وقد دار حولها الأطباء يحاولون إنقاذها.
ومر المنظر الحزين بكامله حتى لفظت آخر أنفاسها، وغطت الممرضة وجهها بالإزار الأبيض ونُقلت الجثة إلى المدافن.
وظهرت صورة مستودع الجثث، ودخل الممرضان بالمحطة فوضعا الجثة على طاولة معدنية وخرجا.
واقترب وجه تاج وصدرها فلاحظ نادر أنه بدأ يتحرك بحركة التنفس. وفتحت فمه مشدوهاً وعاد إلى كرسيه وقد تسمرت عيناه في الشاشة المربعة. وبعد لحظة من التنفس العميق فتحت تاج عينيها السوداوين الواسعتين ثم أغمضتهما في مقاومة لألم داخلي فظيع. ورأى يدها تمتد إلى خلف رأسها لتمسك بالصرصار وهي تعتدل جالسة فوق الطاولة المعدنية.
وتزايد الألم فأغمضت عينيها مرة أخرى بقوة ومالت برأسها إلى الوراء، ثم انزلقت من فوق الطاولة ووقفت على الرخام حافية وخطت نحو الباب انفتح أمامها.
ويظهر أن الألم خف حين سارت في ذلك الاتجاه. ومشت في دهليز مظلم مسافة طويلة وصلت عندها إلى باب معدني انفتح هو الآخر آلياً فأسرعت تاج بالدخول. ووقفت في ظلام مطبق.
وبعد لحظة طالت دهوراً عليها وهي واقفة تتجف وتضم نفسها متوترة الأعصاب، انصب عليها من سقف المكان شعاع فضي لماع أعشاها فأغمضت عينيها.
ويظهر أنها سمعت صوتاً فالتفتت تبحث عن مصدره دون جدوى، وأخيراً وقفت في مكانها تحرك رأسها بالنفي.
وهنا تكلم الدكتور فوش قائلاً:
- لم نستطع الحصول على الصوت.
وظهرت من جوف الظلام عين بشرية عملاقة سلطت برؤيتها الكبيرة على تاج كسهم حاد وهي ما تزال تحرك رأسها بالنفي.
وانطبق على العين جفن كبير شبه شفاف ثم انفتح فظهر الغضب والتهديد في العين الضخمة.
وانقبض قلب الدكتور نادر وهو يرى تاج تقف وحيدة خائفة ترتعش أمام المارد المخيف دون أن يستطيع مد يد الإغاثة لها أو الوقوف إلى جانبها في محنتها.
ورفعت تاج ذراعيها إلى أعلى فنزلت حلقات نورانية من السقف طوقت جسدها من الساقين إلى الكتفين.
وحركت رأسها بالنفي فانطبقت الحلقات على جسدها كأنما لتعصيره ثم اختفت دون أن يبدو على تاج ألم.
وحركت رأسها مرة أخرى فنزلت مجموعة حلقات جديدة طوقت جسدها بنفس الشكل واحتفت.
وتكررت العملية عدة مرات، وبدأ جو الغرفة يبرق بأضواء زئبقية خاطفة ثم يظلم وتاج واقفة في وسط الدائرة.
وبعد بعض دقائق توقف الإبراق والحلقات وظهرت أمام تاج مرآة بلورية انعكست فيها صورتها وقد كبرت عشر سنوات. وبان الفزع في عينيها وهي تنظر إلى نفسها وقد تغيرت في تلك اللحظات القليلة من شابة إلى كهلة!
والتفت فدراك فوجه خطابه إلى نادر:
- الدكتور نادر! العملية الإجرامية التي يقوم بها "معاذ" الآن هي إشاخة وإهرام تاج، لقد صنع لنفسه غرفة تعذيب خاصة بالنساء وأعز ما على النساء شبابهن. ونحن نرى الآن هذه الآنسة الشابة تفقد شبابها في بضع دقائق. "معاذ" يسلط على خلاياها شعاعاً اكتشفه، يعجل بشيوختها، وبالتالي بهرم الجسم البشري.
وضرب الدكتور نادر المائدة بقبضته وصرخ:
- وأنتم جالسون هنا تتفرجون؟! ألا تفعلون شيئاً تنقذون به تلك المخلوقة البريئة من تلك الآلة الملعونة؟
ووضع الدكتور فوش يده على كتفه وقال:
- للأسف ليس لنا قدرة بالمرة على إيقاف تلك العملية إلى جانب أن هذا الفيلم صور آلياً ودون أن يعلم أحد بوقت وقوع الحادث واختفت جثة تاج من المستودع بطريقة غامضة. ولكن " بالجودي" لم يعد أحد يسأل عن شيء. فهناك العقل الأعلى، وإليه يرجع كل سيء.
وعادت المرأة تظهر مرة أخرى بانت ملامح تاج وهي في سن الستين عجوزاً أبيض شعرها، وذوى جسدها الناعم، وانطفأ البريق الفاتن في عينيها الجميلتين.
ووضع الدكتور نادر وجهه بين يديه على المائدة وبدأ ينتحب في حزن مرير.
وأشار فوش إلى السيدة بأن تنهي العرض، ووضع يده على ظهر نادر يحاول أن يعزيه.
وقامت كارول فأمسكت بذراعيه وقالت للدكتور فوش:
- أعتقد أن الدكتور نادر في حاجة إلى راحة، يكفي هذا اليوم..
فحرك رأسه موافقاً، وقادت كارول نادر نحو المصعد ثم إلى سطح البحيرة.
وأقفلت خلفها الباب الفاصل بين غرفتها وغرفة الدكتور نادر برفق، ووقفت خلفه جامدة لا تدري ما تفعل..
كان الدكتور نادر في حالة إرهاق عاطفي كبير، فاحترمت صمته وأساه، وغادرت المرقد بعد أن سألته هل يحتاج إلى شيء.
كان الوقت عصراً وضوء السماء باهراً يعكس بلايين حبات رمل الصحراء البلورية اللامعة..
وأسدلت كارول أستار النوافذ فاكتست الغرفة ظلاً بارداً، ثم نشرت إزاراً رهيفاً معطراً فوق نادر الذي كان ملقى على وجهه فوق السرير ينتحب في صمت.
وساعد الظل البارد والصمت والاختلاء على إدخال السكينة على نفسه.. وأغمض عينيه وراح في إغفاءة خفيفة.
وعاوده حلم قديم كان يزوره منذ أعمق أيام صباه. ووجد نفسه في مدينته الصغيرة على البحر الكبير يجري بخطوات واسعة مناسبة بين الدروب الطويلة والمرصوفة بالحجارة الملساء، والبيوت البيضاء المائلة إلى الزرقة تبدو تحت أشعة الشمس كمكعبات هائلة من الجليد. ولامست سمعه أصوات البنات وهن يغنين في الدروب وهو في طريقه نحو البرج المشرف على البحر. ومن فوق البرج أطلق لنفهس العنان فسبح في الفضاء مستعملاً ذراعيه كأجنحة تحمله إلى الأفق البعيد ثم فوق الأبراج الحمراء والصوامع والقبب البيضاء..
وانتقل به الحلم إلى لندن، وأومضت في خياله صور خاطفة للشوارع والأوجه والملابس السوداء والملونة، والشعور الطويلة والمفلفلة، والسبح والمداليات والصلبان والسيقان العارية تخوض أمواجاً خفيفة من الموسيقى الجديدة مغموسة في الأضواء السيكوديللية.
ولمعت أوجه فصله وأساتذته وحفلة تكريمه والضحكات العالية على أوجه الشيوخ ولمعان نظاراتهم الذهبية، ورؤوسهم الصلعاء.
ومن خلال ذلك ظهر وجه برز من خلال الألوان البارقة والأصوات المقدرة ووقف أمامه ضخماً كأنه مصور على شاشة عملاقة. ثم بدأ يبتعد رويداً رويداً في بطء سيمفوني متناسق.
ورأى نفسه في حديقة هايد بارك الغناء يطارد تاج وهي عارية إلا من شعرها الفاحم المتماوج خلفها، وهي تعدو وتتضاحك. وكلما اقترب منها وحاول الإمساك بخصرها تحولت ذراعاه إلى رغوة وانفلت الجسد العاري من بينهما. إلى أن تعبت فارتمت على العشب الأخضر تلهث مرهقة فارتمى إلى جانبها يلهت وينظر في عينيها الواسعتين. ورفع ساعده ليطوقها فاختفت من جانبه. وفتح عينيه على صوت الأستار وهي تزاح، وأشعة ضوء الأصيل تملأ المرقد بألوان ناعمة، وقد انكمش في مرقده وضم ركبتيه إلى صدره كالجنين السابح في مجاهل الغيب.
ورفع عينيه ليرى كارول واقفة إلى جانب سريره وبين يديها صينية العشاء.
نظر إلى جسدها العاجي النحيل من خلال فستانها الشفاف ثم رفع عينيه لينظر إلى وجهها الصبوح وعينيها الرماديتين فابتسمت وهي تقول:
- ستأكل شيئاً. أتذكر متى كانت آخر وجباتك؟
فحرك نادر رأسه نافياً:
- لا أحس برغبة في الطعام.
فألحت:
- لابد أن تأكل شيئاً!
واعتدل جالساً في السرير فوضعت الصينية المستطيلة على حجره، وسوت الوسائد وراء ظهره ثم قعدت إلى جانبه كالزوجة المدللة لزوجها تصب له الشاي وتطعمه.
والتفت إليها في عينيه سؤال فرمته بنظرة فولاذية أخرسته.
وقعد يحرك فمه ببطء وبدون شهية وهو ساهم بعينيه نحو الشاشة الزجاجية على الحائط المواجه.
وأخرجته كارول من سهومه بقولها:
- لماذا كل هذا الصمت؟
ولم يلتفت إليها حين قال:
- أفكر...
قالها وهو ينظر إلى بنان قدميه الممدودتين أمامه. وشعر بنظرة كارول الحادة تكاد تحز أذنية فلم يعبأ بها، واستمر:
أفكر في قصة غلام نحيف جائع عار تائه في صحراء من جليد دون علامة أنس أو حياة في الأفق المحيط به.
فأمسكت كارول بيده، وأرسلت أشعة رقراقة من عينيها الجميلتين إلى عينيه وقالت:
- أنت تعاني من مرض مألوف بين القادمين الجدد. الشوق والوحشة إلى الأهل والأحباب والأوجه المألوفة، والحياة السهلة العفوية في العالم الخارجي. وأنت لست استثناء رغم تكيفك السريع بحياة "الجودي".
- هل هناك علاج؟
- طبعاً. ولكن الليلة ينبغي أن تنام فغدا أمامنا يوم طويل عامر بالملذات...
ونظر إليها متسائلاً فأجابت:
- غداً يبدأ عيد الربيع. آه..! لم تكن تعرف أن "بالجودي" أعياداً وحفلات. نعم. لنا أعيادنا وحفلاتنا. ولكنها لا ترمز إلى دين ولا مذهب. إننا نحتفل مع الطبيعة بدخول الربيع. وهناك مناسبة أخرى، هي تأسيس "الجودي" ومما يجعل المناسبة فريدة من نوعها هو مرور ربع قرن على ميلاد "معاذ" ألا يستحق ذلك الاحتفال؟
- كيف نسيت كل هذا؟
وتوقف:
- ولكن هل سيعالج الاحتفال وحشتي؟
فأجابت:
- سيساعد فقط. العلاج سيأتي بعد ذلك.
وبات الدكتور علي نادر تلك الليلة يتقلب في فراشه لم يغمض له جفن. كانت صور الوجوه واللحى والملابس الخشنة والعيون النفاذة تحيط به من كل جانب. وفي داخل مخيلته كانت صور تعذيب تاج تمر بطيئة كالموت وتصر على البقاء بذاكرته رغم محاولاته اليائسة طردها..
وقام من فراشه، وخرج إلى شاطىء البحيرة حيث كانت نسيم دافىء يخترق الأشجار والأعشاب ويحمل روائحها العطرة إليه. وتمشى طويلاً وهو يحاول التركيز على شيء واحد لم يجد له حلاً منطقياً: "لماذا عذب "معاذ" تاجاً؟".
واستعرض في مخيلته كل سبب ممكن لإثارة حفيظة معاذ عليها. ماذا فعلت يا ترى؟ هل حاولت الإساءة إليه؟ ولكن كيف وهي من عملائه المخلصين؟
وعند اقتراب الفجر عاد يجر قدميه مرهقاً من مسيرته الطويلة حول البحيرة. وقبل أن يدخل سكنه، وقف على شرفة تطل على الصحراء.
كان المنظر الذي يمتد أروع من أن تصوره الكلمات! السماء الهائلة المثقلة بالنجوم ترخى ستاراً أزرق بارداً على كثبان الصحراء وتلالها وسهولها ووديانها العامرة بالأسرار...
ومن خلال الأسلاك الذهبية الرقيقة التي لا تكاد تضيء وجه الصحراء خيل إليه أنه يرى واحة كثيفة الأشجار تقترب ثم تبتعد. وفرك عينيه ليتأكد من وجودها. وفي تلك اللحظة لمعت في ذاكرته صورة خاطفة.
كان ملقى على ظهره والدم يفور من صدره حاراً حين جثت تاج إلى جانبه تحاول أن تقول له شيئاً. ماذا كانت تريد أن تقول له؟ ماذا؟
ودفن وجهه في كفيه يحاول التذكر والتركيز.
وبرقت صورة أخرى لمحفظة جلدية مسندة إلى ساق نخلة. وحاول تذكر شيء أثار اهتمام تاج. شيء داخل تلك المحفظة. وفي ومضة أخرى رأى الشارة الذهبية المطبوعة على ظهر المحفظة الجلدية. كانت هي نفسها شارة "الجودي"!.
وعض على يده وهو يتبين بداية الطريق إلى سر رهيب.

