xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

كبار أعلام الصوفية

الحوار المفتوح

21-03-2008, 01:04 PM
ahmed1981
 
خامس عشر: الإمام محيى الدين بن عربى

تعريف الشيخ محيي الدين ابن العربي كما ورد في كتاب شمس المغرب

الشيخُ الأكبر محيي الدين ابن العربي هو محمدُ بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي من ولد عبد الله بن حاتم أخي الصحابي الجليل عديّ بن حاتم، ويلقب بمحيي الدين، ويُكنّى أبا عبد الله وأبا بكر ويُعرف بالحاتمي أو الطائي وبابن عربي وفي المغرب بابن العربي وفي الأندلس بابن سراقة، وكذلك يُدعى بسلطان العارفين وإمام المتقين وغيرها من ألقاب التبجيل والتشريف التي تليق به.

وُلد الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي ليلة الاثنين في السابع عشر من شهر رمضان سنة 560 للهجرة (26 تموز 1165 ميلادية) في مدينة مُرسِية شرقي الأندلس، ثم انتقل إلى إشبيلية سنة 568/1172 فأقام بها حوالي عشرين عاماً ذهب خلالها إلى المغرب وتونس عدة مرات، وأقام هناك لفترات متقطعة ثم ارتحل إلى المشرق للحج سنة 598/1201 ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وفي المشرق أقام في مصر مدة وجيزة ثم دخل مكة وعكف على العبادة والتدريس في المسجد الحرام حيث أفاض الله عليه أسراراً وعلوماً شريفة أودعها في كتابه المعروف بالفتوحات المكية. ثم رحل إلى العراق فدخل بغداد والموصل واجتمع برجالها ثم طاف رضي الله عنه في بلاد الروم فسكن فيها مدة وكان له منزلة عالية عند ملكها المسلم كيكاوس. بعد ذلك قام الشيخ برحلات عديدة بين العراق ومصر وسورية وفلسطين حتى استقر في دمشق سنة 620/1223 إلى أن وافته المنية ليلة الثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 638 للهجرة (9/11/1240 م) ودفن بسفح جبل قاسيون وتسمى الآن المنطقة التي فيها ضريحه باسمه (الشيخ محيي الدين) حيث يوجد قبره في طرف المسجد الذي بناه السلطان سليم حين فتح دمشق سنة 922/1516. وخلّف رحمه الله ولدان هما سعد الدين محمد وعماد الدين أبو عبد الله محمد.

قرأ الشيخ محيي الدين القرآن في إشبيلية على الشيخ أبي بكر بن خلف بالقراءات السبع بالكتاب الكافي ودرس التفسير وسمعه عن عدد من المؤلفين أو من يروي عنهم، منهم أبو بكر محمد بن أبي جمرة عن أبيه عن الداني مؤلف كتاب التيسير، ومنهم ابن زرقون وأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الأزدي وغيرهم كثير. وسمع الحديث أيضاً من أبي القاسم الخزستاني وغيره، وسمع صحيح مسلم من الشيخ أبي الحسن بن أبي نصر.

برع الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي في علم التصوف وكتب فيه المئات من الكتب والرسائل زاد عددها عن خمسمائة كتاب على حدّ قول عبد الرحمن جامي صاحب كتاب "نفحات الأنس". أحد هذه المؤلفات وأهمها هو كتاب "الفتوحات المكية" والذي هو بحق أهم مؤلَّف في التاريخ الإسلامي بل من أهم الكتب في تاريخ البشرية. ومن مؤلفاته أيضاً كتاب "تفسير القرآن" الذي يقول فيه صاحب كتاب فوات الوفيات أنه يبلغ خمساً وتسعين مجلداً وربما هذا هو كتاب التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى سورة الكهف عند الآية: "وعلمناه من لدنا علما"، ثم توفي قبل أن يتمّه. وله أيضاً: "فصوصُ الحِكَم" الذي يقول في مقدمته أنه رأى الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم في المنام وأعطاه كتابا وقال له أخرجه للناس ينتفعون به، فأخرجه كما هو من غير زيادة ولا نقصان. وله أيضاً من الكتب: "محاضرة الأبرار"، "إنشاء الدوائر"، "عقلة المستوفز"، "عنقاء مغرب في صفة ختم الأولياء وشمس المغرب"، "ترجمان الأشواق"، "التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية"، "مواقع النجوم ومطالع أهلّة أسرار العلوم"، "الجمع والتفصيل في حقائق التنزيل"، "الجُذوة المقتبسة والخطرة المختلسة"، "كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى"، "المعارف الإلهية"، "الإسرا إلى المقام الأسرى"، "مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية"، "الفتوحات المدنية"، "الأحاديث القدسية"، وغيرها الكثير من الرسائل الصغيرة. ولقد قام الدكتور عثمان يحيى رحمه الله بتأليف كتاب قيّم حول مؤلفات الشيخ الأكبر سمّاه: مؤلفات ابن العربي تاريخها وتصنيفها، وهو باللغة الفرنسية ثم ترجمه الدكتور أحمد الطيبي إلى اللغة العربية ونشر عام 2001 من قبل الهيئة المصرية العامة للكتاب. وسنذكر في آخر هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ملحقاً عن أسماء كتب الشيخ الأكبر رضي الله عنه.

لقد أجمع الكتّاب والباحثون المختصون أنّ الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي لم يكن مؤلّفاً عاديّاً مثل غيره من المؤلّفين، بل كان يتميّز عن غيره بالكمّ والكيف، وهو نفسه يؤكد أنه لا يجري مجرى المؤلّفين الذين يكتبون عن فكر ورويّة. وقد وصفه بروكلمان بأنه من أخصب المؤلفين عقلاً وأوسعهم خيالاً.

ولقد وردت ترجمة محيي الدين ابن العربي في العديد من كتب التاريخ وتراجم الرجال نذكر منها: "المختصر المحتاج إليه": ج15ص58 برقم 197، "التكملة لوفيات النقلة": ج3ص555 برقم 2972، "سير أعلام النبلاء": ج23ص48 برقم 34، "تاريخ الإسلام": (سنة 631-640) ص352 برقم 549، "الوافي بالوفيات": ج4ص173 برقم 1713، "فوات الوفيات": ج3ص435 برقم 484، "مرآة الجنان": ج4ص100، "البداية والنهاية": ج13ص167، "غاية النهاية": ج2ص208 برقم 3277، "النجوم الزاهرة": ج6ص339، "طبقات المفسرين للسيوطي": ص98 برقم 115، "طبقات المفسرين للداودي": ج2ص204 برقم 541، "نفح الطيب": ج2ص161 برقم 113، "شذرات الذهب": ج5ص190، "روضات الجنات": ج8ص51 برقم 685، "الكنى والألقاب": ج3ص164، "الأعلام": ج6ص281، "معجم المؤلفين": ج11ص40.


وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الذي نحن في حضرته هو غير العالم الجليل القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المعافري الإشبيلي المالكي المولود بإشبيلية سنة ‏468‏ هجرية المشهور في الفقه والأصول والحديث وله العديد من المؤلفات منها "قانون التأويل" و"أحكام القرآن" و"أنوار الفجر" و"الناسخ والمنسوخ والقبس في شرح موطأ الإمام مالك" و"العواصم من القواصم"،[1] وفي بعض الأحيان يخطئ بعض الدارسين بين هذين العالمين الجليلين وينقلون أقوالاً أو كتباً لأحدهما باسم الآخر. ومن أجل ذلك بدأ أهل المشرق يفرّقون بينهما بحيث يسمّون الشيخ الأكبر بابن عربي (بدون التعريف) والقاضي أبا بكر بابن العربي (مع التعريف). ولكن هذا الاصطلاح لم يعُمّم خاصة وأن الشيخ الأكبر كان، منذ ولادته وكذلك بعض أعمامه وأجداده، يدعى بابن العربي كما ذكر هو في الكثير من كتبه وكذلك كما ذكر تلاميذه الأوائل. وبالعموم نجده في كثيرٍ من المراجع يدعى بهذا الاسم مع التعريف وبدونه، والأصحّ مع التعريف كما كان هو ينسب نفسه، وكما يوقّع اسمه في كتبه، ولكن يتم التفريق بين هذين العالمين الجليلين بأن الأول هو القاضي أبو بكر ابن العربي والثاني محيي الدين ابن العربي، مع أنه أيضاً يدعى أحياناً أبا بكر،[2] وغالباً أبا عبد الله، وهو الأصح، وإذا لم يُذكر ذلك في بعض الكتب فيسهل التمييز بينهما من سياق الكلام بسبب التخصّص لأن الأول فقيه والثاني صوفي.

وفي التاريخ الإسلامي عُرف الكثير من الرجال بهذا اللقب حيث ذكر ابن ماكولا في "الإكمال" بعض هؤلاء الرجال منهم: الزبير بن عربي أبو سلمة النميري البصري، والنضر بن عربي، وإبراهيم بن عربي الكوفي، ويعقوب بن عربي الكوفي، ويحيى بن حبيب بن عربي البصري، وعبد الله بن محمد بن سعيد بن عربي الطائفي، وحسين بن عربي البصري، ومحمد بن يوسف بن عربي البصري.[3]

ويبدو أنّ أحمد بن عبد الله الحاتمي، الذي هو والد جدّ الشيخ محيي الدين، هو الذي كان يسمى بـ"العربي"، فكان ابنه محمد يسمى بـ"ابن العربي"، ومن أبناء محمد والد الشيخ محيي الدين واسمه "علي"، والشيخ محيي الدين اسمه محمد أيضاً، على اسم جدّه، فهو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، وهو يوقّع اسمه في كتبه بـ"محمد بن علي بن محمد ابن العربي الطائي الحاتمي".

وبالإضافة إلى هذا اللقب الذي عُرف به منذ بداية حياته فكثيراً ما يدعوه مريدوه بألقاب التعظيم والتبجيل مثل سلطان العارفين، وإمام المتقين، ومربي الشيوخ والمريدين، والكبريت الأحمر[4] إلى غير ذلك من ألقاب التفخيم والتبجيل التي يستحقها. وابتداءً من القرن العاشر الهجري، بعد أن فتح السلطان سليم الأول دمشق سنة 922 للهجرة وأمر بتشييد مسجد الشيخ محيي الدين وبناء ضريحه إلى جانبه، أصبح ابن العربي يُعرف باسم الشيخ الأكبر.

[1] لمزيد من التعريف بالقاضي أبي بكر ابن العربي وسيرته راجع كتاب "نفح الطيب" للمقري التلمساني: ج2ص25-43، 60، 85، 158، 175، 576، 599، 600، 617، 626، 642، 644، ج3ص180، 401، ج4ص461، 476، ج5ص338، 350، ج6ص277.

[2]روح القدس: ص48.

[3] الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى و الأنساب: علي بن هبة الله ابن ماكولا، اعتنى بتصحيحه والتعليق عليه: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، 1962-1967، باب: عربي وغُزَي، ج6ص176-178.

[4] الكبريت الأحمر هو رمز للإكسير المفترض الذي يحول المعادن إلى ذهب.
من مواضيع : ahmed1981 الأعمال الكاملة للحلاج
الأمويون و الاستبداد
رواية محمد رسول الحرية
تيجوا نتبادل المعلومات شوية
عبارة ( لا حياء فى الدين ) صحيحة
21-03-2008, 01:04 PM
ahmed1981
 
سادس عشر: الإمام أبو العباس المرسى



((( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))))

العارف بالله
أبو العباس المرسي

الحمد لله رب العالمين في كل لمحة ونفس كما يحب ربنا ويرضي وصلوات الله البر الرحيم علي النبي في كل لمحة ونفس بقدر عزتك يا عزيز وحق قدره ومقداره العظيم .

( أمــــا بعد ) : فهذه نبذة بسيطة عن سيدي أبا العباس المرسي الكائن مقامه ومسجده بحي رأس التين ( ميدان المساجد ) بالأسكندرية ...........

هو أحمد بن عمر بن علي الخزرجي الأنصاري المرسي

النسب الشريف :

هو الإمام العارف بالله شهاب الدين أبو العباس

يتصل نسبه الشريف بالصحابي الجليل سعد بن عباده الأنصاري وصاحب سقيفة بني ساعدة التي تمت فيها بيعة سيدنا أبي بكر الصديق بالخلافة.

كان جده الأعلي قيس بن سعد أميرا علي مصر من قبل سيدنا الإمام علي بن أبي طالب سنة 36 هـــ .

ولادة الإمام أبا العباس المرسي

ولد سيدي أبا العباس المرسي بمدينة ( مرسية ) بالأندلس سنة 616هــــ ( 1219) مـــــ



نشأة الإمام أبا العباس المرسي


كان والده يعمل في التجارة ويبدو أن حال الوالد كانت من اليسر بحيث مكنه من إرسال إبنه إلي معلم لتعلم القراّن الكريم والتفقه في أمور الدين وقد حفظ القراّن الكريم كله في سنة واحدة وتعلم بالأندلس أصول الفقه والقراءة والكتابة ، وكان والده من تجار مرسية فشارك معه في تجارته .

وكان المال الذي يتدفق إلي سيدي المرسي من تجارته ، يذهب إلي جيوب الفقراء والمساكين وأبناء السبيل . وكان يكتفي من أرباح تجارته بما يقيم أوَدَه ويحفظ حياته .

كان مستغرقا بقلبه في ذكر الله فكان شغله الشاغل أن يتقدم كل يوم خطوة في طريق الحق والحقيقة .


الإمام أبو العباس وشهرته


أشتهر أبو العباس بالصدق والأمانة والعفة والنزاهة في تجارته. كان يربح مئـــــــــــــات الاّلف ، ويتصدق بمـئـــــــــــــات الاّلف ، وكان قدوة لتجار عصرة في التأدب بأدب الدين الحنيف . وكان قدوة للشباب في التمسك بالعروة الوثقي . ورعاية حقوق الله . فهو يصوم أياماً كثيرة من كل شهر ، ويقوم الليل إلا أقله ، ويمسك لسانه عن اللغو واللمم.




أبو العباس والنجاة من الغرق


في عام 640 هــ ( 1242م) التزم والده الحج إلي بيت الله الحرام فصحبه معه وكذا أخيه ( أبي عبد الله جمال الدين ) وأمهما السيدة ( فاطمة بنت الشيخ عبد الرحمن المالقي ) .

فركبوا البحر عن طريق الجزائر حتي إذا كانوا علي مقربة من شاطيء تونس هبت ريح عاصف أغرقت المركب بمن فيها غير أن عناية الله تعالي أدركت أبا العباس المرسي وأخاه فأنجاهما الله تعالي من الغرق فقصدا تونس وإتخذاها دارا ً لهما .





الإمام أبو العباس المرسي في تونس :


قال الإمام المرسي . لما نزلت بتونس وكنت أتيت من مرسية((بالأندلس )) وأنا إذ ذاك شاب سمعت بالشيخ أبا الحسن الشاذلي فقال لي رجل نمضي إليه فقلت : حتي أستخير الله .

فنمت تلك الليلة فرأيت كأني أصعد إلي رأس جبل فلما علوت فوقه رأيت هناك رجلا ً عليه بُرنس أخضر وهو جالس عن يمينه رجل وعن يساره رجل فنظرت إليه فقال : عثرت علي خليفة الزمان ...قال : فإنتبهت فلما كان بعد صلاة الصبح جاءتي الرجل الذي دعاني إلي زيارة الشيخ فسرت معه. فلما دخلنا عليه رأيته بالصفة التي رأيته بها فوق الجبل ( جبل زغوان )

فدهشت فقال الشيخ أبا الحسن الشاذلي عثرت علي خليفة الزمان .
ما إسمك ؟.

فذكرت له إسمــي ونسبي . فقال لي رفعت إليْ منذ عشر سنين . ومن يومها وهو يلازم الشيخ أبا الحسن الشاذلي ورحل معه إلي مصر .

ورأي الشاذلي في أبو العباس المرسي فطرة طاهرة ، ونفسا خيرة وإستعداداً طيباً ، للإقبال علي الله ، فمنحه ورده وغمره بعنايته ، وأخذ في تربيته تربية تؤهله ليكون خليفته من بعده ،

وقال له يا أبا العباس والله ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا و أنا أنت
وقد تزوج سيدي أبا العباس من كريمة الشاذلي وأنجب منها محمد وأحمد وإبنته بهجة التي تزوجت من الشيخ ياقوت العرش وكان من تلاميذ أبيها ومريديه .




أعظم الأقــوال في سيدنا اّدم عليه السلام :

قال الإمام المرسي رضي الله: كنت مع الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه ونحن قاصدون الأسكندرية حين مجيئنا من تونس فأخذني ضيق شديد حتي ضعفت عن حمله . فأتيت الشيخ أبا الحسن فلما أحس بي قال يا أحمد ؟ قلت نعم يا سيدي .فقال : اّدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته ثم نزله به إلي الأرض قبل أن يخلقه بقوله (إني جاعل في الأرض خليفة ) ما قال في السماء أو الجنة . فكان نزول اّدم عليه السلام إلى الأرض نزول كرامة لا نزول إهانة .

فإن اّدم عليه السلام كان يعبد الله في الجنة بالتعريف فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف ، فإذا توافرت فيه العبوديتان إستحق أن يكون خليفة.

وأنت أيضا لك قسط من اّدم كانت بدايتك في سماء الروح في جنة التعريف ، فأنزلت إلي أرض النفس تعبده بالتكليف، فإذا توفرت فيك العبوديتان أستحققت أن تكون خليفة .
قال الشيخ أبو العـباس رضي الله عنه : فلما إنتهي الشيخ من هذه العبارة شرح الله صدري وأذهب عني ما أجد من الضيق والوسواس....




أبو العباس المرسي رضي الله عنه في الأسكندرية :


في عام (1244م)رأي الشاذلي رضي الله عنه في منامه أن النبي يأمره بالإنتقال إلي الديار المصرية فخرج من تونس ومعه أبو العباس المرسي وأخــوه عبد الله وخادمه أبو العزايم ماضي قاصدين الأسكندرية علي عهد الملك الصالح نجم الدين أيـــوب .
ويقول سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه أيضا : لما قدمت من تونس إلي الأسكندرية ، نزلنا عند عمود الــسواري وكانت بنا فاقة وجوع شديد فبعث إلينا رجل من عدول الأسكندرية بطعام فلما قيل للشيخ عنه قال : لا يأكل أحد من شيئا من الطعام فبتنا علي ما نحن فيه من الجوع ، فلما كان عند الصبح صلى بنا الشيخ وقال : أحضروا ذلك الطعام ففعلوا ، وتقدمنا فأكلنا فقال الشيخ : رأيتفي المنام قائلا يقول أحل الحلال ما لم يخطر لك ببال ، ولا سألت فيه أحد من النساء والرجال ). وإستمر أبو العباس مع الشاذلي يسير في ضوء تربيتهوينهج طريقه لا يحيد عنه قيد الشعرة إلي أن كانت وفاة الشاذلي





الصلاة علي النبي


اللهم صل علي سيدنا محمد عبدك و نبيك و رسولك النبي الأمي


نقل عن الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه .أن من واظب علي هذه الصيغة في اليوم و الليلة 500مرة لا يموت حتي يجتمع بالنبي صلي الله عليه و سلم ( مفاتيح المفاتيح )




مدة إقامة الشيخ بالأسكندرية و وفاته :

أقام الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه . بالأسكندرية ( 43 عاما ) ينشر العلم و يهذب النفوس و يربي المريدين و يضرب المثل بورعه و تقواه . و قد تلقي العلم علي يدي أبو العباس و صاحبه الكثير من علماء عصره كالإمام البوصيري و إبن عطاء الله السكندري و ياقوت العرش و إبن اللبان و العز بن عبد السلام و إبن أبي شامة و غيرهم و توفي في رضي الله عنه في الخامس و العشرين من شهر ذي القعدة سنة 685هــــ ـ و دفن معه إبنه ( محمد ) و إبنه ( أحمد ) و مسجده الذي بني علي قبره بحي رأس التين



أوقات الإنسان في نظر سيدي الإمام أبو العباس المرسي :


يقسم الإمام أبو العباس المرسي رضي الله عنه أوقات الإنسان إلي أربعة هي :


1- النعمة
2- البلية
3 - الطاعة
4- المعصية


ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية


1- فمن وقت الطاعة : فسبيله شهود المنة من الله عليه إذ هداه الله لها ، ودفعه للقيام بها .

2- و من كان وقته المعصية : فسبيله الإستغفار .

3- ومن كان وقته النعمة : فسبيله الشكر ، وهو مزج القلب بالله .

4- ومن كان وقته البليلة : فسبيله الرضا بالقضاء والصبر .




أعظم الذكر


ينصح الإمام أبو العباس رضي الله عنه بالذكر بإسم ( الله ) و قال لأصحابه ليكن ذكرك الله : فإن هذا الإسم سلطان الأسماء و له بساط وثمرة ، فبساطه العلم وثمرته النور ، ثم النور ليس مقصودا لنفسه ، و إنما ليقع به الكشف والعيان ، وجميع أسماء الله للتخلق إلا إسمه الله فإنه للتعلق ، فمثال ذلك : أنك إذا ناديته يا حليم ، خاطبك من إسمه الحليم، أنا الحليم فكن عبدا حليما ً ، و إذا ناديته بإسمه الكريم خاطبك من إسمه الكريم ، أنا الكريم فكن عبدا كريما ، وكذلك سائر أسمائه ، إلا إسمه الله فإنه للتعلق فحسب ، إذ مضمونه الألوهية و الألوهية لا يتخلق بها أصلا .






من أقوال سيدي أبو العباس المرسي


1- الأنبياء إلي أممهم عطية و نبينا سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم هدية . و فرق بين العطية و الهدية . لأن العطية للمحتاجين و الهدية للمحبوبين.

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :

إنمــــا أنا رحمة مهـــــــــداه


2- قال رضي الإمام المرسي رضي الله عنه : في قول سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم :

" أنا سيد ولد أدم ولا فخر " أي لا فخر بالسيادة ، و إنما أفتخر بالعبودية لله سبحانه وتعالي .


3- قال رضي الله تعالي عنه : الأكوان كلها عبيد مسخرة ، و أنت عبد الحضرة .


4- وكان رضي الله عنه يقول : و الله ما جلست بالناس حتي هددت بالسلب .
وقيل لي : لئن لم تجلس لسلبتك ما وهابناك .


5- وكان يقول رضي الله عنه : لي أربعون سنة ما حجبت طرفة عين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم . ولو حجبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ما عددت نفسي من جملة المسلمين .

6- قال رضي الله عنه : الطي علي قسمين : طي أصغر وطي أكبر ، فالطي الأصغر لعامة هذه الطائفة ، أن تطوي لهم الأرض من مشرقها إلي
مغربها في نفس واحد . والطي الأكبر : طي أوصاف النفوس
من مواضيع : ahmed1981 بخصوص شات العنابى و ما شابهه من مواقع الدردشة
عدية يس
كتب الفيلسوف الألمانى العظيم فريدريك نيتشه
حرب أكتوبر
تهويد أسماء المعالم الفلسطينية
21-03-2008, 01:05 PM
ahmed1981
 
سابع عشر: الإمام سهل بن عبد الله التستري



الإمام سهل بن عبد الله التستري

بقلم: أ‏.‏د‏.‏ منيع عبد الحليم محمود (عميد كلية أصول الدين ـ جامعة الأزهر)

‏ تذخر المكتبة الإسلامية بالكثير من المؤلفات في الفقه والحديث والتفسير علي يد أئمة أعلام كان لهم الفضل في إثراء العلوم الاسلامية بهذه المؤلفات‏..‏

وطوال الشهر الكريم سنعرض كل يوم واحد من هؤلاء الأئمة في الفقة والحديث والتفسير‏..‏ نقدم شيئا من سيرة حياته ونشأته العلمية ومدرسته الفكرية والمذهبية ثم أهم مؤلفاته وقبسا منها‏.‏

هو من أعلام العلماء وأئمة التصوف الزاهد الورع والعابد المتقشف أبو محمد سهل بن عبد الله التستري ولد في تستر بالأهواز سنة ثلاث ومائتين من الهجرة وعاش في القرن الثالث الهجري ذلك القرن الذي حفل بالائمة الكبار في كل فن من الفنون‏.‏

نشأ سهل فوجد امامه في جنح الليل خاله محمد بن سوار قائما يتبتل إلي الله ويضرع إليه ويناجيه يصلي في خشوع ويدعو في خضوع ويقضي الليل ساهرا في عبادة خاشعة آسرة جذبت سهلا إليه وربطته به وحببته فيه‏.‏

وأرسلوه إلي الكتاب فاشترط أن يكون ذهابه ساعة من نهار حتي لا ينفرط عقد عبادته ولا يتشتت ذهنه‏.‏

وذهب إلي الكتاب‏.‏ وضم إلي العمل العلم وإلي الذكر فيوضات الخير النابعة من داخل القلب لقد حفظ القرآن وتفقه في أمور الشرع‏.‏

لقد حفظ القرآن وهو ابن سن سنين وشغله الذكر والاستغراق في العبادة عن متطلبات الحياة المادية العادية‏.‏

لقد تغذي بالذكر فخف احتياجه إلي ما سواه وكان يكتفي بخبز الشعير وكان يأكل أقل القليل منه‏.‏

كانت تلقي مشكلات المسائل علي العلماء ثم لا يوجد جوابا الا إلي عنده وهو ابن إحدي عشرة سنة وحينئذ ظهرت عليه الكرامات‏.‏

وبلغ سهل النضوج العلمي والنضوج الروحي

ويرسم الطريق إليه علي هدي‏.‏

ولم تقتصر دعوته إلي الله علي التربية وتعليم السلوك ولم تقتصر دعوته علي القول والموعظة الحسنة لقد ترك مؤلفات قيمة في مجالات متعددة وشارك في أنواع من العلوم ـ ومن أشهر كتبه‏..‏


- رقائق المحبين
- مواعظ العارفين‏.‏
- جوابات أهل اليقين‏.‏
- قصص الأنبياء
هذا فضلا عن تفسيره المشهور‏.‏

ولقد امتاز سهل بتعظيمه للسنة وبتعظيمه للشريعة‏.‏

وقد تكلم علي بعض آيات من القرآن مبينا ما ألهمه بشأنها‏.‏

وقد فال‏:‏ أصولنا سبعة‏..‏ التمسك بكتاب الله تعالي والاقتداء بسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وأكل الحلال وكف الأذي واجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق‏.‏

لقد سار سهل في إطار القرآن وعرف ما قاله الأئمة أو كثير من الأئمة في تفسير الآيات ولكن القرآن لا يمكن أن يحيط أحد بأقطاره ولا يمكن أن تكون المعاني اللغوية الضيقة هي كل ما عبر عنه القرآن إنها ـ إن عبرت ـ فإنها تعبر عن ظاهر‏.‏

ولكن القرآن الكريم ليس هو ما يظهر للناظر منذ الوهلة الأولي‏.‏

إن وراء ظاهره اسرارا لا تتعارض مع هذا الظاهر ولكنها توضحه وتجعله نافذا إلي القلوب جاذبا للنفوس آسرا للأرواح‏.‏ إنها ما عبر عنه الرسول صلي الله عليه وسلم بقوله‏:‏
‏(‏لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ومطلع‏).‏


ثامن عشر: الإمام عبد الوهاب الشعرانى

الإمام الشعراني و نبذة عن رسالته المسماة الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

بُشري اشماعو الفهري

خلاصة المقال: تعرضت الاستاذة حول الامام الشعراني، مولده و نشأته و اساتذته و شيوخه و تصوفه. ثم تعرضت نبذة عن رسالة: ألأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، حيث ألّف الشعراني هذا الكتاب بعد كتابه ألأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية. و قد افتتح رسالته بمبحث تحت عنوان: سند التلقين الصوفي و هو الذكر و آداب الذكر حيث ان الذاكر يصير جليس الله و به تعالج النفس و تتحلي بالأخلاق الحميدة.

التعريف بالإمام الشعراني (898 ـ 973 ق*.)

1ـ مولده و نشأته


ولد الشعراني علي أصح الروايات و أشهرها في السابع و العشرين من شهر رمضان سنة ثمان و تسعين و ثمانمائة ق. ببلدة قلقشندة، و هي قرية جده لأمه، ثم انتقل بعد أربعين يوماً من مولده إلي قرية أبيه ـ ساقية أبي شعرة ـ و إليها ينتسب، فلقب بالشعراني، و عرف بهذا القلب و اشتهر به، و إن كان قد سمي نفسه في مؤلفاته بالشعراوي.

توفي والده قبل أن يبلغ العاشرة فنشأ يتيماً من الأبوين، و كان الله وحده ـ كما يقول ـ هو نصيره و وليه.

حفظ القرآن الكريم و هو في التميز، و كان مواظباً علي الصلوات الخمس في أوقاتها منذ كان عمره ثمان سنوات. و قد هاجر من الريف إلي مصر لقراءة العلم فحفظ الآجرومية و متون العلم علي يد أخيه الشيخ عبدالقادر.

اضطرب رجال التاريخ في الحديث عن طفولته و نشأته، فبعض المستشرقين «كرويمر و نيكلسون» ذهب إلي أنه اشتغل في مطلع حياته بالنسيج كما تذكر ذلك دائرة المعارف الإسلامية، ولكن المستشرق «فولز» يرد علي هذا القول بقوله: «إن حياة الشعراني كانت زاخرة دائما بالعبادة، حافلة بالتعليم، فلم يكن من الميسور أن يجد و قتا لاينجز فيه عملا». و يؤكد هذا الإمام الشعراني نفسه مجيبا عن هذا الموضوع من خلال كتابه «لطائف المنن و الأخلاق»: إن من منن الله علي أنه لم يكن هناك عوائق تعيقني عن طلب العلم و العبادة منذ طفولتي، و كانت القناعة من الدنيا باليسير سداي و لحمتي، و هذه القناعة أغنتني عن الوقوع في الذل لأحد من أبناء الدنيا، و لم يقع لي أنني باشرت حرفة و لا وظيفة لها معلوم دنيوي منذ بلغت، و لم يزل الحق تعالي يرزقني من حيث لا أحتسب إلي وقتي هذا.

و عن تاريخ حضوره إلي القاهرة، و مقامه بالمسجد الغمري، يقص علينا بأسلوبه الأخاذ ذلك فيقول: «… ، و كان مجيئي إلي القاهرة افتتاح سنة عشر و تسعمائة و عمري إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، فأقمت في جامع سيدي أبي العباس الغمري، و حنن الله علي شيخ الجامع و أولاده فمكثت بينهم كأني واحد منهم، آكل مما يأكلون، و ألبس مما يلبسون، أقمت عندهم حتي حفظت متون الكتب الشرعية و آلاتها علي الأشياخ».

و لبث في مسجد الغمري يعلم و يتعلم، و يتهجد و يتعبد سبعة عشر عاما. ثم انتقل إلي مدرسة أم خوند، و في تلك المدرسة بزغ نجمه و تألق.

2ـ أساتذته و شيوخه

ظل الإمام الشعراني تحت ظلال المساجد طالبا للعلم و العبادة، باحثا عمن يأخذه بيده إلي العلم و العمل، مجاهدا في سبيل الكمال العلمي و الخلقي.

و منذ يومه الأول بالقاهرة اتصل بصفوة علمائها كجلال الدين السيوطي و زكريا الأنصاري و ناصرالدين اللقاني و شهاب الدين الرملي و السمانودي و أضرابهم.

و قد أفاض في ذكر أساتذته في كتبه كما أفاض في ذكر إجلالهم و تعظيمهم و الثناء عليهم و حبهم له. يقول في كتابه «لطائف المنن و الأخلاق»: «و ممن كان يبالغ في محبتي و يمنحني الفوائد و التكسب من العلوم لمكان أدبي معه شيخ الإسلام زكريا، و كان يقول لي: و الله إني أود أن لو أسقيك جميع ما عندي من العلوم في مجلس واحد، و كذلك الشيخ نورالدين المحلي، و الشيخ أمين الدين الإمام بجامع الغمري، و الشيخ عبدالحق السنباطي، و الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، و الشيخ شمس الدين السمانودي، و الشيخ شهاب الدين الرملي، فكانوا كلهم يحبونني». لقد أدرك الإمام الشعراني نحو سبعين شيخا مربيا. يقول: «و قد أدركنا بحمدالله جملة من أشياخ الطريق أول هذا القرن، و كانو علي قدم عظيم في العبادة و النسك و الورع و الخشية و كف الجوارح الظاهرة و الباطنة عن الآثام حتي لاتجد أحدهم قط يعمل شيئا يكتبه كاتب الشمال، و كان للطريق حرمة و هيبة». و عن آخر شيخ أدركه و هو علي المرصفي يقول: «و كان آخر الأشياخ الذين أدركناهم سيدي الشيخ علي المرصفي رضي الله عنه، فلما توفي في جمادي الأولي سنة ثلاثين و تسعمائة، انحل نظام الطريق في مصر و قراها، و جلس كثير للمشيخة بأنفسهم من غير إذن من أشياخهم، فلا حول و لا قوة إلا بالله العظيم».

كان الإمام الشعراني كثير المطالعة لكتب الشريعة و آلاتها من تفسير و حديث و أصول و فقه و تصوف، اطلع علي كتب المذاهب الثلاثة و مذهبه الشافعي، يقول في «لطائف المنن و الأخلاق»: … ثم مطالعتي لكتب مذاهب الأئمة الثلاثة زيادة علي مذهبي لأتحرز من مخالفة الأئمة في أعمالي كلها و بكون عملي موافقا لهم حسب الطاقة. ثم كثرة توجيهي و تقريري لمذاهب المجتهدين حين تبحرت في العلم حتي كأني واحد من أمهر فحول مقلدي ذلك المذهب».
إذن علي يد هؤلاء الأعلام درس العلوم الإنسانية و الثقافة بشتي فنونها في التفسير و الحديث و الأدب و الأصول و الفقه و التصوف و اللغة… حتي غدا لايتصور أحد من معاصريه أحاط بما أحاط به علما، أو تخلق بما تخلق به عملا.

و مع هذه الدراسة الشاملة كان يتطلع دائما إلي سلوك الطريق المضيء، الطريق الصاعد إلي الله، المتقرب من حضرته العلية، طريق التصوف كما رسمه شيوخه و تذوقه سالكوه.



3ـ تصوفه

كان صوفيا في منهجه الذي ارتضاه و أخذ نفسه به طول حياته. يقول في المنن: «إن من منن الله علي أن ألهمني مجاهدة نفسي من غير شيخ منذ طفولتي» و مع ذلك كان ينشد الشيخ الذائق الواصل صاحب البصيرة ليعينه علي اختصار الطريق، و علي إزالة عقبة النفس الخفية».

لقد بحث طويلا عن ضالته إذ كان يتصل بشيوخ التصوف يلتمس عندهم المفاتيح و الأبواب ـ كما يقول ـ فلم يجد عند أحد منهم أمله. يقول: «و لقد اجتمعت بخلائق لاتحصي من أهل الطريق ألتمس لديهم المفاتيح و الأبواب فلم يكن لي وديعة عند أحد منهم».

و أخيرا يجد داله علي الله الشيخ سيدي علي الخواص. لقد فتح الله علي الشعراني بلقائه و اجتماعه به. و لقد كان سيدي علي الخواص أميا و الشعراني عالما.

و نجد سيدي عبد الوهاب الشعراني يصف شيخه بأبلغ الأوصاف و أدقها فيقول في هذا الصدد: «رجل غلب عليه الخفاء فلا يكاد يعرفه بالولاية و العلم إلا العلماء العاملون لأنه رجل كامل عندنا بلاشك و الكامل أذا بلغ مقام الكمال في العرفان صار غريبا في الأكوان».

و يتحدث عن بحار علوم شيخه و عما بلغه من العلوم علي يده فيقول:

«و كانت مجاهدتي علي يد سيدي علي الخواص كثيرة و متنوعة، منها أنه أمرني أول اجتماعي به ببيع جميع كتبي و التصدق بثمنها علي الفقراء ففعلت! و كانت كتبا نفيسة مما يساوي عادة ثمنا كثيرا فبعتها و تصدقت بثمنها، فصار عندي التفات إليها لكثرة تعبي فيها و كتابة الحواشي و التعليقات عليها، حتي صرت كأنني سلبت العلم فقال لي: اعمل علي قطع التفائك إليها بكثرة ذكر الله عز و جل، فإنهم قالوا: «ملتفت لايصل» فعملت علي قطع الالتفات إليها حتي خلصت بحمدالله من ذلك، ثم أمرني بالعزلة عن الناس حتي صفا وقتي. و كنت أهرب من الناس و أري نفسي خيرا منهم فقال لي: اعمل علي قطع أنك خير منهم، فجاهدت نفسي حتي صرت أري أرذ لهم خيرا مني، ثم أمرني بالاختلاط بهم و الصبر علي أرذلهم و عدم مقابلتهم بالمثل، فعملت علي ذلك حتي قطعته، فرأيت نفسي حينئذ أنني صرت أفضل مقاما منهم، فقال لي اعمل علي قطع ذلك فعملت حتي قطعته. ثم أمرني بالاشتغال بذكر الله سرا و علانية و الانقطاع إليه، و كل خاطر خطر لي مما سوي الله عز و جل صرفته عن خاطري فورا فمكثت علي ذلك عدة* أشهر».
و بهذا أصبح الشعراني إمام عصره، ذوقا و علما، و غدا قطبا تدور حوله الأحاديث. لقد أسس زاوية يلتقي فيها طلاب العلوم الشرعية مع أذواق و أشواق، و غدت زاويته من أكبر منارات العلوم و الثقافة و التوجيه في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ملجأ للعلماء و الأدباء، و منبرا للدعوة و الإرشاد، و ساحة للذكر و العبادة، و ملاذا لطلاب العلم و الذوق، و ملجأ لأصحاب الحاجات و الشفاعات.

لقد تخلق بخلق القوم أهل التصوف و تأدب بأدبهم و أخذ نفسه بكل ما كتب و سطر في كتبه، فكان خلقه صورة رسالته، و كان المدافع الأول عن الشعب في وجه الطغاة من الولاة، و كان يشارك المسلمين في أحزانهم و آلامهم، و هو لايري الإنسان إنسانا إلا إذا شارك الناس أحزانهم و آلامهم؛ يقول: «من ضحك أو استمتع بزوجه أو لبس مبخرا أو ذهب إلي مواضع المنتزهات أيام نزول البلاء علي المسلمين فهو و البهائم سواء». ثم يقول واصفا خلقه و سلوكه:«… ثم غيرتي علي أذني أن تسمع زورا، و عيني أن تنظر محرما، و لساني أن يتكلم باطلا». و يقول أيضا: «مما أنعم الله به علي عدم خروجي من بيتي إلا إذا علمت من نفسي القدرة بإذن الله علي هذه الثلاث خصال، تحمل الأذي عن الناس، و تحمل الأذي منهم، و جلب الراحة لهم».

و مازال يتحدث عن نفسه مما وفقه الله إليه من علم و عمل فيقول: «مما أنعم الله علي به تقديم الأهم فالمهم من المأمورات الشرعية من حيث كنت صغيرا إلي وقتي هذا، و لذلك لم أعول قط علي علم من غير عمل، و لا علي نافلة قبل العمل علي إكمال الفريضة الكمال النسبي الذي يصل إليه أمثالنا و قد قالوا: «من اشتغل بالنوافل عن الفرائض فهو أحمق».

و رغم هذه القيم و الأخلاق التي من الله بها عليه فإنه لايركن إلي نفسه و لايزكيها مستندا إلي وصية الجيلي، يقول: «و مما أنعم الله تبارك و تعالي به علي، عدم استبعادي علي نفسي وقوعها في الكبائر فضلا عن الصغائر، و لو صارت يقتدي بها في مثل هذا الزمان المبارك. فإن من وصية سيدي عبد القادر الجيلي رضي الله تعالي عنه، إياك أن تستبعد وقوعك في أكبر الكبائر و لو توالت عليك المراقبة لله آناء الليل و أطراف النهار، لأن باب العصمة مسدود علي غير الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و كمل اتباعهم علي الصحيح، فلا أمان لنا مادمنا في هذه الدار، و قد أغوي إبليس خلقا كثيرا حيث ظنوا بأنفسهم الخير و وقعوا في أكبر الفواحش و بعضهم أوقعه في عمل الزغل و شنقوه أو نفوه» .



4ـ علوم الشعراني و مصنفاته


ألف الإمام الشعراني في كل أفق من آفاق المعرفة العلمية و الذوقية، فكتب في التفسير و الحديث و الفقه و التصوف و النحو و الطب و الكيمياء و غيرها من ألوان العلوم و المعارف.
و قد استغرقت بعض كتبه خمسة مجلدات و وقع الكثير منها في مجلدين. و أكثرها موجود في دور الكتب. و قد أحصي المستشرق بر كلمان أكثر من ستين محفوظة في دور العلم العالمية. يقول الشعراني في هذا الصدد: «و مما من الله تبارك و تعالي به علي تأليفي كتبا كثيرة في الشريعة، و غالبها ابتكرته و لم أسبق إليه، و ذلك ككتاب البحر المورود في المواثيق و العهود، و كتاب كشف الغمة عن جميع الأمة، جمعت فيه أدلة المذاهب الأربعة من غير عزو إلي من خرجها من الحفاظ، ثم صنفت بعده كتاب المنهج المبين في بيان أدلة المجتهدين، عزوت فيه كل حديث إلي من رواه، فكان كالتخريج لأحاديث كتاب كشف الغمة، و كتاب البدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير، و كتاب مشارف الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية… ، و كتاب قواعد الصوفية، و كتاب مختصر قواعد الزركشي، و كتاب منهاج الوصول إلي علم الأصول، و كتاب اليواقيت و الجواهر في بيان عقائد الكبائر، و كتاب الجوهر المصون في علوم كتاب الله المكنون، و كتاب طبقات الصوفية، و كتاب مفحم الأكباد في بيان مواد الاجتهاد، و كتاب لوائح الخذلان علي كل من لم يعمل بالقرآن، و كتاب حد الحسام علي من أوجب العمل بالإلهام، و كتاب التتبع و الفحص علي حكم الإلهام إذا خالف النص، و كتاب البروق الخواطف لبصر من عمل بالهواتف، و كتاب كشف الحجاب و الران عن وجه أسئلة الجان، و كتاب فرائد القلائد في علم العقائد، و كتاب الجواهر و الدرر، جمعت فيه ماسمعت من العلوم و الأسرار من سيدي علي الخواص رحمه الله تعالي، و كتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الكشف الأكبر، و كتاب الاقتباس في علم القياس، و كتاب تنبيه المغتربين في القرن العاشر علي ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر، و غير ذلك مما سارت به الركبان إلي بلاد التكرو.