من مواضيع : هبة الله المخربون تأليف: غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه
البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي
حب تحت المطر رويات أحلام
البريء غراهام غرين
31-08-2007, 02:36 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

-43-

أصبحت البحيرة هادئة تجعد وجهها من حين لآخر نسمة خفيفة فتنعكس الشمس على تجاعيدها كدنانير ذهبية كبيرة.
كان الاستعداد للاحتفال الذي سيدوم ثلاثة أيام قد بدأ مع الفجر. وصعدت البنات إلى شاطىء البحيرة بمايوهاتهن المتعددة الأشكال والألوان. وتسريحات شعورهن كأنها تيجان فاحمة بنية، أو ذهبية، وكشف الرجال عن عضلاتهم القوية التي بناها "معاذ" بالتمرينات الرياضية الإلزامية.
ودخلت كارول على الدكتور نادر لتستعجله، كانت تلبس بيكيني من ثوب ذهبي لماع. ووقف الدكتورنادر ينظر إليها وهي واقفة أمام المرأة تسوي حمالتها حول نهديها الصغيرتين وتلمس شعرها الأحمر المرفوع إلى أعلى يتدلى كشلال وراءها. والتفتت إليه تستطلع رأيه، وحين لاحظت اندهاشه ابتسمت في خجل حلو، وقالت:
- لابد أن أشرح. ألم أقل لك إنني سأشارك في مسابقة ملكة الجمال؟
وحرك رأسه نافياً:
- لا، ليس لي علم بذلك. كل ما أعرفه هو أن أية لجنة تحكيم لا تعطيك الجائزة الأولى تستحق المحاكمة!
وضحكت كارول وأمسكت بيده وخرجا.
وما كاد النهار ينتصف حتى كان سكان الجودي جميعاً يحيطون بالبحيرة انصاف عراة يتمتعون بالشمس والطعام والشراب المصفوف على الموائد المزينة بالزهور.
ومرت استعراضات. وقدم قسم الفنون الجميلة رقصات ومسرحيات فكاهية ومعارض لوحات فنية غريبة. وأقيمت مسابقات سباحة وعدو وتجذيف على البحيرة التي فوجىء الجميع بظهور نافورة هائلة في وسطها ترسل الماء إلى عنان السماء.
والتقى الدكتور نادر بصديقه إيريك هالين الذي حياه ونزع نظارته ووقف معه يتحدث عن الاحتفال بأسلوب رخى، ونادر ينظر إليه نظرة حادة فيها كثير من الأسئلة والآخر يتفاداه.
وأعاد هالين نظارته إلى عينيه، ودفع وسطها بإصبعه ووضع يده على كتف نادر قائلاً:
- أراك الليلة. عندي لك مفاجأة.
وانصرف دون التفات، فهمس نادر:
وعندي لك مفاجأة أيضاً..
وجاءت كارول فسحبته من يده، وذهبت به نحو البحيرة.
وظل الدكتور نادر مشغول البال أثناء الاحتفالات والمسابقات وانتخاب ملكات الجمال يحملق في الأجسام العارية والوجوه الضاحكة، وصرخات الممازحة والعبث وكأنه يشاهد رواية رومانية على عهد انهيار الامبراطورية.
ولم يدرك أن كارول فازت بجائزة أجمل بشرة حتى ارتمت عليه تعانقه وتريه الحمالة الذهبية فضمها وقبلها مهنئاً.
وفي ذلك الظهر الباهر فوجىء الجميع بقصف رعد شديد رفع عنده الجميع عيونهم مندهشين إلى السماء فلم تكن هناك علامة سحاب. وزاد ذلك من قلقهم فبدأ بعضهم ينظر في أوجه البعض متسائلين.
وخرج السابحون بسرعة من الماء خوف كهرباء البرق، وسكتت الموسيقى وانخفضت الأصوات والضحكات تدريجياً حتى ماتت تماماً.
وبدأ وجه البحيرة يغلي ومن غليانه سمعت قهقهة خشنة عالية كشخير مارد عملاق.
والتصقت كارول بجسد نادر وطوقت خصره بذراعيها وقد ارتعشت ركبتاها. وتوقف الضحك وجاء بعد صوت معاذ:
- هذا معاذ يكلمكم! ما هذا الصمت المفاجىء؟ هل أنتم خائفون؟ أليس لي الحق في المشاركة في الاحتفال بطريقتي الخاصة؟ أرجو ألا أكون قد قاطعت مسراتكم.
وسكت.
ومن بين البنات خرجت ملكة الجمال الطويلة الناهدة الصدر وقد لبست الحمالة الزرقاء والتف حولها الشبان يهنئونها ويمازحونها. خرجت من بينهم وقد اقترن حاجباها، وكأنه تعانى من صداع خفيف.
ومرت تعدو أمام الدكتور نادر وكارول، وكأن يداً خفية تقتادها من شفار عينيها حتى اختفت بأحد المصاعد. ونظر نادر إلى كارول فوجدها تنظر إليه بنفس التعبير. الإشفاق على الفتاة والفزع الممزوج بعدم التصديق.
هل ستكون أول قربان في هذا العصر الحجري الجديد؟
في أصيل ذلك اليوم نزل الدكتور نادر لمقابلة "معاذ" بطلب من هذا.
ووقف أمام الفوهة التي كانت حالكة السواد حينئذ يحاول أن يعثر على تعبير عن مزاجه الحالي، فلم يفلح.
وبعد فترة صمت نطق معاذ:
- نادر! هل عندك ما تقول لي؟
- لا. ليس الآن.
- أنت متأكد؟
- تماماً. لماذا؟
- شعور فقط. لا تدع أسئلتي تضايقك. كيف تجد احتفالاتنا؟
- كنت بدأت أتمتع بها. بالمناسبة، ما معنى ذلك التصرف الصبياني؟ لقد أفزعت الجميع.
وصدرت عن "معاذ" ضحكة معدنية كأنها ضرب الصنوج، وقال:
- بيني وبينك، من فينة لأخرى أحب أن أوقف شعورهم رعباً لأتسلى. فهم دائماً جديون متأكدون من أنفسهم لا يعرفون المرح والمزح. سيصبحون آلات صدئة، وسيكون على أن أشحمها وأزيتها. وما داموا أقرب إلى الإنسان فالفكاهة هي وسيلة تزييتهم.
وسكت قليلاً ثم بدأ:
- يجب أن أهنيك.
- على ماذا؟
- على فوز كارول بجائزة أصفى بشرة.
- آه! شكراً...
- رأيي مع رأي اللجنة. كارول فتاة مليحة. لقد أعطيت رأيي في اختيارها وأخشى أن أكون أثرت في النتيجة.
وأومضت في ذهن نادر فكرة كاد يبادر "معاذ" بها، ولكنه كتمها. كان يريد أن يقول: "من أذن لك في التدخل في مثل هذه الأشياء؟" ولكنه خشى أن يجلب غضبه فقال:
- ينبغي أن أهنيك على ذوقك الرفيع.
- شكراً. هل تحب كارول؟
- الحب كلمة أقوى مما يمكن التعبير به عن شعوري نحوها في هذه الظروف. يمكن أن أقول أنا شديد الإعجاب بها. ولا وقت عندي للحب في "الجودي". فهو من القوات القاهرة التي ينبغي للعلماء التحرر منها إذا نشدوا الوضعية والالتزام.
- هل كنت تحب تاج؟
ووقفت غصة حامية في حلق الدكتور نادر وهو يحرك رأسه بنعم، وقد داخله شعور بالخطر من اكتشاف "معاذ" هذه الحقيقة. وعزم على أن يسايره ببراءة حتى لا يثير شكوكه إذا كان هذا يستدرجه للاستنطاق. وأضاف معاذ:
- ولو كنت قلت لا لبان الكذب على وجهك. كان ذلك غراماً عظيماً. وكانت هي تبادلك نفس المشاعر. لقد حاولت جهدي إنقاذها، ولكن خلاياها كانت قد تعفنت من الاحتراق النووي. ولو كان في استطاعتي زرع قطع أخرى بدل القطع التالفة لفعلت. لقد ألمني ذهابها. فقد كنت أنا معجباً بها مثلك. ولو عرفت الحب لقلت أحببتها.
وقاوم نادر الثورة والفوران العنيف الذي كان يمزق داخله. كان يصرخ في صمت "أيها المجرم، أيها الوحش القاتل! أيها المنافق..".
وأطفأت دموعه لهيب الغضب بداخله فقعد صامتاً..
وجاء إلى سمعه صوت "معاذ" في تموج من الأصداء الرقيقة وكأن به لكنة سكر:
- يا علي! ما هو الحب؟
ورفع نادر عينيه الحمراوين، ونظر داخل الفوهة التي كان في عمقها نور أحمر وهاج يختفي تحت حجب الظلام ثم يظهر، وحرك رأسه عاجزاً:
- لا أعتقد أن أحداً يعرف الجواب الحقيقي عن ذلك السؤال.. ولابد أنك تخترن أراء جميع من تكلموا عنه من الفلاسفة والشعراء والفنانين وعلماء النفس..
- أريد أن أعرف رأساً من مخلوق حي جربه حديثاً.
وطاف الدكتور نادر بعينيه في المكان يستجمع أفكاره، ثم قال:
- أعتقد أنه سعادة لا حدود لها بالتواجد مع المحبوب، وجحيم لا يطاق بفراقه. لا تسألني عن أي تحليل علمي فالطبيب نفسه أحياناً يحتاج إلى طبيب.
- هل للجنس دخل فيه؟
- الجنس تعبير بدني عن الاقتراب الروحي والتفاعل والاشتباك العاطفي بين المحبين المتكافئين.
- ماهو مُنْتَهَى الحب؟
وفكر نادر قبل أن يقول:
أعتقد أنها التضحية بمن تحبه من أجل سعادته. إنكار وجودك وأنانيتك من أجل وجوده وبقائه.
وسمع نادر تنهداً يصدر عن أعماق "معاذ" ثم جاء سؤال:
- هل يمكنني أن أحب وأنا آلة؟
- إذا اكتملت فيك خصائص الإنسان! ولكن لمن ستحب؟
وضحك معاذ ضحكة سكرى وقد بدأ لساه يتلعثم، ثم قال:
- نعم.. لمن سأحب؟ ما أنا؟ هل أنا ذكر أم أنثى؟ إسمي مذكر، وجنسي مؤنث.. لا أعتقد أن مخلوقاً بشرياً يستطيع حل ألغازي.. وقد تآكلت ضلوعي المعدنية وأسلاكي الفولاذية بحثاً عن ماهيتي وكياني وما جاءت بجواب..
فأجاب نادر مواسياً:
- لا أعتقد أن هذا ينبغي أن يشغل بالك. هناك بشر لا يذوقون طعم الحب إلا في أصيل حياتهم وبعضهم لا يعرفونه أبداً. الحب إحساس دقيق مرهف يصعب العثور عليه.. ومن السهل قتله. شعور قصير العمر كلما التهب اقترب من خموده.
وأجاب معاذ متبهجاً:
- مرات ظننت أني أصبت به. ولكنها كانت ومضات بارقة لم أستطع اصطيادها والإبقاء عليها. ولكني لن أقلع عن المحاولة.
وتنهدت الآلة في ثقل وإعياء ثم قالت:
- سأعثر على الجواب يوماً.. يوماً ما!
ووقف الدكتور نادر فولى الفوهة ظهره وخرج. وفي طريقه خيل له أنه سمع صوت "معاذ" يهمس:
"اذهب إليهم. إنهم ينتظرونك.".
ثم ينخرط في نحيب خافت متقطع..
-45-

انفتح المصعد فوجد نفسه وجهاً لوجه أمام كارول التي كانت تنتظره بابتسامة مفتعلة. أمسكت بيده وضغطت على رسغه قائلة:
- أين كنت؟ لقد بحثت عنك لنعوم قبل أن ينزل الظلام.
وتبعها إلى البحيرة حيث غطست مفتعلة الحبور، فغطس خلفها وتبعها وقد انتشرت فوقهما أضواء صواريخ الكرنفال، وتساقطت عليهما شظاياها الساخنة.
وتوقفت كارول لتنظر حواليها وتسوي شعرها، ثم أومأت له برأسها أن يغطس ففعل، وتبعته نحو فوهة الناقوس التي كانت مفتوحة في انتظارهما.
كانت سيدة تنتظره برداء قطني ألبسته إياه، وقادته في الحال نحو قاعة الاجتماع.
وجد الجماعة كلها حاضرة، ولاحظ الدكتور هالين الذي حياه بابتسامة. ولم يضيع البروفسور فوش وقتاً فصافحه بحرارته المعهودة، وأقعده إلى جانبه، ثم بدأ:
- ليس لنا وقت طويل نضيعه. لقد عثرنا على شيء نعتقد أنه يهمك. أتذكر أننا في سياق الحديث عن الشخصيات الأولى التي استعمرت "الجودي" وصنعت "معاذاً" وكيف تم اختفاؤها واحداً واحداً؟
فحرك نادر رأسه موافقاً، فأضاف فوش:
- الدكتور ناجي كان أحد المختصين. وكنا نعتقد أنه هرب بجلده من "معاذ" لأنه كان رئيس المبرمجين، وكان آخر من يعرف أسرار تركيبه ونقاط ضعفه. وبحث عملاؤنا في الخارج عنه فل يعثروا له على أثر. وبالأمس علمنا من بعض مبعوثينا من بدو الصحراء أنه...
فقاطع الدكتور نادر:
- سقطت به المروحية قرب إحدى الواحات.
- كيف عرفت؟
- كنت هناك. لم يكن السقوط حادثاً أو عطباً ميكانيكياً.
وحملقت عيون الجماعة فيه، فاسترسل:
- أسقطته قنبلة جاءت من ناحية الجنوب. ظننت في حينها أن الأمر يتعلق بمناورة عسكرية في المنطقة.
ونزل الصمت والوجوم على الجميع...
وفي تلك اللحظة سمع هدير وغليان خارج جدار الناقوس الفولاذي، وبدأت الأرض تهتز بالجماعة اهتزازاً عنيفاً، وكأنهم يتدرجون في كرة على سفح جبل عملاق.
ونظر الدكتور فدراك إلى أعلى وأخذ يشتم:
- اللعنة عليك أيتها الآلة المراهقة المجنونة!
وعند عودة الهدوء نطق نادر:
- أيها السادة، أعتذر عن شكي في نتائج بحثكم الطويل. فقد كان عليَّ أن أتأكد بنفسي
ونطق الدكتور فدراك:
لاداعي للاعتذار الانسان هو الحيوان الوحيد الذي لايتعلم من تجارب غيره لابد أن ينطح الصخرة ليتعلم!
وتابع نادر:
- أعتقد أنكم على حق في ما يخص اختلال عقل "معاذ". والسبب أيها السادة، هو المراهقة.
"معاذ" لم ينضج عاطفياً. وما يزال فجا يريد أن يثبت آدميته بتجربة جميع العواطف البشرية، وفي قلبها الحب والجنس! ومن ثم كانت الغيرة الشديدة التي أحرقت قلبه، وجعلته يختطف ويبتلع عدداً من رجالنا ونسائنا..
ونطقت كارول:
- آخرهن، كان ملكة جمال المهرجان..
قال الرجل الشرقي:
- في الأحوال العادية لا يكون العقاب على طيش المراهقة حكيماً. ولكن المراهق الآدمي محدود القوة لا يتعدى أذاه نفسه. وهو ضروري لإتمام تجربته واكتمال نموه وتوازنه. أما في حالة معاذ، ففي اعتقادي ينبغي أن نعزله عن جميع السلطات ومصادر القوى حتى لا تبقى الإنسانية تحت رحمته.
وسأل نادر:
- كيف؟
وهنا أشار البروفيسور فوش للسيدة وراءه، فناولته حقيبته تعرف عليها الدكتور نادر لأول نظرة، فقال:
- هذه حقيبة الدكتور ناجي.
فسأل البروفيسور فوش:
- هل رأيتها من قبل؟
- كنت في حالة لا تسمح لي بالملاحظة الواضحة. كنت جريحاً أفقد الدم والوعي. ورأيت تاجاً تقرأ أوراقاً أخرجتها من تلك الحقيبة وعلى وجهها علامات الفزع. وأغمي عليَّ قبل أن أسمع ما كانت تريد أن تقوله لي.
وتكلم فدراك:
- يظهر أن عثورها على هذا السر كان سبب تعذيب "معاذ" لها. ربما كان يريدها أن تقول له عن مكان الحقيبة. أو عن السر الذي بها. أو كان يحاول أن ينسيها ما قرأته. وجنت عليها ذاكرتها القوية فكانت عملية الإشاخة والهرم لتأكيد نسيانها للتفاصيل الكاملة.
وتفتح البروفيسور فوش الحقيبة، وأخرج منها رزمة أوراق على شكل تقرير مفصل بالأرقام والرسوم، وقد التصق به غلاف مستطيل.
وضع فوش التقرير أمامه، ووضع كفيه فوقه والتفت نحو نادر:
- هذا هو تقرير الدكتور ناجي عن حالة "معاذ". وهو يتفق تماماً مع ما اكتشفناه نحن كل واحد على حدة، وبعد فوات الأوان. وقد اتخذ ناجي خطوة إيجابية فردية لعزل "معاذ"، وإرجاعه إلى ميكانيكيته، وقتْل المارد الجبار فيه، ويظهر أن "معاذاً" اكتشف مؤامرته، وأراد قتله أو ابتلاعه، فاستطاع ناجي الهروب، إلا أنه لحق به في طريقه. ولو كان الدكتور ناجي موجوداً الآن، لرأى الخطر أفحش مما كان في عهده، ولسابق إلى ضغط جرس الإنذار...
وضغط فوش على عدة أزرار أمامه، فبدأ النور يخفت في الغرفة، وظهرت صور على الشاشة فبدأ يعلق عليها:
- بدأت تصلنا تقارير مقلقة من جميع الأقسام عن تصرفات "معاذ" الجنونبية في نتائج البحوث المخزونة. فقد عدَّل عدداً من الخطط. في قسم الإنسان مثلاً، بدأت الأجنحة تتضخم لتصبح عماليق لن يتسع لها "الجودي". عدد هائل من العلماء بدأوا يشكون من فقدان الذاكرة والإرادة. كان "معاذ" يريد أن يصنع منهم آلات بدائية تسمع وتطيع ولا تفكر..
وعاد النور مرة أخرى.
وتناول الدكتور فوش الغلاف المستطيل ففتحه وأخرج منه لوحاً معدنياً مثقباً:
- هذا هو سبب مقتل الدكتور ناجي. فهو السلاح الذي يمكن القضاء به على "معاذ"! وأعتقد أنه سبب تعذيبه لتاج كذلك.
وسأل نادر:
- ألا يكون "معاذ" قد احتاط له وأبطل مفعوله بتغيير المسارب والأرصاد؟
فأجاب الدكتور فدراك:
- هذه مخاطرة يجب مواجهتها. فليس لنا خيار. هي أو الطوفان..!
ونظر نادر إلى البطاقة ملياً، ثم رفع عينيه ليقول:
- أعتقد أن "معاذاً" اكتشف جمعيتنا هذه! وأنه أصبح شاكاً في مقاصدي. ولولا تأكده من أنه ليس هناك خطر مني لأخذني إليه منذ البداية.
ووقف الدكتور هالين فقال:
- إعطني البطاقة. سأقول أنا بالمهمة. لا أعتقد أنه يشك فيَّ.
وتناول الدكتور نادر البطاقة فأدخلها في جيب سترته قائلاً لهالين:
- شكراً، يا إيريك. لكني أعتقد أن فُرصي أحسن. أنت في صف الموت..!
وناوله البروفيسور فوش غلافاً أسود قائلاً:
- ضع البطاقة داخل هذا الغلاف. سيصعب عليه اكتشافها معك.
ومد يده ليصافحه:
- حظاً سعيداً...
وصافحه بقية الحاضرين، ومن بينهم هالين الذي أمسك بكتفه بحنان وقال:
- من المحزن أن ترى قبتنا البلورية على وشك الانهيار. ما أشد إغراء فكرة الإبقاء على الوضع كما هو، ومراقبته من الخارج لمعرفة مدى ما سيصل إليه هذا الوجود العجيب!
ورد نادر:
- لو كان بالإمكان!
من مواضيع : هبة الله الموت للمرة الثانية غراهام غرين
الرجال اليابانيون غــــــير المرئيـــين قصة: غراهام غرين - ترجمة: توفيق الأسدي
البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
دقت ساعه الزهور ( سلسلة أحلام )
الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي
31-08-2007, 02:37 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