نبذة عن رسالة الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

ألف الشعراني هذا الكتاب بعد كتابه الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية. و قد كتبه في أواخر حياته، و جاء صورة كاملة لمجاهداته و أذواقه و علومه، فهو أحد كتب التربية الصوفية رسم فيه صاحبه آداب الطريق، و عقباته و مزالقه و فتوحاته، و حشد فيه مجموعة طيبة من أقوال و آراء كبار رجال التربية الصوفية كإبراهيم الدسوقي، و علي وافا، و علي المرصفي، و الإمام القشيري، و محمد الشناوي، و محمد الغمري، و إبراهيم المتولي. وانتهي من تأليفه في عشري ذي الحجة الحرام سنة إحدي و ستين و تسعمائة بمصر المحروسة.

و عن سبب تأليفه لرسالته هاته قال في المقدمة: «و كان من الباعث لي علي تأليف هذه الرسالة طلب النصح لنفسي و لإخواني حيث تحلينا بخلال الأشياخ و مشينا علي مراسمهم الطاهرة، و ظن كل واحد منا نفسه أنه صار من أشياخ الطريق، فوضعت هذه الرسالة كالميزان التي يوزن بها المحق و المبطل، فمن وافق حاله ما فيها فليحمدالله، و إلا فليستغفر من دعاويه الكاذبة».
و قد افتتح رسالته بمبحث تحت عنوان «سند التلقين الصوفي» بين فيه سند القوم في تلقينهم لمريديهم الذكر، و عززه بأحاديث عن رسول الله صلي الله عليه و سلم، ثم بمبحث آخر يتعلق بآذاب الذكر. يقول في الصفحة 34 و ما بعدها: «و أما بيان آداب الذكر و بيان ثمرة التلقين فاعلم يا أخي: أن كل عبادة خلت من الآداب فهي قليلة الجدوي، و أجمع الأشياخ أن العبد يصل بعبادته إلي حصول الثواب، و دخول الجنة، و لايصل إلي حضرة ربه، إلا إن صحبه الأدب في تلك العبادة…»، و يستشهد لذلك بأحاديث قدسية، ثم يلخص آداب الذكر في عشرين إدبا أجمع عليها الشيوخ، خمسة منها سابقة علي الذكر، و اثنا عشر حال الذكر، و ثلاثة بعد الفراغ من الذكر.

كما يؤكد أن فوائد الذكر لاتحصر لأن الذاكر يصير جليس الله. و بعد استشهاده بأحاديث المصطفي صلي الله عليه و سلم يستعين ببعض أقوال الشيوخ كذي النون المصري و الكتاني، يقول: «و كان الكتاني يقول: من شرط الذكر أن يصحبه الإجلال لله و التعظيم له و إلا لم يفلح صاحبه في مقامات الرجال، و كان يقول: و الله لو لا أنه تعالي فرض علي ذكره لما تجرأت أن أذكره إجلالا له، مثلي يذكر الحق تعالي و لم يغسل فمه بألف ثوبة مما سواه قبل ذكره».
و بالذكر تعالج النفس و تتحلي بالأخلاق الحميدة. «و من شأن العبد مكابدة خواطره و معالجة أخلاقه و نفي الغفلة عن قلبه بمداومة الذكر، و من شأنه أن يحث إخوانه علي دوام الحمية في الأبدان و القلوب و النفوس و ذلك بترك المخالفات و عدم الركون إلي الأغيار و ترك الدعاوي فإن من وقع في واحدة من هذه الخصال و لم يحجم عنها فهو معدود من رعاع الناس و أراذلهم، فكما أن قلوب من يحتمي تكون معمورة بذكر الله كذلك يكون قلب من لايحتمي محلا للغفلة و الوسواس».

و عن آداب المريد يقول: «اعلم يا أخي أن جميع آداب المريد يعسر حصرها و ضبطها في عبارة علي وجه التفصيل، و لكن نذكر لها طرفا من ذلك علي أن وظيفة الشيخ أنه يستخرج للمريد ما هو كامن فيه لاغير، فإن الله تعالي قدبث في كل روح جميع مايتعلق بصاحبها من المحامد و المزايا، فما من أمر أمره به شيخه أو نهاه عنه إلا و هو كامن في روحه، و ليس مع الشيخ شيء يعطيه للمريد خارجا عنه، فإن حكم المريد في ابتداء أمره، حكم النواة الكامنة فيها النخلة التي هي هنا عبارة عن الصدق في الطريق أو الكذب فيها، و من أدبه ألا يكثر الكلام إلا لضرورة، و من شأنه أن لايتكلم و لايسكت إلا بضرورة أو لحاجة شرعية، أو سد باب الكلام اللغو جملة، و قد عدوا قلة الكلام أحد أركان الرياضة». و كان بشربن الحارث يقول: «إذا أعجبك الكلام فاسكت، و أذا أعجبك السكوت فتكلم، فإن في الكلام حظ النفس و إظهار صفات المدح».

و الطريقة التي ينتمي إليها الإمام الشعراني مبنية علي أسس متينة و مشيدة بالكتاب و السنة. يقول في كتابه الطبقات الكبري المسمي بلواقح الأنوار في طبقات الأخيار: «إن طريق القوم مشيدة بالكتاب و السنة، و إنها مبنية علي سلوك أخلاق الأنبياء و الأصفياء و بيان أنها لاتكون مذمومة إلا إن خالفت صريح القرآن أو السنة أو الإجماع لاغير، و أما إذا لم تخالف فغاية الكلام أنه فهم أوتيه رجل مسلم فمن شاء فليعمل به و من شاء تركه … و أركانها أربعة: الجوع و العزلة و الصمت و السهر، و مازاد علي هذه الأربعة فهو من التوابع، و قالوا: «من ضيع الأصول حرم الوصول».

و يقول أيضا في هذا الصدد: «إن من شرط من يطلب طريق القوم أن يكون متضلعا من علوم الشريعة المطهرة حتي لايصير عنده التفات الي غير الطريق التي سلكها و ان طريق القوم محررة علي الكتاب و السنة، تحرير الذهب و الجوهر، فمن لم يكن من أكابر العلماء لايفلح فيها، لأن له في كل حركة و سكون ميزانا شرعيا يجب عليه عمله قبل الفعل و الله أعلم».

و عند الإمام الشعراني أن المريد قبل أن يدخل الطريق ينبغي أن يتفقه في دينه لأن الفقه مفتاح الطريق، يقول: «و من هنا قالوا للمريد تفقه في دينك أولا ثم تعال ادخل الطريق و ذلك ليقل التفاته إلي غير الطريق… و من شأنه يخرج من خلاف العلماء إلي وفاقهم ما أمكن، مبادرة منه علي وقوع عباداته صحيحة علي جميع المذاهب أو أكثرها، فإن رخص الشريعة إنما جعلت للضعفاء و أصحاب الضرورات و الأشغال…».

و إذا تساءلنا لماذا لمم يتخذ أهل العصر الأول شيوخا؟ أجاب الشعراني: «و كان أهل العصر الأول لقلة أمراضهم و عللهم لايحتاجون إلي شيخ، فلما ذهبوا و حدثت الأمراض احتاج الفقيه إلي شيخ ضرورة ليسهل عليه طريق العمل بما علم».

و الصوفي الحق، هو من أخلص في العمل، يقول: «فإن حقيقة الصوفي هي أنه عالم عمل بعلمه، أي علي وجه الإخلاص لاغير، فليس علم التصوف *إلا معرفة طريقة الوصول إلي العمل بالإخلاص لاغير، فإذا عمل العالم بعلمه علي وجه الإخلاص كان هو الصوفي الحق.

و عن منهج الدعوة إلي الله يقول: «و إن سياسة الداعي إلي الله تعالي أن يؤلف الضعفاء بالكلام الحلو و الإحسان و تخفيف الأوامر، ثم إذا رسخوا في الطريق فله التحكم فيهم كيف شاء فيزجرهم بمر الكلام و يمنعهم عن لذيذ الطعام و من مجالسته علي الدوام و غير ذلك».

و عن مصاحبة الشيخ للتربية فقط دون علة يقول: «و من شأنه أن يصحب الشيخ للتربية فقط دون علة أخري من أكل و شرب و وظيفة و نحو ذلك، و من دخل في صحبة شيخ بعلة من هذه العلل أو غيرها لايفلح أبدا مادامت تلك العلة فيه…».

و يتحدث عن دوره كمرب مستشهدا بقول شيخه سدي علي الخواص رحمه الله، يقول: «مرتبة هؤلاء المربين أنهم يعلمون الناس الآداب مع الحق و يجمعون قلوبهم علي الله». و لهذا يذكر المريد بالتزام الآداب مع الأشياخ، يقول: اعلم يا أخي أن أحدا من السالكين لم يصل إلي حالة* شريفة في الطريق أبدا إلا بملاقاة الأشياخ و معانقة الأدب معهم و الإكثار من خدمتهم، و من ادعي الطريق بلاشيخ كان شيخه إبليس… و من شأن الأشياخ أن يترفقوا بالمريدين و أن يأخذوا العصاة منهم بالرحمة، و من شأنهم أن ينظروا إلي العصاة بعين الرحمة لابعين الازدراء و الاحتقار.

و اعلم يا أخي أن جميع ما ذكرته لك في هذه الرسالة من أخلاق المريدين إنما هو كالقطرة من البحر، فليعرض كل من نظر فيها أحواله علي ماذكرته من الآداب فيها، فإن وجد نفسه متخلقا بها فليحمدالله تعالي، و إن وجد نفسه عاريا عنها فليأخذ في أسباب التخلق بالسلوك علي يد شيخ ناصح».

و يستشهد بقول شيخه محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه فيقول: «كان شيخنا محمد المغربي الشاذلي رضي الله عنه يقول: اطلب طريق ساداتك من القوم و إن قلوا، و إياك و طريق الجاهلين بطريقهم و إن جلوا، و كفي شرفا بعلم القوم قول موسي عليه السلام للخضر «هل اتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا» و هذا أعظم دليل علي وجوب طلب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة، و كل عن مقامه يتكلم».

و قد دفن فى مسجده بباب الشعرية بالقاهرة
من مواضيع : ahmed1981 التدخين والمخدرات .. آفتان متى يتخلص منهما الشباب العربى؟
حرب أكتوبر
مسرحية الحسين ثائرا
شخصيتك .. و أين تحب أن تأكل
موضوع مفيد عن فيلم العودة إلى أوز-من ترجمتى الخاصة
21-03-2008, 01:05 PM
ahmed1981
 
تاسع عشر: الإمام أحمد البدوى

سيدى أحمد البدوى



هو سيدى أحمد بن على بن إبراهيم .. وينتهى نسبه إلى الإمام الحسين رضى الله عنهم أجمعين والمعروف بالشيخ أبى الفتيان الشريف العلوى السيد أحمد، وعُرف بالبدوى لكثرة تلثمه، وهو مؤسس الطريقة الأحمدية بشارتها الحمراء التى ترمز إلى الحقيقة الأحمدية الذاتية وما يشار إليه فى علوم السادة الصوفية بالياقوتة الحمراء.

ولد سنة 596هـ بمدينة فاس بالمغرب ولما بلغ سبع سنوات سمع أبوه صوتا فى منامه يقول له: يا على انتقل من هذه البلاد إلى مكة المشرفة فإن لنا فى ذلك شأنا، فسافروا إلى مكة فى أربع سنوات.

أقام بمكة واشتهر فيها بالشجاعة وسمى بالعطاب، وأقرأه أخوه القرآن وهو فى الحادية عشرة من عمره، ثم حدث له حال فتغيرت أحواله واعتزل الناس ولزم الصمت وكان لا يتكلم إلا بالإشارة، وكان كثير الصيام والعبادة، ثم قيل له فى منامه (أن سر إلى طنطا فإنك تقيم بها وتربى رجالا وأبطالا: عبد العال وعبد المجيد وعبد المحسن وعبد الرحمن) وبُشر بحال يكون له، وكان ذلك فى ليلة الأحد العاشر من محرم سنة 633هـ، فسار هو وأخوه حسن من مكة فى شهر ربيع الأول قاصدا العراق وجال فى البلاد ثم عاد حسن إلى مكة وتأخر أحمد بعده ثم لحق به وقدم مكة ولزم الصيام والقيام حتى كان يطوى أربعين يوما لا يتناول فيها طعاما ولا شرابا وفى أكثر أوقاته يكون شاخصا ببصره إلى السماء وقد صارت عيناه تتوقدان كالجمر ثم سار من مكة سنة 634هـ يريد مصر، وأقام بطنطا منذ شهر ربيع الأول سنة 637هـ، ونزل فى دار شيخ من مشايخ البلد يدعى ابن شخيط، فصعد إلى سطح غرفته وكان طول نهاره وليله شاخصا بصره إلى السماء، ولا يأكل أو يشرب أو ينام، ولم ينزل من السطح مدة إثنتا عشرة سنة ولذلك لقب بالسطوحى، وقد تابعه منذ الصغر سيدى عبد العال وسيدى عبد المجيد وصاروا من كبار مريديه بعد ذلك، وكان سيدى عبد العال يأتى إليه بالرجل أو الطفل فيطل سيدى أحمد برأسه من مجلسه فينظر إليه نظرة واحدة فيملؤه مددا ثم يقول لعبد العال اذهب به إلى بلد كذا أو موضع كذا، وكان هؤلاء الأتباع يسمون أصحاب السطح.

وممن تبعه من الأشياخ قاضى القضاة الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، علما بأن ابن دقيق العيد كان ينكر حال السيد البدوى ، وذات مرة أرسل ابن دقيق العيد إلى سيدى عبد العزيز الدرينى وقال له: امتحن لى هذا البدوى الذى اشتغل الناس بأمره فى هذه المسائل فإن أجابك عنها فإنه ولى لله تعالى، فمضى إليه سيدى عبد العزيز الدرينى وسأله عنها، فأجاب السيد البدوى بأحسن جواب ولم يكتف بذلك بل قال لهم إن هذه الإجابات مسطرة فى كتاب كذا فى مكان كذا، فكان سيدى عبد العزيز الدرينى إذا سئل عن السيد البدوى يقول (هو بحر لا يدرك له قرار).

ومما يذكر من نظمه :

أنا الملثم سـل عنى وعن همـمى
أنا السطوحى واسمى أحمد البدوى
مذ كنت طفلا صغيرا نلـت منزلة
إذا دعـانى مريدى وهو فى لجج
لك الهـنا يا مريدى لا تخف أبدا

ينبيك عزمى بما قد قلتـه بفمى
فحل الرجال إمام القوم فى الحرم
وهمتى قد علت على سائر الهمم
من البحـار نجا من سطوة العدم
واشطح بذكرى بين البان والعلم


وورد عنه أيضا :

مجـانين إلا إن ســر جنـوننا

عجيب على أعتابه يسجد العقل


وتوفى سنة 675هـ أى عاش 79 عاما، ودفن فى مسجده العظيم بطنطا والذى يؤمه الناس من سائر البقاع للزيارة والتبرك بمقامه الشريف، واستخلف بعده على الفقراء سيدى عبد العال.




العارف بالله القطب الشيخ أحمد البدوي رضي الله عنه



ومنهم الشيخ الأكبر والأسد الغضنفر أبو الفتيان وقطب أهل العرفان ومغيث الأسير مولانا السيد أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أحمد البدوي الحسيني الشهير قدس‏ الله سره، لبس الخرقة من الشيخ بري الرفاعي، وهو لبسها من الشيخ علي بن نعيم البغدادي، وهو لبسها من السيد احمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه.‏ يقول السخاوي: هو رضي الله عنه السيد أحمد البدوي بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن اسمعيل بن عمر بن علي بن عثمان بن حسين بن محمد بن موسى بن يحيى بن عيسى بن علي بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر ‏الصادق بن الإمام ‏محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن السبط سيدنا الحسين ابن سيدة نساء ‏العالمين فاطمة بنت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم.‏ وأما صفته فكان طويلا، غليظ الساقين، كبير الوجه، ولونه بين البياض والسمرة.‏ ويقول الشعراني: هو شيخ الخرقة أبو العباس أحمد البدوي الحسيب النسيب رضي الله عنه، وشهرته في مصر والشام والحجاز واليمن والهند والسند والروم والغرب تغني عن تعريفه.‏ وكان مولده بمدينة فاس بالمغرب، فإن أجداده الشرفاء انتقلوا أيام الحَجاج إلى أرض المغرب لما كثر القتل في الأشراف ولما بلغ سبع سنين سمع أبوه قائلا يقول له في منامه يا علي انتقل من هذه البلاد إلى مكة.‏ قال الشريف حسن أخو السيد أحمد: فأقمت أنا وإخوتي وكان أحمد أصغرنا سنا وأشجعنا قلبا، وكان لكثرة تلثمه سميناه بالبدوي، فأقرأته القرآن ولم يكن في فرسان مكة أشجع من أخي أحمد، حتى كانوا يسمونه في مكة العطاب. فلما جاءته المواهب الإلهية وتغيرت أحواله واعتزل الناس ولازم الصمت، فكان لا يكلم الناس إلا بالإشارة، ثم إنه رأى في منامه ثلاث مرات قائلا يقول له: قم ثم سر إلى طندتا فأن بها مقامَك فسار الى العراق ومنها الى ‏طندتا ، ومرّ في ‏طريقه إلى أم عبيدة فزار سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنه.‏ ولما وصل إلى طندتا دخل إلى دار بن شحيطة شيخ البلد فصعد إلى سطح غرفته، وأقام فوق السطح نحو اثنتي عشرة سنة، وكان يمكث الأربعين يوما فأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، ومن هنا كان الناس يقولون فلان من أصحاب السطح، ويقولون سيدي أحمد السطوحي.‏ وليعلم أن سيدي أحمد البدوي أخذ البيعة في بدايته عن الشيخ عبدالجليل بن عبدالرحمن النيسابوري بسبعة وسائط، تنتهي بيعته إلى الإمام داود الطائي إلى الأستاذ حبيب العجمي إلى سيد التابعين الحسن البصري، إلى ابن عم المصطفى الإمام علي المرتضى كرم الله وجهه، وإنما سلوكه وإيصاله الغاية وقع على يد الشيخ بري الرفاعي.‏ ويقول سيدنا مولانا شيخ الإسلام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث في السيد أحمد البدوي: عُرِفَ بالبدوي لملازمته اللثام ولبس اللثامين حتى كان لا يفارقهما، وعُرض عليه التزويج فامتنع لإقباله على العبادة، وكان قد حفظ القرآن كله، ثم قرأ شيئا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، واشتهر بالعطاب لكثرة عطبه لمن يؤذيه، وكان إذا عرض له الحال يصيح صياحا عظيما متواصلا، ويؤثر عنه كرامات كثيرةوخوارق شهيرة من أشهرها قصة المرأة التي أسر ولدَها الفرنج فلاذت به فأحضره إليها في قيوده، ومرَّ به رجل يحمل قربة لبن فأشار الشيخ بإصبعه إلى القربة فانقدت فانسكب اللبن وخرجت منه حية عظيمة ميتة قد انتفخت، وقد لازم جماعة من أهل تلك البلاد خدمته رضي الله عنه، وبنوا على قبره مقاما وميزوه عن أشياخ عصره، وحدث لهم بعد مدة عمل المولد الشريف عنده، وصار يوما مشهودا تقصده الناس من النواحي البعيدة وشهرة هذا المولد في عصرنا تكفي عن وصفه اهـ.‏ ويقول المحدث العدل أبي المحاسن يوسف: ومما بلغني من جماعة من أهل بيروت قالوا أسرتنا الفرنج وكنا اثني عشر رجلا، فأقمنا في بلاد الفرنج يستخدموننا في الأعمال الشاقة حتى كدنا نموت، فألهمنا الله تعالى يوما أننا قلنا يا سيدي أحمد يا بدوي إن‏ الناس يقولون إنك تأتي بالأسرى إلى بلادهم سألناك بالنبي صلى الله عليه وسلم أن تردنا إلى بلادنا قالوا ففي ذلك اليوم نزلنا مركبا ليس فيها أحد وقذفنا، فلم يشعر بنا الفرنج حتى سرنا في البحر نحو ميلين، فخرجوا وراءنا، فلم يدركونا إلى أن وصلنا بلادنا ببركة سيدي أحمد البدوي.اهـ.‏ ولو أردنا تعداد مناقبه وكراماته وأصحابه لاحتجنا أن نفرد لهم كتابا مخصوصا رضي الله عنه.

شهاب الدين أحمد البدوي، صوفي كبير، ولد بفاس، وتوفي بطنطا، تنسب إليه تُنسب الطريقة البدوية، أو الأحمدية، توفي سنة (657)هـ و ضريحه و مسجده بطنطا و يحتفل بذكرى مولده كل عام



ترجمة السيد الشريف أحمد البدوي رضي الله عنه
(596 ـــ 675 هـ.)

ساق ترجمة السيد أحمد البدوي المؤرخ عبد الحي بن العماد الحنبلي (804 هـ) في كتابه شذرات الذهب في وفيات سنة 675 هـ. فقال ما نصه: وفيها السيد الجليل الشيخ أحمد بن علي بن محمد بن أبي بكر البدوي الشريف الحسيب النسيب، قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في طبقاته أصله من بني برّي قبيلة من غرب الشام ثم سكن والده المغرب فولد له صاحب الترجمة بفاس سنة ست وتسعين وخمسمائة ونشأ بها وحفظ القرآن وقرأ شيئاً من فقه الشافعي وحجّ أبوه به وبأخويه سنة ست وستمائة وأقاموا بمكة ومات أبوه سنة سبع وعشرين وستمائة ودفن بالمعلى، وعرف بالبدوي للزومه اللثام لأنه كان يلبس لثامين ولا يفارقهما ولم يتزوّج قط واشتهر بالعطّاب لكثرة عطب من يؤذيه، وكان عظيم الفتوة، قال المتبولي قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي مناماً والله أعلم): ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس أكبر فتوة منه ثم نفيسة ثم شرف الدين الكردي ثم المنوفي.اهـ. وكان يمكث أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وأكثر أوقاته شاخصاً ببصره نحو السماء وعيناه كالجمرتين. سار إلى العراق ثم رحل إلى مصر فتلقاه الظاهر بيبرس بعسكره وأكرمه وعظمه ودخلها سنة أربع وثلاثين, وكان من القوم الذين تسقى بهم البلاد وتسعد وإذا قربوا من مكان هرب منه الشيطان وأبعد وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، فأقام بطندتا على سطح دار لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً اثنتي عشرة سنة، وتبعه جمع منهم عبد العال وعبد المجيد، وكان عبد العال يأتيه بالرجل أو الطفل فينظر إليه نظرة واحدة فيملأه مدداً، وكان لا يكشف اللثام عن وجهه، وله كرامات شهيرة منها قصة المرأة التي أسر ولدها الفرنج فلاذت به فأحضره في قيوده، ودفن بطندتا وجعلوا على قبره مقاماً واشتهرت كراماته. اهـ.

وقال الفقيه الشافعي المشهور سراج الدين عمر بن علي المصري المعروف بابن الملقن (804 هـ.) في كتابه طبقات الأولياء في ترجمة السيد الشريف أحمد البدوي رضي الله عنه ما نصه: الشيخ أحمد البدوي المعروف بالسّطوحي أصله من بني بري قبيلة من عرب الشام تسلك بالشيخ بري أحد تلامذة الشيخ أبي نعيم أحد مشايخ العراق وأحد أصحاب سيدي أحمد بن الرفاعي.اهـ.

وقال السيوطي (911هـ.) في حسن المحاضرة عند ذكر من كان بمصر من الصلحاء والزهاد والصوفية ما نصه:سيدي أحمد البدوي هو أبو الفتيان أحمد بن علي بن إبراهيم ين محمد بن أبي بكر القدسي الأصل الملثّم.عرف بالبدوي لملازمته اللثام وكان حفظ القرآن وقرا شيئاً من الفقه على مذهب الشافعي واشتهر بالعطاب لكثرة ما يقع بمن يؤذيه من الناس.وتؤثر عنه كرامات وخوارق من أشهرها قصة المرأة التي أسر الفرنج ولدها فلاذت به فأحضره إليها في قيوده، ومرّ به رجل يحمل قربة لبن فأومأ إليها بإصبعه فانسكب اللبن فخرجت منه حية قد انتفخت.اهـ.

نفعنا الله به وبسائر الصالحين والحمد لله رب العالمين

سلطان الأولياء أبو الفتيان سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وأرضاه

هذه ترجمة أخرى لسيدي أحمد بن علي البدوي منقولة بتلخيص من كتاب شيخنا السيد الشريف العارف بالله جودة محمد أبو يزيد المهدي رضي الله عنه
البدوي

هو سليل آل بيت النبوة فهو السيد الشريف أبو العباس سيدي أحمد بن سيدي علي البدري الذي ينتهي نسبه إلى سيدي علي زين العابدين بن مولانا الإمام الحسين رضي الله عنه .

و قد ولد سيدي أحمد بفاس بالمغرب سنة ست و تسعين و خمسمائة هجرية.و ما أن بلغ السابعة من عمره حتىانتقل مع أسرته إلى رحاب بيت الله الحرام حيث سمع أبوه قائلاً يقول له في منامه:" يا علي انتقل من هذه البلاد إلى مكة المشرفة فإن لنا في ذلك شأناً"

و في جوار بيت الله الحرام أتم مولانا حفظ القران لكريم و تفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه و تعلم الفروسية.

و لقد ضرب سيدي أحمد أروع الأمثلة في ميدان الجهاد الروحي و السلوك الصوفي فلقد كان يلقب بالزاهد و هو لم يتجاوز السابعة من عمره.و لقد بلغت مجاهداته إلى حد أنه كان يطوي أربعين يوماً لا يتناول طعاماً أو شراباً و لا يذوق نوماً.و قد روى القطب الشعراني في طبقاته أن أحد العارفين قال :"إنه-- أي سيدي أحمد البدوي -- رضي الله عنه حصلت له جمعية مع الحق تبارك و تعالى فاستغرقته إلى الأبد"

لقد وصل القطب البدوي ألى قمة الولاية و سجد قلبه لله إلى الأبد و صار وحداني الذات و لقد عرض عليه أخوه سيدي الشريف حسن الزواج فأبى و قال : أنا موعود بألا أتزوج إلا من الحور العين.

ثم ذات يوم رأى في منامه قائلاً يقول له : قم و اطلب مطلع الشمس –أي العراق- فإذا وصلت إلى مطلع الشمس فاطلب مغرب الشمس و سر إلى طندتا فإن بها مقامك أيها الفتى

و يقص رؤياه على أخيه فيشفق عليه من زيارة العراق لأنها برزخ الأولياء و لكن الهاتف يعاوده في الليلة التالية قائلاً: يا أحمد يا بطل لا يخاف من الرجال إلا من لا وراءه رجال و أنت وراءك رجال و أي رجال.

لذلك سافر إلى العراق و جاءه سيدي عبد القادر الجيلاني و سيدي أحمد الرفاعي في منامه و قالا له:يا أحمد قد جئناك بمفاتيح العراق و اليمن و الهند و السند و الروم و المشرق و المغرب بأيدينا فإن كنت تريد أي مفتاح شئت أعطيناه لك. فقال لهما:"أنا منكما.. و لكن لا اخذ المفتاح إلا من يد الفتاح"

و عاد سيدي شيخ العرب إلى مكة و قد تزايد حاله و استغراقه و اتسع مدده فروحه في عروج مستمر و مقامه في ارتقاء دائم . و ذات ليلة في رمضان رأى الهاتف في منامه يقول له :" يا أحمد سر إلى طنطا فإنك تقيم بها و تربي رجالاً و أبطالاً."

و دخل رضي الله عنه طنطا سنة 635 هجرية وحين دخلها كان بها أولياء وعارفون سلموا له يالولاية .و أخذ يربي أئمة و أقطاباً .و كان يبيت الليل شاخصاً ببصره إلى السماء و عيناه متوقدتان كالجمر و روحه سابحة في خضم الأنوار الإلهية.

و ممن تربى على يد سيدي أحمد البدوي :الإمام العارف سيدي عبد العال الأنصاري رضي الله عنه و أخوه القطب الواصل سيدي عبد المجيد رضوان الله عليه و كان سيدي عبد العال هو الابن القلبي الأول لسيدي أحمد و هو خليفته الأعظم ووارث سره من بعده.

و أما سيدي عبد المجيد فقد نشأ مع أخيه سيدي عبد العال و ما أن قدم سيدي أحمد إلى طنطا حتى انجذب إليه و لازمه فتأدب بادابه و عرف إشاراته و كان لا ينام الليل تبعاً لسيدي أحمد و ذات يوم وجد نفسه مشوقاً لرؤية وجه سيدي أحمد و قد كان دائماً متلثماً بلثامين فقال له :يا سيدي أرني وجهك أنظر إليه فقال له:يا عبد المجيد كل نظرة برجل فقال يا سيدي أرني و لو مت. فكشف له اللثام الفوقاني فصعق سيدي عبد المجيد و مات في الحال.مات شهيد نظرة من قطب الرجال.

و أما عن كراماته رضي الله عنه منها أن ابن اللبان وقع في حق سيدي أحمد رضي الله عنه فسلب العلم و القران و الإيمان فلم يزل يستغيث بالأولياء فلم يقدر أحد أن يدخل في أمره فدلوه على سيدي ياقوت العرش فمضى إلى سيدي أحمد و كلمه في القبر و أجابه و قال له أنت أبو الفتيان رد على هذا المسكين رسماله فقال بشرط التوبة فتاب و رد عليه الإيمان و العلم و القران.

و منها أن الشيخ ابن دقيق العيد أراد أن يذهب ليرى الشيخ فلما ذهب إليه و نظر إلى الشيخ و هو يلقي درسه و عليه لوائح الوجد و الوله فقال ابن دقيق العيد في نفسه:ما هو إلا مجنون. فكاشفه مولانا السيد و رد عليه ببيته الخالد:


مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز=على أعتابه يسجد العقل

ومن نصائحه رضي الله عنه:

يا عبد العال إياك و حب الدنيا فإنه يفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل، واعلم أن الله تعالى قال في كتابه المكنون (إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون). صدق الله العظيم

يا عبد العال عليك بكثرة الذكر و إياك أن تكون من الغافلين عن الله تعالى
…يا عبد العال أحسنكم خلقاً أكثركم إيماناً بالله تعالى والخلق السىء يفسد العمل الصالح…

هذه طريقتنا مبنية على الكتاب و السنة و الصدق و الصفاء و حسن الوفاء وتحمل الأذى و حفظ العهود .


هذا هو القطب الواصل سيدي أحمد البدوي جمعنا الله و إياه و رسوله الكريم في جنة النعيم.امين

يقول الفقير كاتب هذه السطور

وقد قال فيه القطب الكبير الموصوف من قبل سيدي الشعراني بأنه من أصحاب الدوائر الكبرى في الولاية سيدي إبراهيم المتبولي حرر الله ضريحه في أشدود بفلسطين من اليهود الأخساء -- قال في سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وأرضاه: آخَي (من المؤاخاة) رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سيدي أحمد البدوي في الفتوة ولو وجد في الأولياء من هو أكبر منه فتوة لآخى بيني وبينه)، والفتوة مجموعة صفات تتمثل في نجدة المحتاج وبذل النفس والإيثار والشجاعة والإقدام، فهو رأس هذا المقام، وما زال ضريحه الأنور محط رحال من لم يجعل الله لهم باب فرج إلا عند أبي فراج سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه وأرضاه وفي ذلك حكمة لا تخفى هي ربط الأول بالآخر عملاً وعلماً وتعظيم من أثنى الله عليه من الأولياء بنسبتهم إليه بقوله (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)

وكان القطب المتبولي صاحب المدرسة العظيمة في الولاية والسلوك التي سطر أنوارها سيدي الشعراني في الأخلاق المتبولية -- يتعمم بالأحمر ويقول: أنا رجل أحمدي
وكان خبز زاوية سيدي إبراهيم المتبولي صغيراً فكان يقول: لا تكبروا خبزي على خبز سيدي أحمد البدوي وقد كان صغيراً أيضاً

وإنما أحببنا ذكر ذلك لأن فيه إشارات إلى مقام القطب البدوي رضي الله عنه وأرضاه

وذكر سيدي عبد الوهاب الشعراني في البحر المورود أن سيدي محمد الشناوي رضي الله عنه قال له ما عصى الله أحد في مولد سيدي أحمد البدوي إلا وكتب الله له توبة صحيحة بعد ذلك

فقال سيدي عبد الوهاب يا سيدي أصدق ما هو أكثر من ذلك.
أقول والله أعلم بما هو أكثر من ذلك !!

وكرامات سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه لا تحصر وهي على قدر الحاجات التي تحط على بابه رضي الله عنه

ومريدوه وتلاميذه الذين نشروا طريقه فوق أن يحصروا كذلك، أشارت الترجمة إلى واحد منهم هو سيدي عبد العال الأنصاري خليفته الأول وقيمه على تربية خلفائه جميعاً رضي الله عنه وعنهم أجمعين

رضي الله عن سيدي أحمد البدوي وعن خلفائه الاماجد أجمعين وعن كافة أولياء الله الصالحين
من مواضيع : ahmed1981 مكتبة تاريخية قيمة و وافية
أروع ما قيل فى نهر النيل
مدائن صالح عليه السلام
مسرحية الحسين ثائرا
بخصوص شات العنابى و ما شابهه من مواقع الدردشة
21-03-2008, 01:06 PM
ahmed1981
 
عشرون: الإمام إبراهيم الدسوقى


إبراهيم الدسوقي (633هـ - 676هـ). هو إبراهيم الدسوقي بن عبد العزيز أبي المجد بن علي قريش. ولد في دسوق في محافظة كفر الشيخ المصرية، بدأ حياته الدينية بدراسة مذهب الإمام الشافعى.

أسس الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية، و هي أحد الطرق الصوفية. يعتقد أتباعه بأنه من الذين أظهر الله لهم المغيبات وخرق لهم العادات. و يتناقلون رواية عن خروج سهم من ورقة أرسلها لقاض ظالم، و موت القاضي على إثر إصابته بهذا السهم. كما يعتقدون بأن نسبه ينتهي بالحسين بن علي بن أبي طالب. و مما كتب عنه من قبل مريديه:

إمام الأئمة المدركين للكون والذين أظهر الله لهم المغيبات وخرق لهم العادات، ذو الباع الطويل والتصرف النافذ واليد الطولى في أحكام الولاية، والقدم الراسخ في درجات النهاية، وكان يتكلم بجميع اللغات.

توفي و دفن في دسوق



العارف بالله القطب الشيخ إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه



ومنهم الأستاذ الكبير والقطب الغوث الشهير حامل لواء المعالي، وقائد ركبان الأعالي، الواقف على متن المنهاج الحقيقي، مولانا السيد إبراهيم الحُسيني الدسوقي رضي الله عنه، وهو إبراهيم بن أبي المجد بن قريش بن محمد بن النجا ابن عبد الخالق بن القاسم بن جعفر بن ‏عبد الخالق ‏ابن أبي القاسم الزكي بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن ‏جعفر الصادق بن محمد ‏الباقر بن علي الزاهد ابن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ‏رضي الله عنه القرشي الهاشمي.‏ أخذ الطريقة ولبس الخرقة من الشيخ نجم الدين محمود الأصفهاني، وتخرج بصحبة الشيخ نور الدين عبدالصمد النظري، وبصحبة الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم، ثم برع‏ واشتهر وشهد له رجال وقته بالولاية الكبرى والقطبية العظمى وانتهت إليه رئاسة الطريق.‏ ويقول الشعراني: هو أحد الأئمة الذين خرق له العادات، وأوقع له الهيبة في القلوب، وانعقد على فضله إجماع المشايخ، وكان مقصودا بحل المشكلات.‏ فهو الشيخ الكامل صاحب الأفهام العرفانية، والعلوم اللدنية، والأسرار الربانية كان له المقام العالي في قلوب العلماء والملوك والمهابة في الصدور، وقُصِدَ للزيارة والتبرك من سائر الآفاق، وأمر التمساح أن يلفظ الصبي الذي ابتلعه فخرج التمساح ولفظه بحضرة الناس، فإن الله قد خرق له العادات وأظهر على يديه العجائب.‏ وكان يقول قدس الله سره: من لم يكن عنده شفقة ورحمة على خلق الله لا يرقى مراقي أهل الله، وكان يأخذ العهد على المريد، فيقول له: يا فلان اسلك طريق النسك على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، وعلى أن تتبع جميع الاوامر الشرعية، والأخبار المرضية، والاحتفال بطاعة الله عزوجل قولا وفعلا واعتقادا.‏ وأن لا تنظر يا ولدي إلى زخارف الدنيا ومطاياها وقماشها ورياشها وحظوظها، واتبع نبيك‏ في أخلاقه، فإن لم تستطع فاتبع خُلُق شيخك، فإن نزلت عن ذلك هلكت، واعلم يا ولدي أن التوبة ما هي بكتابة درج ورق ولا كلام من غير عمل إنما بالتوبة العزمُ على ارتكاب ما الموتُ دونه، فصف أقدامك يا ولدي في حندس الليل البهيم، ولا تكن ممن يشتغل بالبطالة ويزعم أنه من أهل الطريق.‏ وكان يقول قدس الله سره: لو هاجر الناس مهاجرة صحيحة طالبين الله خالصا ودخلوا تحت أوامره لاستغنوا عن الأشياخ، ولكنهم جاءوا إلى الطريق بعلل وأمراض فاحتاجوا إلى حكيم.‏ وكان يقول قدس الله سره: قوة المبتدي الجوع ومطره الدموع وفطره الرجوع، وأما من أكل ونام ولغا في الكلام، وترخص وقال ما على فاعل ذلك من ملام فلا يجيء منه شيء والسلام.‏


مولانا الإمام الشيخ إبراهيم الدسوقي (قدس الله سره)

إسمه ونسبه (رضي الله عنه)

هو العارف بالله تعالى السيد إبراهيم ابن أبي المجد ابن قريش ابن محمد ابن محمد ابن النجا ابن عبد الخالق ابن أبي القاسم الزكي ابن علي ابن محمد الجواد ابن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين ابن الإمام سيدنا علي وكرم الله وجهه.

سنده في الطريقة (رضي الله عنه)

لبس الخرقة الشريفة من الشيخ نجم الدين محمود الأصفهاني وهو من الشيخ نور الدين عبد الصمد النظري وهو من الشيخ نجيب الدين علي الشيرازي وهو من الشيخ شهاب الدين السهروردي وهو من الشيخ أبي النجيب ضياء الدين عبد القاهر السهروردي وهو من الشيخ وجيه الدين وهو من الشيخ فرج الزنجاني وهو من الشيخ أبي العباس النهاوندي وهو من الشيخ محمد بن حفيف الشيرازي وهو من الشيخ القاضي رويم أبي محمد البغدادي وهو من إمام الطريقة وسيد الطائفة أبي القاسم الجنيد البغدادي وهو من خاله سري السقطي وهو من الشيخ معروف الكرخي وهو من الشيخ داود الطائي وهو من الشيخ حبيب العجمي وهو من الشيخ الحسن البصري وهو من قاءد الاولياء سيدنا الإمام علي بن أبي طالب وهو من سيد الخلق وسيد الأنبياء الكرام سيدنا ومولانا رسول الله .

شهادة العلماء فيه

قال العارف بالله العلامة الشيخ أبو بكر الأنصاري (قدس الله سره) في (عقود اللآل) في ترجمة الشيخ: له المنهاج الأرفع في المعالي، والقدم الراسخ في أحوال النهايات، واليد البيضاء في علم الموارد، والباع الطويل في التصرف النافذ، والكشف الخارق عن حقائق الآيات، والفتح المضاعف في المشاهدات، وهو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود، وأبرزه رحمة للخلق، وأوقع له القبول التام عند الخاص والعام، وصرَّفه في العالم، ومكنه في أحكام الولاية، وقلب له الأعيان، وخرق له العادات، وأنطقه بالمغيبات، وأظهر على يديه العجائب، وصومه في المهد.

من أقواله و إرشاداته (رضي الله عنه) :

- من صدق في الإقبال على الله، انقلبت له الأضداد فعاد من كان يسبه يحبه، ومن كان يقاطعه يواصله.

- لا يكمل رجل حتى يفرَّ عن قلبه وسره وعلمه ووهمه وفكره، وعن كل ما خطر بباله غير ربه.

- من ليس عنده شفقة ولا رحمة للخلـق، لا يرقى مراتب أهل الله.

- كل من وقف مع مقام، حُجِب به.

- ما دام لسانك يذوق الحرام، فلا تطمع أن تذوق من الحكم والمعارف شيئاً.
- الطريق كلها ترجع إلى كلمتـين، تعرف ربك وتعبده.
- رأس مال المريد المحبة والتسليم.

وفاته (رضي الله عنه):

توفي (رضي الله عنه) سنة ست وسبعين وستمائة هجرية بمصر. نفعنا الله تعالى به وببركته.
من مواضيع : ahmed1981 التدخين و المخدرات .. آفتان متى يتخلص منهما الشباب العربى؟
معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية وتفسير معانيها
كتب الفيلسوف الألمانى العظيم فريدريك نيتشه
رؤساء وزراء إسرائيل
مدائن صالح عليه السلام
21-03-2008, 01:07 PM
ahmed1981
 
حادى و عشرون: الفضيل بن عياض

من سيرة الفضيل بن عياض - رحمه الله -


الحمد لله وبعد ،
إن سير العلماء مما يبعث الهمم على الاقتداء بهم ، ومن العلماء الذين سارت الركبان بسيرته الفضيل بن عياض - رحمه الله - .

ومن الوقفات العجيبة في سيرة هذا الإمام قصة توبته .

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/423) :

قال أبو عمار الحسين بن حُريث ، عن الفضل بن موسى قال : كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرخس ، وكان سبب توبته أنه عشق جارية ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها ، إذ سمع تاليا يتلو " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ ..." [ الحديد : 16] فلما سمعها ، قال : بلى يارب ، قد آن ، فرجع ، فآواه الليل إلى خَرِبة ، فإذا فيها سابلة ، فقال بعضهم : نرحل ، وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا .

قال ففكرت ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقوم من المسلمين هاهنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع ، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مُجاورة البيت الحرام .

قال الإمام الذهبي تعليقا على القصة :

وبكل حال : فالشرك أعظم من قطع الطريق ، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة . فنواصي العباد بيد الله ، وهو يضل من يشاء ، ويهدي إليه من أناب .