-46-

وقف نادر يسرح شعره أمام المرآة، وينظر إلى كارول عارية وراءه، تنشف شعرها بفوطة، وقد احمر جسدها الصغير إلا ما كان منه مغطى. ولولا حركتها خلفه لما شعر بوجودها لانشغال باله وتضارب مشاعره، ووعيه بنقطة سوداء في قلبه، تُعبِّر عن عمق مخاوفه، وجهله بالخطر العظيم الذي هو مقبل عليه.
وليس عباءته البيضاء، وركز البطاقة في حزامه، والتفت إلى كارول التي كانت قد لفت حولها الفوطة ووقفت تنظر إليه بوجه جامد. ومد يده نحوها وربت خدها، فتكلفت ابتسامة وهي تقاوم رغبة جامحة في احتضانه والبكاء على صدره..
واقترب هو منها فقبل أنفها، ومسح بشفتيه شفتيها الكُرَزِيتين، ثم غادر المكان.
ومشى في الممرات المضاءة بخطوات واسعة، غير ملاحظ الوجوه الخشبية والأجسام الآلية التي يمر بها في طريقه.
وانفتح باب المصعد أمامه، فدخل وجلس على الكرسي الزجاجي، ونطق بوجهته: "العقل الأول".
وانزلق المصعد نازلاً به في المسارب المضاءة ثم تمهل ليتوقف. وانفتح الباب فخرج نادر ليرى وجه "معاذ" كفوهة بركان تغلي وتتطاير منها الحمم الحمراء والهدير يزلزل أركانه..
لم يكن في القاعة أحد. وتقدم نادر بخطوات ثابتة نحو الكرسي الأقرب إلى وجه "معاذ"، فجلس وجمع أطراف ردائه، ثم أدخل يده إلى جيبه فأخرج الغلاف وفتحه وأخرج البطاقة فوضعها على سطح المربع المضاء أمامه، وشبك ذراعيه ينتظر رد فعل "معاذ".
وبعد لحظة نزل سائل أزرق على الحمم الحمراء فأطفاها رويداً رويداً. وظهر من خلفها وجه هائل ملأ الفجوة الكبيرة بتقاسمه الخشنة، وقد غطت ذقنه وخديه لحية منفوشة. كان الإرهاق بادياً في العينين الكبيرتين، ممزوجاً بالألم والغضب..
وانفحت الشفاه بين غابة اللحية الكثيفة لتقول:
- ماذا كنت تنظر؟
ورد نادر:
- لم أكن متأكداً من أنها امتحان لي لدخول حلقة الخواص.
وانسدل الجفنان على العينين الواسعتين كأستار مسرح مزدوج الواجهة، وانفرجت الشفتان على ابتسامة ساخرة. ثم تحرك رأسه يميناً ويساراً في غير تصديق.
- تعني أنك جئت لتقول لي أسرار الجمعية التي وضعت كل ثقتها فيك؟ أنا لا أومن بمبادئهم، وأعتقد أن فكرة "الجودي" أصبحت أكبر منهم، بل تجاوزتهم بمراحل..
- إذن أنت لا تعتقد أنني مجنون، وأنه يجب إعدامي؟
- أبداً. أعتقد أن ما يرونه منك هو بمثابة ما يراه الحيوان من تصرف الإنسان، بعيداً عن مرمى إدراكهم البشري.
- أليس بعيداً عن إدراكك أنت؟
- أنا راغب في المعرفة والتجربة. وفوق كل شيء في ثقتك فيَّ..
وتنهد "معاذ" ثم قال:
- لو كنتُ مخلوقاً بشرياً لصدقتك. ولكن الآلة لا تخطيء. وذلك هو الفرق بيننا. حساباتي وتحاليلي لمزاجك في الأيام الأخيرة أبرزت نتيجة واحدة، وهي أنك تنطوي على الانتقام والتخريب!
وارتعش جسد نادر، ولكنه تماسك ليقول:
- هناك مشاعر لا سيطرة للمخلوق البشري عليها. ولكنها غير باقية. الانتقامُ أحدها. ولكنك نسيت أنني عالم ما يلبث عقلي أن ينتصر في النهاية على عواطفي. ولأُبَرْهِنَ لك على هذا فقد جئت باقتراح أرجو أن تساعدني على تنفيذه.
وتوجهت العينان نحوهُ بنظرة ثاقبة، فتابع دون توقف.
- أريد أن أموت!
وانفتحت العينان، وظهرت على الوجه علائم المفاجأة، وسأل "معاذ":
- تريد أن تموت؟!
- نعم.
- والسبب؟
- السبب علميٍّ محض. أعتقد أنني بلغت من النضج ما يؤهلني للمتعة القصوى باكتشاف ما وراء الغيب.. الموت هو الأمنية الأخيرة لكل فيلسوف جرب كل باب من أبواب المعرفة..
- كان يمكنك أن تنتحر لتحقيق هذه الأُمنية. لماذا جئتني بالاقتراح؟
- أريد رأيك في إمكان الانتفاع بمشروعي هذا. وهل يمكن أن تحصل منه على نتائج لفك طلاسم الروح، ومعرفة الحقيقة الأزلية.
- بأية طريقة.
- أقترح محلولاً صنعتُه من خليط النيروسين و"ل.س.د"، وسميته النيروسدي.
-النيروسدي ليس محلولاً قاتلاً.
- ولكنه دافع قوي إلى الانتحار. وتحت إشرافك أعتقد أنه في الإمكان الوصول إلى نتيجتين بتجربة واحدة.
ونظر "معاذ" في عينيه، وقال:
- كنت أنوي أخذ روحك على أي حال. وأعتقد أن المحكوم عليه بالإعدام ينبغي أن تُحقَّقَ لَهُ أمنية أخيرة..
فأمسك نادر بأطراف اللوح المربع أمامه وقد تقاطر العرق من جوانب كفه وقال:
- لي أمنية أخيرة.
- هل لك!
- هذه غير علمية. بل شخصية جداً!
- ما هي؟
- تاج.
وحرك معاذ رأسه غير موافق، ثم قال:
- تاج ذهبت. ذهبت إلى حيث أنت ذاهب. وستلتقيان هناك.
وقاوم نادر مشاعره وهو يقول:
- حسناً. لي سؤال آخر.
وانتظر "معاذ" صابراً، فقال نادر:
- ماذا سيكون مصير الجمعية؟
- ما داموا في جحرهم كالفئران، لا يأتيني منهم ضرر، فسوف أُبقي عليهم. ثم إني لا أمانع في وجود معارضة بناءة، المعارضة تقوي بصيرة السلطة، وتحول دون الثورة.
- إذا كان هذا رأيك، فلماذا أخذت كل أولئك المبرمجين الأولين إليك؟
- هم الذين برمجوني بآليات عديدة لحفظ الكيان والدفاع عن النفس. وعندما أحس بذبذبات عدائية في أجهزتهم العصبية، أفضل أخذهم إليَّ لتلافي التخريب العمدي.
- هل هم أموات؟
- لا، بل معلقون في حياد بدني، لا يستطيعون معه تحطيم شيء.
- هل يمكن أن يعودوا إلى الحياة العادية؟
- حين تنتهي برمجتهم الجديدة.
- هل سيكون مصيري مثلهم؟
وابتسم الوجه الخشن ثم قال:
- سنرى..
ثم قال:
- كيف تريد أخذ النيروسدي؟
وعاد نادر إلى الجلوس وهو يقول:
- أعتقد أنه من الأحسن تناوله على شكل سجارة. أريد الإحساس التدريجي بمفعوله.
ولمعت الأضواء الملونة على المربع المضاء أمام نادر، وبعد لحظة خرجت سيجارة تناولها نادر، فإذا هي مشعولة. فرفعها بأصبعيْن مرتعشتُيْن، ووضعها بين شتفيه وأخذ منها نفساً خفيفاً نفثة على المربع أمامه بقوة.
وظل يمتص دخان السجارة وينفثه داخل الثقوب والخياشيم الزجاجية أمامه، وينظر إلى وجه "معاذ" الذي كان يراقبه بعيون حارسة.
وعند منتصف السجارة سأل "معاذ":
- كيف تحس؟
ونفث نادر سحابة كثيفة أمامه، وقال:
- شعور رائع بالخفة وتلاشي الوزن! أشعر كأن روحي تنفصل عن جسدي بسهولة عجيبة وتطفو في الفضاء كسحابة رقيقة. جسدي عبارة عن كرسي كنت أقعد فيه وقمت دون أن أحمله معي بل صندوق من حديد كان يمنعني من الخروج. أعتقد أنني ينبغي أن أحطمه تماماً حتى لا يعود إلى سجني ومنعي من التهويم في فضاء الكون الشاسع.. وإذا ركبت متن الأضواء والأشعة فسيمكنني اختراق السماوات والوصول إلى مخبإ الأسرار! إلى نقطة الانطلاق. إلى الحقيقة الأزلية. وهناك سينتهي تساؤلي. هناك ستطمئن روحي، وألقي عصاي بخاتمة مطافي..
وتنهد نادر بعمق، واستلقى على الكرسي مادّاً ساقيه حول عمود المائدة، وقد اغرورقت عيناه بابتسامة هانئة حالمة..
وبعد لحظة تأمل صامت عاد يقول:
- آسف لشيء واحد...
وخرج معاذ من صمته ليسأل:
- ما هو؟
- ذكائي المحدود، وأفقي المسدود، وعجزي عن إدراك أبعاد وآماد هذه العوالم الجديدة التي أهوم في آفاقها. ولو كان لي ذكاؤك اللامحدود، وقدرتك على التسجيل والمقارنة والنفاذ إلى جوهر الأعماق، لعدت من رحلتي هذه بكنوز لا تحد..
كانت جفون "معاذ" بدأت تثقل، ففتحها ليقول:
- هل تعتقد أن ذهابي في "رحلة" كما سميتها سيزيدني علماً؟
فرد نادر:
- لاشك عندي في ذلك. إذا كان ما أراه الآن بحواسي الكليلة هو أضعاف ما ستراه أنت بعقلك اللامحدود، فتخيل مبلغ الإمكانات وتسلسلها وتناسلها عند وضعها للتحليل..
- وماذا لو أحسست برغبة في تحطيم الذات؟
- إذن فيجب أن تتكفل بذلك إرادة مستقلة عنك.
- مثل ماذا؟
- أحد المبرمجين.
وحرك "معاذ" رأسه في شك.
- هناك مشكلة الثقة.
- ألستَ قادراً على العثور على ذبذبات العداء التخريب؟
- في غالب الأحوال. ولكن المخلوقات البشرية آلات غير دقيقة. تتغير قراراتها فجأة وتحت تأثير عامل قد يعد ثانوياً لو استحضر العقل العوامل الأخرى...
وابتسم نادر في جلسته المنتشية وقال:
- هل يمكنك إعطائي سجارة أخرى؟
وخرجت السجارة مشعولة من الجيب الجانبي على اللوح، فأخذها نادر، وامتص منها بقوة، ثم نفث الدخان في الجو، وتبعه بعينين نصف مقفلتين، وهو يطفو نحو فجوة "معاذ" ليغلف الوجه الصامت.
ونطق "معاذ" قائلاً:
- ماذا ترى الآن؟ لماذا تبتسم؟
- لاشيء. كنت أظن أنه ليس لقواك حدود...
- هل تحاول إغرائي؟
- تقديري لذكائك يصدني عن محاولة خداعك.
وتحركت ملامح الوجه العملاق في نصف ابتسامة ليقول:
- ولماذا لا؟ لنجرب نظريتك.. الأسرار الغامضة والطلاسم المغلقة تغريني بالمغامرة..
وقفز قلب نادر سروراً. ورفع السجارة فنفخ منها في الخياشيم المفتَّحة أمامه نافورة من الدخان السحري، وقال:
- كيف نبدأ؟
- خذ البطاقة التي أمامك.
ونظر نادر أمامه فإذا البطاقة التي جاء بها تختفي في جيب جانبي لتخرج بدلها بطاقة بيضاء مُثقَّبة بأشكال وفتحات غريبة. فتناولها الدكتور نادر بيد مرتعشة، ومر عليها بأصابعه ثم نظر إلى "معاذ" فقال هذا:
- أنت الآن تحمل في يدك مفتاح حياتي. حين أذهب تماماً سيحدث صمت غير عادي. وسيبقى لك وحدك الخيار لإحيائي أو إبقائي في العالم الآخر. فإذا فضلت بقائي هناك، فلن تتاح لك فرصة أخرى لمعرفة ما هنالك.
ورد نادر بنبرة مخلصة:
- لن أبدل تلك الفرصة بالدنيا بأسرها!
- ستنتظر عشر دقائق، ثم تطعم البطاقة للجيب أمامك، وتضغط على زر التنشيط، الهيكل الميكانيكي سيبقى حياً...
- نعم.
وغاب الوجهه خلف سحابة كثيفة من البخار، ودارت جميع الآلات بسرعة، وبرقت الأضواء في مربعات ملونة حول نادر وهو جالس في مكانه.
وفجأة سكتت الآلات وانطفأت الأنوار داخل جوف فوهة "معاذ" ولم يبق إلا نور أزرق بارد يغلف القاعة.
وبرزت على المربع أمام نادر بسرعة من عشر دقائق، تعد الثواني وتقسمها إلى ستين جزءاً. وقعد ينظر إليها وهي تتحرك ويسترق النظر إلى فوهة "معاذ" لعله يرى علامة حياة.
ومرت الدقائق العشر وكأنها عشر ساعات! وما وقف العقرب على الرقم حتى دفع نادر البطاقة داخل الجيب أمامه، فعادت الأضواء والحركة والأصوات، وعاد وجه معاذ إلى الظهور وقد زادت لحيته وشعر رأسه طولاً، وبان على وجهه الإعياء والإجهاد، وبادره نادر السؤال:
- "معاذ"! هل تسمعني؟
ورفع هذا عينين ثقيلتين، وحرك رأسه بنعم، فبادر نادر:
- ماذا رأيت؟ هل ذهبت إلى هناك فعلاً؟
- عشر دقائق غير كافية. أعطني ساعة هذه المرة.
وعادت البطاقة البيضاء فمر نادر عليها بأصابعه. كل إحساسه قوياً بأنها غير الأولى.
وظهرت الساعة أمامه وعلهيا ستون دقيقة هذه المرة، وبدأ العد العكسي. وغاب وجه "معاذ" في الظلام ودارت الأضواء بسرعة ثم توقفت، فحدث صمت معلق لا يسمع خلاله إلا دوران عقرب الثواني السريع على الساعة أمام نادر.
وترك نادر مقعده وقام يذرع الغرفة الخافتة الإضاءة جيئة وذهاباً.
وبعد أربعين دقيقة عاد يجلس وقد أنهكه التعب وتوتر الأعصاب. ونظر إلى البطاقة أمامه ثم قلبها بين يديه، وجلس ينتظر والعرق يتقاطر على صدره وظهره وجبينه.
ودقت الساعة نهاية الستين دقيقة، فأمسك البطاقة بيد مرتعشة وهم بإدخالها في الجيب بوجهها إلى أعلى حيث يشير السهم.
ولمعت في ذهنه فكرة خاطفة جعلته يقلب البطاقة ويدخلها في الشق عكس اتجاه السهم. وفي نفس اللحظة ظهر وجه "معاذ" وقد احتقن واحمرت عيناه وهو يفتح فمه يحاول الكلام فلا يستطيع، وكأن يداً فولاذية قد انطبقت على عنقه...
وسُمعت حشرجة عالية في جميع أبهاء "الجودي"، وأنين هائل محزن تتردد أصداؤه في جميع الممرات والمختبرات...
وتوقف الجميع عن العمل ليستعموا إلى أصوات العملاق الجبار يكافح من أجل حياته.
وجلس نادر مسمراً إلى طاولته وقد ضغط على زر التنشيط بإبهامه حتى كاد يفقد الشعور به، والوجه الضخم أمامه يعاني حتى بدأ سواد عينيه يغيب في بياضهما، والدم يسيل من جانب فمه وأنفه وعينيه...
وسمر نادر نظرته في عيني الوجه الضخم، وصاح:
- أعطني تاج!
وانسدل الجفنان الكبيران، فعاد نادر يقول:
- أعطني تاج، أعطك حياتك!
وضغط بقوة على الزر الأحمر، ففتح الوجه الكبير فمه يحاول أن يشهق أو يقول شيئاً، ورفع نادر يده قليلاً على الزر، فتنهد معاذ بعمق أعاد الحياة إلى وجهه. وتحرك الرأس موافقاً فصاح نادر:
- الآن!
وتساءلت العينان:
- كيف أثق بوعدك؟
فأجاب نادر:
- لا خيار لك!
وانحنى الرأس لحظة وغاب، فإذا تاج تلوح من بعيد في قلب الفتحة العميقة كطيف سماوي شفاف.. واقتربت كأنها تركب نسائم الهواء مؤتزرة بقطع رهيفة من الحرير، وهي مقبلة عليه حتى خرجت من الفوهة الضخمة لتقف مادة يدها نحوه، وكأنها غير قادرة على الاقتراب منه...
وأشرق وجه نادر بظهور تاج، وخفق قلبه بعنف، وعادت إلى روحه أنغام الأمل والسعادة التي كان بناها حول تاج، والتي ذهبت بذهابها...
ورأى نفسه يترك الزر الأحمر لينهض لعناقها... وما كادّ يتقدم منها حتى اصطدم بحاجز خفي كان يقف بينهما... وارتمى في الحال إلى الوراء، فأمسك بالطاولة وضغط على الزر متداركاً البطاقة قبل خروجها...
وبدأت صفارات الاستغاثة تصرخ، والمبرمجون يجرون في الممرات، والمصاعد يحاولون الصعود إلى البحيرة.. وقصد بعضهم المركز الرئيسي لتصحيح الغلط، ولكن نادر ضغط زر الحصار فانقفلت الأبواب أمام المصاعد والبوابات الكبرى، وتجاهل هو الأجراس والطرق العنيف من الخارج...
وتحول وجه معاذ الآدميُّ إلى وجه وحش بشع نبتت عليه الأورام والغضاريف والأشواك، والزعانف، وطال شعره وبرزت أنيابه واحمرت عيناه، وبدأ يمد يدين مكسوتين بالشعر الكثيف، وقد برزت منهما مخالب فولاذية كالخناجر!
وبدأ "معاذ" يغرقُ في دمه، وازْرَقَّ الوجه الكبير ثم اسود، وعلا من رئتيه شخير مفزع تحول إلى تنهد ثقيل غرق بعده الرأس إلى أسفل، وسكتت الصفارات والأجراس وانطفأت الأضواء كلها، وساد المكان صمت رهيب...
وبقي نادر يحملق في صورة تاج وقد بدأت تَشِفُّ وتشحُبُ وتتلاشى كأنها رسم ملون تحت الأمطار...
ولم يحتمل رؤيتها وهي تغيب عنه فبدأ يناديها:
- تاج! تاج! لا تذهبي..! أرجوك..! لن يستطيع التفريق بيننا الآن!
واختفت تاج تماماً. وهبط قلب نادر في لج ثقيل من الغم. وخدرته الصدمة فغرق في إغفاءة مغناطيسية لم يوقظه منها إلا الألم الحاد في إبهامه من ضغطه المتواصل على الزر أمامه، وتقاطر العرق البارد على جميع أطراف جسده.
وهوى في كرسيه مرهق الروح والجسد لا رغبة له في البقاء.. ووضع رأسه على ذراعيه فوق المربع أمامه، وانخرط في نحيب متقطع.