- موقف للفضيل مع هارون الرشيد :

عباس الدوري : حدثنا محمد بن عبدالله الأنباري ، قال : سمعت فضيلا يقول : لما قدم هارون الرشيد الى مكة قعد في الحِجْر هو وولده ، وقوم من الهاشمين ، وأحضروا المشايخ ، فبعثوا إليّ فأردت أن لا أذهب ، فاستشرت جاري ، فقال : اذهب لعله يريد أن تعظه ، فدخلت المسجد ، فلما صرت إلى الحجر ، قلت لأدناهم : أيكم أمير المؤمنين ؟ فأشار اليه ، فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فرد علي ، وقال : اقعد ، ثم قال : إنما دعوناك لتحدثنا بشيء ، وتعظنا ، فأقبلت عليه ، فقلت : يا حسن الوجه ، حساب الخلق كلهم عليك . فجعل يبكي ويشهق ، فرددت عليه ، وهو يبكي ، حتى جاء الخادم فحملوني وأخرجوني ، وقال : اذهب بسلام .

قال الذهبي (8/440) :
وعنه : يا مسكين ، أنت مسيءٌ وترى أنك محسن ، وأنت جاهل وترى أنك عالم ، وتبخل وترى أنك كريم ، وأحمق وترى أنك عاقل ، أجلك قصير ، وأملك طويل .

قلت ( الذهبي ) : إي والله ، صدق ، وأنت ظالم وترى أنك مظلوم ، وآكل للحرام وترى أنك متورع ، وفاسق وتعتقد أنك عدل ، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله .

- رسالة ابن المبارك إلى الفضيل بن عياض :

روى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملي عليَّ عبد اللّه بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس وأنشدها إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبَّار خيل اللّه في أنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب اللّه ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب

قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام ، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني ، ثم قال : أنت ممن يكتب الحديث ؟ قال : قلت : نعم ، قال : فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا ، وأملى عليّ الفضيل بن عياض :

حدثنا منصور بن المعتمر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رجلاً قال : يا رسول اللّه علِّمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل اللّه ، فقال : "هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ " فقال : يا رسول اللّه أنا أضعف من أن أستطيع ذلك ، ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : " فوالذي نفسي بيده لو طُوِّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله ، أوما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات ؟!
الحديث رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير ، باب الجهاد والسير .

والله اعلم



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ




الفضيل بن عياض التميمي



تعريفه
أبو علي التميمي اليربوعي الخراساني ، المجاور بحرم الله . ولد بسمرقند ، ونشأ بأبِيْوَرْد ، وارتحل في طلب العلم, الفضيل بن عياض قبل أن يصبح أحد الصالحين الكبار كان قبل ذلك يسرق ويعطل القوافل في الليل،كان قوى البنية شجاعا يخشاه الناس ويخافون منه كان يأخذ فأساً وسكيناً ويتعرض للقافلة فيعطلها، وكان الناس يقولون لبعضهم في الطريق إياكم والفضيل إياكم والفضيل ! والمرأة تأتي بطفلها في الليل تسكته وتقول له: اسكت وإلا أعطيتك للفضيل

توبته

أتى الفضيل بن عياض فطلع سلماً على جدار يريد أن يسرق صاحب البيت، فأطل ونظر إلى صاحب البيت جلس الفضيل ووضع يده على السقف وظل ينظر إلى ذلك الرجل العجوز الذي يقرأ القرآن ويبكي، وعنده بنت تصلح له العشاء، وأراد أن يسرقه وهو بإمكانه؛ لأن ذلك الرجل قوي، وهذا الشيخ لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فمر الشيخ بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون

فلما سمعها ، قال : بلى يارب ، قد آن ، فرجع ، فآواه الليل إلى خَرِبة ، فإذا فيها سابلة ، فقال بعضهم : نرحل ، وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا َ

قال ففكرت ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقوم من المسلمين هاهنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع ، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مُجاورة البيت الحرام فتاب الله عليه، فجعله إمام الحرمين في العبادة، هذا السارق أولاً أصبح إمام الحرمين الحرم المكي، والحرم المدني


ثم فدم الى الكوفة وهو كبير فسمع بها الحديث ثم تعبد وانتقل إلى مكة فمات بها.

عن إبراهيم بن احمد الخزاعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالا لكنت أتقذرها.

وعن أبي الفضل الخزاز قال سمعت الفضيل بن عياض يقول أصلح ما أكون أفقر ما أكون وإني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي.

وعن إسحاق بن إبراهيم قال كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانا وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يرددها.

وكان يلقى له حصير بالليل في مسجده فيصلي من أول الليل ساعة حتى تغلبه عينه فيلقي نفسه على الحصير فينام قليلا ثم يقوم فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم هكذا حتى يصبح.

قال وسمعت الفضيل يقول إذا لم تقدر على القيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك.
وعن منصور بن عمار قال تكلمت يوما في المسجد الحرام فذكرت شيئا من صفة النار فرأيت الفضيل بن عياض صاح حتى غشى عليه فطرح نفسه.

وعن أبي إسحاق قال قال الفضيل بن عياض لو خيرت بين أن أعيش كلبا أو أموت كلبا ولا أرى يوم القيامة لاخترت أن أعيش كلبا أو أموت كلبا ولا أرى يوم القيامة.

وعن مهران بن عمرو الأسدي قال سمعت الفضيل بن عياض عشية عرفة بالموقف وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء، يقول واسوأتاه، وافضيحتاه وإن عفوت وعن احمد بن سهل قال قدم علينا سعد بن زنبور فأتيناه فحدثنا قال كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤذن لنا فقيل لنا انه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن. قال: وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له اقرأ ألهاكم التكاثر سورة التكاثر آية 1 ورفع بها صوته. فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول:

بلغت الثمانين أو حزتها فماذا أؤمل أو أنتظر؟
أتى لي ثمانون من مولدي وبعد الثمانين ما ينتظر
علتني السنون فأبلينني.

قال ثم خنقته العبرة. وكان معنا علي بن خشرم فأتمه لنا فقال:

علتني السنون فأبلـينـنـي فرقت عظامي وكل البصر

وعن أبي جعفر الحذاء قال: سمعت فضيل بن عياض يقول أخذت بيد سفيان ابن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن انه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن.

وعن علي بن الحسن قال بلغ فضيلا أن جريرا يريد أن يأتيه قال: فأقفل الباب من خارج قال: فجاء جرير فرأى الباب مقفلا فرجع قال علي فبلغني ذلك فأتيته فقلت له جرير فقال ما يصنع بي يظهر لي محاسن كلامه وأظهر له محاسن كلامي فلا يتزين لي ولا أتزين له خير له.

وعن الفيض بن إسحاق قال سمعت فضيلا يقول لو قيل لك يا مرائي لغضبت ولشق عليك وتشكو فتقول قال لي يا مرائي عساه قال حقا من حبك للدنيا تزينت للدنيا وتصنعت للدنيا ثم قال اتق ألا تكون مرائيا وأنت لا تشعر تصنعت وتهيأت حتى عرفك الناس فقالوا هو ر
جل صالح فأكرموك وقضوا لك الحوائج ووسعوا لك في المجالس وإنما عرفوك بالله ولولا ذلك لهنت عليهم.

قال وسمعت الفضيل يقول تزينت لهم بالصوم فلم ترهم يرفعون بك رأسا.

تزينت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا تزينت لهم بشيء بعد شيء إنما هو لحب الدنيا.

وعن الحسين بن زياد قال دخلت على فضيل يوما فقال عساك إن رأيت في ذلك المسجد يعني المسجد الحرام رجلا شرا منك إن كنت ترى أن فيه شرا منك فقد ابتليت بعظيم.

وعن يونس بن محمد المكي قال: قال فضيل بن عياض لرجل لأعلمنك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها والله لئن علم الله منك إخراج الآدمين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره لم تسأله شيئا إلا أعطاك.

وعن إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه فاغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك كيف ترى تكون حالك.

وعن عبد الصمد بن يزيد قال سمعت الفضيل يقول أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال ليس لك هذا قومي خذي حظك من الآخرة.

وعن محمد بن حسان السمني قال: شهدت الفضيل بن عياض وجلس إليه سفيان بن عيينة فتكلم الفضيل فقال كنتم معشر العلماء سرج البلاد يستضاء بكم فصرتم ظلمة وكنتم نجوما يهتدى بكم فصرتم حيرة، ثم لا يستحي أحدكم أن يأخذ مال هؤلاء الظلمة، ثم يسند ظهره يقول: حدثنا فلان عن فلان. فقال سفيان: لئن كنا لسنا بصالحين فإنا نحبهم

وعن بشر بن الحارث قال: قال فضيل بن عياض: لأن أطلب الدنيا بطبل ومزمار أحب إلي من أن أطلبها بالعبادة.
وعن الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين الرشيد فأتاني فخرجت مسرعا فقلت يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال: ويحك قد حك في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله فقلت ها هنا سفيان بن عيينة فقال امض بنا إليه.

فأتيناه فقرعت الباب فقال من ذا؟ فقلت أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.

فحدثه ساعة ثم قال له عليك دين قال نعم فقال أبا عباس اقض دينه فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله فقلت له هاهنا عبد الرزاق بن همام قال امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الباب فقال من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك قال خذ لما جئناك له.

فحادثه ساعة ثم قال له عليك دين قال نعم قال أبا عباس اقض دينه.

فلما خرجنا قال ما أغنى صاحبك شيئا انظر لي رجلا اسأله قلت ها هنا الفضيل ابن عياض قال امض بنا إليه فأتيناه فإذا وهو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها فقال اقرع الباب فقرعت الباب فقال من هذا فقلت أجب أمير المؤمنين فقال ما لي ولأمير المؤمنين فقلت سبحان الله أما عليك طاعة؟ أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه فنزل ففتح الباب ثم إرتقى إلى الغرفة فأطفا المصباح ثم إلتجأ إلى زواية من زوايا البيت فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي إليه فقال يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي فقال له خذ لما جئناك له رحمك الله فقال إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سألم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء ابن حيوة فقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي. فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت وقال له محمد بن كعب القرظي إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا فوقر أباك واكرم أخاك وتحنن على ولدك.

وقال له رجاء ين حيوة إن اردت النجاة غدا من عذاب الله عز وجل فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت وإني أقول لك أني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك الله من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه فقلت له أرفق بأمير المؤمنين فقال يا ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابك وارفق به أنا ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء قال فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له ما أقدمك قال خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله عز وجل.

قال فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدني رحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى صلى الله عليه وسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أمرني على إمارة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل .

فبكى هارون بكاء شديدا وقال له زدني رحمك الله فقال يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة

فبكى هارون وقال له عليك دين قال نعم دين لربي يحاسبني عليه فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني والويل لي إن ألهم حجتي قال إنما اعني دين العباد قال إن ربي لم يأمرني بهذا أمر ربي أن أوحده وأطيع أمره فقال عز وجل: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين سورة الذاريات آية 56-58.

فقال له هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادك فقال: سبحان الله أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك.

ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب قال هارون: أبا عباس إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.

فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به فقال لها مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال ندخل فعسى أن يقبل المال فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف رحمك الله فانصرفنا.

وقد أسند الفضيل عن جماعة من كبار التابعين منهم الأعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن ومسلم الأعور وأبان بن أبي عياش وروى عنه خلق كثير من العلماء وقد ذكرنا جملة من رواياته في ذلك الكتاب.


وفاته

العالم العابد الفضيل بن عياض الشهير بعابد الحرمين لما حضرته الوفاة، غشي عليه، ثم أفاق وقال : وا بعد سفراه، وا قلة زاداه !

وتوفي رضي الله عنه في سنة سبع وثمانين ومائة
من مواضيع : ahmed1981 عبارة ( لا حياء فى الدين ) صحيحة
معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية وتفسير معانيها
أعلام الإفتاء فى مصر
الأحقاف و الجغرافيا
موضوع مفيد عن فيلم العودة إلى أوز-من ترجمتى الخاصة
21-03-2008, 01:08 PM
ahmed1981
 
ثانى و عشرون: الإمام بهاء الدين نقشبند

حياة الشيخ بهاء الدين النقشبند

هو الشيخ بهاء الدين محمد بن محمد بن محمد المشهور بالنقشبند والملقب(بمحمد البخاري) ولد قدس سره في شهر محرم الحرام سنة سبع عشرة وسبعمائة هجري في قرية قصر هندوان التي سميت فيما بعد (بقصر عارفان) من قرى بخارى على فرسخ منها، وفي بعض المصادر ذكر انه سيد حسيني وجده الأكبر محمد جلال الدين، وهو مريد خواجه محمد بابا السماسي وهو شيخ طريقة خواجكان، وقد اشرنا إلى أن هذه الطريقة كانت تسمى طريقة خواجكان، توفي الخواجه محمد بابا السماسي في (755) هـ.

وقد حل السماسي مع عدد من مريديه ضيفا" في قرية قصر هندوان وهي قرية محمد بهاء الدين ولم يمض ثلاثة أيام في عمر محمد بهاء الدين الطفل فاحتضنه جده وقدمه للسماسي الشيخ، ففرح به وقال إني قبلت هذا الطفل ولدا لي، وبشر مريديه بان هذا المولود سيكون إماما لزمانه ، كان جده يريد تربيته تربية صوفية فزوجه وعمره 18 سنة وأخذه في نفس السنة إلى سماس لخدمة العارف الكبير الشيخ محمد السماسي.

وتلقى الطريقة منه وبعد وفاة الشيخ السماسي في 755 هـ أخذه وذهبا إلى سمرقند للبحث عن رجل صالح قادر على تربيته ثم ذهبا إلى السيد أمير كلال خليفة الشيخ السماسي فاخذ الطريقة منه وبدأ بالسلوك وقال أمير كولال له: إن حضرة الشيخ محمد السماسي أوصاه به وقال له لا تأل جهدا بتربية ولدي محمد بهاء الدين ولا بالشفقة عليه. فبدأ بهاء الدين بالذكر والفكر والسلوك الصوفي، وتربية القلب وتزكية النفس.

و كان استعداده فوق العادة فكان يقطع مسافة شهر بيوم واحد و مسافة عام بأيام، ففي يوم من الأيام جمع السيد أمير كولال مريديه وقال لمحمد بهاء الدين أمامهم: إني نفذت وصية مرشدي الخواجه السماسي بتربيتك و لم آل جهدا في تربيتك ثم مد يده إلى صدره وقال: إني أرضعتك جميع ما في صدري فيبس ثديي فتمكنت من إخراج قلبك من قشرة البشرية وتخليصك من النفس والشيطان وأصبحت رجلا عظيما وأنبتك محل نفسي ولكن همتك تتطلب العالي وهذا منتهى مقدرتي على تربيتك وأجيزك لتبحث عن رجل أصلح مني لعله يعرج بك إلى مقام أعلى.

وقد ذكرت سابقا إن بعضاً من المريدين يتقدمون على مشايخهم كالشيخ النقشبند مع مرشده و هو السيد أمير كولال. وبعد أن ترك السيد أمير كولال وقضى سبع سنوات مع مولانا عارف الديك كراني وهو احد خلفاء كولال وصاحبه وقفى 12 سنة مع شيخ تركي اسمه (خليل آتا) فكان عاشقا للعبودية والسلوك. وكان بهاء الدين بالإضافة إلى السلوك يتنقل بين علماء الشرع ولا سيما السنة النبوية لدراستها.

وقد حج مرتين وفي إحدى سفراته ذهب إلى (هرات) فاحترمه الملك معز الدين وكانت له أسفار عديدة فسافر إلى سمرقند وريورتون وسمنان ومرو، وطوس ومشهد وتايباد وقزل رباط وكيش.

توفي الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وعمره أربع وسبعون سنة ودفن في بستانه في الموضع الذي أمر به وبنا عليه أتباعه قبة عظيمة لا تزال تزار.

وقد ربى عشرات الألوف من المريدين وقد وصل بعضهم درجة الإجازة المطلقة وقد اجتازوا درجات البقاء بعد الفناء.
وبفيض بركاته تمكن خلفاؤه ونوابه إبلاغ مريديهم إلى غاياتهم وأحدهم هو واجه محمد بارسا الذي ولد في بخارى 749 وتوفي في بلخ 148هـ فقد ترك عشرين مؤلفا منها كتاب " القدسية " وهو كتاب يضم أقوال الشيخ النقشبند.

وخلفه ابنه أبو النصر بارسا و هو من كبار مشايخ النقشبندية. ومن عظماء الطريقة النقشبندية الذين تصل إليهم سلسلتنا الشيخ محمد بن محمد المشهور بعلاء الدين العطار فقد ربى مئات من المريدين وابلغهم إلى قمم الغايات.

وفي كتاب الحدائق الوردية عشرات من أسماء مريديه وأخبار عشرات من خلفائه، وجاء فيها: وله خلفاء كنجوم السماء. وفي كتاب "القدسية" المطبوع والمحقق من قبل السيد احمد طاهر العراقي إشارة إلى المراجع المخطوطة للنقشبندية وهو مزين بصورة ضريح النقشبند الذي يقول المستشرق الدانيماركي الوفسين وكان في بخارى في أعوام 1896 ـ 1899: إن ضريح بهاء الدين هو في ركن من بستان مليء بأشجار كثيرة من التوت والمشمش وجانباه جامع ويزار.

وقال ارمينوس وهو أيضا في القرن التاسع عشر، ومستشرق مجري: يتوافد على ضريحه على الدوام خلق كثير، حتى من الصين ومن عادة أهل بخارى أنهم يزورونه يوم الأربعاء ومنهم من يظل يصلى الليل كله في جامعه وان جانب المرقد مسجد وخانقاه.

جاء في كتاب الحدائق الوردية و(الأنوار القدسية) وهي نفس الحدائق: عندما توفي بهاء الدين دفن في بستان له وبنيت قبة و جامع في جانبه وقف الملوك والعظماء كثيرا من الأملاك عليها.

قال كاتب و محقق القدسية: لبهاء الدين النقشبند عدا الرسالة القدسية، رسائل أخرى توجد في مكتبات العالم كالأوراد البهية ، والورد الصغير، ولأوراد البهائية وهي مشروحة وكذلك رسالة الواردات وتوجد نسخة منها في ايا صوفيا وكذلك كتاب "دليل العاشقين" ورسالة الحياة و هي نصائح.

كلمة النقشبند: تساءل كثيرون عن معنى هذه الكلمة و هي نقشبند و ليست "نقشبندي" وهي كلمة فارسية معناها "الناقش" كالمصور ويستعمل للحفر في الحجر والشجر يقال "النقاش" لمن صور باليد، وكلمة النقش عربية ويقال "العلم في الصغر كالنقش في الحجر".

وقيل إن أجداده كانوا نقاشين وهو غير صحيح فلو كان ذلك صحيحا لكان اسم بهاء الدين نقشبنديا و ليس بنقشبند.
وانه شخصيا طول حياته لم يسلك عملا غير السلوك الصوفي. فالمعنى متوجه إلى المعنويات أي كان بهاء الدين نقاش القلوب و قد رسخ نقش "لله" في قلبه و قلوب مريديه ونهجه كما هو واضح، عمل للمذكور ليكون في قلبه.
يقول الشاعر النقشبندي: يا رفيقاً في طريق النقشبند إنقش ذكر الحق في قلبك بجد.

وقال بعضهم: النقشبند قرية في (بخارا) وبهاء الدين من سكانها وهو غير صحيح إذ لا توجد قرية بهذا الاسم وإن حياته معروفة وواضحة ولو كانت هنالك قرية بهذا الاسم لقيل النقشبندي لا النقشبند.

والحقيقة هي أنه روج الذكر الخفي من أجل دوام المذكور في القلب ونقشه في الباطن. ومن أسمائه: محمد بهاء الدين الأويسي البخارى وهو يوضح انه من"البخارى" ولكن ما معنى الأويسي؟ يقول مؤلف كتاب "تاريخ التصوف في كردستان" نقلا عن كتاب "تاريخ السليمانية" لامين زكي، سمي أويسياً لأن خُلُقِه في التصوف هو خُلُق الأويس القُرني لذلك سمي أويسياً.

والحقيقة أن المشايخ الذين توصلوا عن طريق المشايخ المتوفين أو المشايخ الذين لم يلتقوا بهم جسديا وتربوا على أيديهم معنويا وليس جسديا يسمون بـ "الأويسي" فكما أن سيدنا أويس القرني حرم من نعمة اللقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وحظا بروحانيته وبركاته.

وهكذا يمكن أن يستفيد المشايخ من مشايخ توفوا أو لم يلتقوا بهم وهم أحياء.

وحيث أن النقشبند قد تلقى التربية الروحية كما قال في وصف رحلته الروحية، من روحانية الخواجه عبد الخالق الغجدواني، وكان أمير كولال قد اعترف بأنه قد أوصله إلى مقام معين قدر طاقته، و قد رفعته روحانية الشيخ الغجدواني المتوفى قبل بهاء الدين بسنين طويلة إلى هذا المقام الكبير، فهو على هذا الأساس أويسي المشرب لذلك يقال له "بهاء الدين الأويسي".
ولذلك أيضا يقال أن سلسلة بهاء الدين النقشبند تصل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد عشرة من المشايخ ويقع أمير كولال، والسماسي، وعلى رامتيني ومحمود إنجير فغنوي وعارف ريوكري بين بهاء الدين "الغجدواني" فما دامت روحانية الغجدواني هي التي ربت بهاء الدين النقشبند فيعتبر مرشدا له. وهذا المقام الأويسي لم يكن خاصا به بل كذلك الشيخ حسن الخرقاني ومن المشهور أن روحانية البسطامي ربت الشيخ حسن المتوفى في 425 هـ وتوفي بايزيد في 261 هـ كما انه من المشهور أن البسطامي من تربية الإمام جعفر الصادق المتوفى في(148) هـ.

ويقول البعض: يوجد شخصان باسم بايزيد احد هما عاش في زمن الإمام جعفر وأقصد بذلك توضيح معنى "الأويس" وإلا فان هؤلاء المشايخ الكبار قصدوا الله سبحانه وهو حاضر في كل مكان وهادي عبده "واتقوا الله ويعلمكم الله".

ومن كان له مرشد كبير مثل أمير كولال وقال إني أعطيتك كل ما أملك وأخرجتك من القالب البشري، وهذه إشارة إلى مقام البقاء بعد الفناء، فإنه يستطيع بعد ذلك شق طريقه والله سبحانه قادر على أن يأمر روحانية رجل صالح لتربية الآخرين.
ومن كبار المشايخ الذين أوصلهم النقشبند، الخواجه يعقوب الجرخي المتوفى في سنة852 وهو واحد من فرسان طريق الهداية والإرشاد وأوصل مئات من السالكين إلى غاياتهم.

وان أقوال بهاء الدين النقشبند في الإشارات وأسرار الطريقة وفي الإرشاد تكفي لتوضيح هذه الميادين الصوفية ومن أراد الإطلاع على الطريقة النقشبندية وكبار مشايخها فعليه مطالعة هذه الكتب:

1 ـ القدسية، وهي كلمات بهاء الدين النقشبند، نشرها السيد احمد طاهر العراقي باللغة الفارسية وفيها إشارة إلى مراجع أخرى كثيرة.
2 ـ رسائل أخرى للشيخ بهاء الدين النقشبند.
3 ـ مكتوبات الإمام الرباني وهو كتاب عظيم.
4 ـ نفحات الأنس للملا جامي.
5 ـ رشحات عين الحياة فخر الدين على كاشفي.
6 ـ أنيس الطالبين وعدة السالكين.
7 ـ الحديقة الندية في آداب الطريقة النقشبندية محمد بن سليمان البغدادي / مطبوعة في مصر.
8 ـ حبيب السير.
9 ـ مناهج السير لأبي الحسن المجددي طبع 1957 في دلهي.
10 ـ المواهب السرمدية في مناقب النقشبندية.
11 ـ تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب. للشيخ محمد أمين الكردي.
12 ـ الحدائق الوردية في اجلاء النقشبندية. عبد المجيد الخاني.
13 ـ الأنوار القدسية من مناقب السادة النقشبندية محمد الرخوي وهو نفس كتاب الحدائق.
14 ـ أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد.
15 ـ رياض المشتاقين لملا حامد البيساراني خليفة الشيخ عثمان سراج الدين النقشبندي مخطوطة.



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ



ما هي الطريقة النقشبندية


مقدمة:

الطريقة مسلك خاص من مناهج التصوف يتخذه السالك للوصول إلى غاية هي الإيمان الكامل الذي يصل إلى عين اليقين أو حق اليقين. وهنا لا يكون الإيمان تقليديا أو استدلاليا يمكن تعرضه لهزة الشك إذ يرى بعين بصيرته فلا يؤثر فيه شيء وكما قال الإمام الرباني في مكتوباته إن الفرق بين إيمان العلماء وبين إيمان المشايخ الكاملين للتصوف هو أن معرفة العلماء بالاستدلال وأن معرفة المتصوفين بالكشف والذوق وسواء كان الأساس استدلالات أو كشفا فإن الغاية هي تطبيق الشريعة المحمدية.

وكما أننا نجد في ميادين علوم الشريعة مجتهدين كباراً برزوا وتركوا مذاهب ومناهج مستقيمة فسرت للأجيال الإسلامية معاني الشريعة وأهدافها مثل الإمام مالك بن أنس (715 ـ 795)م وأبي حنيفة (699-767)م ومحمد بن إدريس الشافعي (767 ـ820)م وأحمد بن حنبل (780 ـ855)م ومجتهدين آخرين درسوا هذه العلوم وتبحروا فيها وكونوا مدارس متميزة فإننا نجد في ميادين علم التصوف رجالا فضلاء شقوا طرقا ومسالك اتخذها عشاق الروح للوصول إلى الإيمان الكامل من أمثال:

الشيخ معروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي، وذي النون المصري وعبد القادر الكيلاني، وأحمد البدوي وأحمد الرفاعي وبهاء الدين النقشبند، والشيخ عمر السهروردي، وأبي الحسن الشاذلي، ونجم الدين الكبروي، وجلال الدين الرومي ومعين الدين الحسني الجشتي، وأبي العباس التيجاني، وعشرات من هؤلاء الرجال الذين أسسوا طرقا خاصة لتربية السالك للوصول إلى نهاية المرام ولكنها تنبع جميعا من مصدر واحد، ومثل ذلك "في الأمور الدنيوية" إننا نصنع من الحنطة عشرات من أنواع الخبز وصوره ونصنع من اللحم والأرز عديد من الطعام ولكل مذاق يختلف عن الآخر بالرغم من وحدة الأساس والمادة ولكن الجميع يؤدي غرضا واحدا هو الشبع، والتمتع وبناء الجسم وتماسكه. وكما أن المذاهب الإسلامية تهدف إلى توضيح طرق العبادة وأحكام الشريعة والسنة النبوية لاتخاذها منهجا للحياة. فإن الطرق الصوفية تهدف أيضا إلى ترسيخ الإيمان الكامل، وإيصال السالك إلى الإيمان اليقين "عين اليقين" لكي يكون قلبه مطمئنا بالإضافة إلى دعوته لتطبيق تعاليم الشرعة. وللسلوك الصوفي النقشبندي منهج خاص لإيصال المريد إلى غايته فالطريقة القادرية مثلا تتخذ الذكر الجهري شعارا لها والطريقة المولوية تعرف بقراءة الأشعار والذكر وحفلات السماع وللنقشبندية أوراد خاصة بهم ومع اختلاف الطرق في الأوراد والذكر والشعارات فإنها تلتقي في هدف واحد هو معرفته سبحانه ورضوانه والقرب منه. وهي طرق حددها العارفون بالله من المشايخ المجتهدين في علم التصوف بهداية من ربهم سبحانه:

(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) البقرة282

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت69

فقد علمهم الله وهداهم ويتولون هم إرشاد مريديهم إلى هذه الطرق ومثل ذلك مثل الطبيب الذي يكتشف دواء لمرض فيصفه لمرضاه وهؤلاء أطباء القلوب تسلقوا معالي الآمال في معرفة الله فيرشدون السالكين للوصول إلى قمم الآمال ولاشك إنها جميعا تعود إلى سنة النبي وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومصدرها جميعا هو القرآن الكريم وخاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وسلم).


المنهج النقشبندي

لا فرق بين الشريعة والطريقة ولكن الصوفي ينقطع للذكر والفكر فيصفو قلبه، يزيد إيمانه فيكون عين اليقين فيطبق الشريعة بقلب ممتلئ الإيمان. ومن انحرف عن الشريعة برأت منه الطريقة. وبعد هذه المقدمة آن لنا أن نعرف:

1 ـ ما هو المنهج النقشبندي للوصول إلى قمم الآمال الروحية؟
2 ـ كيف بدأت النقشبندية؟ وسلسلة رجالها رحمهم الله.
3 ـ متى سميت هذه الطريقة بالنقشبندية؟ ولماذا؟

نشير أولاً إلى أقوال لمشايخ التصوف قبل الشروع في الإجابة المفصلة:

قال الشيخ عبد الله الدهلوي المتوفى في (1240)هـ: إن ثمرة هذه الطريقة "النقشبندية" هي الحضور الدائم في حضرة الحق تعالى وترسيخ العقيدة الإسلامية عقيدة أهل السنة والجماعة وإتباع سنة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم).

وفي كتاب الحديقة الندية للشيخ محمد بن سلمان البغدادي يروى أن الشيخ محمد مراد الأزبكى قال: "إن الطريقة النقشبندية طريقة الصحابة الكرام باقية على أصلها، لم يزيدوا ولم ينقصوا وهي عبارة عن دوام العبودية ظاهرا وباطنا بكمال الالتزام بالسنة والعزيمة وتمام اجتناب البدعة والرخصة في جميع الحركات والسكنات من عادات ومعاملات مع دوام الحضور مع الله تعالى على طريق الذهول والاستهلاك"

ونقل في نفس المصدر عن أبن حجر الهيتمي 909 ـ 974 هـ "الطريقة العلية السالمة من كدورات جهلة الصوفية هي الطريقة النقشبندية" قال مقدم كتاب القدسية: التصوف النقشبندي إتباع السنة وهو معتدل و وسط وأساسه تطبيق الشريعة وتجنب البدع.

ويقول أيضاً: إن اعتدال السلوك النقشبندي وما فيه من إتباع الشريعة، ويسر الطريقة كان السبب في شيوع هذه الطريقة لاسيما بين علماء الدين فقلب الصوفي النقشبندي لله، وجسمه للناس. والحقيقة أن المشايخ الذين وصفوا هذه الطريقة مجمعون على أنها إتباع للشريعة أولا، والدوام على الذكر والفكر والعبودية والإخلاص والإيثار ونكران الذات ثانيا، وبالنسبة لجواب السؤال الأول نقول: جاء في كتاب إيضاح الطريق: إن النقشبنديين لهم ثلاث طرق للوصول إلى قمة المراد:

1ـ الدوام على الذكر.
2ـ المراقبة.
3ـ طاعة المرشد.

لا بد من القول أن الخطوة الأولى هي التوبة أي الإقلاع عن كل عمل سيء بشكل بات.
وتطبيق تعاليم القرآن والسنة النبوية.


1 ـ الدوام على الذكر


وللذكر صورتان:

ـ ذكر "الله" ويعني ذكر الذات أو ذكر الجلالة.
ـ ذكر "لا اله إلا الله" ويعني النفي والإثبات.

ومن المعلوم أن الذكر عند النقشبندية ذكر خفي بالقلب.


أ ـ ذكر الله:


من آدابه:

أن يكون الذاكر متوضئا وفي مكان طاهر هادئ مستقبلا للقبلة.

فيدعوه سبحانه لحفظه من وسوسة الشيطان والنفس ثم يستغفر الله. ويتذكر مرشده إن كان له مرشد. وبعد ذلك يبدأ بالذكر بقلبه. ولكن الذاكر يمكنه ذلك بكل صورة وفي أي وقت قال تعالى "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" آل عمران.

ومن آداب الذكر الصوفي النقشبندي:في البدء يلصق المريد لسانه بعرش فمه لمنعه من الحركة. ثم تذكر "الله" قلبيا. والقلب من لطائف الباطن وليس المراد به اللحم الصنوبري ولكنه تحت الثدي الأيسر قليلا ويتأمل عظمة "الله" لا شكل كتابة اسم "الله" "ليس كمثله شيء" فيؤمن أن الله موصوف بجميع صفات الكمال ومنزه عن كل نقص.

ولى الذاكر أن يكون دائم الذكر ليلا ونهارا ودون حركة من اللسان والبدن حتى يبدأ قلبه بالذكر، ويشعر هو به. ثم يتوجه إلى روحه التي في الجانب الآخر من الصدر تحت الثدي الأيمن بإصبعين. فيذكر الله به حتى يصبح الروح ذاكرا أيضاً، ثم يتوجه إلى لطيفة السر التي تقع فوق الثدي الأيسر بإصبعين مائلا إلى الصدر ثم إلى لطيفة الخفي الذي يقع وسط الصدر فيبدأ بالذكر.

وحين تبدأ لطائفة بالذكر تصبح كل لطيفة مصباحا مضيئا بنور خاص وتبدأ لطيفة النفس بالذكر وهي في الجبين وهي من عالم الخلق واللطائف الأخرى من عالم الأمر وهي لطائف معنوية يحس بها السالكون وحدهم وقد ذكرت سابقا. وبعد ذلك يبدأ دور"القالب" البدن المؤلف من العناصر إذ تبدأ كل ذرة في جسده بالذكر ويحس به السالك نفسه.

وقال الملا حامد البيساراني وهو احد علماء التصوف من النقشبنديين: منهم من يذكر الله في يوم واحد خمسة وعشرين ألف مرة واقلهم يذكر خمسة الآف مرة. وأتضح مما سبق أنهم وضعوا خمس مراحل لذكر اللطائف التي في عالم الأمر ومرحلتين للطائف عالم الخلق.

إذا للذكر سبع خطوات: وهذا معنى ما قاله الإمام الرباني "إن طريقتنا سبع خطوات" وقال بعضهم كناية: "الطريقة خطوتان" خطوة في عالم الأمر، و خطوة في عالم الخلق. وأن الدوام على الذكر يجعل اللطائف السبع وكل ذرة في الجسم تذكر "الله". وفي هذه الحال يشعر المريد بالراحة واللطافة في قلبه ووجدانه.

وتقال لهذه الحالة "سلطان الأذكار" أو "سلطان الذكر" وقد يصل إلى حالة يحس فيها الذاكر بعد مواظبته على الذكر أن العالم كله يذكر "الله" بل يسمع ذكر "الله" من كل ذرة في الكون وهذا الذكر يسمى ذكر "ماسوى". ويعني أن كل مخلوق يذكر الله سبحانه. وهذه من لطائف الطريقة الجليلة. وقد أشار إليها الشيخ عمر ضياء الدين قدس سره حين قال في إحدى قصائده الصوفية "اللطائف جميعها غارقة في ذكر الله".

ولابد من توضيح أن هذه الحالة هي ألف باء التصوف ومقدمته وهي من حالات التزكية أي تطهير اللطائف، وليست من حالات فناء اللطائف. ولكل لطيفة حالة فناء خاصة. وبعد فناء الكل يأتي البقاء وفي هذه المدة يطلع السالك على أسرار عجيبة ويمنح من ربه مواهب معنوية.

اللطائف تتحول إلى مصابيح مشرقة بالنور حين تبدأ بالذكر ويقولون: إن نور كل لطيفة تحت قدم واحد من الرسل والأنبياء أولي العزم وكل سالك يفتح له بسبب احد هذه اللطائف. فيكون له شبه بالخلق المعنوي لذلك النبي.

وهي علاقة معروفة لدى العارفين، حتى أنهم يدركون هذه العلاقة بعد موت أصحابها في قبورهم. فهذا خلقه محمدي و ذلك عيسوي ومن أدرك هذه الأمور بعين البصيرة كيف يتسلل الشك إلى إيمانه؟

- لطيفة القلب تحت قدم آدم ولون نوره اصفر.
- لطيفة الروح تحت قدم نبيين هما نوح وإبراهيم واللون احمر.
- لطيفة السر تحت قدم موسى واللون ابيض.
- لطيفة الخفي تحت قدم عيسى واللون اسود.

ولا تناقض بين النور ولون السواد فقد يكون السواد أجمل شيء كلون العين والحاجبين مثلا.

- ولطيفة الأخفى ولونها اخضر تحت قدم حضرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). فان كان للسالك مرشد فانه ينتقل بمريده من لطيفة إلى أخرى وان تم نور اللطيفة تلألأ هذا النور في وجه المريد فيحس به هو ومرشد.

واللطائف مثلها مثل الحواس وهي في عالم المادة واللطائف من عالم الباطن وبعد تزكية لطائف عالم الأمر تبدأ تزكية النفس، وهي من عالم الخلق وليس لها لون كالماء يتلون بما يدخل فيه وتزكيتها صعبة فهي من عالم الطبيعة وهي في الأساس أمّارة بالسوء ومنها تخرج كل الرغبات الخبيثة ولكن ذكر الله سبحانه يطهرها ويروضها.

ويري مشايخ التصوف أن هذا النوع من التزكية يحتاج إلى مرشد والمقصود بالمرشد العارف العابد الذي لاشك في ولايته واجتيازه هذه المقامات وهو إنسان بالاسم ولكنه قطعة من نور وملائكي الصنعة ورباني المسلك، ومن أصحاب المقامات العالية للبقاء بعد الفناء. ومثل هذا الإنسان لا يتصور منه الخيانة لأمة محمد ولا يعقل أن يكون هدفه من الإرشاد الدرجات الدنيوية أو المكتسبات المالية.

ومن السهل أن ينقاد المرء لشخص له هذه المواهب والصفات ويجعله أستاذه ومرشده.

ب ـ ذكر "لا اله إلا الله"


وهو معروف بالنفي والإثبات وأن معظم السالكين يبدأ بذكر الله ثم بالنفي والإثبات وقد يقدم المرشد ويؤخر في ذلك حسب تشخيصه لحال السالك و هو أدرى به.

فلنعلم طريقة هذا الذكر: يتحلى بنفس الأدب والصورة التي ذكرناها من ذكر "الله" ثم يذكر بلسان الخيال كلمة "لا" ويمدها من تحت الصرة إلى الجبين وبعبارة أخرى يمد كلمة "لا"، من أسفل لطيفة الأخفى فوق لطيفة الخفى إلى لطيفة النفس في الجبين ثم من الوجه يمد كلمة (اله) إلى الثدي الأيمن إلى جانب لطيفة الروح ولطيفة أخفى ومن هناك يعيد كلمة "إلا" إلى ظهر الثدي الأيسر وهو محل لطيفة السر وبعد ذلك يضرب بالتخيل بلفظ الجلالة (الله) بقوة النفس المحبوس على سويداء القلب حتى يظهر أثرها وحرارتها في سائر الجسد بحيث يحرق جميع الأجزاء الفاسدة في البدن بتلك الحرارة، فيتنور ما فيه من الأجزاء الصالحة بنور الجلالة.

وبعد إكمال "لا اله إلا الله" بلسان الخيال وبالشكل الذي صورناه مرة أو ثلاث مرات أو أكثر يقول في حال التنفس "محمد رسول الله". وهذه صورة توضيحية لذكر لا اله إلا الله سرا وعلى الذاكر أن يفكر في المعنى لا في شكل "لا اله إلا الله" فيكون قصده في قلبه انه لا موجود بحق يستحق العبادة إلا الله وان العبودية هي هدف الذاكر.

ويقصد من قوله "لا اله" إن كل موجود فان ومن قوله "إلا الله" أن الله باق وحده. و من آداب الذكر سواء كان ذكر الله أو ذكر لا اله إلا الله : انه بعد الذكر يرتاح قليلا ومن هذه الاستراحة يقول : الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ولا اطلب من عبادتي سوى رضوانك، إني تخليت عن العالمين ولكن أرجو أن تهبني محبتك ومعرفتك. وعليه أن يتأمل بقلبه دون التفكير في الطلب المادي وهذه المراقبة تسمى بـ "الوقوف القلبي". وبمناسبة الحديث عن الوقوف القلبي نقول إن للنقشبنديين (11) مادة، أو كلمة أو أحدى عشرة درجة وعمودا وقلنا سابقا أن الذي لا يتجاوز المقامات العشرة لا يبلغ درجة الفناء والبقاء وهي عبارة عن: التوبة، الإنابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا. وهي ما تسمى أيضاً بمقامات اليقين.

وبعد اجتياز طريق السلوك، على السالك أن يتحلى بأحد عشر خلقا وإلا لم يحصل على شيء، ثمانية منها مأثورة عن حضرة الشيخ عبد الخالق الغجدواني (575) هـ وبعدها ثلاثة عن الشيخ الأكبر السيد محمد بهاء الدين النقشبند والمجموع 11كلمة وهي: النظر إلى القدم، السفر في الوطن، الخلوة في الجلوة، الذكر الدائم، العودة من الذكر، اليقظة عند النفس، الحضور الدائم، حفظ آثار الذكر في القلب، والوقوف القلبي و الوقوف العددي والوقوف الزماني لبهاء الدين النقشبند.

وسنذكر معانيها. ويطلب السالك الفيض والرحمة من الله سبحانه متوجها إلى السماء رعاية للأدب لان الله سبحانه فوق كل شيء ليس له مكان وليس له زمان وللوقوف القلبي شرطان أولهما: يحاول أن لا يخطر على قلبه شيء من الخيالات وثانيها، إن خطر على قلبه خيال توقف عن الذكر كاللجام وجاهد لطرد الخيالات ثم يبدأ بالذكر من جديد ويسمى "بالتوقيف" ومن الأفضل توقف التنفس وقت الذكر وحسب نصائح المرشدين.

ومن هذه الحال تنشأ حرارة القلب، وشوق في الداخل، وتتولد المحبة وتطرد الوسوسة وتزال الحجب أمام السالكين شيئا فشيئا. ويتبين من هنا أن التصوف سلوكا ينبغي معرفة بميدانه. ويعني الوقوف العددي أن يكون الذكر بالوتر، مرة أو ثلاثا أو خمسا أو سبعاً هي درجة للسلوك النقشبندي. وله اثر في كشف أسرار الطريقة.

وعلى السالك أن يحاول أن يذكر "لا اله إلا الله" (21) مرة بنفس واحد فان فعله مع المراقبة والتحلي بالآداب التي ذكرناها فانه يحصل على ثمرات معنوية ويتطهر قلبه وتكشف له أسرار يحس بها، وقد ذكرناها، وان لم تحصل هذه الثمرات فانه لم يطبق شروطه فعليه بالتفكير لاكتشاف الخطأ وإن كان له مرشد فانه يأخذ بيديه إلى لب عمله.

ولا بد من العلم بأن هذه الشروط مثل الوقوف القلبي العددي أو التوقف عن التنفس وإمرار الذكر على اللطائف تكون سهلة بعد الاعتياد عليها.

كما أن الرياضة في بدايتها صعبة ثم يتمرن المرء عليها فقد يكون من الصعب أن يرفع عشرة كيلوات أولا ثم يسهل عليه رفع 100 ك فان الرياضة الروحية كذلك ولكن ثمرة الرياضة البدنية مادية وثمرة العبودية هي رضا الخالق وان الرياضة البدنية تتعطل في عمر معين وبعد مدة ولكن الرياضة الروحية تقوى ويكون مصباحا للناس.

وان الثمرة الأساسية لهذا الخلق هي التزكية كما هي الحال في ذكر "الله" أي تزكية اللطائف إذ بذكر الله تتزكي اللطائف واحدة بعد الأخرى ويشع منها النور ومن حيث أن هذا الذكر"لا اله إلا الله " يمر باللطائف كلها فإنها جميعا تشرق بالنور معا و يبدأ بالقلب أولا ً ثم تبدأ اللطائف الأخرى بالذكر ويشع نور خاص منها ويشعر بذلك السالك نفسه.



بعد أن ذكرنا الخطوة الأولى للنقشبندية للوصول إلى قمة المراد، وهي الذكر، نأتي إلى الثانية:



2ـ المراقبة:


وكل شرط ذكرناه للذكر فهو مطلوب للمراقبة أيضاً كالتوبة والاستغفار وغيرها وهي الاستعداد والجلوس في مكان هادئ وطرد الخيالات عن القلب والتوجه إلى باب الحق ويتضرع إلى ربه بكل مسكنة وبكل عشق من الباطن دون واسطة مرشد أو الذكر ويسأل الله أن يستمطر الرحمة والفيض والبركة على قلبه وباطنه وان يشرق قلبه بنور وجهه.

وحين يصبح التوجه إلى الحق ملكة و خلقا راسخا بسبب المواظبة ليلا و نهارا على هذه الحال يصل إلى حالة تسمى في التصوف بـ "التوجه إلى المذكور لا الذكر" أي التوجه إلى صاحب الاسم وهو الله، لا الاسم وهو الذكر. وبهذا يتجلى نور ربه في قلبه وتتحقق المشاهدة.

وقال كبار المشايخ: الجذبة أي الانجذاب إلى الحق تتحقق عن طريق المراقبة بصورة أسرع من الذكر.

ويقال أيضاً: أن المواظبة على المراقبة ترفع السالك المراقب إلى درجة الوزارة المعنوية وهي أعلى الدرجات.

ومن ثمرات المراقبة إن هذا السالك المراقب يطاع في الملك والملكوت، ويكون عارفا بالباطن وآمرا على القلوب.

ومن كان خلقه المراقبة فعليه ألاّ يغفل عن الذكر والعبادة وقيام الليل وأداء الصلوات.

وقالوا أيضاً: إن الاقتراب من هؤلاء الصالحين هو سبب الفوز والنجاح قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}التوبة119 وقد تكشف أسرار لكبار السالكين في حال المراقبة فيعرفون أوضاع سلوكهم.

وهذه معنى المراقبة الخاصة في الطريقة النقشبندية وهو مراقبة النفس وكبح جماحها.



بينا اثنين من الطرق الثلاثة التي على السالك إتباعها للوصول إلى غايته وهي:

1. الذكر
2. المراقبة

والآن نبين السبيل الثالث وهو:

3. طاعة المرشد:


أي يكون السالك تلميذا لمرشد كامل، مطبقا لتوجيهاته بإخلاص وأدب كما هو الحال لتلميذ يتلقى العلم من أستاذه.
وقال كبار علماء التصوف: إن هذا السلوك أسهل وهو اقرب لنيل الغاية ويسمى ذكر"الرابطة" وهو عبارة عن مواصلة العلاقة القلبية مع الله سبحانه فمن كان له مرشد فان هذه العلاقة تتم عن طريق قلب المرشد.

وكيفية ذلك: إن قلب السالك هنا يتعلق بقلب المرشد الذي لاشك في انه نوراني ويشرق فيه نور الله سبحانه، ونوره سبحانه مصدر الأنوار. وان نور الحق يشرق دائما في قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) كالكهرباء الذي يتوزع في الجهات كلها، وكالنهر الذي تتوزع جداوله في كل الأنحاء ولكل جدول عشرات من المزارع وآلاف من الأشجار تروى بها. وكذلك يتوزع الفيض والماء الزلال على العاشقين المحبين لكي تروى مزارع قلوبهم بهذا الفيض والبركة وتُثمر ثمراتها الطيبة.

والمرشد الكامل يحصل على نصيبه من هذه البركة وتوزعه على المريدين.

وذُكر أن الشاعر الصوفي مولوى بعث قصيدة إلى مرشده الشيخ عثمان النقشبندي قال فيها:


"أنت ساقي المزارع وكفيتهم جميعا بالكفاف
(ويقصد المزرعة الروحية)
أما مزرعتي فتشكو العطش وثماري تشكو الجفاف
هذا حيف: فافتح الجداول جدولاً بعد جدول وارو مزارعي"


ولابد من بيان أن هذه العلاقات هي روحية ومعنوية ولا تدرك إلا بعين البصيرة ذلك أنها ليست بقنوات فيها المياه تجرى ولاهي علاقات مادية.

فإذا ما استقرت الرابطة وتمكن المريد من ترسيخ هذه العلاقة فانه يستمد النور والبركة منها ويكون لهذا النور انعكاسات من اللطائف فتتزكى واحدة بعد الأخرى. وتعالج العلل والأمراض واحدة بعد الأخرى كعلة الحسد، ومرض الغرور، وطول الأمل، والتهالك على جمع المال، والأمراض المعنوية الخبيثة الأخرى، وعندما يتزكى باطن السالك من الغش واشتعل نور الحق في اللطائف وتبدأ اللطائف بالذكر فان المريد يصل حالة الحضور والمشاهدة وهي الأمل المنشود وبهذه الخطوة يطمئن قلبه وباطنه وتبدأ مرحلة "الأنفس" أي التوجه نحو مرحلة الفناء للوصول إلى منزلة البقاء.

وفي مبحث الذكر اشرنا إلى أن السالك يبدأ بالذكر القلبي حتى يصبح قلبه ذاكرا، ثم يبدأ يتنقل من ذكر لطيفة إلى ذكر لطيفة أخرى ولكنه في هذه الحال يعينه المرشد بالتوجه إليه.

وكيفيته: يتوجه بقلبه إلى إحدى لطائف السالك ويربطها بلطائفه ولا ريب في أن لطيفة المرشد ذاكرة ونورانية فتنعكس على لطيفة السالك فتصبح ذاكرة ونورانية وبعد أن يستقر وضع السالك بعد مهلة في اللطيفة الواحدة يتوجه المرشد إلى لطيفة أخرى لمريده لمهلة قصيرة وإذا كان للمريد شيء من الاستعداد لما يتحلى به من الذكاء فسرعان ما يصل الغاية وتتزكى لطائفه وكذلك فيما يتعلق باجتياز المقامات حتى يصل مرحلة الفناء والبقاء.

وفي هذه المرحلة يستغنى عن المرشد ويكون كاملا بالمعنى النسبي "والكمال المطلق لله وحده" ويرفع الله درجاته مادام الله سبحانه يريد علو منزلته كما انه ليس للعلم الظاهري المادي حدود وإن العالم يظل يطلب العلم ليزداد علمه وكذلك الغني يطلب مزيدا من الغنى وكذلك ليس للطف الله حد والإنسان الكامل الذي بلغ قمة الإنسانية هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ويليه بعده الأنبياء ثم الأولياء.

وفي عرف التصوف يعتبر السالك الذي منح درجة البقاء بعد الفناء إنسانا كاملا، وهذه الدرجة كالدكتوراه في العلوم الدنيوية أو غيرها فيصبح أستاذا ومرشدا في سلكه.

ولابد من التنبيه هنا على اشد ما يخاف منه في الطريقة النقشبندية: هو إن يأذن المرشد لمريديه بالرابطة دون أن يكون قد وصل مرتبة البقاء بعد الفناء.

وهي خطيئة كبيرة لأنها قد توقعه في شبهة الشرك أولا ويكون المرشد مسؤولا عنها، وتوقع المريد ثانيا في أمراض الوسوسة ومصائب أخرى عديدة فالإرشاد شيء وإجازة الرابطة شيء آخر. والإرشاد بمعنى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" واجب على كل مسلم والإرشاد للشريعة واجب علماء الدين، وبالنسبة للطريقة فعلى المرشد أن يصارح مريديه قائلا: إني أنصحكم وأرشدكم إلى التوبة ولكنى لست بمرشد كامل ولا يجوز لكم الرابطة معي.

أو يقول كما قال (الأمير كولال) مرشد الشيخ النقشبند، له: إن حدود معرفتي هنا وعليك البحث عن مرشد آخر يعلمك بعدي.

وليس المقصود بالتوجه أن يكون المرشد متصلا بالمريد في المكان، ذلك أن المرشد الكامل يستطيع التوجه إلى مريده من مكان بعيد أيضاً ويدخل في قلبه المسرة الروحية ولكن القرب المكاني أفضل كما قلنا: أن التقرب من الصادقين سبب السعادة والفوز. فالرجل الصالح الولي حبيب الله والاقتراب من حبيب الله هو سبب لسعادة الدارين. فعلى المريد أن يطلب المساعدة من مرشده.

قال الشيخ عبد الله الدهلوي: مع أن الذكر اللساني لا يحقق أهداف السالك ما لم يتحول إلى ذكر قلبي ويصبح مَلَكَةً وخُلُقاً راسخاً فان الذكر اللساني مفيد وتكون للذاكر حظوة روحية معنوية إن تم حسب الشروط المذكورة.

ثم قال: على المريد أن يظل ذاكراً لله متذللا أمام باب الحق حتى في أوقات انشغاله بالإعمال الدنيوية
وقال: "بركات من الله تنزل ولكن لقلوب المؤمنين تعجل". وهذه تسمى حال "الخلوة في الجلوة" ومعناها انه مع الحق ولو كان مع الخلق وهذا معنى ما قيل: الصوفي كائن.

(بالجسم كائن مع الناس وبالروح كائن عنهم).

والخلوة في الجلوة إحدى صفات ودرجات السالكين للطريقة النقشبندية. وقد بينا سابقا أن أمراض القلب هي الصفات الخبيثة كالحسد والحقد.... وغيرها من الأمراض والمسلم الحقيقي من طهر قلبه من هذه الأمراض، ولكنه أمر صعب وإلا عولجت مشكلات الإنسان. وفي الحال التي يكون للسالك مرشد فانه يتولى معالجة هذه الأمراض وتخليص قلب مريده منها.

وإن طَبّق السالك آداب الذكر المعروفة وتمسك بذكر "لا اله إلا الله" فتسهل عليه معالجة أمراضه القلبية. وحين يقول "لا اله" يتخيل معه طرد الحسد، وان لا حسد في قلبه ولاشيء في قلبه "إلا الله" فيشعر بنظافة قلبه من الحسد وهكذا الأمر بالنسبة لكل رذيلة. ومن الناس من ليست له بعض الرذائل كالكذب والكبر مثلا فيحقق في حال نفسه وما فيها من الرذائل. وبهذا النوع من الذكر يطهر قلبه منها.

ويقول في بعض الأحيان معترفا في قلبه: أنى مبتلى بهذه الرذيلة فجنبني منها فيتخلص منها واحدة بعد الأخرى ببركة هذا الذكر. وهذا التطهير القلبي والتزكية، وإشراق اللطائف، والتنقل من خطوة إلى أخرى وهي سبع خطوات تسمى
"السفر في الوطن" أي الارتحال قلبيا من مركز إلى مركز حتى تتطهر جميعا، وهو أيضاً التأمل في النفس لكشف الأمراض لمعالجتها قال تعالى"وفي أنفسكم أفلا تبصرون" والصوفي في هذه المرحلة يعيش مع الذكر ويعاف كل شيء عدا ذكر ربه وكما قالوا: كل شيء ماعدا ذكر الله سبحانه نزع للروح ولو كان طعام السكر.

وفي القرآن الكريم "واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" الجمعة 10 ومن حصل على بركة معنوية وأحس بها فعليه العمل للمحافظة عليها، فان ذهبت عاد إلى الذكر إلى أن يستعيد البركة وتصبح البركة حالا دائما وخلقا مستمرا.

وقد ذكر في تعريف اللوامع أن المريد المبتدئ يرى شعاع النور في قلبه ولكنه يذهب ولا يستقر، ويتكرر حتى يألف ويستقر في القلب. وبعد هذا نأتي إلى "جذبة القبول". وهي اسم للسالكين يطلق عليهم عندما تتوجه إليهم حالة خاصة فينجذبون فيها إلى ربهم فيكون محمودا عند ربه فان نضجت الجذبة وظهرت تسري بين حنايا قلبه فيوضات إلهية يحس بها السالك المجذوب فتلتذ روحه ويُسَر وقد يسعد بها السالك سعادة تفقده وعيه. فان استدامت هذه الحالة فانه يقرب من حالة الحضور والفناء وهذه الحالة تسمى "حقيقة الذكر" لأنه من المرحلة الأولى لهبوب البركة كانت الصورة ومن حالة الحضور تكون الحقيقة وتسمى هذه الحال: (درج النهاية في البداية) أو اندراج النهاية في البداية وهذه لا تحصل في يوم أو مرة، ولكل شيء وقته ومدته وحسابه.

أما الثمار الطيبة المتنوعة للطائف ولكل عبادة كالتهجد وقراءة القرآن الكريم فإنها لا تعد ولا تحصى وقد ذكر الإمام الرباني في مكتوباته البركات الخاصة لكل حالة وفي الطرق الصوفية العديدة، فانه كان مرشدا للطرق القادرية، والسهروردية، والجشتية والكبروية، بالإضافية إلى كونه من كبار مشايخ النقشبندية.

قال الشيخ عبد الله الدهلوي: بركة الصالحين قد تنزل كضياء من الشمس فتدخل القلب في زاوية وقد تكون كسحاب يعم جوانب القلب، أو كصبا لطيف أو كمطر، أو نهر، أو كخيمة من حرير تشمل البدن كله أو كالندى الذي ينزل على القلب.
وقال أيضاً: قد يحصل الشوق والدفء الروحي لسالكي الطريقة الجشتية، ويحصل الصفاء واللمعان لسالكي الطريقة القادرية، ويحصل لسالكي الطريقة النقشبندية الغياب وفقدان الوعي، أما السهروردية فآثارها هي آثار النقشبندية نفسها. هذه قطرة من بحر التصوف. وباقة ورد من حديقة غناء تشمل الأرض كلها، أردت بها بيان قدر منه لكم لا الإحاطة به فان عالم التصوف في حقيقته هو عالم معرفة الله سبحانه وهو عالم لا نهاية له ولا حد له لا في أوله ولا في أخره.

ولتوضيح مصطلح "درج النهاية في البداية" أو "اندراج النهاية في البداية" نقول كما أن الاندراج يعني استقرار حقيقة الذكر في القلب وهو ما اشرنا إليه سابقا فان له صورة أخرى هي: قد ينتقل المرشد بمريده في حال توجهه إلى مقامات كبيرة فيريه إياها، أو يبقيه هناك مدة يظن فيها انه قد حل هناك فيعيده إلى مقامه الأول وهدفه تشويق المريد وحثه على العمل للوصول إليها بقلب مشتاق ملهوف.

ومثله مثل الأمور الدنيوية حين يدعى إنسان إلى قصور فخمة ويقال له انك إن وصلت إلى ذلك المقام أصبحت صاحب هذه القصور، فإذا كان ممن يرغب في الدنيا فانه يعمل بشوق اكبر للحصول عليها حقيقة. ومن صور الاندراج انه قد يحصل الكشف للسالك وتبدو له بعض الأسرار كأن يكشف له حال الميت صالحا أم لا، وهو في الحقيقة لم يصل إلى هذا الحد الذي يدرك بقوته المعنوية هذه الأحوال. وحكمة ذلك دعوته للخوف والأمل "الخوف والرجاء" ويصل إلى "عين اليقين". ومن صوره انه يجتاز المريد المراحل كلها ويقترب من الوصول حتى يصبح خليفة دون أن يكون صاحب البركات، ولكن قوته الباطنية تقع في ظل القوة الباطنية للمرشد، ويسمى اصطلاحا "في ظل المرشد" أو في ظل القطب واصطلح عليه أيضاً بضمنية المرشد، وهذا الخليفة لا يعرف إن هذه القوة ليست له وهي لمرشده، وصادف مرارا أن كبار المشايخ يرسلون خلفاءهم في هذه الحالة للإرشاد.

تبين أن درج النهاية اكبر من غيرها. فقد يحتار الناس من هذه المواهب والكرامات والبركات التي تظهر على هذا الخليفة الذي لا يختلف توجهه عن توجه شيخه وهو يعالج أمراض القلب العديدة، ويوصل السالك، ولكنها في نفس الوقت اختبار للمرشد ليكتشف قابليته فقد يسقط الخلفاء في الامتحان ويسيطر الغرور عليهم ويظنون أنها من قدراتهم وان لم ينجحوا فإنهم لن يرجعوا إلى مقاماتهم الأصلية بل قد يطردون مدة وان نجحوا يعادون إلى مقاماتهم ولكن هذه الدورة مفيدة إن اعتبر بها وحافظ على الأدب إذ يرفع درجاته وقد اطلع على المقامات العليا وعندما يرجع إلى محله السابق فانه يتنبه إلى أن هذه القوى لم تكن له وإنما هي لمرشده.

أين هو من هذه المقامات؟ فعليه عمل شاق ورياضة دائمة للوصول إليها.

وهذه الصور المختلفة لدرج النهاية في البداية تابعة لرغبة المرشد ذلك انه أستاذ القلب، وخبيره وطبيبه وهو ادري بحاجة كل مريد ومداها.

إن منهج سلوك اللطائف بشكل مقسم هو منهج الإمام الرباني، أما خلفاؤه ومنهم نجله الشيخ محمد معصوم استصعبوا هذا العمل فاكتفوا بتربية لطيفة القلب في عالم الأمر، ولطيفة النفس في عالم الخلق وإيصالها، أما اللطائف الأخرى فتربيتها بالتزكية حتى وصول مرحلة الفناء والبقاء.

وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: نحن نأخذ بالرأي الأخير، ولذا نقول: (إن المرشد النقشبندي هو الذي يختار ما يراه الأفضل والضروري لمريده لاسيما بالنسبة لمن يجري تربيتهم عن طريق الرابطة، وعندما تبدأ اللطائف بالذكر يحظى بحضور الحق ولهذا الحضور أنواع وقد وضع كبار السالكين لكل نوع من الحضور اسماً وذلك لمعرفة وإفهام المريدين. وإن كان حضور الحق مقابل حضور الحق بحيث لم يسكرك هذا الحضور فتنسى الناس، ولم يؤثر في حضورك الناس، فيسمى "ذكر القلب" وان كان حضور الحق غالباً فهذا "ذكر الروح" وإن أنساك هذا الحضور نفسك ولكن لم تنس الخلق فهو "ذكر السر" فان أنساك حضور الحق نفسك والخلق فهو "ذكر الخفي").

فما هو الحضور؟
كيف الإحساس به؟

قال: إن استطاع المريد النظر إلى قلبه وعرف انه قريب من الله سبحانه فهذا هو الحضور وحتى إذا لم يكن دائما فانه واضح للسالك. و قد يقل الحضور بسبب انشغال المريد بكسب الدنيا وان كان حضوره بشكل "كأنك تراه" وفي كل وقت وحال، حين الكلام وحين السكوت، وعند السرور والغضب، و أصبح الحضور ملكة فهذه الحال تسمى"الوعي الدائم" وهو التذكر الدائم. وهي إحدى أسس الطريقة النقشبندية.

وتبذل هذه المحاولات، ذلك انه قد سعد بعين بصيرته بالرؤية والمشاهدة و قد يشعر السالك في هذه الحال انه يشاهد بعين البصر لا بعين البصيرة إذ يغلب عليه الحضور فيتلفظ بكلمات يفهم منها الحلول والاتحاد، والحقيقة انه في حال حضور وما يقوله يعتبر شطحات تخرج من فمه وقد يقال له انك قلت كذا وكذا فلا يصدق كما هو حال السكران بعد إفاقته.

وهذه الرؤية تشبه الرؤية المنامية التي هي رؤية خاصة. و لا يمكن رؤية الله بعين البصر في هذه الدنيا فان سمعنا أمرا مخالفا من مجذوب فعلينا أن نعلم يقصد ما يحس به في نفسه لا في الواقع.

وقال الشيخ عبد الله الدهلوي: وبعد هذه الحالة "عين اليقين" تبدأ "المراقبة المعية" كما قال سبحانه وتعالى..(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) الحديد4.

وهنا أجيز للذكر باللسان وهذا النوع من القرابة يعتبر من الولاية الصغرى وهي أول درجة الأولياء وهي قطع المسافة في ظل "أسماء الله" وهذا المقام يسمى مقام الجذبة فيتحقق له الشعور بالبركة، والخفقان، والشوق والبكاء والذوق والتوحيد الفعلي وتجليات نور الحق ورؤية الوحدة والكثرة وحالات الإنس والهيمان والوحشة والحيرة كما لا يخفى على أرباب هذه الولاية، ويتحقق أيضاً الاستغراق في بحر المعرفة فينقطع عن علاقاته بالناس وينسى ما سوى الله ويسلم قلبه من الخطرات والوساوس.

وهذه تتحقق في مرحلة الولاية و يتحقق هنا أيضاً فناء القلب أي الدوام على حالة السكر الروحي وطرد ما سوى الله في قلبه. ويقول احد الشعراء بهذه الدرجة ما معناه:

متى افترق عن نفسي ولا يبقى أنا وأنت والباقي هو الله وهذه حالة المعية أو المراقبة المعية.

سبق أن ذكرنا إن الله قريب منا وفي القرآن الكريم "نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" والعبد أيضاً لسبب تزكية باطنه يشعر بهذا القرب والحقيقة أن كل عبد قريب منه و لكن الطاهر يحس بالقرب أما الذي لم يتزك قلبه فانه لا يشعر بنعم الله، و تحدث الشيخ عبد الله عن أربعة أنواع من الفناء فقال:

1_ فناء الخلق: وهو أن لا يخاف من أحد ولا يرجو أحد إلا الله.

2_ فناء الرغبة: فالسالك هنا لا يرغب إلا في القرب منه سبحانه.

3_ فناء الإرادة: فلا تبقى له ويكون كالميت فلا يطلب شيئا.

4_ فناء الأفعال: لا تبقى له قدرة على أي فعل فيريد كل شيء من ربه أو عندما تنتهي قدرته على الفعل يتولى الله سبحانه أعماله، وهذه إشارة إلى الحديث القدسي "ما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها".

كما ذكرنا سابقا:

يقول النقشبنديون إن مقام الولاية عبارة عن عشرة مقامات هي:

التوبة، الإنابة، الزهد، القناعة، الورع، الصبر، الشكر، التوكل، التسليم، الرضا.
(والتي تُسمى أيضاً بمقامات اليقين)
من مواضيع : ahmed1981 الأعمال الكاملة للحلاج
مخالفات الحى الثانى عشر بمدينة 6 أكتوبر
رواية محمد رسول الحرية
حكم استخدام مكبرات الصوت فى الآذان و إقامة الصلاة بالمساجد
سيرة بعض رؤساء هيئة الآثار المصرية
21-03-2008, 01:09 PM
ahmed1981
 
وفي النقشبندية أن مقام الولاية وفناء القلب لا يكفي ليكون الشيخ مرشدا ولا يكون كذلك إلا بعد فناء النفس وتحقق كمالات الولاية الكبرى فيكون صالحا للإجازة المطلقة في الإرشاد.

إن في حال فناء القلب تزول الخطرات من القلب فتنزل في النفس وفي حال فناء النفس التي مكانها في الجبين لا يبقى مكان للخطرات.

وهذه الدرجات التي يقطعها السالك في رحلته إلى الله سبحانه من أولها إلى الدرجة التي لا يعلمها إلا الله وقد يحس بها السالك شبهت بالدوائر.

وهذه الدوائر تشتمل على جميع اللطائف والمنح والمواهب في مقدمتها تسمى دائرة الإمكان وفي آخرها دائرة اللا تعيين، وهي عشرون دائرة، وفي هذه الدوائر قال بعضهم: إذا أزيل حجاب على خد المحبوب يظهر حجاب آخر، وإذا قطع حجاب يظهر حجاب آخر.

وقد تحدث الإمام الرباني في مكتوب انه والشيخ عبد الله الدهلوي في كتابه إيضاح الطريق عن هذه الدوائر وهي اسم معنوي ولكنه يشبه فعلا الدوائر وواضح عند سالكي الطريقة النقشبندية وسأتناولها باختصار:

على السالك قبل كل شيء أن يقطع دائرة الإمكان وهي تمام عالم الخلق والأمر والعروج بتزكية هذا العالم، وهو عبارة عن تزكية اللطائف الخمس وتزكية النفس والعناصر الأربعة وطبيعة الجسم، فإن أكمل مسيرة هذه الدائرة بالتزكية تخلص من دائرة الإمكان ووصل إلى الدائرة الثانية و هي الولاية الصغرى التي هي ولاية الأولياء وفي هذه الولاية يبدأ السير والعروج نحو قمة المطلوب في ظلال الأسماء والصفات ومن هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء "الجذبة" من ثمراته.
وبعد العروج من الدائرة السابقة بطريقة السير في ظل أسماء الله يكون ذلك شروعا في الولاية الكبرى وهي مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالأصالة و وصول أصحابهم الكرام إلى هذه الدائرة بالتبعية ومن وصل إلى هذه الدائرة فقد اجتاز مقام "فناء النفس". إن فناء النفس وفناء القلب يختلفان عن تزكية القلب أو تزكية النفس فالتزكية هي للابتداء وهي تهيئة للقلب ليس إلا، ولكن فناء اللطائف مقام أعلى وهو آخر درجة، ودائرة الولاية الكبرى لها ثلاث دوائر وقوس واحد أي ثلاث دوائر ونصف دائرة يحس بها السالك وعليه أن يجتازها واحدة بعد الأخرى بكل قوة ورجولة كما هو حال السالك في طريق جبلي أو طريق صحراوي.

والسالك نفسه يعرف أين هو!! ويتم السير في هذا الطريق في ظل الأسماء والصفات و ثمار السالك من هذه الدائرة هي الفناء الحقيقي، حقيقة الإسلام، وشرح الصدر، ومقام دوام الشكر والرضا، دائرة الولاية العليا وهي دائرة الملا الأعلى من الملائكة والأرواح وتحصل للصالحين بالتبعية.

وفصل الإمام الرباني ذلك فقال: أن عمر الإنسان كله لا يكفي لاجتياز خطوة في هذا الميدان لولا عناية الله سبحانه، و في هذا الموضوع يشير إلى قوله تعالى "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" المعارج 4.
فلا يمكن العروج إلى هذا المقام إلا بعون منه سبحانه ومن ثماره النور الذي يحصل للسالك فيتذكر الوقت الذي كان في سلطان الأذكار وحصل له مثله ولكن أين هذا النور من ذلك؟ وهو مقام عظيم ورفيع. وحيث أن هذه الولاية أصلا للملأ الأعلى فتحصل للسالك علاقة بالأرواح والملائكة ويدرك الأسرار التي كانت من ثمار لطيفة السر، ولطيفة الأخفى، فهنيئا لأرباب النعيم نعيمهم. ثم تبدأ الرحلة في دائرة كمالات النبوة. وفي هذه الدائرة يحصل التجلي الذاتي دون غطاء الأسماء والصفات.

ويقول: إن تقدم خطوة هنا أفضل من مقامات الولايات، إذ يتحقق الحضور دون تردد أو خفقان قلب ويتحقق برد اليقين، وهو لا يبلغه الحال ولا المقام، وهنا أيضاً تظهر له علوم الشريعة وهي مقام خاص بالأنبياء أساسا يرثه الأولياء بإتباع طريقهم. واقتبس هنا مما كتبه الشيخ عبد الله الدهلوي في كتابه إيضاح الطريق مكتفيا ببعض الأمور المهمة في هذا الموضوع، والدوائر الأخرى هي سير في الكمالات حيث يحصل كمال بعد كمال لكبار رجال التصوف مثل:


- دائرة كمال الرسالة،
- دائرة كمال أولى العزم،
- دائرة حقيقة الكعبة،
- دائرة حقيقة القرآن،
- دائرة حقيقة الصلاة،
- المعبودية المحضة.

ومن هنا يتوقف السير بالقدم ويبدأ السير النظري فيرى بعين البصيرة هذه المقامات، فيرون بهذه العين "دائرة الخلية" وهي مقام سيدنا إبراهيم خليل الله، والأنبياء الآخرون تابعون له في هذا المقام "اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً" النحل123 كما تقول في الصلاة "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" ومعنى كما صليت هو التبعية.

وتمسى هذه الدائرة بالحقيقة الإبراهيمية. ثم دائرة "المحبة الصرفة الذاتية" التي تظهر لكبار السالكين و يقع من مركزها الحقيقة الموسوية وهي دائرة حقيقة موسى، ثم دائرة المحبية والمحبوبية الممتزجتين وهي:

- دائرة الحقيقة المحمدية، وهي دائرة عظيمة.

- ثم الدائرة المحبوبية الصرفة الذاتية وهي الحقيقة الأحمدية

- ثم دائرة الحب الصرف ويأتي بعدها "اللا تعيينية" وهي الدائرة التي لا يبلغها احد بالسير القدمي بل بالسير النظري. وقد يحظى السالك بمقام معين (بالتبعية) وهي في اصطلاحهم كالضمنية والظلية ومعناه: إن صاحب المقام (البركة) يأخذ صديقه المحبوب بالتبعية إلى مقام ليس له فهو تابع وليس بصاحب مقام و هو يحترم في هذا المقام تقديرا لمضيفه ، كما هو الحال في أمور الدنيا وعلاقاتها، وأساسه هو حب أبي بكر رضي الله عنه لسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال صلى الله عليه وسلم "ما صب الله شيئا في صدري إلا وصببته في صدر أبي بكر".

ثم قال الشيخ عبد الله الدهلوي في آخر الموضوع: إن درجات الولاية الثلاث (الصغرى الكبرى العليا) والكمالات الثلاثة النبوة والرسالة وأولي العزم، والحقائق السبع (حقيقة الكعبة، القرآن، الصلاة، الإبراهيمية، الموسوية، المحمدية، الأحمدية) وبعدها دوائر المحبة الصرفة واللا تعيينية، لا تحصل لكل من سلك من إتباع الطرق.

بعضهم يبلغ ولاية القلب وقد لا يتجاوز دائرة الإمكان، وبعضهم يصل إلى الولاية الكبرى وقليل منهم يبلغ الولاية العليا، و الأقل منهم يبلغ الكمالات الثلاثة وأين من يبلغ الحقائق السبع وأعلاها ؟؟



الكلمات الإحدى عشرة في الطريقة النقشبندية


إن مبنى الطريقة النقشبندية على العمل بإحدى عشرة كلمة وقاعدة صوفية استمدت من التجربة السلوكية لمشايخ الطريقة ثمان منها مأثورة عن الشيخ عبد الخالق الغجدواني (575 هـ) وثلاث منها مأثورة عن الشيخ الأكبر محمد بهاء الدين النقشبند (717ـ791 هـ). وقد عُلِمَ أن النقشبندية أُسست على القلب، والذكر هو التأمل في اسمه تعالى حتى يبدأ القلب وكل الجسد بالذكر وثمرته تطهير القلب من الرذائل ودوام الحضور.

والحقيقة أن المقصود هو المذكور والقرب من الحق والذكر وسيلة للقرب وحين يتجلى نور الله في القلب ويتحقق الحضور لا يبقى الذكر إذ يكون المذكور حاضرا وهذا القرب كما قلنا ليس بقرب الذات من الذات وليس بقرب الجسد من ذات الله سبحانه بل بقرب الباطن من نور الله سبحانه وهذا القرب يدرك بعين القلب لا بعين الرأس أي بالبصيرة لا بالبصر. وكما قلنا إن المثال على ذلك هو الرؤية في المنام. فبأي عين نرى في المنام؟ وبذلك نقرب المعنى في نفوسنا. وهذه الكلمات هي:

1 ـ اليقظة عند النفس
2 ـ النظر إلى القدم
3 ـ السفر في الوطن
4 ـ الخلوة في الجلوة
5 ـ الذكر الدائم
6 ـ العودة من الذكر إلى الذات
7 ـ حراسة القلب من الغفلات والخواطر، أو الحضور الدائم
8 ـ حفظ آثار الذكر في القلب
9 ـ الوقوف الزماني
10 ـ الوقوف العددي
11 ـ الوقوف القلبي


1 ـ اليقظة عند النفس (هوش دردم):

ومعنا حفظ النَفَس عن الغفلة عند دخوله وخروجه وبينهما ليكون قلبه حاضرا مع الله في جميع الأنفاس فلا تتوزع خيالاته على أمور دنيوية. قال النقشبند: إن عمل السالك متعلق بنفسه، فعليه أن يعلم فيما إذ أمر نفسه مع الحضور أو مع الغفلة لكي يبقى السالك في الذكر ولا يتوزع باله على الماضي أو المستقبل في حال الغفلة.

قال الشيخ عبيد الله الأحرار 809 ـ 895 هـ وهو احد كبار النقشبندية: أهم عمل في الطريقة النقشبندية هو مراقبة النفس حتى لا يخرج في الغفلة، ومن لم يفكر فيها يقال له انه (فقد نفسه). وقال الشيخ سعد الدين الكاشغري وهو معاصر الشيخ عبيد الله: معنى اليقظة عند النفس هو أن لا يغفل السالك من نفس إلى نفس وان يتنفس مع الحضور وان لا يخلو النفس عن الحق. وباختصار تعنى هذه الكلمة عند رجال الطريقة النقشبندية اليقظة والدقة والفكر عند التنفس وهو درجة من درجات الطريقة وإذا أضاع السالك نفسا له فكأنه ارتكب ذنبا، إن ضياع النفس هو ضرر له.

2 ـ النظر إلى القدم (نظر بر قدم):

يرى البعض أن معناه: على الصوفي في حال مشيه في الطريق أن يكون نظره مركزا على موضع قدمه حتى لا يتوزع باله وعقله على أنحاء كثيرة، وحتى يكون عقله وفكره مع الله فلا يغتر بجمال ومتاع الدنيا وهذا عمل محمود ولكن الإمام الرباني يقول: النظر على القدم هي حال"السفر في الوطن" وهما معنويان والمقصود بهذه الكلمة: هو أن السالك قبل أن يسير من مقام إلى مقام أعلى عليه أن ينظر بعين البصيرة إلى هذا المقام قبل أن يخطو على قدمه المعنوي. وفي مبحث الدوائر اشرنا إلى أن المسيرة بالقدم تصل إلى نهاية مقامات الحقائق وآخرها حقيقة الصلاة ثم تبدأ الرحلة النظرية. وقال الإمام الرباني، إن السير النظري كالاستطلاع للسير على القدم لعروج المقامات وقبل أن يخطو بقدمه إلى المقام الجديد فعليه أن يتحقق فيه ويعرف مكانه، فيخطو إلى المقام الجديد، ويقال لهذا التحقق في المقام الجديد "النظر إلى القدم" لذلك يشبه حالة السفر في الوطن ذلك أن النظر على القدم يعنى الرحلة من مقام إلى مقام وهي نفس معنى السفر في الوطن. والتحقق في موضع القدم في حال السفر يعني النظر على القدم وهو تبصير السالك بدرجته ومنزلته في مستقبله. وبعد مرحلة الرحلة على القدم تبدأ مرحلة نظر السالك، والسالك يرى المقامات الكبرى بالنظر فقط.

يقول فخر الدين الكاشفي في الرشحات: النظر على القدم يشير إلى مدى تقدم السالك في مسلك التصوف للعروج إلى مقامات الوجود، وتجاوز عقدة الأنانية. وله كتاب مهم موسوم بـ (الأصول النقشبندية) محفوظ في المكتبة الوطنية الفرنسية.



3 ـ السفر في الوطن (سفر در وطن) وله معان:

المعنى الأول:

لا نشك في أن السفر بالمعنى المعروف مفيد لرفد الخبرة وتوسعة الإدراك، والسير في الأرض يورث العبرة في النظر إلى المخلوقات، ويوجه أبصار الإنسان إلى عظمة خالقه. فالسفر باعث للتفكر وقد مدح الله سبحانه المتفكرين في خلق السموات والأرض وقرنهم بالذاكرين قال تعالى "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض" آل عمران 191 ثم مدح السائحين في الأرض وقرنهم بالتائبين العابدين. فقال سبحانه "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله" التوبة 112 وفي سورة التحريم "تائبات عابدات سائحات".

وفي القرآن الكريم عناية خاصة بالسائرين في الأرض للاعتبار بما جرى على الأرض عقابا للمعتدين، أو دلالة على التغيرات في أمور الحياة. يقول سبحانه في أربعة مواضع من القرآن الكريم "أفلم يسيروا في الأرض".
وفي ثلاثة مواضع "قل سيروا في الأرض".
وفي موضعين "أو لم يسيروا في الأرض".
وهي حث للمسلمين على السفر وعلى التجول في الأرض ليزداد إيمانهم بالله سبحانه. ألا يعنى ذلك أن أساس هذه القاعدة الصوفية النقشبندية هو الخلق الإسلامي القرآني ؟؟

المعنى الثاني:

هو البحث عن المرشد الصالح فقد أوصى كبار المشايخ بسفر المريدين للبحث عن مرشد كامل ولكنهم قالوا فعند ذلك على السالك أن يطيع كل ما يأمر به المرشد وان رحلة مولانا خالد النقشبندي من العراق إلى الشام والحجاز، ومن الحجاز إلى كردستان ومنها إلى إيران والأفغان وكابل وقندهار إلى أن يصل إلى حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي ويحظى بأمنيته في حضرة هذا المرشد الكامل تعتبر من الرحلات الصوفية المهمة في هذا المجال وكذلك رحلة الإمام الغزالي من طوس إلى بغداد ومنها إلى الشام والحجاز للبحث عن مرشد مثال آخر لهذه الرحلات.


المعنى الثالث:

وهو المعنى المعنوي في المصطلح النقشبندي: يقول النقشبنديون إن المعنى المعنوي لهذه الكلمة عبارة عن محاولة السالك للانتقال من الصفات البشرية الخسيسة إلى الصفات الملكية الفاضلة وهو سفر من عالم الخلق إلى الحق وهو ابتعاد عن مغريات الدنيا والتقرب من مالك الدارين وهو سفر من حال ومقام إلى حال ومقام أحسن وأعلى.



4 ـ الخلوة في الجلوة (خلوت در انجمن):

ومعناه أن جسده مع الخلق وقلبه مع ربه.

والخلوة نوعان:

والنوع الأول (خلوة مادية): وهي عبارة عن انتقال السالك إلى زاوية معزولة للتعبد والتأمل وهذه نافعة للسالك لضبط حواسه وإمكان التركيز على قلبه والانهماك في حال قلبه ومن المعلوم انه كلما استطاع تعطيل الصفات الخارجية من العمل تزداد الصفات الباطنية نشاطا وعملا وبهذا يقرب من عالم الملكوت بشكل أحسن.

والنوع الثاني (خلوة القلب): بحيث لا يغفل عن ذكر ربه حتى إذا كان مع الناس ومشغولا بالكسب والذهاب والإياب فيبقى قلبه ذاكرا ولا يغفل عن ربه قال تعالى "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" النور37 والمقصود هنا المعنى الثاني. قال الشيخ محمد أمين الكردي في كتابه تنوير القلوب "فمعناه أن يكون قلب السالك حاضرا مع الحق في الأحوال كلها غائبا عن الخلق مع كونه بين الناس".

ويستحسن معظم كبار علماء التصوف أن يبقى قريبا من الناس، عاملا بالكسب الحلال بعد أن يستقر السالك ويتقدم في سلوكه. قال الشيخ أبو سعيد الخراز المتوفى279هـ: (ليس الكامل من صدر عنه أنواع الكرامات وإنما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ويتزوج ويختلط بالناس ولا يغفل عن الله لحظة واحدة).

ويقولون (الصوفي كائن بائن) أي بالظاهر والجسم كائن مع الخلق والباطن والقلب بائن عنهم.

قال الإمام الرباني: الخلوة في الجلوة فرع للسفر في الوطن ذلك انه متى يتيسر السفر في الوطن يسافر في خلوة الوطن أيضاً في نفس الجلوة ولا تتطرق تفرقة الافاق إلى حجرة الأنفس. وقال: هذا العمل في البداية صعب ولكنه سرعان ما يسهل وقال: هذه الموهبة في طريقتنا للمبتدئين أما في الطرق الأخرى فهي للمنتهين.
ذلك أنها تحصل في السير في الأنفس وهي بداية الطريقة النقشبندية والسير الافاقي يحصل مع السير في الأنفس والسالكون من الطرق الأخرى عليهم أن يكملوا السير الافاقي ثم يبدءوا بالسير في الأنفس.

وللتوضيح نقول: أن السير الآفاقي هو سير في عالم المادة وفي عالم الخلق.

إما السير في الأنفس فهو عبور المقامات القلبية الباطنية وتسمى اللطائف وهي من عالم الأمر، والأسرار والأنوار التي تكشف خارج القلب هي من عالم الخلق أي الآفاقي وما تكشف في القلب وترى فهي للأنفس وعالم الأمر. والتحلي بهذه الصفات والقدرة على تحقيق هذه الأعمال هي من مواهب هؤلاء السالكين الذين ملكوا هذه الدرجات بما قدموا من الذكر والعبودية والصدق والمجاهدة.



5- الذكر الدائم (يادكرد):

والذكر بالمعنى العام الذي يشمل ذكر اسم الجلالة والتأمل، والصلاة وقراءة القرآن الكريم والدعاء هو أساس السلوك الصوفي، والغالب الشائع من معانية هو ذكر اسم الجلالة "الله" والتأمل. والذكر قد يكون جهرا وقد يكون سرا والسلوك النقشبندي يعتمد الذكر السري وله صورتان: ذكر "الله" عز وجل، والنفي والإثبات "لا اله إلا الله" وفي الحديث الشريف (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا اله إلا الله).