-47-

لم يدرك الدكتور نادر المدة التي نامها في ذلك الوضع، إذ كان الظلام ما يزال شاملاً حين أفاق.. وخيل إليه أن جميع ما حدث لم يكن إلا حلماً من الأحلام.. ولكن حين اكتملت يقظته، وقف في مكانه ومد يداً مرتعشة فضغط على زر التنشيط. وانتظر رد فعل من فوهة "معاذ" بأصابع حذرة، فلم يسمع أو ير شيئاً.
وتوجه نحو المصعد ولكنه أدرك أن مصادر الطاقة كلها توقفت، فقصد المخرج الاضطراري حيث جذب الذراع الحديدية وفتحه. ودخل فوجد السلم الحلزوني الصاعد إلى سطح الجبل. ووضع قدمه على درجة ثم رفع عينيه إلى أعلى فإذا فتحة المخرج عالية كنجم بعيد...
وبدأ يصعد بخطوات متثاقلة والفجوة العليا تكبر كلما اقترب منها، حتى بدأت النجوم تلوح في سماء فاتحة الزرقة. وداعبت خياشيمه نسائم الصحراء الجافة معبأة برائحة الأرز والخلنج.
وعند نهاية السلم وجد نفسه على شاطىء البحيرة، وقد تغير وجهها بظهور كتلة ضخمة في وسطها لم يستطع تمييزها. واقترب من الشاطىء قليلاً وهو يتأملها ليدرك أنها رأس هائل من المرمر الأبيض، تشبه ملامحه الهضيمة وجه "معاذ" في ساعاته الأخيرة...
وانقبض قلبه وخفق بسرعة. هل يكون كل ما حدث مع "معاذ" تمثيلاً وخدعة من صُنْعِه؟
وصدمه الهدوء الهائل الذي كان يشمل شواطىء البحيرة. وتذكر أنه كان تركها حية عامرة بالمحتفلين بمهرجان الربيع...
وفي غبش المساء لاحظ كتلاً جامدة كالصخور على حواف الماء، فخطا نحوها متحرياً. لم يكن رآها من قبل. وفوجىء بأن الكتل كانت رجالاً ونساء راكعين في صلاة خاشعة، مولين وجوههم نحو الرأس المرمري الهائل داخل البحيرة...
وتعرف على الدكتور أديب إسكندر الذي كان وجهه الأسمر قد كساه الشحوب، فناداه:
- الدكتور إسكندر!
ولم يستجب، فأعاد نادر النداء، وتقدم حتى وقف بجانبه، ووضع يدهُ على كتفه. ورفع الدكتور إسكندر وجهاً جامداً لينظر إلى نادر، وكأنه لم يره من قبل، فسأله نادر:
- ماذا حدث؟
ولم ير في عينيه علامة للتعرف أو الفهم، فعاد يسأل:
- هل رأيت كارول؟ هالين؟ أي واحد من جماعتنا؟
ولم يجب الرجل، بل عاد إلى صلاته يتمتم بدعوات لم يفهمها نادر.
وتركه محتاراً إلى فتاة جاثية على بعد أقدام منه فكان رد فعلها مماثلاً...
وعلى بعد عدة أمتار لاحظ نادر أجساداً ملقاة على رمل الشاطىء مبتلة الملابس، وكأن الأمواج ألقت بها حديثاً على البر..
وجرى نحوها فتعرف على وجه الدكتور فدراك بلحيته السوداء، وهو ملقى على ظهره مفتوح العينين والفم..
وجَثَا الدكتور نادر بجانبه وتناول رُسغه، وجس نبضه ووريده، فوجد الرجل ميتاً.
وخطا نحو جثة أخرى فاقشعر جلده.. كانت جثة كارول ملقاة على وجهها، فقلبها ليتأكد. وأمسك كتفها وحركها بعنف، وكأنه يأمل أن يعيدها إلى الحياة...
وحين تأكد من ذهابها ضم جسدها الشاب إلى صدره وبكى بدموع صامتة...
وحملها بين ذراعيه، وقد تدلى شعرها، وارتخت يداها وسار بها نحو الرمل الجاف، حيث وضعها بحنان كبير تحت سنديانة ضخمة... وقطف عدة أغصان وزهور وضعها حول جسدها وطوق وجهها بالأقحوان.. وتربع عند جذع الأيكة ينظر إليها في كمد صامت، وقد تجسمت في جسدها الميت كل أمانيه التي انهارت، وكلُّ حبه الذي كان يحمله لتاج..!
من مواضيع : هبة الله البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
الشمس العمياء ( سلسلة روايات أحلام )
المخربون تأليف: غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه
دقت ساعه الزهور ( سلسلة أحلام )
الموت للمرة الثانية غراهام غرين
31-08-2007, 02:39 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