وهذه الطريقة كانت تسمى الطريقة الخواجية، باسم مرشدها الأكبر المعروف بخواجه عبد الخالق الغجدواني، هو الذي أسس الذكر السري في الطريقة النقشبندية وروجه وابتكر هذه النصائح التي نحن بصدد بيانها، وقد ظل الذكر الجهري معمولا به بجانب الذكر الخفي عند السالك إلى عهد الشيخ محمد بهاء الدين النقشبندي وهو رئيس الطريقة النقشبندية إذ قرر أن الطريقة هي الذكر القلبي لا غير، وأضاف ثلاث نصائح أخرى إلى كلمات الغجدواني وهي: الوقوف القلبي والوقوف العددي والوقوف الزماني فأصبحت(11) كلمة أو نصيحة.

والمقصود بالذكر هنا هو مداومة الذكر والتذكر، والفائدة في الذكر القلبي انه لا يحتاج إلى صوت أو حرف أي القول باللسان فيستطيع أن يذكر السالك حتى في خضم العمل ولكن الذكر اللساني لا يتحقق في حال العمل ولاسيما في حال الكلام مع الناس.
وهذا الذكر القلبي يتطلب المداومة حتى يتحقق للذاكر السالك الحضور الدائم مع المذكور وهو الله سبحانه وهدفه هو هذا الحضور وحينذاك يدرك السالك بحسه الباطني وبعين بصيرته أنه حاضر أمام ربه ويرى البركات وهي حالة المشاهدة.
وقد ذكرنا إن منهم من يذكر الله في يوم واحد(25)ألف مرة واقل الذكر بالنسبة للمبتدئين(5) آلاف مرة، وبعد أن يبلغ مرحلة الحضور لا يبقى للعدد مفهوم وكذلك الذكر اللساني ذلك أن المذكور، وهو الله قد أحاط بقلبه والسالك يقطع المقامات.

6- العودة من الذكر إلى الذات (بازكشت):

ومعناها رجوع الذاكر من النفي والإثبات "لا اله إلا الله" بعد إطلاق نفسه إلى المناجاة بهذه الكلمة الشريفة باللسان أو بالقلب "الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي" وذلك لطرد كل الخيالات من قلبه حتى يفنى من نظره وجود جميع الخلق.


7- حراسة القلب من الغفلات أو الحضور الدائم (نكاه داشت):

ومعناه أن يحفظ المريد قلبه من دخول الخواطر ولو لحظة فان خطر على قلبه شيء حق أم باطلا فعليه يوقف ذكره حتى ينتهي من طرد الخواطر فيبدأ بالذكر من جديد. وجاء في كتاب(مناهج السير) للسيد أبي الحسن زيد المجددي الفاروقي مطبوع في دلهي 1957: إن هذا التوقف معناه انه على السالك أن يحافظ على الثمار من البركات التي حصل عليها بمداومة الذكر أو على درجة الحضور والمشاهدة التي حصل عليها باستقامته على الذكر فلا يسمح بتسلل الخطرات إلى قلبه.

وفي كتاب رشحات عين الحياة (المطبوع1912في كانبيرا) ينقل فخر الدين على الكاشفي عن سعد الدين الكاشغري: على السالك أن يتمرن ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات يوميا حسب طاقته على حبس ذهنه وفكره القلبي بحيث لا يخطر في قلبه شيء ولا يبقى في قلبه غير الله سبحانه ويرى بعضهم أن التوقف خاص بذكر النفي والإثبات (لا اله إلا الله) وهو أن يرسخ معنى الذكر في قلبه ويحبسه لكي يدوم المعنى وهو انه "لا اله إلا الله" فان لم يستطع فلا يحصل له الحضور القلبي. وان هذه المحاولة كما يبدو تهدف إلى دوام الحضور، ذلك أن حضور القلب وحفظ الباطن عن كل الخطرات والخيالات من أهم مقاصد الصوفية يرعاها المتصوفون، وهي درجة من درجات التصوف. وللمشايخ أقوال ونصائح عديدة في هذا المجال. ويجب أن نعلم بأنه ليس المقصود أن لا يمر أي خاطر في القلب ولكن معناه هو أن لا يستقر ويكون كالأوراق التي تمر سريعا على الماء الجاري ولا تتوقف.

وفي كتاب الحدائق الوردية للسيد عبد المجيد الخاني رواية عن علاء الدين العطار يقول "إن منع الخطرات والخيالات عن التسلل إلى القلب صعب وشاق ولكن عليكم العمل على طردها وعدم إبقائها". وقال: إني حرست قلبي عشرين سنة من الخطرات والخيالات ومع ذلك تسللت إلى قلبي بعد كل هذه المدة ولكنها لم تستقر.


8- المشاهدة (ياد داشت):

التوجه الخاص لمشاهدة أنوار الذات، وتسمى أيضاً عين اليقين، والشهود.

قال الشيخ محمد أمين الكردي: هي كناية عن حضور القلب مع الله تعالى على الدوام في كل حال من غير تكلف ولا مجاهدة وهذا الحضور في الحقيقة لا يتيسر إلا بعد طي مقامات الجذبة وقطع منازل السلوك.

وقال أيضاً: والحق انه لا يستقيم إلا بعد الفناء التام والبقاء السابغ فالمشاهدة "يادداشت" هي ثمرة عمل السالك وهي عبارة عن حال المريد بعد الوصول إلى غايته وقد تكون ثمرة الذكر أو المراقبة أو مساعدة المرشد، ويصلها السالك بعد قطع كل الحواجز.

قال الشيخ عبيد الله الأحرار: تعني هذه الكلمة "المشاهدة يادداشت" مشاهدة الحق بالحب الذاتي، وهو حضور لا غياب فيه، يغطي الحب السالك بصورة دائمة وقيل أيضاً (يادكرد) هو الدوام على الذكر و"الرجوع" بمعنى انه بعد أي توقف من الذكر يعود السالك إلى قلبه ليقول: (الهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي) و"التوقف" (حراسة القلب) هي حراسة هذه الحالة دون أن يذكر شيئا. فالمشاهدة هي دوام حراسة هذه الحالة والمحافظة على الحضور.


أما الكلمات الثلاث التي أضافها الشيخ النقشبند إلى القواعد الثماني فهي:


9- الوقوف الزماني:

وهو المحاسبة القلبية ومعناه انه ينبغي على السالك بعد مضي كل ساعتين أو ثلاث إن يلتفت إلى حال نفسه كيف كان في هاتين الساعتين أو الثلاث فان كانت حالة الحضور مع الله تعالى شكر الله تعالى على هذا التوفيق وان كانت حالة الغفلة استغفر منها وأناب.

وجاء في كتاب الرشحات أن الشيخ بهاء الدين النقشبند قال: الوقوف الزماني هو أن يكون السالك واعيا لحاله عارفا بما هو فيه هل يستحق الشكر عليه أو يجب عليه الاعتذار فان كان حسنا شكر الله عليه وان كان غير ذلك اعتذر
قال مولانا يعقوب الجرخي وهو احد المريدين الكبار للشيخ النقشبند: أن الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند كان ينصح السالك الذي ابتلي بحال القبض بالاستغفار وينصح السالك الذي أسعده الله بحال البسط بان يشكر الله سبحانه. فالوقوف الزمني هو مراقبة الحالين القبض والبسط ويفهم أيضاً أن حالة البسط أساسها اليقظة وحالة القبض أساسها الغفلة.

10- الوقوف العددي:

وهو المحافظة على عدد الو ترفي النفي والإثبات ثلاثا أو خمسا "لا اله إلا الله" ومنهم من يستطيع الذكر (21) مرة بنفس واحد، فهذه المراقبة العددية تسمى الوقوف العددي فالسالك واقف متيقظ بضبط نفسه على الذكر بالوتر وهذا الذكر بالقلب وبالباطن وكذلك عده بالقلب وبالباطن وليس باللسان ولهذا الوقوف ثمرة معنوية كبيرة وقد جربه المشايخ والمريدون وهو من بديهيات الطريقة.

قال الشيخ عبد الرحمن الجامي (817 ـ 898 هـ) (وهو مؤلف نفحات الإنس) في رسالته النورية (وهي مخطوطة في دار الكتب المصرية):
حكمة الوقوف العددي هي معرفة السالك متى وفي أي عدد من الذكر تحصل له ثمرته؟ فان بلغ (21) مرة ولم يشعر بالثمرة المعنوية فان علامة واضحة لنقصان شروطه وانه يراقب العدد ليعرف فيما إذ حصلت له البركة أم لا .... فان لم تحصل البركة من (21) مرة فعليه أن يبحث عن سر نقص عمله.

قال الشيخ النقشبند: إن هذا الوقوف العددي هدفه ضبط فكر السالك وعقله لكي لا يشتط ويذهب إلى هناك أو هنا.
قال علاء الدين العطار: ليس المهم من الثمرة كثرة الذكر بل المهم هو التيقظ والمراقبة ويتحقق في الوقوف الزمني والعددي.

11- الوقوف القلبي:
قال الشيخ عبد الله الدهلوي: انه عبارة عن تنبه السالك لحال قلبه بمراقبته ومحاولة الاطلاع على انه ذاكر أم لا وعليه أن يتوجه بقلبه إلى ذاته سبحانه دون أن يتصور القلب، أو الاسم.

فالوقوف القلبي هو حراسة القلب لكي يذكر الله دائما ولا يغفل عنه ويكون القصد من الذكر، (المذكور لا الكلمة) وينتظر السالك البركة متوجها إلى السماء ومع أن الله سبحانه في كل مكان فان السماء بالاعتبار الإنساني هي مركز العلو والبركة.

ويرى الشيخ محمد بهاء الدين النقشبند: إن الوقوف القلبي أفضل من الوقوف الزماني والوقوف العددي، ذلك انه مع أهمية الوقوفين الزمني والعددي لإستحصال البركات فان فقد إنهما لا يؤثر في السلوك الصوفي، ولكن الوقوف القلبي ضروري فان فقده السالك الذاكر وأصبح ذكره مجرد حركة اللسان أو القلب دون الوعي فانه لا يحصل على شيء.

متى سميت هذه الطريقة بالنقشبندية؟ و لماذا؟



إن الطريقة النقشبندية إتباع مطلق وكامل للدين الإسلامي الحنيف والسنة المطهرة. ومعلوم أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين تميز عن الآخرين بمداومة الذكر والعبادة والجهاد ولكن شرف الصحبة أعلى وأجمل لذلك سموا جميعا بالأصحاب وكذلك الأمر مع التابعين الذين ظهر الميل إلى العزلة الصوفية في عهدهم، فان لقب التابعين ظل هو السمة الأظهر للجميع وفي منتصف القرن الثاني الهجري بدأ وصف حياة العزلة والانزواء. وفي أواخر القرن الثاني الهجري أطلق الصوفي لأول مرة على العابدين الذين لم تخدعهم مغريات الدنيا وظلوا مستقيمين على العبودية المطلقة لله سبحانه كما كان كبار الأصحاب و التابعين.

ولاشك بعد هذا التحقيق في أن لباس الصوف الملائم لهذا الميل وهذه الحياة هو السبب في إطلاق اسم "الصوفي" على هؤلاء العابدين الناسكين في الزاوية المعزولة.

قالت رابعة العدوية شهيدة العشق الصوفي وهي في سكرات الموت لصاحبة لها: إذا مت اغسليني وكفنيني في عباءتي هذه التي من الصوف.

وفي كتاب تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار: 513 – 586 يقول: كان الحسن البصري لا يبدأ بالوعظ إلى أن تحضر رابعة العدوية

وكان يقول: إن بركة وعظي تأتي من هذه العجوز التي تغطي نفسها بالصوف. واقصد إن هذه المرأة الصوفية كانت تلبس الصوف مع إن البصرة حارة!!

وهنا مقصدان آخران من هذه المقدمة أولها:

أن اسم الطريقة ليس موجودا ومعروفا، والمتداول من الألقاب المميزة: الأصحاب والتابعون كما إن اسم المذاهب لم يكن موجودا أو معروفا ثم تجدد المذهب والطريقة باسم قادته وكبار مؤسسيها، فلولا أبو حنيفة والشافعي لما وجد المذهب الحنفي والشافعي ولولا عبد القادر الكيلاني وبهاء الدين النقشبندي لما وجدت الطريقة القادرية والنقشبندية.

ويقول أصحاب الطريقة النقشبندية أن طريقتهم كانت تسمى "الصدّيقية" نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم سميت "الطيفورية" نسبة إلى أبي يزيد البسطامي واسمه طيفور. ولا يعني ذلك أن أبا بكر وعليا سمى مذهبا خاصا والمقصود أن السلسلة من ما تحلى بسيدنا أبو بكر الصديق بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما صب الله في صدري شيئا إلا و صببته في صدر أبي بكر" وهذا ليس بمادي بل حب معنوي يعني المعرفة والحكمة، وهي أسرار تسبب السعادة وتسمى هذه الحالة في علم التصوف، بـ (الضمنية) فيشاركه في هذه النعمة. وسميت بعد ذلك بالنقشبندية نسبة إلى بهاء الدين النقشبند.

وقد سميت هذه الطريقة أيضا بعد نقشبند باسم أشهر الرجال فيها، مثل عبيد الله الأحرار والإمام الرباني المجدد ومولانا خالد النقشبندي، فقيل، الأحرارية، المجددية، الخالدية، ويلاحظ أن أحدا منهم لم يستطع إخفاء اسم "النقشبند"، حتى الإمام الرباني، ولا تزال النقشبندية هي العلم: ولم يدع احد منهم أنهم وصلوا مقاما أعلى من مقامه، كما أن أحدا لم يدع الوصول إلى مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني إلى الآن.


انتشار الطريقة


تنتشر الطريقة النقشبندية في جميع أنحاء العالم خصوصا في بلاد القوقاز وبخاري وسمرقند وتركمان صحراء في (الاتحاد السوفيتي) سابقا حيث أن سادات الطريقة النقشبندية من تلك البلاد.

وتنتشر الطريقة في معظم البلاد العربية خصوصا في بلاد الشام:

في دمشق ونواحيها الشيخ احمد كفتارو أطال الله بعمره (رحمه الله تعالى،حيث توفي بعد طباعة هذا الكتاب) , له الفضل في نشر الطريقة في منطقة الجزيرة الشيخ الخزنوي رحمه الله, كان له الفضل في نشر الطريقة في منطقة دير الزور الشيخ عبد الله أحرار كان له الفضل في نشر الطريقة في تلك المناطق في منطقة الرقة الشيخ محمد أمين الفواز أطال الله بعمره له الفضل الكبير في نشر الطريقة في منطقة حلب الشيخ بدر الدين حسونة له الفضل في نشر الطريقة في لبنان هنالك الآلاف من المريدين موزعين على جميع المناطق اللبنانية.

وفي العراق هنالك الآلاف من المريدين موزعين في جميع أنحاء العراق وخاصة بغداد ومنطقة طويلة مسقط رأس الشيخ عثمان سراج الدين الأول وضريحه هنالك وبيارة الشريفة حيث ضريح الشيخ محمد علاء الدين والشيخ عمر ضياء الدين والشيخ نجم الدين, ومنطقة السليمانية حيث يوجد الآلاف من المريدين
من مواضيع : ahmed1981 الحقد و الحسد
الأبجدية العبرية
أضرار الشاى
التدخين والمخدرات .. آفتان متى يتخلص منهما الشباب العربى؟
موضوع مفيد عن فيلم العودة إلى أوز-من ترجمتى الخاصة
21-03-2008, 01:10 PM
ahmed1981
 
ثالث و عشرون: بشر الحافى

كنيته: بشر الحافي

اسمه : هو أبو نصر بشر بن الحارث الحافي أصله من مرو وقد سكن بغداد ومات فيها وكان كبير الشأن من أغني أغنياء بغداد وقد كان قمّاراً خمّاراً زمّاًرا وكان لا يتورع عن فعل المنكرات والمحرمات الكبيرة

أسباب توبته

حدث يوماً أن كان الإمام الكاظم ماراً من أمام بيت بشر وكانت أصوات اللهو والطرب تملأ المكان فصادف أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات وحين رمت بها في الطريق سألها الإمام............... ?

قائلاً : يا جارية....! هل صاحب هذه الدار حر أم عبد.......؟!

فأجابته الجارية وهي مستغربة سؤاله هذا بشر رجل معروف بين الناس

وقالت: بل هو حر............!!

فقال الإمام : صدقتي لو كان عبداً لخاف من مولاه

قال الإمام قال هذه الكلمة وانصرف.

فعادت الجارية إلى الدار وكان بشر جالساً إلى مائدة الخمر

فسألها: ما الذي أبطأك....... ؟ فنقلت له ما دار بينها وبين الإمام وعندما سمع ما نقلته من قول الإمام صدقت لو كان عبداً لخاف من مولاه . اهتز هزاً عنيفاً أيقظته من غفلته وأيقظته من نومته نومة الغفلة عن الله.

ثم سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجه إليها الإمام فأخبرته فانطلق يعدو خلفه حتى أنَّه نسي أن ينتعل حذاءه وفعلاً ذهب إلى منزل الإمام فتاب على يده واعتذر وبكى ثم هوى على يدي الإمام يقبلها

وهو يقول: سيدي أريد من هذه الساعة أن أصبح عبداً ولكن عبداً لله لا أريد هذه الحرية المذلة التي تأسر الإنسانية فيّ وتطلق العنان للشهوة الحيوانية لا أريد حرية السعي وراء الجاه والمنصب لا أريد حرية الخوض في مستنقع الذنوب وأغدوا أسيراً لها. لا أريد أن تؤسر فيّ الفطرة السليمة والعقل السليم

ومن هذه الساعة أريد أن أصبح عبداً لله ولله وحده حراً تجاه غيره.

وتاب بشر على يد الإمام الكاظم. ومنذ تلك اللحظة هجر الذنوب ونأى عنها وأتلف كل وسائل الحرام، وأقبل على الطاعة والعبادة.

ومن أسباب توبته أيضا

أنه أصاب في الطريق ورقة مكتوب فيها اسم الله عز وجل وقد وطئتها الأقدام

فأخذها وإشترى بدرهم كان معه نوع من الطيب فطيب بها الورقة وجعلها في شق

حائط فرأى فيما يرى النائم كأنّ

قائلا يقول: يقول لك إلهك: يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة .






بشر بن الحارث الحافي

يكنى أبا نصر ولد في سنة خمسين ومائة.

عن أيوب العطار قال قال لي بشر بن الحارث الحافي احدثك عن بدو امري بينا أنا امشي رأيت قرطاسا على وجه الأرض فيه اسم الله تعالى فنزلت إلى النهر فغسلته وكنت لا املك من الدنيا إلا درهما فيه خمسة دوانق فاشتريت بأربعة دوانيق مسكا وبدانق ماء ورد وجعلت اتتبع اسم الله تعالى واطيبه ثم رجعت إلى منزلي فنمت فاتاني آت في منامي فقال يا بشر كما طيبت اسمي لاطيبن اسمك وكما طهرته لاطهرن قلبك.

وعن محمد بن بشار قال سمعت بشر بن الحارث يقول أنا لله عشت إلى زمان ان لم اعمل فيه بالجفاء لم يسلم ديني.
وعن الحسين بن محمد البغدادي قال سمعت أبي يقول زرت بشر بن الحارث فقعدت معه مليا فما زادني على كلمة قال ما اتقى الله من أحب الشهرة وعن أحمد بن نصر قال كنا قعودا قدام بشر بن الحارث نفسين قال فجاء الثالث فقام فدخل.
وعن أحمد بن الفتح قال سمعت بشرا يقول بعث إلى عاصم بن علي بأبي زكريا الصفار فقال يا أبا نصر ان أبا الحسن يقرأ عليك السلام ويقول قد اشتد شوقي إليك حتى لقد كدت ان اتيك من غر إذن فعلمت كراهيتك لمجيء الرجال فان رأيت ان تاذن لي فاتيك لاسلم عليك فلعل الله ان ينفعني برؤيتك قال فقلت له قد فهمت رسالة الشيخ فابلغه السلام وقل له لا تأتني فان في مجيئك الي شهرة علي وعليك.


وعن أبي حفص عمر بن موسى قال سمعت بشر بن الحارث يقول لقد شهرني ربي في الدنيا فليته لا يفضحني في القيامة ما اقبح بمثلي يظن في ظن وأنا على خلافه إنما ينبغي لي ان اكون اكثر ما يظن بي اني اكره الموت وما يركه الموت إلا مريب ولولا اني مريب لاي شيء اكره الموت.

وقال أحمد بن الصلت سمعت بشر بن الحارث يقول غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه واخاء مكانه عنهم.

أبو بكر محمد بن الفياض قال سمعت زريقا الدلال يقول سمعت بشر بن الحارث يقول اللهم استر واجعل تحت الستر ما تحب فربما سترت على ما تكره قال ثم التفت الي فقال يا أخي بادر بادر فان ساعات الليل والنهار تذهب الاعمال.
وعن محمد بن يوسف الجوهري قال سمعت بشر بن الحارث يقول يوم ماتت أخته ان العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه.

وعن محمد بن قدامة قال لقى بشر بن الحارث رجل سكران فجعل يقبله ويقول يا سيدي يا أبا نصر ولا يدفعه بشر عن نفسه فلما ولى تغرغرت عينا بشر وقال رجل أحب رجلا على خير توهمه لعل المحب قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله.
وقال رجل رأيت بشر بن الحارث وقف على أصحاب الفاكهة فجعل ينظر.

فقلت يا أبا نصر لعلك تشتهي من هذا شيئا قال لا ولكن نظرت في هذا إذا كان يطعم هذا من يعصيه فكيف من يطيعه.
وعن أبي بكر المروزي قال سمعت بعض القطانين يقول اهدى الي استاذي رطبا وكان بشر يقيل في دكاننا في الصيف فقال له استاذي يا أبا نصر هذا من وجه طيب فان رأيت ان تأكل قال فجعل يمسه بيده ثم ضرب بيده إلى لحيته وقال ينبغي ان استحي من الله اني عند الناس تارك لهذا وآكله في السر? وعنه قال سمعت أبا حفص ابن أخت بشر قال سمعت بشرا يقول ما شبعت منذ خمسين سنة.

وعنه قال سمعت قرابة بشر الحافي يقول قدم بشر بن عبادان ليلا أو قال من سفر وهو متزر بحصير.
عن يحيى بن عثمان قال كان لبشر بن الحارث في كل يوم رغيف.

قال وقال لي بشر كان لي سنور فكنت إذا وضعت طعامي بين يدي جاءت فعيناها في عيني فآكل وارمي لها قال فقلت اليك عني تأكلين قوتي.

وعن أبي بكر بن عثمان قال سمعت بشر بن الحارث يقول اني لاشتهي شواء منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه.
وعن أبي عمران الوركاني قال تخرق ازار بشر فقالت له أخته يا أخي قد تخرق إزارك وهذا البرد فلو جئت بقطن حتى اغزل لك قال فكان يجيء بالاستارين والثلاثة قال فقالت له يا أخي ان الغزل قد اجتمع افلا تسلم ازارك قال فقال لها هاتيه قال فأخرجته الي فوزنه فأخرج ألواحه فجعل يحسب الاساتير فلما رآها قد زادت فيه قال لها كما افسدته فخذيه.
وعن الحسن بن عمرو بن الجهم قال سمعت أبا نصر التمار يوم مات بشر يقول لولا ان بشرا قد مات ما حدثتكم بهذا.
اتاني ليلة فقلت يا أبا نصر الحمد لله الذي جاء بك جاءنا قطن من خراسان فغزلته الابنة وباعته لفلان واشترت به لحما وأشياء على ان افطر عليه فالحمد لله الذي جاء بك فقال يا أبا نصر لا تكثر علي فلو أكلت عند أحد من أهل الدنيا أكلت عندك ثم قال اني لاشتهي الباذنجان منذ ثلاثين عاما. قلت فإن فيها باذنجانا. فقال: حتى تصفو لي حبة الباذنجان من أي هي? وعن إبراهيم بن هاشم قال سمعت بشر بن الحارث يقول اني لاشتهي شواء ورقاقا منذ خمسين سنة ما صفا لي درهمه.

الفتح بن شحرف قال قال عمر ابن أخت بشر سمعت خالي بشرا يقول لأمي جوفي وجع وخواصري تضرب علي فقالت له أمي ائذن لي حتى أصلح لك قليل حسا بكف دقيق عندي تتحساه يرم جوفك فقال لها ويحك أخاف ان يقول من أين لك هذا الدقيق فلا ادري أي شيء اقول له فبكت أمي وبكى معها وبكيت معهم.

قال عمر ورأت أمي ليلة ما به من شدة الجوعت وجعل يتنفس تنفسا ضعيفا فقالت له أمي يا أخي ليت امل لم تلدين فقد والله تعطع كبدي مما ارى بك.

فسمعته يقول لها وأنا فليت امك لم تلدني وإذ قد ولدتني لم يدر لها ثدي علي.

قال عمر وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار.

عبد الله بن خبيق قال رجل لبشر ما لي اراك مغموا قال ما لي لا اكون مغموما وأنا رجل مطلوب.
وعن أبي الحسن أحمد بن محمد الزعفراني قال سمعت أبي يحكي عن بشر انه قال ربما رفعت يدي في الدعاء فاردها أو قال فاستلها.
اقول إنما يفعل هذا من له عنده وجه.


صفحة : 253

وعن الفتح به شحرف قال كنت جالسا عند بشر إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فاطرق مليا ثم رفع رأسه ثم اطرق ثم رفع رأسه فقال اللهم انك تعلم اني أخاف ان أتكلم اللهم انك تعلم اني أخاف ان اسكت اللهم انك تعلم اني أخاف ان تأخذني فيما بين السكوت والكلام.

وعن زبدة أخت بشر بن الحارث قالت دخل بشر علي ليلة من الليالي فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارج الدار وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح فلما أصبح قلت له في ماذا تفكرت طول الليلة قال تفكرت في بشر النصراني وبشر إليهودي وبشر المجوسي ونفسي واسمي بشر فقلت ما الذي سبق منك حتى خصك فتفكرت في تفضله علي وحمدته علي ان جعلني من خاصته والبسني لباس أحبائه.

وعن أحمد بن نصر قال سمعت بشرا يقول يا مازني ليت لا يكون حظي من الله هذا الذي يقول الناس بشر بشر و رأيت اشفار عينيه قد ذهبت من البكاء وعن الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول لو علمت ان رضاه ان اشد في رجلي حجرا ثم القي نفسي في البحر لفعلت.

وعن عباس بن دهقان قال قلت لبشر بن الحارث أحب ان اخلو معك قال إذا شئت فبكرت يوما فرأيته قد دخل قبة فصلى فيها أربع ركعات لا احسن ان أصلي مثلها فسمعته يقول في سجوده اللهم انك تعلم فوق عرشك ان الذل أحب الي من الشرف اللهم انك تعلم فوق عرشك ان الفقر أحب الي من الغنى اللهم انك تعلم فوق عرشك اني لا اوثر على حبك شيئا فلما سمعته أخذني الشهيق والبكاء فلما سمعني قال اللهم انك تعلم اني لو اعلم ان هذا ههنا لم أتكلم.

وقال أحمد بن حنبل والله ان بين اظهركم رجلا ما هو عندي بدون عامر بن عبد الله يعني بشر بن الحارث.
وعن أحمد بن عبد الله بن خالد قال سئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع فقال أنا استغفر الله لا يحل لي ان أتكلم في مسألة في الورع أنا أكل من غلة بغداد.

لو كان بشر بن الحارث صلح ان يجيبك عنه فانه كان لا يأكل من غلة بغداد ولا من طعام السواد يصلح ان يكلم في الورع.
وعن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن المروزي قال سمعت بشرا يقول ان الجوع يصفي الفؤاد ويورث العلم الدقيق وسمعت بشرا يقول طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.

وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول حادثوا الامال بقرب الاجال.

وعن أبي بكر الباقلاوي قال سمعت أبي يقول سمعت بشر بن الحارث ونحن معه بباب حرب واراد الدخول إلى المقبرة فقال المةنى داخل السور اكثر منهم خارج السور.

وعن أحمد بن الصلت قال سمعت بشر بن الحارث يقول ليس من المودة ان تحب ما يبغض حبيبك.

وعن عمرو بن موسى بن فيروز قال رأيت بشرا ومعه رجل فتقدم إلى بئر ليشرب منها فجذبه بشر وقال تشرب من البئر الأخرى حتى جاوز ثلاثة ابار فقال له الرجل أبا نصر أنا عطشان فقال له بشر اسكت فهكذا ندفع الدنيا.

وعن إبراهيم الحربي قال سمعت بشر بن الحارث يقول بحسبك ان اقواما موتى تحيا القلوب بذكرهم وان أقواما أحياء تعمى الأبصار بالنظر إليهم.

وعن عمرو بن موسى الأحول قال سمعت بشرا يقول يكون الرجل مرائيا في حياته مرائيا بعد موته قيل كيف يكون مرائيا بعد موته قال يحب ان يكثر الناس على جنازته.

وعن الحسن بن عمرو قال سمعت بشر بن الحارث يقول الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد ثم قال ذاك يركب ويرجع ويراه الناس وهذا يعطي سرا لا يراه إلا الله عز وجل.

وسمعت بشرا يقول ما اقبح ان يطلب العالم فيقال هو بباب الأمير.

وعن أبي عبد الله الاسدي قال قال لي بشر الحافي يوما:

قطع الليالي مع الأيام في خـلـق والنوم تحت رواق الهم والقـلـق
أحرى واعذر لي من ان يقال غـدا اني التمست الغنى من كف مختلق
قالوا قنعت بذا قلت القنوع غـنـى ليس الغنى كثرة الاموال والـورق
رضيت بالله في عسري وفي يسري فلست اسلك إلا اوضح الـطـرق

رحل بشر بن الحارث رضي الله عنه في طلب العلم إلى مكة والكوفة والبصرة وسمع من وكيع وعيسى بن يونس وشريك بن عبد الله وابي معاوية وابي بكر بن عياش وحفص بن غياث واسماعيل بن علية وحماد بن زيد ومالك بن انس وابي يوسف القاضي وابن المبارك وهشيم والمعافى بن عمران والفضيل بن عياض وابي نعيم في خلق كثير.
غير انه لم يتصد للراوية فلم يضبط عنه من الحديث إلا اليسير.


صفحة : 254

وقد ذكرنا ما وقع الينا من حديثه وأخباره في كتاب افردناه لمناقبه وأخباره فلذلك اقتصرنا ههنا على ما ذكرنا.

وتوفي رضي الله عنه عشية الأربعاء لعشر بقين من ربيع الاول وقيل لعشر خلون من المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين وقد بلغ من العمر خمسا وسبعين سنة وقيل سبعا وسبعين.

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني قال رأيت أبا نصر التمار وعلي بن المديني في جنازة بشر بن الحارث يصيحان هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.

وذلك ان بشرا خرجت جنازته بعد صلاة الصبح ولم يجعل في القبر إلا في الليل وكان نهارا صائفا ولم يستقر في القبر إلى العتمة.
وعن الكندي قال رأيت بشر بن الحارث في النوم فقلت له ما فعل الله بك فقال غفر لي واقعدني على طيار من لؤلؤة بيضاء وقال لي سر في ملكي.

وعن الحسن بن مروان قال رأيت بشر بن الحارث في المنام فقلت يا أبا نصر ما فعل الله بك قال غفر لي وغفر لكل من تبع جنازتي قال قلت ففيم العمل قال افتقد الكسرة.

وقال ابن خزيمة لما مات أحمد بن حنبل بت من ليلتي فرأيته في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي وتوجني والبسني نعلين من ذهب وقال لي يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي قلت فما فعل بشر فقال لي بخ بخ من مثل بشر تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول له كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب وانعم يا من لم ينعم رحمه الله ورضي عنه.



(صفة الصفوة لامام أبن الجوزي)


وفي البداية والنهاية لامام ابن كثير الشافعي:

بشر الحافي
الزاهد المشهور ، وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي نزيل بغداد .

قال ابن خلكان وكان اسم جده عبد الله بعبور ، أسلم على يدي علي بن أبي طالب قلت : وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة ، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد ، وعبد الله بن المبارك ، وابن مهدي ، ومالك ، وأبي بكر بن عياش ، وغيرهم .

وعنه جماعة ؛ منهم أبو خيثمة زهير بن حرب ، وسرى السقطي ، والعباس بن عبد العظيم ، ومحمد بن حاتم .
قال محمد بن سعد : سمع بشر كثيرا ، ثم اشتغل بالعبادة ، واعتزل الناس ولم يحدث ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهده وورعه ونسكه وتقشفه .

قال الإمام أحمد يوم بلغه موته : لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس ، ولو تزوج لكان قد تم أمره ، وقال إبراهيم الحربي ما أخرجت بغداد أتم عقلا ، ولا أحفظ للسانه منه ، ما عرف له غيبة لمسلم ، وكان في كل شعرة منه عقل ، ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء ، وما نقص من عقله شيء .

وذكر غير واحد : أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره ، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال : سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس ! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية ، وضمخ تلك الرقعة منها ، ووضعها حيث لا تنال فأحيا الله قلبه ، وألهمه رشده ، وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة .
ومن كلامه : من أحب الدنيا فليتهيأ للذل . وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له : بماذا تأتدم ؟ فقال : أذكر العافية فأجعلها أدما . وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا ، طرق يوما بابا ، فقيل : من ؟ فقال بشر الحافي فقالت جارية صغيرة : أما وجد هذا دانقين يشتري بهما نعلا ويستريح من هذا الاسم . قالوا : وكان سبب تركه النعل أنه جاء إلى حذاء ، فطلب منه شراكا لنعله ، فقال له : ما أكثر كلفتكم على الناس ! فطرح النعل من يده ، وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا .
قال ابن خلكان وكانت وفاته يوم عاشوراء . وقيل في رمضان ببغداد . وقيل : بمرو . قلت : الصحيح ببغداد في هذه السنة . وقيل : في سنة ست وعشرين . والأول أصح . والله أعلم .

وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم ، فأخرج من بعد صلاة الفجر ، فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة ، وكان علي بن المديني ، وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة : هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخره . وروي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكن فيه ، وأنه رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ، ولكل من شهد جنازتي ، ولكل من أحبني إلى يوم القيامة .

وذكر الخطيب البغدادي أنه كان له أخوات ثلاث ؛ وهن مخة ، ومضغة ، وزبدة ، وكلهن عابدات زاهدات مثله ، وأشد ورعا أيضا . ذهبت إحداهن فاستأذنت على أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، فقالت : إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل ، فإذا كان ضوء القمر غزلت فيه فعلي عند البيع أن أميز هذا من هذا ؟ فقال لها : إن كان بينهما فرق فأعلمي به المشتري ، وقالت له مرة إحداهن : ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات ، فخلصني من ذلك ، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار . وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى ؟ قال : لا ، إنما هو شكوى إلى الله عز وجل ، ثم خرجت . فقال لابنه عبد الله : يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة ؟ قال عبد الله : فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر الحافي وإذا هي أخته .

، وروى الخطيب البغدادي أيضا عن زبدة قالت : جاء ليلة أخي بشر ، فدخل برجله في الدار ، وبقيت الأخرى خارج الدار ، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح ، فقيل له : فيم تفكرت في بشر النصراني ، وبشر اليهودي ، وبشر المجوسي ، وفي نفسي واسمي بشر فقلت : ما الذي سبق منك حتى خصك بالإسلام من بينهم ؟ فتفكرت في تفضيله علي ، وحمدته على أن جعلني من خاصته ، وألبسني لباس أحبابه .

وقد ترجمه الحافظ بن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال ، وقد ذكر ابن عساكر أشعارا حسنة ، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات
تعـاف القـذى فـي الماء لا تستطيعه

وتكـرع مـن حوض الذنوب فتشرب

وتؤثــر مـن أكـل الطعـام ألـذه

ولا تذكـر المختـار مـن أين يكسب

وترقـد يـا مسـكين فـوق نمـارق

وفـي حشـوها نـار عليـك تلهـب

فحــتى متــى لا تسـتفيق جهالـة

وأنـت ابـن سـبعين بـدينك






لأنى وجدته عالما .. فاهماً .. ووجدت ان ما سبق لا يُكفيه حقه .. فاردت ان استزيدكم .. لنرى كيف سبق هؤلاء في الطريق
وكذلك لتبيين انه لم يكن فقط زاهداً .. متقشفاً .. جائعاً .. حافياً ..!!!

والله كأنى اذهل كلما توغلت في سيرة هذا العالم الجليل .. وعندما تقرأوا ستفهموا ما فهمته انا ايضاً !!



المُستغنى ...

كانت فكرة الإستغناء تشكل جماع تفكيره الصُوفي وهى تعنى الاستغناء بالله عن كل شيء عداه ..
فإيمانه بالله هو مصدر وجوده , قوه استمراره وبه يجد سعادته الوحيده المنشوده .. ولقد اختار باستغنائه بالله وايمانه التام به وتوكله المطلق عليه واضح السبيل
وقد جمع استغناؤه بالدنيا والمال في أبيات شـعـر كان يقولها مُبيناً غناه وسعادته في تصوفه ..


وكما تميز الصوفيه بعدم الإنخداع للدنيا فإن بشرا الحافي كان يدعو الى الاستغناء عن الدنيا التى تدخر للمرء (مهما منحته لـذتها ) ساعه الذبح .. ولذلك فاليأس منها هو امكانية تجاوزها.
وقد يرى المتصوفه البعد المأساوى في الفصل الاخير من علاقة الدنيا بالإنسان , فصل الموت , او يرى البعد الماساوى اليومي الماثـل في عذابات الفقر والحرمان في ظل جور اهل الزمان من الامراء والاغنياء والتجار الجشعين الذين يجعلون الرزق الحلال اشد واصعب الصوبات

فاعتياد النفس على اليأس مع اوضاع الدنيا المأساويه في حين يجلب الانخداع بها عذابات مضاعفه ..
وقد دمج بشر الحافي هذا اليأس بجوهر تفكيره الصوفى الداعي الى التفرغ الى العبوديه والطاعه في حضرة الله .. فالغنى هو الاستغناء باليأس كما قال في هذه الابيات :



أقسم بالله لرضخ النوى وشرب ماء القـُلبُ المالحه

أعز للإنسان من حرصه ومن سؤال الأوجه الكالحه

فاستغن باليأس تكن ذا غنا مغتبطا بالصفقة الرابحه

اليأس عــزٌ والتُقى سؤدد ورغبة النفس لها فاضحه

من كانت الدنيا به برّةً فإنها يوما لـه ذابـحه


فمبدؤه الاستغناء عن الناس عز المؤمن .. وتُعد رسالة بشر الى على بن خُشرم تلخيصاً وافيا لتقواه وزهده واستغناؤه عن الناس وعن الدنيا وعن الجاه وعن الثروه.. فهى الرساله المُشبعه بالحكمة الصوفيه وبالموعظة الجليله التى تناسب تجربة المؤمن الصُوفي الورع .

فهى خلاصة خبره حياة صوفيه وانسانيه معاً ترتكز على محور الإيمان والتضرع لله وعدم الابتلاء بالشهره وبأغوار الدنيا التى قد تُنسي النور الالهى

وحين ينوه بشر الحافي بالعُزله فإنه يقرن ذلك بنوع المرحله التى يعيش فيها فهو يقول " وارى ان الفضل اليوم ما هو إلا في العُزله "

ولأهمية الرساله ..سأنقلها لكم

الى ابى الحسن على بن خشرم.. السلام عليك :

فإنى احمد إليك الله الذي لا اله الا هو, اما بعد ,فانى أسأل الله ان يتم ما بنا وبكم من نعمة وان يرزقنا واياكم الشكر على احسانه

وان يُميتنا ويحيينا واياكم على الاسلام ,وان يسلم لنا ولكم خلفا من تلف , وعوضا من كل رزيه , أوصيك بتقـوى الله يا علي ولزوم أمره والتمسك بكتابه, ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان وسهلوا لنا السُبل فاجعلهم نصب عينيك ,
واكثر من عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلاء , ويغنوك عن مشاهدة الملأ فمثل حالهم كأنك تشاهدهم فمجالسة أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أوفق في مجالسة الموتى ,

ومن يرقب عنك زلتك وسقطتك إن قدر عليها , فإن لم يقدر عليها جعل جليساً ان رآه عندك عيبك فرماك بما لم يره الله منك , واعلم علمك الله الخير وجعلك من اهله ان اكثر عمرك فيما ارى قد انقضى ومن يرضى حاله قد مضى وانت لاحق بهم ,

وانت مطلوب ولا تعجز طالبك وانت أسير في يديه وكل الخلق في كبريئه صغير وكلهم إليه فقير , فلا يشغلنك كثرة من يحبك وتضرع اليه ذليل الى عزيز وفقير الى غني وأسير لا يجد ملجأ ولا مـقرا يفـر اليه عنا .

وخائف مما قدمت يداه غير واثق على ما يقدم , لا يقطع الرجاء , ولا يدع الدعاء ولا يأمن من الفتن والبلاء, فلعله ان رآك كذلك عطف عليك بفضله وأمدك بمعونته

وبلغ بك ما تامل من عـفـوه ورحمته فافزع اليه في نوائبك واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك فإنك اذا فعلت ذلك قربك بخضوعك له ووجدته اسرع اليك من أبويك , وأقرب اليك من نفسك, وبالله التوفيق.

واياك أسأل خير المواهب لنا ولك واعلم يا علي ان من ابتلي بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليله , فجبرها بالخضوع والاستكانه والذُل لعظمته , وكفانا وإياك فتنتها وشر عافيتها ,

فانه تولى ذلك من أوليائه ومن أراد توفيقه, وارجع الى أقرب الامرين بك , والى ارضاء ربك, ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة اهل زمانك ولا ذمهم فان كان من يتقي ذلك منه قد مات

وإنارة احياء القلوب من صالح اهل زمانك , فتوار مما لا يُستضاء فيها بنور الله ولا يستعمل فيها إلا من عصم الله , ولا تبال بمن تركك منهم , ولا تأس على فقدهم ,

واعلم ان حظك في بعدهم أوفر من حظك في قربهم وحسبُك الله فاتخذه أنيساً ففيه الخلف منهم.

فاحذر اهل زمانك , وما العيش مع من يُظن به في زمانك الخير ولا مع من يسيئ به الظن خير !!!!

وما ينبغى أن يكون طلعة : ابغـض الى عاقـل تهمة نفسه من طلعة إنسان في زمانك لأنك منه على شرف فـتـنه ان جالسته , ولا تامن البلاء إن جانبته ,
وللموت في العُـزلة خير من الحياه , وان ظن رجل انه ينجو من الشـر يأمن خوف فـتنه فلا نجاة له ان امكنتهم من نفسك .. آثموك وان جانبتهم اشركوك ..
فاختر لنفسك واكره لها ملابستهم وارى ان الفضل اليوم ما هو إلا في العزله لأن السلامة فيها وكفى بالسلامة فضلا

اجعل اذنك عما يُؤثمك صماء وعينك عنه عمياء, احذر سوء الظن فقد حذرك الله تعالى ذلك وذلك بقوله تعالى "ان بعض الظـن إثم " والسلام عليكم



عن حلية الاولياء ج 8 لأبي نعيم الاصبهانى


ومن اقواله ..رضى الله عنه

" لا ينبغى لأحد ان يذكر شيء من الحديث في موضوع يكون له حوائج من الدنيا يريد ان يتقـرب به ولا يذكر العلم في موضوع ذكر الدنيا وقد رأيت مشايخ قد طلبوا العلم للدنيا فافتضحوا وآخرين طلبوه فوضعوه مواضعه وعملوا به وقاموا به فأولئك سلموا فنفعهم الله تعالى "

ان دعوته الى ربط العلم بعمل الخير وبالهدف الإنسانى وبتزكية النفس وبناء المجتمع بناءً إسلاميا سليما, هى الفكره التى ثابر على المناداة بها وبسببها شن حملة على زمرة العلماء الذين يتعاركون ويتزاحمون حول المطامع الدنيويه الرخيصه
ولقد نعى على العصر - عصره – فقدانه الرجال العاملين بالمعروف والناهين عن المنكر فطردت العُمله الرديئه العمله الجيده تعبيرا عن ازمة العقل والعقلاء وهيمنة الأشياء الزائفه فكان يُسمع
قائلاً رضي الله عنه

ذهب الرجال المُرتجى لفعالهم والمنكرون لكل امرٍ منكر
وبقيت في خـلفٍ يزّين بعضهم بعضا ليدفـعَ مـِعـورٌ عن معور

وليس من عجب ان يقول بعد هذا "شاطرٌ سخيٌ احب إلىَّ من قارئ لئيم "

وكان من طبيعة الحياه حينئذ انها تسمح الاستغناء عن علماء السوء وفقهاء الأمراء وتجار العلم ومحترفي الكلمه .
وفي معرض ادانته لظاهرة توظيف العلم في خدمة الطبقات المستغله ..

اصبح متشددا في رواية الحديث ولذلك لم يُنقل عنه من الحديث إلا القليل وكان يلوم المُكثرين منه ويقول طأدوا زكاة الحديث , فاستعملوا من كل مائتى حديث خمسة احاديث "

فهو يدعو إلى الغربله والتدقيق لإنتشال الصحيح من الأحاديث , كما انه يدعو الى تلاؤم رواية الحديث مع تطبيقه فالعمل بالحديث الصحيح هو المقياس وليس الامر أمر روايه.

ان زهده في رواية الحديث تعكس حذره من الالتباس والاختلاط وإصراره على الدقه والالتزام ..
مع التزامه بالمعارف , قضى زمناً طويلاً في طلب العلم من مصادره الرئيسيه ..سبق ذكرها

ولقد كان يكبح رغبه الحديث حسب طبيعته في معاكسة هواه .

قال رجل لبشر لما لا تُحدث ؟قال: انا اشتهى أحدث ,وإذا اشتهيت شيئا تركته ..
الخطيب البغدادى "تاريخ بغداد" ج7

كان بشر نموذجا للحكيم العاقل , معترفاً به اتم عقلا واكثر رجحانا من سواه .

وقد استغنى عن كتبه التى ألْـفـّها .. "لأن الآخره أنسته كل ما هو ليس بسلاح الآخره"
قال " وان لي كتـباً كثيره قد ذهبت واراها توطأ ويُرمى بها فما آخذها وانى لأهم بدفنها وانا حيّ صحيح .. "!!!

وبوحى من مبادئه الإسلاميه كانت افكاره تحث على العمل واكتساب الرزق الحلال فكان يقول "انظر خبزك ولا تعرض لحمك للنار "

وكانت لديه توجيهات يدعو فيها إلى الإقتصاد في النفقه قال يوصى أحد أصحابه " عليكم بالرفق و الإقتصاد في النفقه فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال خير منان تبيتوا شباعاً وليس لكم مال .."

ويبدومن ذلك انه كان مُتاثرا بأفكار القُطب الصوفي سفيان الثوري شأنه شأن معروف الكرخي غير انه يختلف عن معروف في حضور ولائم الطعام وقبول الهدايا .

فمعروف الكرخي كان يقبل ما يُهدى إليه من طيبات الطعام فيأكل منها في حين يروى عن بشر بن الحارث انه كان مدعواً , فوضع بين يديه طعام , فجهد ان يمد يده فلم تمتد ثم جهد ثلاث مرات فقال رجل ممن كان يعرفه : ان يده لا تمتد الى طعام حرام أو فيه شُبهه, ما اغنى صاحب هذه الدعوه ان يدعو هذا الرجل الى بيته "

قيل لمعروف الكرخي "إن اخاك بشرً لا يأكل من هذا فيقول "اخي بشر قد قبضه الورع وانا بسطتنى المعرفه وإنما انا ضيف في بيت مولاي إذا أطعمنى أكلت وإذا جوعنى صبرت , مالي والإعتراض والتخير ."

ويظهر من الروايات انه كان يقف على احوال السوق مستفسراً عن اسعار الدقيق التى كان يهمه امرها , لأن التلاعب بالاسعار هو شر انحراف عن الصراط الإسلامي العادل .

جاء في الروايه انه خرج الى السوق "فما مرّ بواحد أو اكثر الا رفع صوته وقال السلام عليكم ثم وقف على رجل دقلق فسأله عن سعر الدقيق بالامس فقال ناقص فأبشر يا أبا نصر , فحمد الله و اخذ "
ابو نعيم الاصبهانى حلية الاولياء ج8

وقد يُذكـّر بالموت لإستبعاد هم الغلاء "اذا اهتممت لغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يُذهب عنك هو الغلاء "

ورع بشر ..

ان احتماءه بالاستغناء عن الدنيا وزهده بها هو تحقيق للإيمان القلبي الذي أظهر معانيه ومعالمه في سلوكه الورع فتحقيق الإيمان حد تطابق بين الظاهر والباطن إذ لا مجال للخدعه والمُخادعه قال

وليس من يروق لي دينه يغـرني يا صاح تبريقه
من حقق الإيمان في قلبه يوشك أن يظهر تحقيقه

فاللإيمان القلبي نبته طاهره في قلب طاهر , ثمرته سلوك ظاهر فكار بشر يرى في إصلاح السريره أساساً وقاعده فقال " أصلح سريرتك واعبده حيث شئت "

وكان اول ما عـمل للحفاظ على هذه المُضغه(القلب) اخضاع النفس للمحاسبه فهو يلجأ الى معاندة ومعاكسة هوى النفس إذلالاً لها , كيما تكون بيد التوكل سائرة في ركـب الطاعـه وقد اشتهر بش بالمعاكسه فكان اذا حلّـت به رغبة الكلام صمت واذا حلت به رغبة الصمت تكلم.

عن طريق تخفيف السيطره الذاتيه التى تمكنه من تطبيق برنامجه الإنضباطي الـمريـر.

وكان يدعو الى اتباع التمارين الأولى في تحقيق الثقه بالذات لإمتطاء صهوتها بإرادة الطاعه لله ورفض كل أشكال المعصيه وفي مقدمتها عدم الاستسلام لأنطباع الناس فمعاكسة هذا الانطباع, مثل معاكسة رغبات الذات ليس دليلاً على المروق بل دليل على الإيمان باإراده الحره , ذلك الإيمان الذي لا يحتاج إلى تزكية من أحد.

قال كلمه ذات معنى كبير,
حيث الاطمئنان الى حقيقة النفس العميقه بدلالتها هى لا بدلالة تصديق الناس بذلك وان ارباك انطباعات الناس والسير – بصلابه – على طريق الإهتداء الداخلي العميق , هو خطوه في بدء طريق لا نهايه لخطواته.

قال "ان استطعت ان تكون في موضع يحسبون انك لص فافعـل , وان استطعت ان تـزيد ولا تنقص "
حلية الاولياء ج8

فالحريه مرهونة بارادته الشخصيه وبقـراره هو لا بإقرار الآخرين فكان تعويل الحافي على الحريه, رفعاً للحجاب بين النفس والنفس ذلك الحجاب الذي هو مجموعه من احكام البيئه الاجتماعيه وتقاليدها الموروثه وشروطها القاسيه .

والحريه المقصوده هى التخلى عن الانسان المصنوع بالعوده الى الانسان المطبوع " يقصد الفطره " بجوهـره الانسانى الصحيح قال بشر لتلميذه السرى السقطى "ان الله خلقك حراً , فكن كما خلقك, لا تُــرائي اهلك في الحضر ولا رفقتك في السفـر , اعمل لله ودع الناس عنك ."
دائرة المعارف الاسلاميه مادة تصوف

ان اساس زهد بشرالحافي ورعه ,., وقد أقـر له الخليفه المأمون بالورع قال "لم يبق في هذه الكوره احد يُستحى منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث "
ابو عبد الرحمن السلمي

وشهد له بذلك أحمد ابن حـنـبـل .. وكان يغـتبط لتقـييم بشـر بن الحارث- في موقف ما - ويقول الحمد لله الذي ارضى بشراً بما صنعـناه

ويروى محمد ابن المثنى انه سأل أحمد بن حنبل : ما تقول في هذا الرجل ؟ فقال أي الرجال ؟ فقلت له : بشر فقال : سألتنى عن رابع سبعة من الابدال أو عامر بن قيس .
ما مثله عندى إلا رجل ركز رمحاً في الارض ثم قعد على السنان فهل ترك لأحد موضعاً يقعد فيه؟ حلية الاولياء ج2

وكان احمد بن حنبل يقول لأخت بشر " آه يا آل بشر لا عدمتكم, لا ازال اسمع الورع الصافي قبلكم " ج8

من مأثوراته الحكيمه :

يأتى على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم . .. يأتى زمان يكون [ الامر ] فيه للحمقى على الأكياس .

"اعمل في ترك التصنع ,ولا تعمل في التصنع "

لا تكون كاملاً حتى يأمنك عدوك , وكيف يكون فيك خير وانت لا يأمنك صديقك "

" الصبر الجميل الذي هو لا شكوى فيه إلى الناس "

لا تجد حلاوة العباده حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائـطاً من حديد "

" الدعاء ترك الذنوب "

" المُتقلب في جوعه , كالمُتشحط في دمه في سبيل الله , وثوابه الجنـّـه "

قال يحيى ابن أكثم ... مات بشر بن الحارث يوم الاربعاء قبل استخلاف المعتصم بأيام وشهد جنازته خلق كثير من اهل بغداد وكان نهاراً صافياً صائـفاً وكان هذا شرف الدنـيا قبل شرف الآخره يدل دلاله قاطعه على منزلة بشر وحُـب النـّاس وتقديرهم له .

ابن الجوزى صفوة الصفوه ج2
من مواضيع : ahmed1981 تيجوا نتبادل المعلومات شوية
الكنز الثمين فى الرد على المتطرفين
ربما آن الأوان للابتعاد
أروع ما قيل فى نهر النيل
الجمال
21-03-2008, 01:12 PM
ahmed1981
 
رابع و عشرون : معروف الكرخى

الشيخ معروف الكرخي ( قدس الله سره العزيز )

محرم حرم العرفان ، مأخذ الطريقة والإيقان ، شيخ أهل العلم والصوفية ، جامع الكمالات العلية لأستار الأسرار .

لقبه

الكرخي ، نسبة إلى الكرخ ببغداد .

اسمه

معروف بن الفيروزان .

كنيته

أبو محفوظ .

ولادته

في بغداد .

بداياته

يذكر أن أخاه عيسى قال ( كنت أنا وأخي معروف في الكتاب وكنا نصارى وكان المعلم يعلم الصبيان ( أب ، وابن ) فيصيح أخي معروف : أحد أحد ، فيضربه المعلم على ذلك ضرباً شديداً حتى ضربه يوماً ضرباً عظيماً فهرب على وجهه فكانت أمي تبكي وتقول : لأن رد الله عليَّ أبني معروفاً لاتبعنه على أي دين كان فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة ، فقالت له : يا بني ، على أي دين أنت ؟
قال : على دين الإسلام .
قالت : أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله .
فأسلمت أمي واسلمنا كلنا .

رواياته

روى عن داود الطائي وابن السماك وعلي الرضا وبكر بن خنيس

معاصريه

السري السقطي وأحمد بن حنبل وابن معين .

مسكنه

الكوفة ثم بغداد .

طريقته

أخذ الطريقة من طريقين :الأول : عن الشيخ داود الطائي عن الشيخ الحبيب العجمي عن الشيخ الحسن البصري عن الإمام علي .

والثاني: عن الإمام علي الرضا عن الإمام موسى الكاظم عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام محمد الباقر عن الإمام علي زين العابدين عن الإمام الحسين عن الإمام علي .

حياته كراماته

كان الشيخ معروف مجاب الدعوة وكان كثير الصيام والمجاهدة وكان كثير الكرامات ، منها : أنه كان يمشي على الماء ، فقيل له أنك تمشي على الماء . فقال : ما مشيت قط على الماء ولكن إذا هـممت بالعبور ، يجمع لي طرفاها فاتخطاها .
وعن إبراهيم بن الاطرش قال : كان معروف الكرخي قاعداً على دجلة ببغداد ، إذ مرّ بنا احداث في زورق يضربون الملاهي ويشربون ، فقال له اصحابه : أما ترى أن هـؤلاء في هـذا الماء يعصون الله ؟ ، ادع عليهم .

فرفع يده إلى السماء وقال : الهي وسيدي ، أسألك أن تفرحهم في الجنة كما فرحتهم في الدنيا . فقال له أصحابه ، ألم قلنا لك ادع عليهم ، لم نقل لك ادع لهم . فقال : إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم شيء .

عن عامر بن عبد الله الكرخي أنه قال : كان في جواري نصراني فقال لي : ما حصلت من عمري ثمرة ولا ولد لي فأنطلق إلى ولي ليهب لي ربي ولداً فأتيت به إلى مجلس معروف الكرخي فذكرت حاله ، فكلفه أولا بالإسلام فقال النصراني : ما تقدر على إسلامي بغير هـداية الله تعالى . فدعا الشيخ ورفع كفيه وقال : اللهم أنى أسألك أن ترزقه ولداً يكون باراً بوالديه ويكون سبب إسلامهما . فاستجاب الله دعوة الشيخ ، وولد له ولد فشب وصار لايقاً للتعليم فأجلسه أبوه عند معلم ، فقال المعلم : القلب ما أقول ، فقال الولد : لساني عن التثليث معقول وقلبي بحب الواحد مشغول . فقال المعلم : حصل الذي عليه ملتك ودع الذي لا دليل له فإن لساننا كليل عن ذلك . فلما ابتدأ بحروف الهجاء قفا كل حرف بتوحيد الله تعالى فوافق التوفيق المعلم فأجرى كلمة الشهادة في قلبي وذهب بالصبي إلى أبويه ووصف لهما فطنته وذكاءه وكمال عقله واستدلاله ودعاهما للاسلام فكسرا الصليب واسلما وتبعهما قدر خمسمائة نفس للاسلام . فهذا ببركة رعاية وفيض انفاسه لذلك الصبي .

وفاته

توفى ببغداد سنة 200 هـ وقبره يزار ، ويقال عنه قبر معروف ترياق مجرب (1) .

--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش : [1]- جواد المرابط – التصوف والامير عبد القادر الحسيني الجزائري – ص 55 –57 .
- ابن الجوزي - صفة الصفوة – ج 2 – ص 210 – 214 .
- الشيخ عبد الرؤوف المناوي - الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية – ج 1 – ص 268 – 269.
- مرتضى بن محمد آل نظمي البغدادي – تذكرة الأولياء –ص 160 – 163 .



سيدي معروف الكرخي

كما تشرق الشمس بعد ظلمة الليل بالسنا الوضاء لتغمر آفاق الكون بالضياء يشرق نور المعرفة في قلب الولي بعد انقشاع الحجب التي كانت تحول بينه وبين مصدر الاستشراف . فأذا بجوهر العبد يتحول من إنيته الترابية إلى روح نيرة وشفافة متصلة بالله واذا بتلك الروح تصفو وتترقى في معاريج الصفاء في رحلة النور الى منتهى الغايات وان الى ربك المنتهى .
وممن أنتهت غاياتهم الى الله وشربت أرواحهم من معين الحب الإلهي الإمام العارف : سيدي أبو محفوظ معروف الكرخي .

فهو أحد من حظوا من الله تعالى بموفور العناية وكمال الرعاية فجالت أرواحهم في ملكوت الله سابحة في النور الإلهي عابدة أوابة تستمطر الفيوضات الربانية وتستلهم اللطائف الرحمانية , إنهم جنود الله وحراسه على شريعته وطريقته وحقيقته .
وسيدي معروف هو شيخ التصوف بالعراق في عصره , وقد أنتهه اليه تربية المريدين وإمامة المربين , وقد شهد له مشايخ عصره بأنه لم يكن في زمنه من يربي المريدين مثله . وناهيك بمن هو شيخ للسري السقطي الذي هو شيخ الإمام الجنيد سيد الطائفة الصوفية لذا فهو يعتبر بحق شيخا للسلسلة الصوفية التي نهلت من نبع آل البيت واستمدت من أنوارهم ضياءها .


فسيدي معروف هو واسطة العقد النفيس بين ال البيت وأقطاب التصوف , وقد امتدت حياته في القرن الثاني حتى نهايته حيث أرخ لوفاته بسنة مائيتن أو احدى أو اربع ومائتين هـ والاول هو الصحيح كما حققه الذهبي .

ولقد كانت حياة سيدي معروف وقفا على طاعته لربه وعبوديته الصادقة لله فلم تشبها رائحة الدنيا , ولم يكن فيها متسع لمأرب آخرسوى الاتصال بالله فقد نذر حياته لله تعالى ولم يأل جهدا في وفائه بحق هذا النذر فلم تسترع الدنيا منه ادنى التفاتة , لانه أدرك انها دنيا , ومن تعلق بها قلبه فهو دني الهمة آبق من سيده , فار من ساحة الميدان .

وحينما نتصفح سيرة الإمام الكرخي نقف في السطور الاولى من تاريخ حياته على احداث عدة تلقى أضواءها على هذه الشخصية الفذة التي توافرت لها سبل الرعاية الإلهية والعناية الربانية .

فلقد ولد من أبوين كانا يعتنقان النصرانية وما أن بدأ يستقبل بواكير صباه حتى أسلمه أبواه للمعلم ليلقنه تعاليم النصرانية . فأخذه وصار يقول له قل : ثالث ثلاثة.

فيقول له : بل إله واحد , فيكرر عليه المعلم قولته , وتصمد الفطرة المؤمنة أمام كلمة الكفر حتى لم يجد المعلم بدا من اللجوء الى القوة والاكراه فضربه ضربا مبرحا ليكرهه على دينه جبرا وتعسفا فهرب سيدي معروف منه ومن أبويه , او بالاحرى فر الى ربه , فألقت به العناية الالهية في احضان بيت النبوة إذ التقى بفرع الدوحة النبوية سيدي علي بن موسى الرضا وعنا به . فتلقنه يَدُ حانية لتمسح عنه آلامه ثم لتغسل عنه أدرانه ثم لتملأ قلبه بالنور , فعب من نبع الهدى والصفا وشرب من منهل الحنيفية السمحاء , ولما أفتقد والداه صارا يقولان : ليته يرجع الينا على أي دين شاء فنوافقه عليه . وذات يوم دق الباب . فقيل من ؟
قال معروف .
فقالا له :على أي دين انت ؟

فقال :على الاسلام . فأسلم أبواه . وبذا سجل العارف معروف أول فتح للاسلام على يديه مبتدئا بأبويه , وحين اخذ مفتاح فتوحه من سيدي علي الرضا كان قد بدأ حياة جديدة قوامها الجهاد الاكبر وهو جهاد النفس في طاعة الله واقتفاء أثر السلف الصالح وتزود لكل ذلك بالعلم فتضلع منه حتى كان مرجعا للائمة في عصره فقد ذكر الإمام الغزالي ان الإمام احمد بن حنبل كان يختلف اليه هو وابن معين ويسالانه ولم يكن في علم الظاهر مثلهما – فيقال لهما :مثلكما يفعل ذلك , فيقولان كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله وقد قال المصطفى سلوا الصالحين .

وكان الإمام الكرخي ذا رواية في الحديث , ويذكر الحافظ ابو نعيم ان من مسانيد حديثه هذا الحديث الذي رواه عن عبد الله بن موسى عن عبد الاعلى بن أعين عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن السيدة عائشة فقالت قال رسول الله الشرك أخفى في امتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه ان تحب على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل . وهل الدين الا الحب في الله والبغض في الله ؟ قال الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .

وكان الإمام معروف الكرخي – وهو شيخ وامام في علوم القوم- ذا منهج خاص في التربية الصوفية ويتضح هذا المنهج من تتبع أقوله الماثورة في التصوف والتي تنبئ عن علو قدمه في ميدان المعرفة .

فقد سئل سيدي معروف عن حقيقة الوفاء فقال , حقيقة الوفاء : إفاقة السر عن رقدة الغفلات وفراغ الهم من فضول الافات .
وخلاصة جوابه هي تخلية السر لله وتصفية القلب من الغفلة ومن كل ما من شأنه ان يشغل عن الله .
وسئل : بم تخرج الدنيا من القلب ؟

فقال : بصفاء الود وحسن المعاملة . وللصفاء علامات ثلاث , وفاء بلا خلاف وعطاء بلا سؤال ومدح بلا جود .
ويقول : ( وعلامة الأولياء ثلاثة : همومهم لله , وشغلهم فيه وفرارهم اليه )

وساله ابو سليمان الداراني عن الطائعين بأي شيء قدروا على الطاعة ؟

فقال : بأخراج الدنيا من قلوبهم , ولو كان منها شيء في قلوبهم ما صحت لهم سجدة ) !! .

ارأيت الى هذا المعراج السامي في مراقي الحقائق ؟ ان الإمام معروف الكرخي لم ينطق بهذه الكلمات الا بعد ان تحقق بها , لذلك فان كلماته تنفذ الى القلب لانها من القلب ولانها صدرت عن اخلاص لله وبغير ذلك لا يمكن ان تثمر الكلمات . ولقد ترجم سيدي معروف سلوكه مع الله في هذه الكلمات التي فيها غذاء القلب وقوت الروح .

انه يقول : ( توكل على الله حتى يكون هو معلمك ومؤنسك وموضع شكواك , ويكن ذكر الموت جليسك لا يفارقك ) .
ان من يفعل ذلك فقد صار محلا لولاية الله وهنا تتنزل عليه الرحمات وتفيض عليه الالهامات وتخرق له العادات لانه صار ربانيا يسمع بالله ويبصر بالله ويفعل كل شيء بالله ويفعل كل شيء بالله ولانه جاهد في الله حق جهاده . ومما وقع لسيدي معروف من الكرامات ما رواه صاحب الحلية عن ابراهيم بن عبد الله بن اسحق عن محمد بن اسحق النقنى قال سمعت ابا سليمان الرومي يقول سمعت خليلا الصياد يقول : غاب ابني محمد فجزعت امه جزعا شديدا فأتيت معروفا فقلت : يا أبا محفوظ .

قال : ما تشاء ؟
قلت :- ابني محمد غاب وجزعت امه جزعا شديدا فادع الله ان يرده عليها .
فقال : اللهم ان السماء سماؤك والارض أرضك وما بينها لك فأت به .
قال خليل : فأتيت باب الشام فاذا ابني محمد قائم منبهر.
قلت : محمد ؟
قال :- يا أبت كنت الساعة بالانبار !!

وليس عجيبا ان يجيب الله دعاء من أطاعه مهما كان خارقا للعادة , وليس عجيبا أن تخرق العادة لمن خرج عن مالوف عادته بجهاده لنفسه في طاعة الله بل أن خرقه للعادة أقل القليل بالنسبة لعطاء هؤلاء الصفوة الخواص , انهم أهل الحضرة الالهية وضنائن الله في خلقه .

يقول العارف السري السقطي ( رايت معروفا الكرخي في النوم كانه تحت العرش والباري جلت قدرته يقول لملائكته : من هذا ؟ ووهم يقولون انت أعلم يا ربنا منا فقال هذا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق الا بلقائي !!)

هذه هي منزلة سيدي معروف قد أراها الله لخليفته سيدي السري الذي أخذ عنه الطريق . ومنازل الاولياء في الحقيقة لا يعلمها الا الله وانما هي اشارات تقربنا منهم وتدلنا عليهم وتخبرنا بمدى صدقهم مع الله .

ولقد عرف الصوفية الطريق الى الله تعالى فسلكوه ولم يلتفتوا عنه طرففة عين وحسبنا من العلم وبمنازلهم أنهم آثروا الله على كل شيء فمنحهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

ان الإمام العارف سيدي معروفا الكرخي قد أجمعت آراء صفوة العارفين على إمامته في علوم القوم وعلى انه كان فريدا في عصره علما وذوقا وسلوكا وشرب من واحة آل البيت حتى أرتوى وأروى وفاضت من ينبوع معرفته لطائف الاشارات التي قادت قلوبا وارواحا الى الله تعالى وهو الذي استغرقت محبة الله روحه وانفاسه فعاش عيشة الابرار ولقى ربه مع المصطفين الاخيار ورضي عنا به وأمدنا ببركاته دنيا وآخرة آمين , لقد كان الإمام معروف كما قال الحافظ الذهبي في صدارة ترجمته ( علم الزهاد . بركة العصر ) ولا يدلك على العارف الا عارف مثله .

فقد روى عن سيدنا سفيان بن عينية انه قال لمعاصره اسماعيل بن شداد : ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد ؟
فقال من هو ؟
قال : أبو محفوظ معروف .
قال : بخير .
فقال الإمام سفيان الثوري : ( لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقى ) .

كما ذكر الحافظ الذهبي من كرامات سيدي معروف ان ابن شيرويه قال : قلت لمعروف : بلغني أنك تمشي على الماء .
فقال له ما وقع هذا , ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر فاتخطاه .

ان سيدي معروفا ممن لهم جاه عظيم يتوسل به الى الله , فقد روى الإمام القشيري انه قال لمريده الإمام السري السقطي ( إذا كانت لك حاجة الى الله فاقسم عليه به ) !!

الا وان جاهه عند الله لم ينقطع بوفاته , فقد قال أبو عبد الرحمن السلمي في ترجمته : ( وهو من جلة المشايخ وقدمائهم و والمذكورين بالورع والفتوة كان استاذ السري السقطي : صحب داود الطائي , وقبره ببغداد ظاهر يستشفى به ويتبرك بزيارته ) . ثم روى عن ابراهيم بن الجوزي انه كان يقول ( قبر معروف الترياق المجرب ) وقد من الله على فقيره مؤلف هذا الكتاب بزيارة مقام الإمام معروف الكرخي ببغداد سنة 1990 م حيث كان في مؤتمر للمجلس الاعلى للشئون الإسلامية , افاض الله علينا ببركاته وحشرنا في زمرته .





ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ



هو ابومحفوظ معروف الكرخي واسم ابيه فيروز او الفيرزان واصله من نهربان من قرى واسط .كان معروف من المشهورين بالصلاح في دينه ومشهورا با لاجتهاد في العباده والورع والزهادة وكان الناس في زمانه وبعد مضيه يتحدثون بسبيله انه مستجاب الدعوه وصاحب الكرامات

عاصر هارون الرشيد وصاحب داود بن نصير الطائي وصحبه وتتلمذ عليه السري السقطي فهو استا ذه وكان محدثا سمع الحديث من اعاظم شيوخ عصره .لزم معروف عليا الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق رضي الله عنهم وكان من مواليه واسلم على يديه وعاش مع ابنائه وتلقى علم اهل البيت فنال من ذلك حظا وافرا حتى عرف بلسان اهل البيت المبين ثم لقب بامام بغداد وزاهدها

علم معروف بان المسلم الحق قوة دافعه ودوامه متحركه نحو موراد الخير وان وقوفه على هامش الحياة يسلبه صفه المسلم فيقول (( ان الوالي لايكون الا اذا قام بواجبه حيال الامه الاسلاميه مصلحا لامورها مفرجا لهمومها وكروبها راحما لافرادها )) .كان معروف الكرخي رضي الله عنه مباركا في حياته فقد سبقت له الحسنى ومن اياته انه كان مجاب الدعوه كما بشره ابن السماك

فكان اهل بغداد يهرعون اليه عند الاحداث والملمات يسالونه الدعاء وكان غالب دعائه لجميع المسلمين يرجو لهم الخير ويدعو لهم الصلاح فيقول (( ان من صالح الدعاء ان يدعو الانسان للامه المحمديه مع كل ذكر وتسبيح))ومن اروع ما كان يدعو ابه الدعاء (( اللهم لاتجعلنا بثناء الناس مغرورين ولا بالستر منك مفتونين اجعلنا ممن يومن بلقائك ويرضى بقضائك ويقنع بعطائك ويقنع بعطائك ويخشاك حق خشيتك اللهم اوف ظنون المسلمين فينا ووفقنا لوفاء ظنونهم واجعلنا خيرا مما يظنون ولاتواخذنا بما يقولون انت تعلم وهم لايعلمون )) وعن محمد بن منصور الطوسي قال سمعت معروف الكرخي يقول (( اللهم اجعلنا صادقين حتى نكون صالحين)) وعن القاسم بن محمد البغدادي قال :كنت جار معروف الكرخي وفي ليلة في السحر سمعته يبكي وينشد :


اي شي تريد مني الذنوب شغفت بي فليس عني تغيب

ما بضر الذنوب لو اعتقتني رحمة لي فقد علاني المشيب





ذكر مرضه ووفاته


عن ابي بكر الزجاج يقول (( قيل لمعروف الكرخي ماذا توصي ؟ فقال اذا مت فتصدقو ا بقميصي هذا فاني احب ان اخرج من الدنيا عريا نا كما دخلت اليها عريانا)) عن ابي عبدالله احمد بن هارون قال مات ابو نواس فا خرجت جنازته وجنازة معروف في يوم واحد فخرج الناس مع جنازة معروف ولم يخرج مع جنازة ابي نواس غير رجل واحد فلما رجع الناس من جنازة معروف راوا جنازة ابي نواس فسالوا عنه فقالوا : الحسن بن هاني فما التفت احد منهم عليه فقال يعني القائل اليس قد جمعنا واياه الاسلام ولعل باطنه كان اجمل من ظاهره فلا تؤيسوه من رحمة الله فرجع الناس فصلوا عليه)) عن ابي القسم النصري قال حدثني ابي قال (( بلغني انه صلى على معروف ثلئمائة الف انسان فاطلع عليهم راهب من الدير فقال لو ان احدكم فعل فعله لكان مثله))

مات معروف رضي الله عنه ببغداد سنة مائتين للهجره ((816م)) ودفن في مقبرة (( باب الدير)) فشيد فوق قبره مقام ثم مسجد
رؤي معروف في المنام بعد موته فقيل له ما صنع الله بك فقال


موت التقي حياة لانقطاع لها
قد مات قوم وهم في الناس احياء



سيدنا السري السقطي خال سيدنا الجنيد يقول ذهبت الى معروف الكرخي وقلت له ياامام اقرأ على قلبي او ادعوا الله لي ان يخرج من قلبي حب الدنيا يقول فقرأ على قلبي فما رفع يده عن قلبي الا وخرجت الدنيا من قلبي

وفي كتاب طبقات الحنابلة

حكى إسماعيل بن شداد قال: قال لنا سفيان بن عيينة من أين أنتم قلنا من أهل بغداد قال: ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم قلنا من هو قال: أبو محفوظ معروف قال: قلنا بخير قال: لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم.

وقال إمامنا أحمد للمروذي إذا أخبرت عن معروف بشيء من أخبار السماء فاقبله.

ومعروف كان أستاذ سري السقطي وصحب معروف داود الطائي، وقال إبراهيم الحربي قبر معروف الترياق المجرب.
وقال عبد الله بن العباس الطيالسي قال: لي ابن أخي معروف قال: لي عمي معروف إذا كان لك إلى الله حاجة فتوسل إليه بي.

وقال عبد الوهاب الوراق ما رأيت أحداً أخوف لله عز وجل من معروف الكرخي وعن واضحة معرف كلام العبد فيما لا يغنيه خذلان من الله له.

وقال محمد بن منصور مضيت يوماً إلى معروف ثم عدت إليه من غد فرأيت في وجهه أثر شجة فهبت أن أسأله عنها وكان عنده رجل آخر أجرأ عليه مني فقال: يا أبا محفوظ كنا عندك البارحة ومعنا محمد بن منصور فلم نر في وجهك هذا الأثر فقال: له معروف خذ فيما نحن فيه وما تنتفع به فقال: له أسألك بالله فانتفض معروف وقال له ويحك وما حاجتك إلى هذا مضيت البارحة إلى البيت الحرام فصليت ثم عشاء الآخرة ثم صرت إلى زمزو فشربت منه فزلت قدمي فنطح وجهي الباب فهذا الذي تراه من ذلك.

وقال رجل لمعروف أوصني. فقال: توكل على الله، وأكثر ذكر الموت حتى لا يكون لك جليس غيره، واعلم أن الشفاء من البلاء إذا نزل بك: كتمانه، وأن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك، ولا يعطونك ولا يمنعونك.

وقال معروف: إذا كان يوم القيامة أنبت الله عز وجل لأقوام من المؤمنين أجنحة في قبورهم فإذا نفخ في الصور طاروا من قبورهم فصاروا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون لهم من أنتم فيقولون نحن المؤمنون نحن من أمة محمد نحن من أمة القرآن فيقولون لهم هل رأيتم الصراط فيقولون لا فيقولون هل رأيتم الجمع فيقولون لا فيقولون هل رأيتم الجليل عز وجل فيقولون قد رأينا نوره.
من مواضيع : ahmed1981 قصة عيد الشرطة
الدكتور أحمد قدرى
الأمويون و الاستبداد
الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران
مخالفات الحى الثانى عشر بمدينة 6 أكتوبر
21-03-2008, 01:12 PM
ahmed1981
 
خامس و عشرون: حاتم الأصم

حاتم الأصم: هو أبو عبد الرحمن حاتم بن علوان المعروف بالأصم من أكابر مشايخ خرسان، كان تلميذ شقيق البلخي وأستاذ أحمد بن خضرويه، ويقال: إنّه لم يكن أصم وإنّما تصامم مرة فسمي بذلك.

قال الأستاذ أبو الدقاق رحمه الله تعالى: "جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة فاتفق أنّه خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت فقال حاتم: ارفعي صوتك، فأرى من نفسه أنّه أصم، فسرّت المرأة بذلك، وقالت: إنّه لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الأصم".

حكي أن حاتما الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن

يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل. فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم
فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده فجلس معهم يحدثهم، ثم
قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم،
ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا
تملك شيئا، ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان
له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له، ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث
شاء فإنه مناول الرز ق، وليس براز ق، فذكرتهم ذلك. فقالوا: صدقت والله هذه
الصغيرة يا أبانا، انطلق حيث أحببت. فقام من وقته وساعته واحرم بالحج، وخرج
مسافرا وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم، كيف أذنوا له بالحج،
وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة، ويقولون: لو
سكت ما تكلمنا. فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت
القوم بفضلك، وأنك لا تضيعهم، فلا تخيبهم ولا تخجلني معهم. فبينما هم على هذه
الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدا فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد
فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من
أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم. فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: الهي
وسيدي سبحانك، البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم
أنها أخذت كوزا (وعاء صغير للشرب) جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها:
اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه
الدار لأمير، فقال: لا والله، بل لعبد من عباد الله الصالحين عرف بحاتم الأصم.
فقال الأمير: لقد سمعت به. فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة احرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله
شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا. فقال الأمير: ونحن أيضا قد ثقلنا
عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم. ثم حلّ الأمير منطقته
من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني فليلقِ منطقته، فحل جميع
أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم ثم انصرفوا. فقال الوزير السلام عليكم أهل
البيت لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما نزل الأمير رجع إليهم الوزير،
ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا، واستردها منهم. فلما رأت الصبية الصغيرة
ذلك بكت بكاء شديدا فقالوا لها: ما هذا البكاء إنما يجب أن تفرحي، فإن الله
وسع علينا. فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر
إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا
يكلنا إلى احد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا ودبره بأحسن تدبير. هذا ما كان
من أمرهم.

وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم فإنه لما خرج محرما، ولحق بالقوم توجع أمير
الركب، فطلبوا له طبيبا فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح؟ فدلّ على حاتم، فلما
دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما
يشرب. فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح
معاملته أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على
الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقاه أولاده فعانق الصبية الصغيرة وبكى ثم
قال: صغار قوم كبار قوم آخرين وإن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى
أعرفكم به فعليكم بمعرفته والاتكال عليه، فإنه من توكل على الله فهو حسبه......
اللهم ارني حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك يا ألله......


روى عن شقيق البلخي انه قال لحاتم الاصم : قد صحبتني مدة ...فماذا تعلمت ؟

قال : ثمان مسائل :

أما الاولى : فاني نظرت الى الخلق ... فاذا كل شخص له محبوب ,فاذا وصل الى القبر فارقه محبوبه ... فجعلت محبوبي حسناتي لتكون معي بالقبر .

والثانيه : فاني نظرت الى قوله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى ) فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعه الله .

والثالثه : فإني رأيت كل من معه شيئ له قيمة عنده يحفظه .. فنظرت إلى قوله تعالى ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ) فكلما وقع معي شيئ له قيمة وجهته إلى الله ليبقى لي عنده .

والرابعه : فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ... وليست بشيء .. فنظرت الى قوله تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) فعملت بالتقوى حتى أكون عند الله كريما .

والخامسه : فإني رأيت الناس يتحاسدون , فنظرت إلى قوله تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) فتركت الحســـــــد .

والسادسة : رأيت الناس يتعادون , فنظرت إلى قوله تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) فتركت عداوتهـــم ,واتخذت الشيطان وحده عــدوا .

والسابعة : رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق , فنظرت إلى قوله تعالى ( وما من دابة على الارض إلا على الله رزقها ) فاشتغلت بما له علي , وتركت ما لي عنـــــــده .

والثامنة : رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحه أبدانهم , فتوكلت على الله .. ( فإذا عزمت فتوكل على الله )



وصية حاتم الاصم (رحمه الله) حيث ساله سائل عن صلاته فقال... اذا حانت الصلاة:

ـ اسبغت الوضوء.

ـ واتيت الموضع الذي اريد الصلاة فيه.

ـ فاقعد فيه حتى تجتمع جوارحي.

ـ ثم اقوم الى صلاتي.

ـ واجعل الكعبة بين حاجبي.

ـ والصراط تحت قدمي.

ـ والجنة عن يميني.. والنار عن شمالي.

ـ وملك الموت ورائي.

ـ واظنها اخر صلاتي.

ـ ثم اقوم بين الرجاء والخوف.

ـ واكبر تكبيرا بتحقيق.

ـ واركع ركوعا بتواضع.. واسجد سجودا بتخشع.



وقال حاتم الأصم :

كان يقال العجلة من الشيطان الا في خمس :
إطعام الضيف إذا حل.
وتجهيز الميت إذا مات .
وتزويج البكر إذا أدركت .
وقضاء الدين إذا حل ووجب .
والتوبة من الذنب إذا وقع .
من مواضيع : ahmed1981 فرعون و موسى
أعلام الإفتاء فى مصر
كتب الفيلسوف الألمانى العظيم فريدريك نيتشه
أنبياء الله فى الاسلام
دافع عن العراق .. صورة معبرة أعجبتنى
21-03-2008, 01:14 PM
ahmed1981
 
سادس و عشرون: سرى السقطى

مع العارفين




السري بن المغلس السقطي




يكنى أبا الحسن خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه .



( الدعاء المستجاب )

دعا له معروف الكرخي رحمه الله وقال أغنى الله قلبك فوقع الزهد في قلبه حينئذ .

عن أبي القاسم سليمان بن محمد الضراب قال حدثني بعض أخواني أن سريا السقطي مرت به جارية معها إناء فيه شيء فسقط من يدها فإنكسر فأخذ سري شيئا من دكانه فدفعه إليها بدل ذلك الإناء فنظر إليه معروف الكرخي فأعجبه ما صنع فقال له معروف بغض الله إليك الدنيا .

وعن مظفر بن سهل المقري قال سمعت علان الخياط وجرى بيني وبينه مناقب سري السقطي فقال علان كنت جالسا مع سري يوما فوافته امرأة فقالت يا أبا الحسن أنا من جيرانك أخذ ابني الطائف وأنا أخشى أن يؤذيه فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه .

قال علان فتوقعت أن يبعث إليه فقام وكبر وطول في صلاته فقالت المرأة يا أبا الحسن الله الله فيَّ !! هو ذا أخشى أن يؤذيه السلطان فسلم وقال لها أنا في حاجتك .

قال علان فما برحت حتى جاءت إمرأة إلى المرأة فقالت الحقي قد خلوا ابنك .



( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ )


قال علان وأي شيء يتعجب من هذا اشترى كرلوز بستين دينارا وكتب في روزنامجة ثلاثة دنانير ربحه فصار كراللوز بتسعين دينارا فأتاه الدلال وقال أريد ذاك اللوز فقال خذ فقال بكم قال بثلاثة وستين دينارا قال له الدلال إن اللوز قد صار الكر بتسعين فقال له قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله ليس أبيعه إلا بثلاثة وستين دينارا فقال له الدلال إني قد عقدت بيني وبين الله تعالى لا أغش مسلما لست أخذ منك إلا بتسعين دينارا فلا الدلال اشترى منه ولا سري باعه فكيف لا يستجاب دعاء من هذا فعله .



( حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه ... )


وعن إبن أبي الورد قال دخلت على سري السقطي وهو يبكي ودورقه مكسور فقلت مالك قال إنكسر الدورق فقلت أنا أشتري لك بدله فقال لي تشتري بدله وأنا أعرف من أين الدانق الذي تشتري به الدورق ومن عمله ومن أين طينه وأي شيء أكل عامله حتى فرغ من عمله .

وعن سعيد بن عثمان قال سمعت سري بن المغلس يقول غزونا أرض الروم فمررت بروضة خضرة فيها الخيار وحجر منقور فيه ماء المطر فقلت في نفسي لأن أكلت يوما حلالا فاليوم فنزلت عن دابتي وجعلت آكل من ذلك الخيار وشربت من ذلك الماء فإذا هاتف يهتف بي يا سري النفقة التي بلغت بها إلى ها هنا من أين .