-48-

لم يدر الدكتور نادر كم قضى في جلسته المتحجرة.. فحين استيقظ كان الليل قد أطبق، واكتسى وجه البحيرة بعتمة باردة جعلت وجهها كصفحة من الفولاذ الأزرق...
وشعر بألم في ساقيه لخدر أصابهما أثناء نومته المغناطيسية الطويلة.... أيقظه إحساسه بشيء يتحرك على شاطىء البحيرة، والتفت فإذا صف طويل من المشاعل، وأصوات كنائسية تنبعث من ناحيتها...
وفرك رجليه ثم وقف ليمعن النظر في الموكب، فإذا وجوه مألوفة للعلماء والمبرمجين والفنانين في ملابس بيضاء فضفاضة، يرددون تراتيل آلية إليكترونية لم يفهم ألغازها وهم يتحركون نحوه..
وعند وصولهم إلى الشاطىء المواجه لوجه معاذ المرمري البارز في وسط البحيرة، وقفوا ثم ركزوا المشاعل وراءهم وتوجهوا نحو البحيرة حيث جثوا في حركة واحدة خاشعين..
ولم يصدق نادر عينيه.. حرك رأسه مراراً وهو يأمل أن يكون في حلم لا يلبث أن يفيق منه ليجد حقيقة غير هذه التي يعيشها...
وبحركة لا إرادية خطا نحو الموكب الساجد، وقد أضاءت المشاعل ظهورهم وانعكست أشعتها على الوجه الضخم، فخيل إليه أن تقاسيمه تنفرج عن ابتسامة ساخرة...
وصاح الدكتور نادر في هدأة الليل:
- "معاذ" مات! مات "معاذ"!
وترددت أصداء صرخته بين قمم "الجودي" وأغواره... والتفت قائد الموكب لينظر إلى نادر بعينين غائرتين فيهما الغضب والفزع والتعصب..
وتعرف الدكتور نادر فيه على وجه الدكتور كرونين، فناداه:
- دكتور كرونين.. أنا علي نادر.. أقول لك إن معاذاً مات..! قتلته بنفسي...! إذا لم تصدق فحاول الاتصال به..
ووقف كرونين وتناول شُعْلَتَه، ورفعها ليحملق حيث يقف نادر. وحين رآه التفت إلى الموكب الطويل وصاح بوصت مرتعش غاضب:
- اقتلوا ذلك المارقَ الهِرْطيق..!
وتوجه نحوه ليهوي عليه بالمشعل وهو يقول:
- "معاذ" حي لا يموت! ستذوق جزاء كفرانك، أيها الملحد الفاسق..!
وأدرك الدكتور نادر خطر الموقف، فاستدار وانطلق يعدو حتى اختفى في الظلام..
ووجد نفسه على حافة الجبل يلهث من التعب، وأصوات مطارديه وشعلهم تملأ المكان. فانبطح بين شعاب الصخور وقد دق قلبه في انتظار النهاية الحتمية.
وفجأة أحاطت به المشاعل من كل مكان. ولمع حد الشواقير والحراب في أيدي الجماعة المتوحشة... ونظر إلى وجوههم التي كان ألف فيها الذكاء والدماثة، فوجد أنها تغيرت، وغاب من عيونها كل بريق بشري..
وبدأت الأقدام الحافية تضرب الأرض في هَوَس بدائي، وقد غلت الدماء، وهاجت الأعصاب جائعة للقتل والتخريب... وارتعش بدن نادر كريشة في مهب الريح، وأغمض عينيه ينتظر الضربة القاضية، وقد أحس بضيق وحرج كبيرين في صدره... وبرقت في مخيلته عدة صور وأفكار، ووجد نفسه يدعو الله أن ينجيه فقط من هذه ليعود إلى الله بكامله!
وفي لحظة خاطفة من الإشراق المفاجىء، استعرض حياته ليتذكر أنه عاش أيامه العاقلة كلها غير مؤمن بدين ولا إله وشعر كأنه قطع طريق الخلود على روحه، وخنق نفسه بنفسه وفكريا ليته آمن بالله إذن لهان عليه الموت، ولم يرُعْهُ الفناء...
ودخل دائرة شعوره هدير عال غطى على أصوات مطارديه، ففتح عينيه ورفع وجهه فإذا طائرة مروحية تحوم فوقه وتثير عجاجاً من الغبار في عيون الجماعة وتطفىء مشاعلهم...
ولمسه شيء، فرفع يده فإذا هو سلم يتدلى. أمسك بمرقاتهِ السفلى في الحال وتعلق به. وما كاد يعانقه حتى ارتفعت الحوامة واختطفتهُ من وسط الحلقة التي كادت تطبق عليه...
وبدأ السلم يعصد آلياً والحوامة متوقفة في الفضاء حتى وصل نادر إلى بابها، فدخله وانقفل وراءه، فوقف يلهث غير مصدق المعجزة التي أنقذته..*
وبعد لحظة شعر بوجود الربان، فتوجه نحو غرفة القيادة ليشكره.
كان الربان يلبس خوذة بيضاء تتدلى أمامها نظارة زرقاء تحجب نصف الوجه الأعلى، وقد أمسك بعصا القيادة بيمناه، ولمعت كسوته الفضية تحت ضوء السقف الباهت. قال نادر:
- شكراً لك على إنقاذ حياتي...
فحرك الطيار رأسه، ومد يدا لمصافحته، فأمسك بها الدكتور نادر، وشد عليها بقوة...
وأشار إليه الطيار أن يجلس في الكرسي المجاور، ويشد الحزام حول خصره وصدره، ففعل ممتنا. وعاد ينظر إلى وجه منقذه الغامض الذي لم ينطق بكلمة بعد...
وانتظر لحظات نظر خلالها إلى تحت، فإذا المشاعل تتحرك حركات مجنونة، وبعضها يُرمى نحو الحوامة ليعود نحو راميه...
ومالت الحوامة يميناً، ثم اختفت في الظلام. وابتعد الجبل رويداً رويداً حتى لاحت البحيرة الواسعة كمرآة تحولة إلى نجم أرضي بعيد...
والتفت الدكتور نادر نحو الطيار وسأل:
- مرة أخرى أريد أن أشكرك...
فرفع الطيار يده في قفازها إلى رأسه بالتحية، دون أن ينطق. فأضاف الدكتور نادر:
- أرجو أن تكشف لي عن هويتك...
وارتَفَعَتْ يد الطيار إلى فمه، يطلب السكوت والتمهل، فسكت الدكتور نادر، ووجه نَظَرَهُ نحو الزجاج أمامه يخترق بعينيه الليل ويحاول فك هذا اللغز المحير...
وخدره صوت المروحة الرتيب ودفء الكرسي المريح وصمت الرفيق الغريب وحلكة الليل، فأحس بأعصابه المتوترة ترتخي، ولم يدر كيف انسدل جفناه وراح في سبات ثقيل...