وعن الجنيد قال سمعت سري بن المغلس يقول أشتهي منذ ثلاثين سنة جزرة أغمسها في الدبس وآكلها فما يصح لي
وعن حسن المسوحي قال دفع إلي سري السقطي قطعة فقال اشتر لي باقلي من رجل قدره داخل الباب فطفت الكرخ كله فلم أجد إلا من قدره خارج الباب فرجعت إليه فقلت خذ قطعتك فإني لا أجد إلا من قدره خارج

وعن أبي عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي قال سمعت سريا السقطي يقول إني لأذكر مجيء الناس إلي فأقول اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني فإني لا أريد مجيئهم ولا أن يدخلوا علي

وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السري السقطي ودققت عليه الباب فقام إلى الباب فسمعته يقول اللهم اشغل من يشغلني عنك بك

قال إبن المقري وزادني بعض أصحابنا عنه أنه قال فكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة على رجلي من حلب ذاهبا وراجعا

وعن جنيد قال دخلت على سري وهو جالس يبكي وبين يديه كوز مكسور فجلست حتى سكت فقلت ما يبكيك قال كنت صائما فجاءت ابنتي بكوز فيه ماء فعلقته هناك فقالت يبرد لك لتفطر عليه فحملتني عيني فرأيت كأن جارية قد دخلت علي من هذا الباب عليها قميص فضة وفي رجليها نعلان لم أر قدما قط في نعل أحسن منهما فقلت لها لمن أنت قالت لمن لا يبرد الماء في الكيزان الخضر وضربت بكمها الكوز فرمت به وهو هذا ثم إنتبهت
قال جنيد فمكثت أختلف إليه مدة طويلة أرى الكوز بين يديه مكسورا عليه التراب وهو لا يرفعه .
وعنه قال قال لي سري إن أمكنك ألا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل قال لي الجنيد وهكذا كانت آلة بيته وسمعت سريا يقول رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل قال وكان سري إذا جن عليه الليل دافع أوله ثم دافع ثم دافع فإذا غلبه الأمر أخذ في النحيب والبكاء



( التواضع )


جعفر بن محمد بن نصير يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري قال ما أرى لي على أحد فضلا قيل ولا على المخنثين قال ولا على المخنثين .



( زمان العزلة )


قال السلمي وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا عمر الأنماطي يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السري يقول من أراد أن يسلم دينه ويستريح قلبه وبدنه ويقل غمه فليعتزل الناس لأن هذا زمان عزلة ووحدة .
وعن الجنيد بن محمد قال سمعت سريا يقول لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج .



( الدنيا فضول إلا ..... )


وعن عبدوس بن القاسم قال سمعت السري يقول كل الدنيا فضول إلا خمس خصال خبز يشبعه وماء يرويه وثوب يستره وبيت يكنه وعلم يستعمله .



( معرفة وعلم )


وعن علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السري يقول من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم ومن هانت عليه المصائب أحرز ثوابها .



( بين السُنّة والبدعة )


وعنه قال سمعت السري يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة كيف يقل عمل مع تقوى .




( ابدأ بنفسك )


وسمعته يقول أقوى القوة غلبتك نفسك ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز ومن أطاع من فوقه أطاعه من دونه ومن خاف الله خافه كل شيء .


( المغبون !! )


فقال إن إغتممت بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من عمرك .


( الغافل الأعمى )


وقال من قلة الصدق كثرة الخلطاء ومن علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس .


( علامات .... )


وعنه قال سمعت السري يقول أجلد الناس من ملك غضبه ، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله ، ولن يكمل رجل حتى يؤثر دينه على شهوته ، ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه .


( لا تكشف الستر عنا )


وعن الجنيد قال سمعت سريا يقول ما أحب أن أموت حيث أعرف أخاف ألا تقبلني الأرض فأفتضح .


( كما حسنت خلقي حسن خلقي )


وقال سمعت سريا يقول إني لأنظر إلى أنفي في كل يوم مرتين مخافة أن يكون قد اسود وجهي .


( لباس الشهرة )


أحمد بن عبد الله قال أخبرني جعفر بن محمد في كتابه قال سمعت الجنيد قال سمعت السري بن مغلس يقول لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل علي فقلت بلحيتي كذا وأمر يده على لحيته كأنه يريد تسويتها من أجل دخول الداخل لخفت أن يعذبني الله على ذلك بالنار .


( الشهوة العزيزة )


وسمعته يقول أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة ولا لمخلوق علي فيها منة فما أجد إلى ذلك سبيلا .


( كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ )


وسمعته يقول اللهم ما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب


( المرابطون )


وسمعته يقول إذا فاتني جزء من وردي لا يمكنني أن أقضيه أبدا .
وعن جنيد قال سمعت سريا يقول إذا فاتني شيء من وردي لم أقدر أن أعيده .
قال جنيد كان سري متصل الشغل وكان إذا فاته شيء لا يقدر أن يعيده وكذا كان عمر بن الخطاب لم يكن له وقت ينام فيه فكان ينعس وهو قاعد فقيل له يا أمير المؤمنين ألا تنام فقال كيف أنام إن نمت بالنهار ضيعت أمور المسلمين وإن نمت بالليل ضيعت حظي من الله عز وجل .
وعن الجنيد قال ما رأيت أعبد لله من السري السقطي أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت .


( الطريق القويم )


وسمعته يقول إذا ابتدأ الإنسان ثم كتب الحديث فتر وإذا ابتدأ بكتبه الحديث ثم تنسك نفذ .


( المريض الغريق )


وذكر له أهل الحقائق من العباد فقال أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى .


( الحذر .. الحذر )


وسمعته يقول احذر لا تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا .


( علامة الإخلاص )


وسمعته يقول وقد ذكر الناس فقال لا تعمل لهم شيئا ولا تترك لهم شيئا ولا تعط لهم شيئا ولا تكشف لهم عن شيء يريد بهذا أن تكون أعمالك كلها لله تعالى .


( بم يعرف الشيوخ ؟ )


قال وسمعت الحسن البزار يقول سألت أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء قلت بلى فقال هو على سترة عندنا قبل أن يخرج .
وقد كان السري يكثر من ذكر طيب الغذاء وتصفية القوت وشدة الورع حتى انتشر ذلك وبلغ أحمد بن حنبل .


( اغتنم خمسا ً )


قال الجنيد وكان السري يقول لنا ونحن حوله أنا لكم عبرة يا معشر الشباب أعملوا فإنما العمل في الشبيبة .


( من الناس ؟ )


وكان يقول من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما إنزجر النصف الآخر ولا أحسبني إلا منهم .
هذا ويقول الجنيد : ما رأيت أعبد لله من السري السقطي أتت عليه ثمان وسبعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت !!!! .


( بين السابقة والخاتمة )


وسمعت السري يقول قلوب المؤمنين معلقة بالسوابق وقلوب الأبرار معلقة بالخواتيم هؤلاء يقولون بماذا يختم لنا وأولئك يقولون ماذا سبق من الله لنا .


( العصفور الواعظ )


وعن أبي عباس المؤدب قال دخلت على سري السقطي يوما فقال لأعجبنك من عصفور يجيء فيسقط على هذا الرواق فأكون قد أعددت له لقيمة فأفتها في كفي فيسقط على أطراف أناملي فيأكل فلما كان في وقت من الأوقات سقط على الرواق ففتت الخبز في يدي فلم يسقط على يدي كما كان ففكرت في سري ما العلة في وحشته مني فوجدتني قد أكلت ملحا مطيبا فقلت في نفسي أنا تائب من الملح المطيب فسقط على يدي فأكل وانصرف .


( الأخسرين أعمالاً !! )


وعن أبي عبيد بن حربويه قال سمعت السري السقطي يقول من النذالة أن يأكل الإنسان بدينه .


( المحاسب الحيي )


وعن علي بن عبد الحميد قال سمعت السري السقطي يقول من حاسب نفسه إستحيا الله من حسابه .




( التاجر الكيّس والتاجر العاجز )


وسمعته يقول من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل .
وعن إبراهيم بن السري السقطي قال سمعت أبي يقول عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبدا .



( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ )


وعن أبي عبيد بن حربويه قال سمعت سريا السقطي يقول سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أودائه لأنه لم يرضها لهم .



( انقطاع واتصال )


وعن أحمد بن محمد الصوفي قال سمعت السري بن مغلس يقول انقطع من انقطع عن الله بخصلتين واتصل من اتصل بالله بأربع خصال فأما من انقطع عن الله فإنه يتخطى إلى نافلة بتضييع فرض والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطىء عليه صدق القلوب وأما الذي إتصل به المتصلون فبلزوم الباب والتشمير في الخدمة والصبر على المكاره وصيانات الكرامات .



( الشغل المنسي )


وسمعته يقول إن في النفس لشغلا عن الناس .



( حب لأخيك ما تحب لنفسك )


وعن محمد بن علي الحربي قال سمعت سريا يقول حمدت الله مرة وأنا أستغفر الله من ذلك الحمد منذ ثلاثين سنة قيل وكيف ذلك قال كان لي دكان وكان فيه متاع فوقع الحريق في سوقنا فقيل لي فخرجت أتعرف خبر دكاني فلقيت رجلا فقال أبشر فإن دكانك قد سلم فقلت الحمد لله ثم أفكرت فرأيتها خطيئة .



( حلّ أو ارتحل )


وعن الجنيد بن محمد قال دخلت على سري السقطي فسلمت وجلست فقال لي إقرب مني فقربت منه فأخذ بيدي وقال لي إعلم يا بني أن الشوق والأنس يرفرفان على القلب فإن وجدا هنالك الهيبة والإجلال حلا وإلا رحلا .



( كمال الإيمان في ثلاث )


وعن إبن مسروق قال سمعت سريا يقول ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل وإذا قدر لم يتناول ما ليس له .



( آداب الخلوة )


وعنه قال أخبرنا سري السقطي قال صليت ليلة ثم جلست ساعة ومددت رجلي فنوديت في سري يا سري من جالس الملوك ينبغي أن يحسن الأدب .


( أمان لأهل الأرض )


وعن حسن البزار قال كان أحمد بن حنبل ها هنا وكان بشر بن الحارث ها هنا وكنا نرجو أن يحفظنا الله بهما ثم ماتا وبقي سري فإني أرجو أن يحفظنا الله بسري .



( إياك والركون للنفس )


وعن القاسم بن عبد الله البزار قال سمعت سري بن المغلس يقول لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار عليها من جميع ما خلق الله تعالى من الأطيار فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كانت في يدها أسيرا .



( فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً )


وسمعت أبي يقول لو أشفقت هذه النفوس على أديانها شفقتها على أولادها لاقت السرور في معادها .



( الأيام الثلاثة )


وعن إبن مسروق قال سمعت سريا يقول لأخوانه الدهر ثلاثة أيام يوم مضى بؤسه وشدته وغمه لم يبق منه شيء واليوم الذي أنت فيه صديق مودع لك طويل الغيبة عنك سريع الرحلة عنك وغدا في يديك تأميله ولعلك من غير أهله .وقال أمس أجل واليوم عمل وغدا أمل



( العبودية الحقة )


وقال الجنيد كنت نائما عند سري رحمه الله فأنبهني فقال لي يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يدي الله تعالى فقال لي يا سري خلقت الخلق فكلهم إدعى محبتي وخلقت الدنيا فهرب مني تسعة أعشارهم وبقي معي العشر وخلقت الجنة فهرب مني تسعة أعشار العشر وبقي معي عشر العشر فسلطت عليهم ذرة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فقلت للباقين معي لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ولا من النار هربتم فماذا تريدون قالوا إنك تعلم ما نريد فقلت لهم فإني مسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال الرواسي أتصبرون قالوا إذا كنت أنت المبتلي لنا فأفعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا .



( المحب السقيم )


وعنه قال كنت يوما عند السري بن مغلس وكنا خاليين وهو متزر بمئزر فنظرت إلى جسده كأنه جسد سقيم دنف مضنى كأجهد ما يكون فقال أنظر إلى جسدي هذا لو شئت أن أقول إن ما بي من المحبة لله تعالى لكان كما أقول وكان وجهه أصفر ثم أشرب حمرة حتى تورد ثم اعتل فدخلت عليه أعوده فقلت له كيف تجدك فقال


كيف أشكوا على طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي


فأخذت المروحة أروحه فقال لي كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ثم أنشأ يقول


القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق


كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق


يا رب إن كان شيء فيه لي فرج ... فأمنن علي به بي ما دام بي رمق





( الوصية الأخيرة )


وعنه قال دخلت على سري السقطي وهو في النزع فجلست عند رأسه فوضعت خدي على خده فدمعت عيناي فوقع دمعي على خده ففتح عينيه فقال لي من أنت قلت أنا خادمك الجنيد فقال مرحبا فقلت له أيها الشيخ أوصني بوصية أنتفع بها بعدك قال إياك ومصاحبة الأشرار وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار .

أسند سري عن هشيم وأبي بكر بن عياش ويزيد بن هارون وغيرهم وصحب معروفا الكرخي

قال أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي توفى سري بن المغلس يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين

وعن أبي عبيد بن حربويه قال حضرت جنازة سري السقطي فسررت فحدثنا رجل عن آخر أنه حضر جنازة سري السقطي فلما كان في بعض الليل رآه في النوم فقال له ما فعل الله بك قال غفر لي ولمن حضر جنازتي وصلى علي فقلت فإني ممن حضر جنازتك وصلى عليك قال فأخرج درجا فنظر فيه فلم ير لي فيه إسما فقلت بلى قد حضرت قال فنظر فإذا اسمي في الحاشية رحمه الله ورضي عنه .


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ




فهو أبو الحسن سري بن المغلس السقطي، أحد الأوتاد. كان أوحد زمانه في الورع وعلوم التوحيد، ملازماً بيته لا يخرج منه ولا يراه إلا من يقصده. وكان تلميذ معروف الكرخي. قيل: كان يوماً في دكانه، فجاء معروف ومعه صبي يتيم، فقال لي: "اكسه!". قال سري: فكسوته، ففرح به معروف، فقال: بغض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه!". قال: "فقمت من الدكان وليس شئ أبغض إلي من الدنيا وما فيها، وكل ما أنا فيه من بركاته". مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، علي الأصح. ودفن بالشونيزية.


أقواله

"ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا ضي لم يخرجه رضاه إلي الباطل؛ وإذا قدر لم يتناول ما ليس له " الشكر ثلاثة أوجه: للسان، وللبدن، وللقلب. فالثالث أن يعلم أن النعم كلها من الله، الثاني ألا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، والأول دوام الحمد عليه من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة

الأدب ترجمان العقل

من خاف اللهَ خافه كلُّ شيءٍ من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس
إياكم ومجاورة الأغنياء وقراء الأسواق والأمراء، فإنهم يفسدون كل من جالسهم

سيرته

ومكث سري عشرين سنة، يطوف بالساحل، يطلب صادقاً، فدخل يوماً إلى مغارة، إذا زمني قعود وعميان ومجذمين، قال: فقلت: "ما تصنعون ها هنا!" قالوا: "ننتظر خصاً يخرج لينا فنعافى!". فقلت: "إن كان صادقاً فاليوم!". فقعدت فخرج كهل معليه درعة من شعر، فسلم وجلس، ثم مر يده علي عمي هذا فأبصر، وأمر يده علي مانة هذا فصح، وأمر يده علي جذام هذا فبرئ. ثم قام مولياً، فضربت بيدي اليه، فقال لي: سري!. خل عني، فانه غيور. لا يطلع علي سرك فيراك وقد سكنت إلي غيره، فتسقط من عينه".

وقال الجنيد: "ما رأيت أعبد من خالي!. أني عليه ثمان وسبعون سنة ما رؤى مضطجعاً إلا في علة الموت".

دخلت عليه، وهو في الترع، فجلست عند رأسه، ووضعت خدي علي خده، فدمعت عيناي، فوقع دمعي علي خده، ففتح عينيه، وقال لي: "من أنت" قلت: "خادمك الجنيد!" فقال: "مرحباً". فقلت: "أوصني بوصية أنتفع بها بعدك!" قال: "إياك مصاحبة الأشرار، وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار


أصحابه

إبراهيم النصراباذي، وأحمد النوري و أبا أحمد القلانسي



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ



شيخ صوفية العراق سيدي الامام السري السقطي

على بساط الانس والمشاهدة شرب العارفون من رحيق النور الازلي وارتووا من معين الوصل الالهي فهامت ارواحهم في سرادقات الجلال والجمال مستغرقة في عظمة المولى فانية في وجوده متنعمة بشهوده , انها ارواح مختصة بالعطاء وقلوب سجلت لهم العناية مراسيم الولاء , تلك منح وعطايا وهبها الله تعالى لاحبائه الاولياء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفور العظيم .

ومن خواص اهل الولاية والاصطفاء والعناية والاجتهاد الامام العارف والصوفي الشامخ سيدي ابو الحسن السري بن المغلس السقطي , احد ائمة الصوفية العظام الذين تفجرت عيون مواردهم في المعارف الالهية وفاضت مناهل عرفانهم بالنفحات القدسية .

وناهيك بمن هو شيخ الامام الجنيد سيد الطائفة الصوفية فهو خاله واستاذه وهو امام التصوف بالعراق في عصره وهو كما قال الامام القشيري في رسالته : ( اوحد زمانه في الورع واحوال السنة وعلوم التوحيد ) .

ويقول عنه ابو عبد الرحمن السلمي في طبقاته : ( وهو اول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الاحوال وهو امام البغداديين وشيخهم في وقته ) .

فالامام السري اذا يعد رائد عصره في كشف حقائق التصوف وعلومه . ثم هو امام زمانه في احوال القوم واخلاقهم ومناهجهم السلوكية التي ترتقي بالعبد الى قمة الوصول .

والعارف ابو الحسن السري بغدادي المولد كما انه بغدادي الوفاة ,, اذ توفى في سنة احدى وخمسين ومائتين هجرية , مقامه بالشونزية ظاهر يزار وتلتمس منه البركات .

وقد من الله تعالى علي بزيارة ضريحه في بغداد سنة 1411 هـ سنة 1990 م حيث كنت عضوا بالمؤتمر الاسلامي ضمن وفد المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية .

وقد تلقى القطب السري طريقته عن قطب عصره الامام العارف سيدي معروف الكرخي الذي يعد شيخ التصوف بالعراق في زمنه والذي تلقى بدوره الطريق عن سليل البيت النبوي سيدي علي بن موسى الرضا وقد استمد الامام السري المدد الصوفي من سيدي معروف ليسرى اليه نور هذه السلسلة المنتهية الى بيت النبوة ثم منه الى الامام ابي القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة الصوفية .

وعن قصة البداية في الطريق الصوفي الامام السري مع شيخه سيدي معروف : يروي الامام القشيري بسنده عن ابي العباس بن مسروق يقول : ( بلغني ان السري السقطي كان يتجر في السوق – وهو من اصحاب معروف المكرخي – فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم فقال :اكس هذا اليتيم .

قال سري : فكسوته.

ففرح به معروف وقال : ( بغض الله اليك الدنيا واراحك مما انت فيه) , فقمت من الحانوت وليس شيء ابغض الي من الدنيا وكل ما انا فيه من بركات معروف .

وعلى اثر هذا الحادث واستجابة لدعوة سيدي معروف توجه الامام السري الى الله وترك تجارة الدنيا ليشرع في تجارة الاخرة , بل ليستقبل عهده مع الله في محراب العبادة والعبودية يعبده تقربا اليه لا طمعا في ثوابه ولا خوفا من عذابه كما هو الشأن في عبادة الاحرار .

ولقد سلك الامام السري طريق القوم على تعطش للعبادة والمعرفة فاقبل على الطاعات بروح تواقة شغوفة بالتحرر من الانية والغيرية . دؤوبة على الخدمة والعكوف بباب المولى حتى يؤذن لها بالدخول .

واخبار عبادات الامام السري تثير العجب وتفوق الخيال : يقول الامام الجنيد : ( ما رأيت أعبد من السري , أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا الا في علة الموت ) .

اي طراز هذا من الرجال ؟؟ انه الطراز الملائكي الذي يقتات من العبادات ويتنفس بالطاعات كما قال تعالى في حق الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ

وهذا هو دأب العارف السري , وقد كان يوصي به اصحابه ومريديه , ولقد سمعه الامام الجنيد يقول : ( اني اعرف طريقا يؤدي الى الجنة قصدا فقيل له ما هو يا أبا الحسن ؟

فقال : ( ان تشتغل بالعبادة وتقبل عليها حتى لا يكون لك فيها فضل ) .

لقد فسر هو بنفسه معنى قوله : ( حتى لا يكون لك فيها فضل ) عمليا وذلك بعبادته المتصلة ثمانية وتسعين عاما امضاها بين صيام وقيام وذكر وفكر حتى لقد كان يقول : ( اذا فاتني جزء من وردي لا يمكن ان اقضيه ابدا ) .
وعلل ذلك الامام الجنيد قائلا : ( لان السري كان متصل التنفل ) .

وكان يقول ( من قام بين يدي الله في الظلام نشرت له يوم القيامة الاعلام ) .

ولقد كان المنهج السلوكي عند العارف السري ذا جوانب متعددة عميقة الغور والابعاد . وكانت تلك الجوانب في مجموعها تمثل حلقات متصلة بحيث تفضي هذه الجوانب في النهاية الى بلوغ قمة النضج الروحي حيث تحلق الروح في سماء المعرفة والولاية .

ففي مجال النفس مثلا : تطالعنا عند الامام السري صفحات مضيئة يكاد سنا برقها يذهب بالابصار . يقول : ( ان نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة او اربعين سنة ان اغمس جزرة في دبس – اي عسل التمر وعسل النحل – فما أطعتها ) .
انها مجاهدة النفس في شهوة حلال من اجل قطع ماربها لكي يصفو الجو للروح فتنطلق الى معاريج الوصول .
ولقد دخل عليه الامام الجنيد يوما فقال له : يا جنيد عصفور يجيء كل يوم أفت له الخبز في يدي فياكله فنزل الساعة ولم يسقط على يدي فتذكرت اني اكلت ملحا بابراز فآليت الا اكله بعدها فعاد كما كان ) .

ولطالما تحرى الامام السري الحلال مع شدة الورع حتى تحمل في ورعه الكثير والكثير وكان يقول دائما : ( آه على لقمة ليس لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة ) !!

ومن تلك الوقائع التي تجلي فيها ورع سيدي السري ما رواه الامام الشعراني في طبقاته اذ قال : وقال علي بن الحسين بعثني ابي للسري بشيء من حب السعال لسعال كان به . فقال لي : كم ثمنه ؟ فقلت له : لم يخبرني بشيء . فقال اقرأ عليه السلام وقل له : نحن نعلم الناس منذ خمسين سنة ان لا يأكلوا باديانهم افتراني اليوم آكل بديني ؟؟؟ ولم يأخذ منه شيئا !!! .

ويؤكد صاحب الحلية هذا المرتقى السامي عند الشيخ السري قائلا ( وسمعت ابا علي الحسن البزاز يقول سألت ابا عبد الله احمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال : أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ؟ قلت بلى قال هو على سيره عندنا قبل ان يخرج .

ثم يقول ابو نعيم : وقد كان السري يعرف بطيب الغذاء وتصفية القوة وشدة الورع حتى انتشر ذلك عنه , وبلغ ابا عبد الله احمد بن حنبل فقال : (الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ) .

وقد كان منهج السري في الورع منطويا على جواهر الحكم السلوكية الصوفية فها هو ذا يقول : ( لا يقوى على الشهوات الا من ترك الشبهات ) .

ويؤيده ما ورد في الحديث الشريف , فمن اتقى الشبهات فقد تبرأ لدينه وعرضه , وأيضا فقد كان العارف السري يقول : ( تصفية العمل من الافات اشد من العمل ) .

ثم الى جانب الزهد والورع فقد كانت المراقبة في اعلى درجاتها متمثلة في سلوك الامام السري . والمراقبة هي احدى مرتبتي الاحسان الوارد معناه في الحديث الشريف إذ قال سيد الوجود : الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك , فالشق الاول للمشاهدة والثاني المراقبة , والمراقبة عند العارفين لها درجات ومنازل , ولقد تربع سيدي السري في قمة المراقبة والحضور , يقول : ( صليت وردي ليلة فمددت رجلي في المحراب فنوديت , يا سري كذا تجالس الملوك قال : فضممت رجلي ثم قلت : وعزتك لا مددت رجلي أبدا ) !!

انه نداء المراقبة من قبل الحضرة العلية للعارف السري ولقد عرف نفس النداء مع سيدي ابي يزيد البسطامي وسيدي ابراهيم بن ادهم .

ومع المراقبة هناك التوكل والرضا , ولكل مفهومه عند العارف السري , فهو يعرف التوكل بانه : ( الانخلاع من الحول والقوة ) .

ثم يقول عن الرضا والورع والعبادة والشكر ( رأس الاعمال الرضا عن الله وعمود الدين الورع , ومخ العبادة الجوع , وضبط اللسان حصن حصين , ومن شكر الله جرى في ميدان الزيادة ) .

ويرى الامام السري السقطي ان التجرد لله تعالى هو أقرب ما يوصل الى الحضرة الالهية , فلقد سئل يوما , كيف الطريق الى الله ؟
فقال : ( ان اردت العبادة فعليك بالصيام والقيام , وان اردته فاترك كل ما سواه تصل اليه ) .

اي ان هناك طريقين موصلين الا ان اقربهما للوصل هو ترك السوى , ولقد ترك الامام السري كل ما سوى الله فوصل الى الله , وصل اليه على جناحي المحبة والشوق , وللمحبة عند العارف السري مقام لا يرام بالكلام ولا يسطر بالاقلام يقول الامام الجنيد ( سألني السري يوما عن المحبة فقلت : قال قوم هي الموافقة , وقال قوم الايثار , وقال قوم : كذا فاخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد , ثم قال : وعزته لو قلت ان هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت . ثم غشي عليه فصار وجهه كأنه قمر مشرق وكان السري به أدمة _ اي سمرة ) .

ومصداق لمنطق هذه الواقعة فلقد رفع السري الى الامام الجنيد يوما رقعة وقال له : انظر ما فيها فاذا فيها :

اذا ما شكوت الحب قال كذبتني
فما لي ارى الاعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا
وتذبل حتى لا تجيب المناديا

ولقد جاء رجل وقال يوما للعارف السري : كيف أنت ؟

اجابه قائلا :

من لم يبت والحب حشو فؤاده
لم يدر كيف تفتت الاكباد

انها محبة العبد لسيده ومولاه , هي القوت والغذاء , وهي الخمر وهي الكأس وهي النعيم وهي السرور فأعجب لنعيم يفتتت الاكباد ويذيب المهج ويلصق الجلد بالحشا ويقطع المحب عن كل شيء سوى محبوبه .

ولقد ارتفع سيدي السري بمحبته الى درجة العشق , حتى انه مرض يوما ولم ير عليه تغير . فأخذ الامام الجنيد بوله فذهب الى طبيب نصراني فتأمله وقال : هذا بول عاشق !! فصعق الامام الجنيد وأغمى عليه ثم أخبر شيخه السري فقال : قاتله الله ما أخبره ! ما كنت أظن ان الحب يظهر في هذا !!! .

وما من شك في ان غاية المحب ومناه في الوصال .

ومن ثم فالحجاب عن المحبوب هو أشد ما يعانيه المحب من العذاب , لذلك كان الامام السري يتضرع الى ربه ويناجيه قائلا : ( اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب ) .

ان الاولياء ينشدون الوصال دائما فهو مطلبهم الاسمى ومع الوصال يكون الانس والرضا والهيبة والجلال , وكلها مقامات لها ِشأنها عند أهلها , وقصارى ما يمكن ان نصل اليه هو المدلول النظري عن طريق التعرف والبحث . اما الادراك الصوفي العملي فهو وقف على اهله الذين اصطفاهم ربهم واجتباهم , وقد أوجد البون الشاسع بين النظر والتطبيق عقبة منيعة في التصديق , ولكن لا يسعنا الا نشدان الحقيقة والتعرف عليها من اي الوجوه والزوايا .

وفي مقام الانس والهيبة يقول الامام السري : ( يبلغ العبد من الهيبة والانس الى حد لو ضرب وجهه بالسيف لا يشعر ) .
ويعلق الامام الجنيد على كلام شيخه قائلا : ( وكان في قلبي منه شيء حتى بان لي الامر كذلك , وذلك لان الهيبة والانس حالتان فوق القبض والبسط ) .

والقبض و البسط , فوق الخوف والرجاء , فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهشة فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعا لم يحضر من غيبته الا بزوال الهيبة عنه .

والانس مقتضاه الصحو والافاقة , ثم انهم يتفاوتون في الهيبة والانس , وقيل ادنى مرتبة في الانس انه لو القي في النار ما تكدر انسه , الا ترى الى قول السري : ( يبلغ العبد من الهيبة والانس الى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر ) ولذلك لان الانس يتولد من السرور بالله , ومن صح انسه بالله استوحش مما سواه .

فمهذه مقامات العارفين السابحين في بحار القرب الفائزين برضا الرب الناعمين بالولاية الربانية والمجتبين للمعرفة الالهية , وللمعرفة علامات ابان عنها العارف السري اذ قال : ( من علامة معرفة الله القيام بحقوق الله وايثاره على النفس فيما امكنت فيه القدرة ) .

والايثار بصفة عامة خلق من اخلاق الكمل من الرجال , وقد نال الامام السري منه الغاية القصوى وهي الفتوة في الطريق , وحمل اثقال المسلمين وتقديم مصلحتهم على الجانب الشخصي , فلقد اثر عن سيدي السري انه كان يقول : ( وددت ان احزان الخلق كلهم علي ) .

انه يريد ان يتحمل وحده عناء و احزان الخلائق شفقة منه عليهم وايثارا لهم على نفسه وذلك هو عين المشرب المحمدي وأنعم به من مشرب .

ومن النماذج التطبيقية لخلق الفتوة عند الشيخ السري ما ذكره الامام القشيري في رسالته قائلا : ويحكي السري انه قال : ( منذ ثلاثين سنة انا في الاستغفار من قولي ( الحمد لله ) مرة , قيل وكيف ؟

فقال : وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فقال : نجا حانوتك , فقلت الحمد لله فمنذ ثلاثين سنة انا نادم على ما قلت حيث اردت لنفسي خيرا مما حصل للمسلمين ).

لله درك ايها العارف هذه هي اخلاق المسلم التي ارتفع بها صرحه وساد العالمين , وبها تتحقق ذاتية المسلم الكامل الوارث لاخلاق النبوة . ان هذا السمو الاخلاقي هو وليد التربية الصوفية التي تنزع من العبد نفسه الامارة بالسوء وتمحو منه انانيته لكي يصفو ويسمو حيث يحلق في اجواء الحب النقي الطاهر لله الواحد الاحد , ولقد وضع اقطاب الصوفية في مناهجهم السلوكية اكمل المبادئ والاسس الاخلاقية التي ترتقي بالعبد الى مصاف الابرار المقربين .

يقول الامام السري : ( ثلاث من اخلاق الابرار : القيام بالفرائض واجتناب المحارم , وترك الغفلة , وثلاث من اخلاق الابرار يبلغن بالعبد رضوان الله : كثرة الاستغفار , وخفض الجناح , وكثرة الصفات , وثلاث من ابواب سخط الله : اللعب , والمزاح , والغيبة , والعاشر من هذه الثلاث : عمود الدين وذروة سنامه : حسن الظن بالله )

انها مدارج الكمال ومعاريج الاتصال يصفها العارف سيدي الامام السري كما يحدثنا عن عقبات الوصول ووسائل الاتصال بالله تعالى قائلا : ( انقطع من انقطع عن الله بخصلتين واتصل من اتصل باربع خصال . فأما من انقطع عن الله بخصلتين : فيتخطى الى نافلة بتضييع فرض . والثاني عمل بظاهر الجوارح لم يواطئ عليه صدق القلوب , واما الذي اتصل به المتصلون : فلزوم الباب والتشمير في الخدمة , والصبر على المكاره , وصيانة الكرامات ) .

ولمعنى الصبر تحليل جميل عند العارف السري , اذ يقول : ( معنى الصبر ان تكون مثل الارض تحمل الجبال وبني ادم وكل ما عليها لا تأبى ذلك . كذلك الصابر يحتمل كل ما كرهته النفوس لا يأبى ذلك ولا يسميه بلاء بل يسميه نعمة وموهبة من الله سبحانه وتعالى) .

ثم لقد تعرض العارف السري لبيان اخلاق الصديقين . فقد قال الامام الجنيد : ( دخلت يوما فقال لي : ما اوائل احوال الصديقين؟
قلت : لا ادري .

قال ثلاثة : ان يكونوا بما في ايديهم مع اخوانهم سواء , ويطالبوا نفوسهم بما للناس عليهم , واذا عرض امران لله فيهما رضا حملوا انفسهم على اصعبهما وأشدهما وان كان فيه تلف نفوسهم ) ويعقد الامام السري مقارنة صوفية بين الابرار والمقربين قائلا ( قلوب المقربين معلقة بالسوابق , ماذا سبق من الله لنا ) .

واما عن اخلاق الابدال من الاولياء فيقول : ( اربع من اخلاق الابدال : استقصاء الورع , وتصحيح الارادة ,وسلامة الصدر للخلق , والنصح لهم ) .

تلك اشارات ولطائف رقيقة نورانية اتصف بها قوم في الذروة العليا من الصفاء والطهر والنقاء , وتكلم بها امام في المعرفة تفجرت في قلبه ينابيع الحكمة فتحدث عن موارد القلوب . يقول الامام الجنيد : ( بعثني السري يوما في حاجة فابطأت عليه , فلما جئت قال لي: ( اذا بعث بك رجل يتكلم في موارد القلوب في حاجة فلا تبطئ عليه . فانك تشغل قلبه ) انه امام فذ في عصره فريد من طرازه وقد كانت نظرة عصره اليه نظرة المأموم للامام . فلقد روى صاحب الحلية ان الامام الجنيد سمع الحسن البزاز يقول ( كان احمد بن حنبل ها هنا وكان بشر بن الحارث ها هنا وكنا نرجو ان يحفظنا الله بهما . ثم انهما ماتا وبقي السري وأني ارجو ان يحفظنا الله بالسري ) .

ولقد كان للامام السري مع الامام احمد بن حنبل – في حياته – شأن جليل في أمور الحقائق , ومن ذلك ما ذكره الامام الغزالي قائلا : ( وأرسل السري الى احمد بن حنبل شيئا فرده .

فقال له : احذر آفة الرد فانها اشد من آفة الاخذ .

فقال : أعد علي ما قلت , فأعاده .

, فقال : ما رددت الا لان عندي قوت .
فأحبسه عندك وأرسله بعد شهر ) .

لقد تلاقى علم الشريعة وعلم الحقيقة في اعلى قمتين شامختين في العصر كله , واتفقت الكلمتان وتوحدتا وما كان لهما ان تختلفا او تتفرقا ابدا برغم ما يقوله اهل الزور من اعداء الصوفية الذين عميت بصائرهم عن رؤية الحقيقة , ولقد أوضح الامام السري الحقيقة بجلاء في قوله : ( من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكيم فهو غالط ) ولنعم ما قاله اهل الله تعالى : ( الشريعة ان تعبده ,والطريقة ان تقصده ,والحقيقة ان تشهده ) ولكن ما ذنب الشمس في ان يحجب عنها أعمى او لا يحس بها فاقد لجوهر الحياة ؟؟ فليبك المحجوبين على انفسهم بدلا من ان يصبوا احقادهم على المتنعمين بشهود الجمال القدسي , فالذين رفعت لهم اعلام الولاية لن يضيرهم عداء اهل الظلمة والغواية .

ولننتقل الى جانب الكرامات عند قطب الاقطاب العارف المعرف سيدي السري السقطي : ( ولن نضع في حسباننا الذين ينكرون على الاولياء كراماتهم برغم ورودها في صحيح الكتاب والسنة : - يروي صاحب الحلية بسنده عن علي ابن عبد الحميد الغضائري يقول : ( سمعت سريا السقطي ودققت عليه الباب , فقام الى عضادتي الباب فسمعته يقول : ( اللهم اشغل من شغلني عنك بك ) فكان من بركة دعائه ان حججت اربعين سنة من حلب على رجلي ماشيا ذاهبا وجائيا ) ومما ذكره الامام النبهاني في جامع الكرامات : قال : ( وحكى ان السري السقطي لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها . فأبطأت يوما فقال لها السري : لم أبطأت ؟

فقالت : لأن غزلي لم يشتر , وذكروا انه مخلط .

فامتنع السري عن طعامها . ثم ان اخته دخلت عليه يوما فرأت عجوزا تكنس بيته وتحمل كل يوم اليه رغيفين فحزنت أخته وشكت الى احمد بن حنبل , فقال احمد بن حنبل للسري فيها فقال : ( لما امتنعت عن اكل طعامها قيض الله لي الدنيا لتنفق علي وتخدمني ) . وقال احمد بن خلف : دخلت يوما على السري فرأيت في غرفته كوزا جديدا مكسورا .

فقال : اردت ماء باردا في كوز جديد فوضعته على هذا الرواق ونمت , فرأيت في منامي جارية مدنية فقالت : يا سري : من يخطب مثلي يبرد الماء , ثم رمته برجلها فاستيقظت من نومي فاذا هو مطروح مكسور ) .

قال الجنيد : فرأيت الخزف المكسور لم يمسسه ولم يرفعه حتى عفى عليه التراب وعلمت ان مخالفة النفس وقمع الشهوات واللذات من دواعي الوصول وشواهد المشاهد ) .

ولقد فلسف العارف السري نظرته للكرامات بقوله : ( من أطاع من فوقه أطاعه من دونه ) كما فلسف من قبل نظرته للمحبة الالهية إذ قال : ( لا تكمل محبة بين اثنين حتى يقول كل للاخر يا أنا ) .

والصوفية لا يعرفون المحبة الا لله او في الله لان قلوبهم ممحضة لله . انهم عباد الهيون ربانيون . اجتمعت قلوبهم في محراب الخصوصية والاصطفاء لتنال من الله وافر العطاء .

وبعد : فقد أمضينا هذه الرحلة النورانية مع قطب من اقطاب الصوفية الامجاد وامام من ائمة الولاية الافراد سيدي الامام العارف السري السقطي شيخ الامام الجنيد وامام التصوف في عصره . وقد اقتبسنا منه هذه النفحات المباركات زادا لارواحنا ونورا لقلوبنا علنا نقتفي الاثر ونسير على الدرب ونسلك السبيل .

رضي الله عنك يا مولانا السري وأمدنا منك بالمدد الاعلى وشرفنا معك بالصحبة المباركة ( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .


--------------------------------------------------------------------------------
المصدر : من كتاب بحار الولاية المحمدية في مناقب اعلام الصوفية للاستاذ الدكتور جودة محمد ابو اليزيد المهدي . ص 263-275.



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ



وفاة السري السقطي الزاهد:

وفي اليوم السادس من رمضان سنة 253 للهجرة توفي الرجل الذي وصفه أبو نعيم في (حلية الأولياء 10/116): بأنه العلَمَ المنشور والحكَمَ المذكور، شديد الهَوْي حميد السعي، ذو القلب النقي والورع الخفي، عن نفسه راحل ولحكم ربه نازل: أبو الحسن السَرِي بن المغلس السقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، صحب معروفاً الكرخي، وحدث عن هشيم وأبي بكر بن عياش ويزيد بن هارون وكان من أكابر العباد ، شهد له الجنيد فقال:

ـ ما رأيت أعبد من السري السقطي. أتت عليه ثمانية وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في الموت...

نقل عنه إسماعيل بن عبد الله الشامي قال: قال السري السقطي: خمس من كن فيه فهو شجاع بطل: استقامة على أمر الله ليس فيها روغان, واجتهاد ليس معه سهو, وتيقظ ليس معه غفلة, ومراقبة لله في السر والجهر ليس معه رياء، ومراقبة الموت بالتأهب.

وقال كذلك: للخائف عشر مقامات: الحزن اللازم ، والهم الغالب ، والخشية المقلقة ، وكثرة البكاء ، والتضرع في الليل والنهار، والهرب من مواطن الراحة, وكثرة الوله ، وَوَجَل القلب ، وتنغص العيش ، ومراقبة الكمد.

ونقل عنه ابنه قال: سمعت أبي يقول: لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها.

وروى ابن الجوزي في (المنتظم في أخبار الملوك والأمم 12/67) عن الجنيد قال :

ـ اعتل السري السقطي فدخلت عليه فقلت كيف تجدك ؟

قال : كيف أشكو إلى طبيبي ما بي، والذي أصابني من طبيبي . فأخذت المروحة أروحه فقال : كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل ؟؟

ثم أنشأ يقول:

القلـب محترق والدمـع مستبق والكرب مجتمِع والصبر مفترِقُ

كيف القرار على من لا قرار له مما جناه الهوى والشوق والقلقُ

يا رُّب إن كان شيءٌ فيه لي فرج فامننْ عليّ بـه ما دام لي رمقُ

كان السري السقطي شديد الورع لا يتعامل مع من يتعدى حدود الله .

عن حسن المسوحي قال: دفع إلي السري قطعة من المال فقال : اشتر لي باقلاء ، ولا تشترِ إلا من رجل قِدْره داخل الباب (أي لا يضع متاعه في الشارع الذي هو ليس مملوكاً له)

قال : فطفت الكرخ كله، فلم أجد إلا من قدره خارج الباب .

فرجعت إليه وقلت له:

ـ خذ فإني لا أجد إلا من قدره خارج الباب.

وهكذا حرم نفسه مما فيه شبهة . يقول:

ـ إني أحب أن آكل أكلةً ليس لله علي فيها تبعة، ولا لمخلوق فيها منّهٌ ، فما أجد إلى ذلك سبيلاً.

وذكر ابن الجوزي في (صفوة الصفوة 2/385) عن الجنيد قال :

ـ دخلت على سري السقطي وهو في النزع ، فجلست عند رأسه ، فوضعت خدي على خده ، ودمعت عيني عليه، ففتح عينه فقال لي:

من أنت؟ قلت:

ـ أنا خادمك الجنيد..

فقال : مرحباً

فقلت : أيها الشيخ أوصني بوصية انتفع بها بعدك

قال: إياك ومصاحبة الأشرار! وإياك أن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار!..