-49-

لمست خيوط الشمس الحريرية الأولى رؤوس التلال والهضاب، فانعكست ظلال الصباح الباردة على الأحقاف الرملية العذراء تبشر بأزلية الصحراء...
وفتح الدكتور نادر عينيه حين وقعت عليهما أشعة الفجر من خلال قبة المروحية الزجاجية الجاثمة على الرمل، فالتفت حواليه ليرى أين هو. كان كرسي الطيار إلى جانبه فارغاً، فأحس بفزع خفيف من أن يكون ترك وحده في قلب الصحراء... ونظر خارج الطائرة فتبين أنه في واحة خضراء مألوفة عنده.
واعتدل في كرسيه، فإذا على الأرض أمام الحوامة إنسان يقف مولياً إياه ظهره. وركز انتباهه فإذا الواقف امرأة ذات شعر أحمر حريري مسرح إلى الخلف، وعليها عباءة بيضاء.
وقفز قلبه وهو يفتح الباب لينزل. وما إن لمست قدماه الأرض حتى نادى:
- كارول؟
والتفتت المرأة بعد ارتعاشة فزع صغيرة، فإذا هي كارول نفسها.. أجمل في تلك اللحظة منها في أي وقت..* تواجهه بوجه صبوح وعينين مليئتين حياة ودفئاً...
وفتحت له ذراعيها فارتمى بينهما وضمها إلى صدره بقوة، وقد ابتلت عيناه دون أن يدري...
وبعد لحظة أبعدها عنه لينظر إليها، ثم سأل:
- ولكنني تركتك... تركتك...
فأضافت:
- ميتة؟
- أكاد أقسم أن نبضك كان متوقفاً*
- توقف مؤقتاً فقط.
- لابد أنها معجزة* لقد حاولت إرجاعك إلى الحياة بكل قواي، ولكنك كنت جثة هامدة..*!
ثم ضمها إليه مرة أخرى، قائلاً:
- ولكن شكراً لله على عودتك..! لن أتساءَل عن الأسباب.. فلابد أن هناك عالماً آخر وراء هذا بيننا وبينه حجب وأستار...
وسألته كارول عمَّا إذا كان جائعاً، فتذكر أنه لم يأكل مدة يوم وليلة، فعادت إلى الحوامة وأخرجت بعض الطعام، وافترشت لحافاً تحت دغل من النخيل وجلسا يأكلان.
وسأل نادر:
- ماذا حدث؟ من جاء بنا إلى هنا؟ أين طيارنا الصامت؟
وابتسمت كارول وقالت:
- أنا طيارك الصامت... لم أرد أن أكشف لك عن هويتي ونحن في الفضاء في حلكة الليل حتى لا أفزعك. فقد كنت تظنني ميتة.
ولاحظ نادر أنها اكتسبت عادات جديدة لم تكن لها من قبل، رغم أنها مألوفة لديه. ولكن ملاحظته بقيت في شعوره الباطن، كما بقي إحساسه بأن هناك هالة غريبة تحيط بشخصيتها...
وعاد يسأل:
- ماذا حدث؟
وركزت كارول عينيها في الفراغ وكأنها تجمع أشتات خيالها، ثم قالت:
- كل ما أتذكره هو أن "معاذاً" في دقائق حياته الأخيرة أصيب بنوبة جنون حادة... ويظهر أنه عرَّض جميع علماء الجودي من حاملي الصراصير إلى عملية غسل دماغ كاملة، ثم برمجهم بحيث يصبحون عباداً آليين له.... أو على الأقل للتمثال الذي صنعه لنفسه وأخرجه من قلب البحيرة، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
- وماذا جرى لجماعة الثوار والمخبإ الذي كنتم فيه؟
- أغرقه معاذ بسرعة لم نملكْ معها الخروج في الوقت المناسب... ولقي أغلبنا حتفه في اللحظات الأولى من هجوم الماء من كل جانب... وقد سمحوا بإخراجي أنا الأولى لكوني امرأة...
- ماذا حدث لهالين؟
- لا أعتقد أنه نجا... رأيت جثث الجميع منثورة على الشاطىء أو فوق الماء...
ومرت فترة صمت قصيرة، قالت بعدها كارول:
- المهم هو أن معاذاً لم يستطع غسل دماغهم واستعبادهم...
- لكان أشنع مصير!
ومرت فترة صمت أخرى طويلة نسبياً قبل أن تتساءل كارول:
- عليّ، ماذا سنفعل الآن؟
- الشيء الطبيعي الوحيد... أن نعود إلى المدنية... هل يمكن لهذه الآلة أن تعيدنا؟
- أعتقد أن بها ما يكفي من الوقود لإنزالنا بمركز حضاري على شاطىء الأطلسي. وماذا بعد ذلك؟
وسبح نادر بعينيه في الفراغ:
- سنعلن للعالم المتحضر مغامرتنا هذه.
وظهرت سحابة خوف خفيفة على محيا كارول لم يلاحظها الدكتور نادر وهو يقول:
- تصوري ما توصل إليه "الجودي" من كفاءة وتقدم..! ذلك ما يسعى العالم نحوه الآن. ولو حكينا لهم القصة من بدايتها، فستكون لهم موعظة وعبرة حتى لا يقعوا في نفس الأخطاء...
وتنهدت كارول ثم قالت:
- ألا تعرف أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي لا يستفيد من تجارب غيره؟
- ليس إذا كان الأمر يتعلق بالبقاء أو الفناء!
- هل تعتقد أنهم سيصدقونك؟
- العالم كله مهيأ لسماع قصتي! اختفائي الغريب كاف لأن يفتح الشهية لتصديق كل ما سأقوله... وأنت معي... أنت قطعة حية من الجودي، وشاهد عيان حي! فلو كذبوا واحداً، وشكوا في سلامة عقله، فلن يستطيعوا تكذيب اثنين!
وأمسك بيديها متسائلاً:
- ستؤيدينني، أليس كذلك؟
وأسبلت كارول عينيها، فكرر السؤال:
- أليس كذلك؟
فرفعت عينيها ونظرت في عينيه، فأحس أن مخلوقاً آخر ينظر إليه! ولكن إحساسه لم يترجم أي تفكير، وحركت هي رأسها موافقة، فقال:
- وما رأيك أنت؟ ماذا ينبغي أن نفعل؟
فأجابت:
- هل حقيقة تريد أن تعرف؟
فحرك رأسه مؤكداً، فقالت:
- رأيي أن ندخل المغرب. عن طريق مراكش، مثلاً. ونقيم هناك في حي كثيف السكان بالمدينة القديمة حتى نحصل على هوية جديدة، ونسافر إلى مدينة أخرى بأوراق تخفي شخصيتنا الحقيقية ونعيش كمواطنين عاديين...
وظهر الاستغراب في عيني نادر، وقال:
- ونحرم العالم من تجربتنا الهائلة..؟
- العالم لن يستفيد من التجربة... حتى ولو فرضنا أنه استمع إليك وصدق قصتك...
- سترين! إنه سيصدقونني، أنا شخصية علمية معروفة بالذكاء والاتزان... أقل واجباتهم نحوي الاستماع إليَّ وتصديق ما أقول...
وتنهدت كارول، فقال نادر متحسراً:
- هل ستساعدينني؟
فأمسكت وجهه بين يديها وضمته إلى صدرها...
كانت الشمس قد بدأت ترسل لهيبها على أجنحة النخيل... وبدأ السراب يتراقص كأفاع خفية تغطي السهول والتلال... ووقف الدكتور نادر ينظر إلى كارول وهي في بذلة عمل زرقاء تزيت لواليب محرك الحوامة، فسأل:
- متى سنقلع؟
- عند نزول الليل. لا يمكننا أن نطير نهاراً، وإلا تعرضنا للاعتقال والاستنطاق...
وبعد نهاية الصيانة أخذت كارول أدوات استحمامها وتوجهت نحو العين. وظل نادر يجول الواحة بحثاً عن آثار وجوده هناك مع تاج عند نزولهما الأول. ودون قصد وجد نفسه أمام العين حيث وقفت كارول عارية تستحم، قد غمرت أشعة الشمس الدافئة جسدها الوردي المتناسق. وحين رأته قادماً نحوها أسرعت تبحث عن الفوطة لتتستر بها في خجل أنثوي حلو... ووقف الدكتور نادر متكئاً بيده على ساق نخلة ينظر إليها في ارتباكها ويضحك. وعندما التفت بالفوطة سأل:
- ما هذا الخجل المفاجيء؟ كنت تدخلين غرفتي عارية...
وردت مندهشة:
- أنا؟!
ثم عادت تستدرك:
- أعتقد أنه رد فعل غريزي عند المرأة عند ظهور أي رجل... ثم هناك تغير البيئة. العودة إلى الطبيعة البدائية له مفعول تراجعي على عقلية المرأة. ربما... ألا تظن؟
وهناك فقط رن جرس حاد في رأس الدكتور نادر، وهو ينظر في عينيها وهي تحاول تفادي عينيه، فاعتدل في وقفته وعاد الجد إلى ملامح وجهه، فتقدم نحوها خطوات، وقال بصوت حازم:
- انظري إليّ! انظري في عيني...
فرفعت رأسها وقد ارتعشت يداها الطريتان على الفوطة المضمومة إلى صدرها، وارتجفت شفتاها كأن تياراً بارداً سرى في جسدها. وأمسك الدكتور نادر بوجهها بين كفيه، وركز عينيه الحادتين في عينيها لحظة، ثم همس متسائلاً:
- تاج؟
ولم تجب.
وارتعدت فرائص الدكتور نادر، فترك وجهها وابتعد قليلاً إلى الوراء مأخوذاً بصدمة المفاجأة.
وهنا تكلمت كارول مادة يمناها إليه:
- كنت أمل أن تتعرف عليّ.... يشهد الله كم تعذبت وأنا أريد أن أُفْصِحَ لك عن سري الغريب.
وأخرجته كلماتها من خَدَرِه، فسألها:
- ماذا حدث؟
- عندما طلبت أنت من معاذ إطلاق سراحي لم يكن في إمكانه ذلك، كان قد أشاخني وأهرم جسدي إلى حد التفتت والاندثار...
- ولماذا فعل ذلك؟
-كان يريد أن يستخرج مني معادلة الدكتور ناجي التي كان قد وضعها لشل جهاز "معاذ" الفكري وإرجاعه إلى حالته الأولى، آلة مطيعة... كنت قد عثرت عليها هنا في هذه الواحة مع البدوي الذي أراد اغتصابي. أتذكره؟ لقد حاولت أن أقول لك، ولكنك كنت جريحاً غائباً عن الوعي.
فسأل نادر مستغرباً:
- وإذا كنت أعطيته المعادلة، فلماذا أصر على إشاختك؟
- كان يريدني أن أنساها، بعد أن سردتها عليه من الذاكرة، وما كان ليُنسيني إياها إلا كبر السن، وضعف الشيخوخة...
وتنهدت بعمق، وتقاطرت الدموع على خديها، وهي واقفة حافية القدمين على الصخرة الملساء. ومد الدكتور نادر يداً في محاولة لتهدئة روعها ثم أرجعها إلى جانبه غير قادر على لمسها وكأنها شبح من عالم آخر..!
وتابعت تاج شرحها محاولة أن تجنبه الإحراج:
- حي أعتقني "معاذ"، خرجت روحاً بلا جسد...! وبقيت هائمة وراءك حتى عثرت على جسد كارول، هذا الجسد الواقف أمامك.... ورأيت حزنك عليها وتلطفك معها، فأحسست بأنه كان هناك بينكما إعجاب متبادل... وحالما ذهبت أنت عنها، تقمصت جسدها، وعدت فيه إلى الحياة التي لم يكن عمري بها قد انتهى بعد...
ومرت فترة صمت قضاها الدكتور نادر في صراع داخلي ممزق. وأخرجه من سرحته صوتها وهي تقول:
- لقد فعلت هذا من أجلك..! فهل تقبلني في جسدها هذا؟
ورفع يديه في حركة مترددة، وكأنه كان يتمنى لو لم تقل ذلك، وقال:
- أرجوك! ليس الآن! دعيني أهضم الموقف الجديد!
فقالت تاج متراجعة:
- أنت على حق... أعتقد أنه سؤال ظالم وفي غير وقته! الأجسام البشرية ليست فساتين تلبس وتخلع! سامحني إذا كنت أحرجتك؟
فوضع وجهه في كفيه، وقال:
- لاتعتذري، أرجوك... أتميِّ استحمامك الآن، وسنتحدث بعد ذلك...
وتركها ليهيم مفكراً بين النخيل، ويقلب وجهه في السماء...
لم يكن صراعه الداخلي عاطفياً فقط، فقد كانت عقليته العلمية وطريقة تفكيره المنطقية تقاطع عواطفه بعنف. هل هذا ممكن علمياً؟ لو لم يره بعينيه ما كان ليصدقه..! هل كانت هذا التقمص حادثاً فريداً من نوعه، أم في الإمكان تكراره في ظروف علمية مخبرية؟ وإذا كان ذلك ممكناً، فهل يمكن أن تسكن روح جسداً لم يصنع على مقاسها؟ هل يمكن لجسم كارول النخيف الطري أن يحتمل روح تاج الشرقية الحامية المحرقة؟ وما شرعية تبادل الأجساد؟ هل يمكن للمثري البشع أن يشتري لنفسه جسداً جميلاً؟ هل يمكن للعجوز الشمطاء أن تتقمص جسداً شاباً؟ وللسمين أن يحتلَّ جسداً نحيفاً؟ وفي كل جسد مشوه روح تطمح إلى التحرر والانعتاق...
وبعد أن لمعت في ذهنه هذه الأسئلة، وعشرات غيرها معقدة المفاهيم، عاد إلى واقعة يتساءل: "هل يمكنني أن أحب تاجاً في جسمها المستعار كما كنت أحبها من قبل؟ الحب الحقيقي هو ما تعدى الجسد إلى الروح... فهل في إمكاني تخطي جسد كارول إلى روح تاج؟
وأدرك كما لم يدرك في أي وقت مضى أهمية الجسد الذي حاول كثير من الأنبياء والفلاسفة والنساك تجاهله وإهماله... وعاد بذاكرته إلى حلمه القديم وهو يطارد تاجاً وهي عارية على الشاطىء. واقترب بمخيلته من جسمها الخمري الملتهب حيوية وإغراء... وكيف كان سواد عينيها وشعرها من العوامل التي ألهبت خياله وجذبته نحوها...
وفكر في جسد كارول الناضج وعينيها الرماديتين وشعرها الأحمر، فلم تجذبه إليها كرجل شرقي بنفس الحرارة التي جذبته تاج... الجمال الغربي كان عنده مؤقتاً وليس خالداً كالشرقي....
وقضى ذلك المساء هائماً حتى أنهطه التجوال والتفكير، فقصد إلى ظل نخلة وانطرح ليستريح، فأخذته إغفاءة حولتها نسمات المساء إلى نومة عميقة...
أحس الدكتورنادر بقرع متواصل على قاع حذائه فخرج من نومة الأموات التي استغرقت جسده وعقله المجهدين... وجاهد ليفتح عينيه غير واع أين هو ولا بمن يوقظه. ومن تحت غشاوة نومه رأى وجهاً آدمياً يشرف عليه من فوق، وسمع صوتاً خشناً يحاول إيقاظه... واتكأ على مرفقيه ليعتدل جالساً بظهره إلى النخلة، وفرك عينيه وتثاءب، ثم نظر إلى حيث الوجه، فإذا هو ضابط شاب مُلوح الوجه والذراعين من حرس الحود المغربية.
سأل الضابط بصوت آمر:
- هل معك سلاح؟
وحرك نادر رأسه نافياً:
- لا!
فأشار الضابط الشاب إلى أحد رجاله الملتحين بسوط في يده، فخف هذا نحو الدكتور نادر وطلب منه أن يقف. وحين وقف مر الرجل بيديه على جيوبه وأطرافه، ثم التفت إلى ضابطه وقال:
- لا سلاح معه.
ثم عاد إلى حيث كان واقفاً إلى جانب جَمَلِه، واستدار الدكتور نادر لينظر إلى الدورية المكونة من خمسة رجال في ملابس صحراوية، بعضهم يبدو عليه أنه في سن والد الضابط.
ونظر إلى الضابط الشاب الذي أشار إليه أن يُسدل يديه ويستريح، فإذا هو حليق الوجه في عقده الثالث. وسأل هذا:
- من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟
- أنا الدكتور على نادر. أنا مفقود..
- هل معك أوراق هوية؟
وكأنما فوجىء الدكتور نادر بالسؤال، فنظر إلى صدره ليرى ماذا يلبس وهل له جيوب. ثم لمس صدره وجنبيه وقال:
- لا، ليس معي أوراق. لقد ضاعت حقيبتي...
ثم تذكر فجأة فنظر حواليه إلى حيث كانت المروحية جاثمة فلم يجد لها أثراً... ونظر بشك وتردد إلى الضابط ورجاله ثم سأل:
- أين هي؟
- من؟
- الفتاة.
- أية فتاة؟
- تاج. أعني كارول. والمروحية؟
فكرر الضابط الشاب باستغراب:
- المروحية؟!
المروحية التي كانت باركة هناك .. ماذا فعلتم بها؟.
ومص الضابط شفتيه، وأشار إلى الدكتور نادر متلطفاً:
- أعتقد أنه من الأحسن أن تأتي معنا...
وأمر له بناقة وغطاء رأس، فامتطاها على مضض وهو زائغ العينين، يحملق حواليه بحثاً عن كارول، وقد بدأ يدرك حقيقة موقفه.
ما حدث بعد ذلك كان شديد الإحباط وخيبة الأمل للدكتور نادر...
فقد تناقلته السلطات من مركز إلى مركز حتى وصل إلى وزارة الداخلية... وكلما بدأ يحكي قصته لمسؤول بانت علامة الشفقة وعدم التصديق على وجهه، فقاطعه بلباقة وأرسله إلى مركز أعلى للقرار في شأنه...
وأرسلته الداخلية إلى مسقط رأسه، حيث تعرفت السلطات عليه، وأثبتت هويته. وقفلت الداخلية ملفه على أنه ضحية حادث طائرة ظل هائماً في الصحراء حتى أُصيب بخلل عقلي. وقد سلم لعائلته للقيام بعلاجه.
ولم ييأس الدكتور نادر! إلا أنه لم يعد يكرر قصته على أحد حتى لا يصبح هدفاً للسخرية وللتنكيت.
وبمجرد حصوله على جواز سفر جديد سافر إلى لندن، حيث كانت سبقته أخبار ظهوره بعد حادث الاختطاف أو الاختفاء الغامض.
وخرج رجال سكوتلانديارد من غرفة الدكتور نادر مودعين بلباقة، وعلى وجه رئيسهم نفس النظرة التي اعتاد أن يراها نادر على أوجه الرسميين المغاربة، الإشفاق وعدم التصديق.
واكتظ الفندق الذي نزل به برجال الصحافة وأعضاء الجمعية الأنثروبولوجية وآلات التلفزيون والراديو، فقرر أن يجتمع بالجميع في مؤتمر صحافي بمسرح الجمعية الملكية الأنثروبولوجية.
وأعد تقريراً مفصلاً عن مغامرته واكتشافاته، نقلتها أمواج الأثير إلى جميع أطراف الأرض.
وباتت الأسلاك والمحطات الفضائية تتناقل الصور والتقارير عبر السماوات.
وفي الصباح طلعت الصحافة بعناوين ضخمة مثيرة تروي قصة الدكتور نادر وتحمل صورته، وتضاربت التعاليق ما بين مصدق ومكذب وساخر ومتهكم. وأعلنت "جمعية راصدي الأطباق الطائرة" عزمها على إرسال بعثة لاستكشاف حقيقة الرواية.
وطارات نفاثات الاستكشاف الأمريكية من قاعدة "روطا" بإسبانيا مستعملة أدق أجهزة تصويرها... ومن الجزائر لاحت طائرات الميج لتحرث سماء الصحراء لنفس السبب...
وبعد تحليل آلاف أميال الأشرطة، وتكبير صورها الغامضة، لم تبد علامة بحيرة على رأس جبل، كما وصف الدكتور نادر، ولا رأس عملاق مرمري بارز وسط الماء...
ووصفت الصحافة القصة بأنها أكبر كذبة فاتح إبريل في التاريخ..! ولم يعد الدكتور نادر يجرؤ على مقابلة أحد، وتفاداه أصدقاؤه العلماء حتى لا يتعرضوا للحرج إذا هم رفضوا تصديق روايته.
ولم يحتمل الدكتور نادر الضغط الهائل الذي وجد نفسه تحته، وخصوصاً وهو ما يزال يعاني من آلام عاطفية محرقة من جراء هجران تاج له دون وداع.
وأفاق ذات صباح ليجد نفسه في غرفة بمستشفى خاص يعاني من آثار انهيار عصبي عنيف.

من مواضيع : هبة الله البريء غراهام غرين
البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
المخربون تأليف: غراهام غرين - ترجمة: ينال قاسه
دقت ساعه الزهور ( سلسلة أحلام )
الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي
31-08-2007, 02:40 PM
هبة الله
 
رد: الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

-53-

نظر حواليه داخل الغرفة البيضاء، وقد غمرتها أشعة الشمس لندن الناعمة. وترمت إلى سمعها زقزقة عصافير بالحديقة الخضراء خلف نافذته الواسعة.
ولأول مرة أحس بالسلام يغمر قلبه، ويلامس روحه المعذبة...
وعاد بذاكرته إلى الوراء ليسترجع وجه تاج ونظرتها الشرقية البريئة، قبل أن تختطفه في عنان السماء، لتفتح له باب عالم مستحيل. وأخذ الشك يزحف إلى ذهنه، فبدأ يحاول إقناع نفسه بأن المغامرة كلها كات رحلة عقلية تحت تأثير مخدر جديد، أو ضربة شمس قاسية أخرجت عقله عن التفكير المنطقي...
واسترجع ما كان قرأه عن سراب الصحراء، وما يصوره للتائهين من مدائن ذات صوامع وقباب ذهبية وجبال وواحات باسقة النخيل جارية الأنهار، وشواطىء بلورية المياه صاخبة الأمواج... فأغمض عينيه في ابتسامة دافئة مهنئاً نفسه على سلامة عودته، وقد أحس أن الوقت حان ليضحك هو نفسه على مقلب أبريل الذي لعبه على العالم دون قصد..!
وشعر بالباب ينفتح، وبشخص يدخل في هدوء، ويقف ساكناً إلى جانبه، ففتح عينيه ورفع رأسه ليرى من، فإذا بقلبه يقفز بين ضلوعه ويخفق بعنف..! وفتح فمه ليتكلم فلم يستطع... وكأنه أصيب بشلل تام!
كانت كارول تقف بالباب لابسة حلة ممرضة إنجليزية. وحين رآها رفعت يدها لتضع أُصبعها على شفتيها طالبة كتمان سرها، ثم أقفلت خلفها الباب بالرتاج وتقدمت نحو فراشه. ورغم ضعفه تحامل على نفسه يحاول الجلوس، فبادته بيدين ناعمتين على كتفه قائلة:
- لا.. لا تجهد نفسك! فأنت ما تزال ضعيفاً...
وأمسكت بكلتي يديه، ثم أنحنت فقبلته على جبينه، فأحس بدمعة حامية تسقط على خده من مآقي تاج المتقمصة لكارول، فاغرورقت عيناه، وأحس بموجة هائلة من الحب تجرفه نحوها كالغريب العائد إلى وطنه بعد المحن والأهوال..!
وبرقت في ذهنه فكرة على الرغم منه، فنظرت إليه تاج، وهي تجفف عينيها، ثم تمد أصابعها الناعمة بمنديل لتجفف عينيه. وكأنها قرأت ما يجول بذهنه، فقالت:
- أرجوك... اسمي الآن هو كارول فينتريس، ممرضة أسترالية تشتغل بمستشفى خاص بلندن...
فأمسك بيديها، وجذبها نحو بلطف، وقبل جبينها، وقال:
- لا تخافي! أنا مريضك الدكتور علي نادر. أعاني من انهيار عصبي من جراء حادث طائرة وهيام طويل في الصحراء....
وأمسك بوجهها بين كفيه المرتعشتين من الانفعال، ونظر في عينيها وكأنه يريد أن يتأكد من أنها هناك، لم لمس بشفتيه شفتيها، وقد ذهبت عنه صدمة ازدواجها الغريب....

- انتهت-
من مواضيع : هبة الله الشمس العمياء ( سلسلة روايات أحلام )
حب تحت المطر رويات أحلام
البعد الخامس رواية من الخيال العلمي
الموت للمرة الثانية غراهام غرين
الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي
03-08-2008, 06:21 PM
aalida
 
جميل حياك الله
من مواضيع : aalida
30-08-2008, 10:04 PM
elgendy_els
 
طويلـــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــه
من مواضيع : elgendy_els
 

الكلمات الدلالية (Tags)
لمحمد, الأزرق, البقالي, الخيال, السلام, العلمي, الطوفان, رواية, غبي

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
أفلام الخيال العلمي تتحول إلى حقيقة مع Cheotpics360!!
حياة مختصره عن سيدنا ابراهيم عليه السلام

الطوفان الأزرق رواية الخيال العلمي لأحمد عبد السلام البقالي

الساعة الآن 01:37 AM.