ونقل عنه قوله:

ـ لولا الجمعة والجماعة لسددت على نفسي الباب ولم أخرج. توفي السري السقطي يوم السادس من رمضان سنة 253هـ رحمه وأحسن مثوبته.
من مواضيع : ahmed1981 الجمال
قصة عيد الشرطة
كتب الفيلسوف الألمانى العظيم فريدريك نيتشه
كبار أعلام الصوفية
رؤساء وزراء إسرائيل
21-03-2008, 01:15 PM
ahmed1981
 
سابع و عشرون: الحارث المحاسبى

أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي وكتابه التوهم
د.عبد الكريم اليافي


ولد نحو عام 165هـ/ 781م بالبصرة. اسم أبيه أسد وكنية الأسد أبو الحارث. فربما سمى ابنه الحارث توكيداً لهذه الكنية. ولقد جاء الفتى باكراً إلى بغداد حيث توفي بعد حياة حافلة بالعلم والتقوى عام 243هـ/ 857م. وهو من كبار الصوفية وأوائل علماء الكلام وأعلام الوعاظ البلغاء.


وأبرز ما في سيرة حياته وعظه وتعليمه وكتبه الكثيرة التي تزيد على المئة والتي يتجلى فيها احترامه العميق للسنة، وتشدده الخلقي، وبيانه الذي يعتمد على الترغيب والترهيب وعلى التنديد بنوازع الهوى ونزوات النفس، ودقته في التحليلات النفسية والتعريفات الفلسفية.


عقد له الحافظ أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ/ 1039م في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ترجمة ذكر فيها أحاديث رواها وأقوالاً له ومواعظ مؤثرة واستهلّها بهذه الفقرات:


"كان لألوان الحق مشاهداً ومراقباً ولآثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة. كان في علم الأصول راسخاً، وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصـــحاً"(1).


وترجم له الحافظ أبو بكر بن علي الخطيب البغدادي المتوفى عام 463هـ 1071م في كتابه "تاريخ بغداد"، فعده "أحد من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن"(2).


ويورد الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى عام 465هـ 1073م في "الرسالة" عند ترجمته المحاسبي قول أبي عبد الله بن خفيف للمتصوفة: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي والجنيد بن محمد وأبو محمد رويم وأبو العباس بن عطاء وعمرو بن عثمان المكي لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق"(3).


ومن الذين ترجموا له تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي 727/1327-771/1369 في كتابه طبقات الشافعية. ونحن نورد شيئاً من ترجمته له بياناً لأسلوب من التدقيق كان الأعلام القدماء يتبعونه: "يقال إنما سُمِّي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. قال ابن الصلاح ذكره الأستاذ أبو منصور في الطبقة الأولى فيمن صحب الشافعي. وقال كان إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام. وكتبه في هذه العلوم أصول من يصنف فيها. وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية. ثم قال لو لم يكن في أصحاب الشافعي في الفقه والكلام والأصول والقياس والزهد والورع والمعرفة إلا الحارث المحاسبي لكان مُغبِّراً في وجوه مخالفيه والحمد لله على ذلك. قال ابن الصلاح: صحبته للشافعي لم أر أحداً ذكرها سواه، وليس أبو منصور من أهل هذا الفن فيعتمد فيما تفرد به، والقرائن شاهدة بانتفائها. قلت إن كان أبو منصور صرح بأنه صحب الشافعي فالاعتراض عليه لائح، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى من عاصر الشافعي وكان في طبقة الآخذين عنه. وقد ذكره في الطبقة الأولى أيضاً أبو عاصم العبادي وقال كان ممن عاصر الشافعي واختار مذهبه، ولم يقل كان ممن صحــبه. فــلعل هذا القدر مراد أبي منــصور"(4).


أشرنا آنفاً إلى تعريفاته الفلسفية وتحليلاته النفسية. وقد أورد السبكي فيما أورده قوله: "حسن الخلق احتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الرحمة وطيب الكلام. ولكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر. والعمل بحركات القلوب في مطالعات الغيوب أشرف من العمل بحركات الجـوارح"(5).


ويعرض صاحب طبقات الشافعية بعض تعليقات القدماء على تعريف المحاسبي للعقل.


"قال إمام الحرمين في "البرهان" عند الكلام في تعريف العقل: "وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي فإنه قال: العقل غريزة يُتأتى بها درك العلوم وليست منها. وقد ارتضى الإمام كلام الحارث هذا كما ترى وقال عقيبه: إنه صفة إذا ثبتت يُتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي من مستند النظريات. وهو منه (أي من إمام الحرمين) بناءً على أن العقل ليس بعلم والمعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه العلم. وقال القاضي أبو بكر (الباقلاني): إنه بعض العلوم الضرورية. والإمام حكى في "الشامل" مقالة الحارث هذه التي استحسنها وقال: إنّا لا نرضاها ونتهم فيها النقلة عنه. ثم قال: ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة الله تعالى وهو إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة الله. فكأنه قال: ليس العقل بنفسه بمعرفة الله ولكنه غريزة. وعنى بالغريزة أنه عالم لأمر جبل الله عليه العاقل ويتوصل به إلى معرفة الله. انتهى كلامه في "الشامل". والمنقول عن الحارث ثابت عنه. وقد نص عليه في كتاب "الرعاية". وكان إمام الحرمين نظر كلام الحارث بعد ذلك. ثم لاحت له صحته بعدما كان لا يرضاه. واعلم أنه ليس في ارتضاء مذهب الحارث واعتقاده ما ينتقد، ولا يلزمه قول بالطبائع ولا شيء من مقالات الفلاسفة كما ظنه بعض شراح كتاب "البرهان". وقد قررنا هذا في غير هذا الموضع. وقول إمام الحرمين إنه أراد معرفة الله ممنوع فقد قدمنا عن الحارث بالإسناد قوله إنه نور الغريزة يقوى ويزيد بالتقوى. نعم الحارث لا يريد بكونه نوراً ما تدعيه الفلاسفة"(6). وتظهر هذه المناقشة حرص علماء المسلمين على صفاء العقيدة.


كان السلف (رضوان الله عليهم) حين يكتبون يَزِنُون الكلمات في ميزان الدلالة بدقة ويمحصونها تمحيصاً. ورد في مستهل بحثنا قول أبي نعيم في المحاسبي: "كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً وللمخالفين الزائغين قامعاً". والحق أن الحارث كان رائداً في علم الأصول الذي يراد به هنا علم التوحيد أو علم الكلام. ولا بد في بيان ريادته هذه أن نعتمد على مؤلف مشهور في تأريخ النحل وهو الإمام أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548/1153). فقد عقد في كتابه "الملل والنحل" فقرة ضافية وذات دلالة عن نشوء "الصفاتية" نورد نصها فيما يأتي لأهميتها في هذا المضمار.


"اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات جبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بالمحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر. فافترقوا فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ]الرحمن على العرش استوى[(7)، ومثل قوله: ]خلقتُ بيديَّ[(8)، ومثل قوله: ]وجاء ربك[(9) إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها. بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً. ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف.


... أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا استهدفوا للتشبيه فمنهم مالك بن أنس(10) إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل(11) وسفيان(12) وداود الأصفهاني(13) ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي(14) وأبي العباس القلانسي(15) والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية. وصنف بعضهم ودرّس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري(16) وبين أستاذه (أبي علي الجبائي)(17) مناظرة في مسألة الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بحجج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبّهة(18) والكرامية(19) من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية"(20).


أما قمعه للمخالفين الزائغين في كلام أبي نعيم فإنما يراد به رده على المعتزلة حين عطلوا الصفات واتفقوا على نفي رؤية الله بالأبصار في دار القرار. ومن الضروري أن نوضح معنى تعطيل الصفات، وقضية الرؤية.


ذلك أن علماء الكلام من الأشاعرة ذهبوا إلى أن صفات الله على أربعة أنواع: الأول صفة نفسية وهي الوجود. والثاني صفات سلبية وهي خمس: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانية. والثالث صفات معان وهي القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. والرابع صفات معنوية وهي سبع كونه قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً.


أما الصفة النفسية فهي عند الأشعري عين الموصوف. فالوجود عين الموجود عنده. وهي عند غيره غير الذات. فالوجود عندهم غير الموجود. وأما الصفات السلبية الخمس فهي غير الذات بمعنى أنها غير قائمة بالذات. فالقدم مثلاً يسلب عنه الحدوث وهكذا بقية هذه الصفات. أي أنها أمور عدمية. وأما صفات الأفعال مثل الإحياء والإماتة والرزق والعون وأشباهها فهي غير الذات أيضاً بمعنى أنها منفكة عنها من قِبَل أنها عند التحقيق تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة. وأما الصفات المعنوية فلا خلاف فيها ويثبتها المعتزلة وهي أنه قادر بذاته ومريد بذاته وعالم بذاته وهكذا ولكنهم نفوا عنه صفات المعاني أي الصفات التي هي معان أي ليست هناك صفة تسمى العلم ولا صفة تسمى الإرادة ولا صفة تسمى القدرة... وذلك لأن الصفة غير الموصوف ولو أثبتنا له سبحانه وتعالى صفات غير ذاته لم يكن بد من أمرين فإما أن تكون هذه الصفات حادثة وإما أن تكون قديمة. فإن كانت حادثة لزم قيام الحادث بالقديم وهو محال. وإن كانت قديمة لزم أن يكون هنالك قدماء متعددة بتعدد الصفات زيادة على الذات وهذا هو الشرك.


ولكن الأشاعرة يرون أنه لا يلزم من ذلك تعدد القدماء كما زعم المعتزلة، لأن كل صفة من صفات المعاني وإن كانت غير سائر الصفات إلا أنها لازمة للذات ولا تنفك عنها. فهي دائمة الوجود، مستحيلة العدم. فهو حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة، وهكذا. والمحظور هو تعدد القدماء المتغايرة، ولا تغاير هنا بين الذات والصفات ولا بين الصفات بعضها مع بعض فينتفي التعدد. فتلك الصفات زائدة على الذات قائمة بها لازمة لها لزوماً لا يقبل الانفكاك.


هذا وربما كان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة لفظياً لأن القول بأنها ليست بغير الذات محمول على الغير الذي ينفك عن الذات وإن كانت غيراً في المفهوم والتصور.


ومما حصل فيه النزاع أيضاً رؤية العباد ربهم. فذهب المعتزلة إلى أن العقل يحكم بامتناعها لأن الرؤية لا تتحقق إلا متى كان المرئيّ في الجهة المقابلة لنظر الرائي وهو سبحانه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات. وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى يجوز أن يرى والمؤمنون في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان، إذ هذه الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. وقد أوّل المعتزلة ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف من إشارة إلى ذلك. وعمد المحاسبي رداً على المعتزلة في نهاية كتابه "التوهم" الذي هو شطر مهم في بحثنا إلى تصور تلك الرؤية على أنها غبطة يفوز بها أهل النعيم في الجنة كما سنرى.


كان الحارث واعظاً بليغ الكلام يأخذ وعظه بمجامع القلوب ويخلب الأسماع ويسترق الأفهام ويستدر المدامع حتى تغرورق بها العيون. نقل صاحب تاريخ بغداد في ترجمته للمحاسبي ما حدث به إسماعيل بن إسحاق السراج: "قال لي أحمد بن حنبل يوماً: يبلغني أن الحارث هذا- يعني المحاسبي- يكثر الكون عندك. فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه! فقلت: السمع والطاعة يا أبا عبد الله. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله. فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة. فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك. فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب[1] والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته. فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده حتى فرغ. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل. فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة. فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشِي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا. فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال. فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صبحتهم. ثم قام وخرج"(21).


ويعلق الإمام ابن السبكي في كتابه "طبقات الشافعية" بعد أن يورد هذه الرواية فيخاطب القارئ:


"تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة. واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر ولكل رأي واجتهاد"(22).


ولكن الخلاف بين أحمد والحارث مشهور. فقد "كان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه"(23). بل كان الإمام "شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفاً أن يجرّ ذلك إلى ما لا ينبغي. ولا شك في أن السكوت عنه ما لم تدع الحاجة أولى. والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة. وكان الحارث قد تكلم في شيء من مسائل الكلام. قال أبو القاسم النصراباذي: بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب. قلت: والظن بالحارث أنه إنما تكلم حين دعت الحاجة. ولكل مقصد"(24).


والذي نراه أن إنكار صاحب "المسند" وأمثاله من أهل الحديث على المحاسبي وأمثاله من الوعاظ والصوفية يرجع قسم كبير منه إلى اعتماد هؤلاء في مواعظهم وأفكارهم على الأحاديث الضعيفة الأسانيد. ذلك أن أهل الحديث يحرصون كل الحرص على صحة الرواية وأهل المواعظ قد يلجؤون إلى أحاديث مستجرحة للترغيب والترهيب ولكنها بالغة التأثير يقبلها العامة لأنها أقرب إلى التمثيل بالأشياء المحسوسة.


وعندنا أن مثل الأئمة المسلمين في مذاهبهم مثل أصحاب هندسات أقليدس وريمن ولوبتشفسكي في علومهم الرياضية. فكما أن هؤلاء بنوا هندساتهم على مصادرات واستنبطوا منها تصوراتهم كذلك كان أولئك الأئمة يعتمدون ما يمكن أن ندعوه مصادرات أو أصولاً للبحث وهذه هنا ذات مراتب وأكثر عدداً وأشد اشتباكاً. ومن الواضح أنه بعد الأصول المعتمدة الأربعة وهي القرآن والسنة والقياس والإجماع يأتي مدى الاعتماد على أحاديث الآحاد ومبدأ الاجتهاد ومبدأ المصالح المرسلة وهي الأوصاف التي تعرف علّيتها ولم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالإبطال، ولا سيما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية. وهذه أمور داخلة في مباحث أصول الدين الواسعة. وكان الأئمة القدماء يحترم بعضهم بعضاً ويقدر بعضهم جهود بعض وبحوثه وتقواه ووجهات نظره. ثم جاء المتأخرون فغلا بعضهم في تجريح الآخرين أو التشنيع عليهم وهذا ليس من عادة الأبرار ولا من شأن المفكرين الأحرار. وإذا كان الإمام السبكي قد قال في تعليقه: "ولكل مقصد" فنحن نقول: "ولكل مبادئه التي يبني عليها اعتباراته" وهكذا لا نستغرب قول أبي زرعة تلميذ ابن حنبل حين سئل عن المحاسبي وكتبه فأجاب السائل: "إياك وهذه الكتب. هذه كتب بدع وضلالات. عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع"(25).


ولد الحارث في زمن الخليفة الهادي ولما تولى هارون الرشيد الخلافة (سنة 170هـ/ 786م) كان يناهز الخامسة. وقد عاصر خلافة الأمين (193/809م) والمأمون (198/813م) والمعتصم (218/833م) والواثق (227/842م) والمتــوكل (232/847م) إذ توفي في عهده.


وهكذا كان عصر الحارث من أبهى عصور الخلافة العباسية وأكثرها غنى ووفرة وازدهاراً. كانت العلوم بأنواعها مزدهرة وكانت الزراعة والتجارة رائجين أي رواج، وكانت القوافل تجوب الطرق البرية محملة بأصناف السلع بين قطر وآخر وكانت البواخر تصل بين أقطار المعمورة مشحونة بأصناف الخيرات من لباس وطعام وتوابل وغيرها. وكانت البصرة من المرافئ المزدهرة إذ ذاك وكان الملاحون إلى جانب حمولات مراكبهم يروون للناس ما شاهدوه في الأقطار النائية كالهند والصين والجزر المنتشرة في خطوط ملاحتهم. وطفق الناس يميلون إلى استماع هذه الأخبار دقيقة أو مبالغاً فيها وإلى قراءة ما يدوّن منها وكذلك ما يترجم من لغات الأقوام الأخرى ولا سيما ما نقل عن الفرس والهند مما يمثل آداب تَيْنك الأمتين ويصف حكمة حكمائهما وأحوال رعاياهما. وشرعت تتكون طائفة من تلك الأخبار المروية والمتناقلة متعددة المصادر ومتفاوتة المقاصد بعضها للتسلية ولترويح النفس وبعضها للموعظة والاعتبار وبعضها للتبصرة والإفادة، وسوف ينضم بعضها إلى بعض في غمار السنين لتؤلف السير الشعبية المشهورة التي تأتي في طليعتها قصة "ألف ليلة وليلة" إذ كانت نواتها التي تجمعت حولها تلك القصص والأخبار رواية "هزار أفسانه" التي نقلت عن الفارسية. ولا شك في أن بعض تلك القصص من أصل بغدادي تصور جوانب الترف التي كانت تتألق في قصور الخلفاء والأمراء والتجار ورجال الجيش وكتاب الدواوين، ومن المعلوم أن الغنى الفاحش لا يأتي بالطرق المشروعة وأن الترف لا يرضى عنه أهل الورع والتقوى، كذلك هو موضع نقمة على لسان الشعراء الحساسين المحرومين مثل ابن الرومي (221/836- 283/896). ولئن بدا هذا الشاعر في بعض الأحيان راضياً عن الحياة الطبيعية المعطاء والدولة الزهراء في قصيدته التي مطلعها:


ضحك الربيع إلى بكا الديم


فغدا يسوّي النبت بالقمم


إذ يقول:


والدولة الزهراء والزمن المز


هار حسبك شافيي قرم


نجدْهُ في قصائد أخرى يندب حظه ويرثي لحاله ويحسد غيره من المحظوظين في الدنيا:


أتراني دون الأولى بلغوا الآ


مال من شُرْطة ومن كتّــــاب


وتجارٍ مثل البهائم فــازوا


بالمنى في النفوس والأحباب


ثم يتفنن في وصف النعيم والملذات والمجالس والحياة اللاهية التي كان يشاهدها أو يسمع أخبارها:


درُّ صهباء قد حكى درّ بيضا


ء عروب كدمية المحراب


تحمل الكأس والحليَّ فتبدو


فتنة الناظرين والشرّاب


يا لها ساقياً تديره يداه


مستطاباً ينال من مستطاب


لذة الطعم في يدي لذّة الملـ


ثم تدعو الهوى دعاء مجاب


حولها من نجارها عِينُ رَمْلٍ


ليس ينفك صيدها أُسْد غاب


يونقُ العينَ حسن ما في أكف


ثَمَّ تسقي وحسن ما في رقاب


ففمٌ شارب رحيقاً وطَرفٌ


شارب ماء لبّةٍ وسخاب


ومزاج الشراب إن حاولوا المز


ج رضاب يا طيبَ ذاك الرضاب


من جوارٍ كأنهن جوارٍ


يتسلسلن من مياه عذاب(26)


لابسات من الشفوف لبوساً


كالهواء الرقراق أو كالسراب


ومن الجوهر المضيء سناه


شعلاً يلتهبن أي التهاب


فترى الماء ثمَّ والنار والآ


لَ بتلك الأبشار والأسلاب


ويمضي الشاعر في وصف تلك المجالس المترعة بالجمال والترف واللهو والإغراء لينتقل إلى التنديد بأربابها الذين يجلسونها والذين طاش توزيع الثروة فأصابهم منها النصيب الوفير:


فتخايلن باهتزاز غصون


ناعمات وبارتجاج روابي


ناهدات مطرّفات يما نعـ


ـنك رمانهن بالعنّاب


لو ترى القوم بينهن لأجبر


ت صراحاً ولم تقل باكتساب


يريد أن يقول: إن المرء لدى رؤيته ذلك يفضي إلى الجبر لا إلى الكسب والاختيار حين لا تنظم الأمور الاقتصادية تنظيماً عادلاً يمنع الاستغلال والتفاوت الكبير بين حظوظ الناس:


من أناس لا يرتَضون عبيداً


وهُمُ في مراتب الأرباب


ولا عجب أن يحفز على الثورة الدموية وهو الشاعر الرقيق:


لهف نفسي على مناكير للنكـ


ـر غضاب ذوي سيوف غضاب


تغسل الأرض بالدماء فتضحي


ذات طهر ترابها كالملاب


مِنْ كلابٍ نأى بها كلَّ نأي


عن وفاء الكلاب غدرُ الذئاب


وإثباتٍ على الظباء ضعافٍ


عن وِثاب الأسود يوم الوثاب...


يبدو من خلال هذه الأبيات المنددة الثائرة التهجم اللاذع على الموسرين المتمولين كما نستشف إشارة إلى قضايا الجبر والكسب والاختيار مما كان موضوع جدال بين المذاهب الفلسفية الكلامية إذ ذاك. في هذا الجو الموّار كالبحر ذي الأمواج المتلاطمة بمختلف النزعات والآراء نشأ الحارث في مجالس العلم الديني وحلقات الورع وندوات التقوى فنهض يدافع عن سلامة المجتمع إزاء الترف واللهو ويناضل الاتجاهات التي رآها منحرفة عن مصالح الشعب والرعايا وذلك بالوعظ وهو التبليغ المدقق في نزوات النفوس وفي ميول الطباع ثم بالتأليف المنافح عن صحة العقيدة كما يراها وزيادة على ذلك كله بالمثل الخلقي المتحرج العنيف الذي ضربه في سلوكه وسعيه وتزهده وتصوفه الجانح نحو التقشف الشديد كأن هذا التقشف تعديل يقابل ذلك اللهو والترف ويناقضهما.


-------------------------------


[1]- هو ثُفْل الدهن إشارة إلى التقلل




ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ



الحارث المحاسبى....حياته و كتبه

ليس يعلم على وجه التحديد متى ولد الحارث بن اسد المحاسبى و كنيته عبد الله الا ان اغلب المؤرخون يؤكدون انه ولد فى العقد السابع من القرن الثانى الهجرى .....

وقد ولد المحاسبى فى البصرة جنوب العراق و قضى بها فترة طفولته ثم انتقل بعد ذلك الى بغداد و بقى بها حتى وافته المنية فى عام 234 من الهجرة

يروى المؤرخون عن المحاسبى انه ولد فى اسرة ميسورة الحال و قيل ان والده قد توفى و ترك خلفه ثورة كبيرة تقدر بسبعين الف درهم و قيل ايضا ان ابنه الحارث رفض ان يشترك فى ميراث والده زهدا منه و ورعا فيه لما قد تجره الثورة و تستبعه من تفكير فيها و تدبير لها و تنمية و حفظ .. و قيل انه رفض الميراث لموقفه الشخصى من والده الذى كان من من يدينون بمذهب المعتزله و كان من من يقولون بالقدر ..( القدريون او من يقولون بالقدر هم من يقولون بحرية الارادة بمعنى ان الانسان حر فيما يأتى و فيما يدع من افعال و ليس مجبورا من الله على عمل من الاعمال ) و قد عارض المحاسبى هذا الاتجاه بشده

و ليس يعنينا على وجه العموم ذلك الامر فى حياة المحاسبى بقدر ما يعنينا عطاءه الفكرى العظيم ...
و عندما حضر المحاسبى الى بغداد كانت و قتئذ مسرحا للثقافات المختلفة و تموج بالعديد من التيارات الفكرية .. ثقافة يونانية جديدة وافدة بعد ازدهار حركة الترجمة للادب و الفلسفة اليونانية .. و ثقافة فارسية تستغل ما للفرس من ثراء و نفوذ و تحاول اثبات وجودها.. و ثقافة عربية تريد ان تجد حلا للتعارض بين مختلف الثقافات .. و ثقافة اسلامية بحتة تجاهد فى ان تقود المجتمع الى الهداية ذلك بالأضافة الى نزاعات المتكلمون و الطوائف الفقهية المختلفة .... اقبل المحاسبى على العلم و الدرس اقبالا عظيما و حاول بقدر المستطاع تثقيف نفسه و اثراء عقله .. و تشعب بفكره الحى بين كافة الطرق و الاتجاهات و لكنه و قف منها جميعا موقف المتأمل المتروى ولم تطل وقفته و لم تأخذه الحيرة معاها الى ما لا يحمد عقباه فقد ربط الله على قلبه و خرج من رحلته الفكرية حاملا معه قبس الهدى ....يقول الحارث المحاسبى فى مقدمة كتابه " الوصايا " ......"اما بعد , فقد انتهى الينا: ان هذه الأمة تفترق على بضع و سبعين فرقة , فرقة منها ناجية , و الله اعلم بسائرها فلم أزل برهة من عمرى انظر اختلاف الأمة و التمس المنهاج الواضح و السبيل القاصد و اطلب من العلم و العمل و استدل على طريق الاخره بارشاد العلماء و علقت كثيرا من كلام الله عز و جل بتأويل الفقهاء و تدبرت أحوال الامة و نظرت فى مذاهبها و أقواليها فعلقت من ذلك ما قدر لى و رأيت اختلافهم بحرا عميقا قد أغرق ناس كثير و سلم منه عصابة قليلة , ورأيت كل صنف منهم يزعم ان النجاه فى تبعهم و ان الهالك من خالفهم - المحاسبى يتحدث عن اختلاف الأمة فى العصر العباسى فما بالنا لو رأى احوالنا الان !! - ثم رأيت الناس أصنافا فمنهم العالم بأمر الاخرة , لقائوة عسير ووجوده عزيز و منهم الجاهل فالبعد عنه غنيمة و منهم المتشبه بالعلماء , مشغوف بدنياه مؤثرا لها ومنهم حامل علم منسوب الى الدين ماالتمس بعلمه التعظيم و العلو, ينال بالدين من عرض الدنيا و منهم متشبه بالنساك متجر بالخير لا غناء عنده و لا بقاء لعلمه ولا معتمد على رأيه و منهم حامل علما لا يعلم تاويل ما حمل و منهم منسوب الى العقل و الدهاء , مفقود الورع و التقى و منهم متوادون على الهوى يتفقون و للدنيا يتباذلون و رياستها يطلبون و منم شياطين الانس عن الاخره يصدون و على الدنيا يتكابلون و الى جمعها يهرعون و فى الاستكثار منها يرغبون , فهم فى الدنيا احياء و عن العرف موتى بل العرف عندهم منكر و السوء معروف فتفقدت فى الاصناف نفسى و ضقت بذلك ذرعا فقصد الى هدى المهتدين بطلب السداد و الهدى و استرشدت العلم و اعملت الفكر و اطلت النظر فتبين لى فى كتاب الله تعالى و سنة نبيه و اجماع الامة ان اتباع الهوى يعمى عن الرشاد و يضل عن الحق و يطيل المكث فى العمى فبدأت باسقاط الهوى عن قلبى وو قفت عند اختلاف الامة مرتادا لطلب الفرقة الناجيه حذرا من الاهواء المردية و الفرقة الهالكة متحرزا من الاقتحام قبل البيان و التمست سبيل النجاة لمهجة نفسى ثم و جدت فى اجتماع الامة فى كتاب الله المنزل ان سبيل النجاه فى التمسك بتقوى الله و اداء فرائضه و الورع فى حلاله و حرامه و جميع حدوده و الاخلاص لله تعالى بطاعته و التأسى برسوله صلى الله عليه و سلم "

و أخذ المحاسبى يبحث عن الفقهاء التقاه فى كل مكان حتى يستزيد بعلمهم و ينهل من معارفهم بأمور الفرائض و السنن و لم بكتف بذلك فهو لم يكن ابدا بالشخص السلبى الذى يؤثر العزلة و يصمت عن الحق بل سخر كل جهده من اجل الدعوة الى الله و الحث على التمسك بدينه و تقواه و تعبيد طريق الرشاد لكل من أراد ان يسلكه .. و المحاسبى كان يتميز بقوة الشخصية و الثقة بالنفس و لم يكن ممن يخاف الفتن و الشبهات و من أقواله المأثورة " لو ان نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم انسا ولو ان النصف الاخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم " كما تميز بطلاق اللسان و قوة الحجة و البيان ....

اما مؤلفاته فقد قدرها البعض بنحو مأتين مؤلف أغلبها فى هدايه النفوس و تزكيتها و علوم التصوف و الكلام و طريقته فى التأليف تكون غالبا فى شكل حوار ..اسئلة و يقوم هو بأجابتها تفصيليا و لكن لم تكن كل كتبه على هذا النمط و مؤلفاته فى علم الكلام قد فقدت جميعا و تقريبا لم يصل لنا منها الا بعض الاقصوصات ..اما كتبه فى ادب النفس و تزكيتها و فىالانابة الى الله فقد بقى منها الكثير ..منها المطبوع و منها المخطوط اشهرهم كتاب " الوهم " الذى طبع بالقاهرة عام 1937 و قد الفه المحاسبى على غرار المدرسة الاصلاحية التى أنشأها و عرفت بمدرسة التخيل و فى كتابه هذا يجعلك تطلق معه خيالك الى العنان و تتدبر أحوال اهل الجنة و اهل النارو ما يلقون من سعادة و شقاء و نعيم و عذاب فتصنع بخيالك صورة حية للأخرة

و كتابه " رسالة المسترشدين " و هو رسالة يوجهها المحاسبى لمن اراد ان يكون من ذوى الالباب و منهاج ذوى الالباب كما حددته الرسالة هو رعاية حدود الشريعة من كتاب الله تعالى و سنة نبيه و ما اجتمع عليه المهتدون من الائمه و كتاب " الوصايا " الذى اوردنا جزءا من مقدمته من قبل و به مجموعة جميلة من النصائح الدينية و النفحات القدسية ان كانت بأسلوب فيه بعض الحدة اما اهم كتبه و اكثرها شهرة و انتشارا فهو كتابه العظيم " الرعاية لحقوق الله" و هو الكتاب الذى خلد زكرى الحارث المحاسبى فى التاريخ وهو من كتب التراث التى نالت اقبالا كبيرا من الأقدمين و المحدثين على السواء


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ


أئمة الزهد المرضيين الحارث المحاسبي



أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، البصري المولد، البغدادي المنـزل والوفاة، أحد الزهاد المتكلمين بالعبادة والزهد والمواعظ، كانت وفاته ببغداد سنة (234 هـ) - رحمه الله تعالى -.

كان المحاسبي - رحمه الله - عالماً بالأصول والمعاملات، واعظاً مبكياً في وعظه، له كتب كثيرة في الزهد وفي أصول الديانات والعقائد والرد على المعتزلة والرافضة وغيرهما.

أخذ عن الإمام الشافعي، كما ذكر أبو منصور البغدادي في (أصول الدين)، وروى عنه جماعة منهم الجنيد - رحمه الله -.

من مؤلفاته رسالة المسترشدين، شرح المعرفة، البعث والنشور، التوهم، الرعاية لحقوق الله.

قال الإمام الذهبي - رحمه الله -: ((والمحاسبي العارف صاحب التواليف: صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعض تصوُّفِه وتصانيفه)) (ميزان الاعتدال: 1ـ 199).

وقال الإمام أحمد بن حنبل عن الحارث المحاسبي: ((جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم هلكوا بسببه. فقيل له: يا أبا عبد الله يروي الحديث وهو ساكن خاشع من قصته، فغضب الإمام أحمد وجعل يحكي ولا يعدل خشوعه ولينه ويقول: لا تغتروا بنكس رأسه فإنه رجل سوء، لا يعرفه إلا من قد خبره، لا تكلمه ولا كرامة له)). (الفروع للمقدسي: 2 ـ149) (تلبيس إبليس: 163).

وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - معللا كره الأمام أحمد لصحبة الناس للمحاسبي: ((بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتابه (الرعاية) قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة)) (البداية والنهاية: 10ـ330).

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: ((كان الإمام أحمد بن حنبل ينكر على الحارث المحاسبي خوضه في الكلام ويصد الناس عنه فهجره أحمد فاختفى في داره ببغداد ومات فيها ولم يصل عليه إلا أربعة نفر)). (المنتظم لابن الجوزي: 11 ـ309)

فالمحاسبي - رحمه الله - من العباد الزاهدين، ومن الذين تكلموا في الرقائق والمواعظ فأبكى، وشهد له كثير من معاصريه بالصلاح والتقوى، ولكن ادعى عليه المغرضون أمران أساسيان:

الأول: علم الكلام، وأخذه برأي جهم.

الثاني: إيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعات في كتبه وتصانيفه، واعتمادُهُ عليها وجعلُها (أُصولا) يَبْني على ما تضمَّنته من المعاني والأحكام، والله أعلم.
من مواضيع : ahmed1981 الرأفة بالحيوان
مخالفات الحى الثانى عشر بمدينة 6 أكتوبر
شخصيتك .. و أين تحب أن تأكل
رواية محمد رسول الحرية
إلى الأخت العزيزة مروة : موضوع للتعاون فيما بيننا
21-03-2008, 01:15 PM
ahmed1981
 
ثامن و عشرون: شقيق البلخى

شقيق شقيق

الإمام الزاهد شيخ خراسان، أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي .

صحب إبراهيم بن أدهم .

وروى عن : كثير بن عبد الله الأبلي ، وإسرائيل بن يونس ، وعباد بن كثير .

حدث عنه : عبد الصمد بن يزيد مردويه ، ومحمد بن أبان المستملي ، وحاتم الأصم ، والحسين بن داود البلخي وغيرهم . وهو نزر الرواية .

روي عن علي بن محمد بن شقيق قال : كانت لجدي ثلاث مائة قرية ، ثم مات بلا كفن ، قال : وسيفه إلى اليوم يتباركون به ، وقد خرج إلى بلاد الترك تاجرا ، فدخل على عبدة الأصنام ، فرأى شيخهم قد حلق لحيته ، فقال : هذا باطل ، ولكم خالق وصانع قادر على كل شيء . فقال له : ليس يوافق قولك فعلك . قال : وكيف ؟ قال : زعمت أنه قادر على كل شيء ، وقد تعنيت إلى هاهنا تطلب الرزق ، ورازقك ثم . فكان هذا سبب زهدي .

وعن شقيق قال : كنت شاعرا ، فرزقني الله التوبة ، وخرجت من ثلاث مائة ألف درهم ، ولبست الصوف عشرين سنة ، ولا أدري أني مراء حتى لقيت عبد العزيز بن أبي رواد ، فقال : ليس الشأن في أكل الشعير ولبس الصوف ، الشأن أن تعرف الله بقلبك ، ولا تشرك به شيئا ، وأن ترضى عن الله ، وأن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في أيدي الناس .
وعنه : لو أن رجلا عاش مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة ، لم ينج : معرفة الله ، ومعرفة النفس ، ومعرفة أمر الله ونهيه ، ومعرفة عدو الله وعدو النفس .

وقد جاء عن شقيق مع تألهه وزهده أنه كان من رءوس الغزاة .

وروى محمد بن عمران ، عن حاتم الأصم قال : كنا مع شقيق ونحن مصافو العدو الترك ، في يوم لا أرى إلا رءوسا تندر وسيوفا تقطع ، ورماحا تقصف ، فقال لي : كيف ترى نفسك ، هي مثل ليلة عرسك ؟ قلت : لا والله ، قال : لكني أرى نفسي كذلك ، ثم نام بين الصفين على درقته حتى غط ، فأخذني تركي ، فأضجعني للذبح ، فبينا هو يطلب السكين من خفه ، إذ جاءه سهم عائر ذبحه .

عن شقيق قال : مثل المؤمن مثل من غرس نخلة يخاف أن تحمل شوكا ، ومثل المنافق مثل من زرع شوكا يطمع أن يحمل تمرا ، هيهات .

وعنه : ليس شيء أحب إلي من الضيف؛ لأن رزقه على الله ، وأجره لي .

قال الحسين بن داود : حدثنا شقيق بن إبراهيم ، الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المداوم على العبادة ، فذكر حديثا .
وعن شقيق قال : أخذت لباس الدون عن سفيان ، وأخذت الخشوع من إسرائيل ، وأخذت العبادة من عباد بن كثير ، والفقه من زفر .

وعنه : علامة التوبة البكاء على ما سلف ، والخوف من الوقوع في الذنب ، وهجران إخوان السوء ، وملازمة الأخيار .
وعنه : من شكا مصيبة إلى غير الله ، لم يجد حلاوة الطاعة .

وقال الحاكم : قدم شقيق نيسابور في ثلاث مائة من الزهاد ، فطلب المأمون أن يجتمع به ، فامتنع .

أخبرنا أحمد بن محمد بن سعد ، أخبرنا الإربلي ، أخبرنا يحيى بن ثابت ، أخبرنا علي بن الخل ، أخبرنا أحمد بن المحاملي ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا الحسين بن داود ، حدثنا شقيق البلخي ، حدثنا أبو هاشم الأبلي ، عن أنس قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يا ابن آدم ! لا تزول قدماك يوم القيامة حتى تسأل عن أربع ، عمرك فيما أفنيته ، وجسدك فيما أبليته ، ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته .

أبو هاشم هو كثير : واه .

وقتل شقيق في غزاة كولان سنة أربع وتسعين ومائة .



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ



روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم :

قد صحبتني مدة ، فماذا تعلمت ؟

قال : تعلمت منك ثماني مسائل :

أما الأولى :

فإني نظرت إلى الخلق فإذا كل شخص له محبوب فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه
فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي .

وأما الثانية:

فإني نظرت إلى قول الله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى (
فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى .

وأما الثالثة :

فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه ،
ثم نظرت في قول الله سبحانه وتعالى : ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق (
فكلما وقع معي شيء له قيمة ، وجهته إليه ليبقى لي عنده .

وأما الرابعة :

فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ، وليست بشيء
فنظرت في قول الله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم (
، فعملت في التقوى لأكون عنده كريما .

وأما الخامسة :

فإني رأيت الناس يتحاسدون ،
فنظرت في قوله تعالى : ) نحن قسمنا بينهم معيشتهم (
فتركت الحسد _ لأنه اعتراض على قسمة الله _.

وأما السادسة :

رأيتهم يتعادون ، فنظرت في قول الله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا (
فتركت عداوتهم واتخذت الشيطان وحده عدوا .

وأما السابعة :

رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق ،
فنظرت في قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (
فاشتغلت بما له علي ، وتركت مالي عنده _ ثقة بوعده _.

وأما الثامنة :

رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم ،
فتوكلت على الله رب العالمين
من مواضيع : ahmed1981 رواية محمد رسول الحرية
مقال هيشعلل الدنيا .. كله يجرى
ربما آن الأوان للابتعاد
مخالفات الحى الثانى عشر بمدينة 6 أكتوبر
كتاب شمس المعارف الكبرى
21-03-2008, 01:16 PM
ahmed1981
 
تاسع و عشرون : أبو يزيد البسطامى

هذه القصة حدثت في مدينة البصرة في العراق وبطلها يدعى أبو اليزيد وهي مذكورة في التاريخ وذكرها الشيخ الجليل عبدالحميد كشك رحمه الله حيث رأى أبا اليزيد في منامه هاتفاً يقول له قم وتوضأ واذهب الليلة إلى دير النصارى وسترى من آياتنا عجبا فذهب ..

وهو العارف بالله ابو اليزيد البسطاني عندما سمع الهاتف بعد صلاة الفجر توضأ ودخل الدير عليهم وعندما بدأ القسيس بالكلام قال لا أتكلم و بيننا رجل محمدي قالوا له وكيف عرفت ؟

قال : سيماهم في وجوههم .. فكأنهم طلبوا منه الخروج ولكنه قال : والله لا أخرج حتى يحكم الله بيني وبينكم ..!!

قال له البابا : سنسألك عدة أسئلة وإن لم تجبنا على سؤال واحد منها لن تخرج من هنا إلا محمولاً على أكتافنا .. فوافق أبو اليزيد على ذلك وقال له اسئل ما شئت :

قال القسيس :

ما هو الواحد الذي لا ثاني له ؟

وما هما الاثنان اللذان لا ثالث لهما ؟

ومن هم الثلاثة الذين لا رابع لهم ؟

ومن هم الأربعة الذين لا خامس لهم ؟

ومن هم الخمسة الذين لا سادس لهم ؟

ومن هم الستة الذين لا سابع لهم ؟

ومن هم السبعة الذين لا ثامن لهم ؟

ومن هم الثمانية الذين لا تاسع لهم ؟

ومن هم التسعة الذين لا عاشر لهم ؟

وما هي العشرة التي تقبل الزيادة ؟

وما هم الاحد عشر أخا؟

وما هي المعجزة المكونة من اثنتى عشر شيئا؟

ومن هم الثلاثة عشر الذين لا رابع عشر لهم ؟

وما هي الاربع عشر شيئا اللتي كلمت الله عز وجل؟

وما هو الشيء الذي يتنفس ولا روح فيه ؟

وما هو القبر الذي سار بصاحبه ؟

ومن هم الذين كذبوا ودخلوا الجنة ؟

ومن هم اللذين صدقوا ودخلوا النار؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله وأنكره ؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله واستعظمه ؟

وما هي الأشياء التي خلقها الله بدون أب وأم ؟

وما هو تفسير الذاريات ذروا ، الحاملات وقرا ، ثم ما الجاريات يسرا والمقسمات أمرا ؟

وما هي الشجرة التي لها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ؟

فقال له ابو اليزيدالواثق بالله تعالى ... الواحد الذي لا ثاني له هو الله سبحانه وتعالى ..

والاثنان اللذان لا ثالث لهما الليل والنهار ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) ..

والثلاثة الذين لا رابع لهم أعذار موسى مع الخضر في إعطاب السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ..

والأربعة الذين لا خامس لهم التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم ..

والخمسة الذين لا سادس لهم الصلوات المفروضة ..

والستة التي لا سابع لهم هي الأيام التي خلق الله تعالى بها الكون وقضاهن سبع سماوات في ستة ايام فقال له البابا ولماذا قال في آخر الاية (وما مسنا من لغوب) ؟

فقال له : لأن اليهود قالوا أن الله تعب واستراح يوم السبت فنزلت الاية ..

أما السبعة التي لا ثامن لهم هي السبع سموات (الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت) ..
والثمانية الذين لا تاسع لهم هم حملة عرش الرحمن (ويحمل عرش ربك يومئذٍ ثمانية) ..

والتسعة التي لا عاشر لها وهي معجزات سيدنا موسى عليه السلام .. فقال له البابا اذكرها !

فأجاب أنها اليد والعصا والطمس والسنين والجراد والطوفان والقمل والضفادع والدم ..

أما العشرة التي تقبل الزيادة فهي الحسنات (من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها والله يضاعف الأجر لمن يشاء) ..

والأحد عشر الذين لا ثاني عشر لهم هم أخوة يوسف عليه السلام ..

أما المعجزة المكونة من 12 شيئاً فهي معجزة موسى عليه السلام (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنا عشر عيناً) ..

أما الثلاثة عشرة الذين لا رابع عشر لهم هم إخوة يوسف عليه السلام وأمه وأبيه ..

أما الاربع عشر شيئاً التي كلمت الله فهي السماوات السبع والارضين السبع (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين)

وأما الذي يتنفس ولا روح فيه هو الصبح (والصبح إذا تنفس) ..

أما القبر الذي سار بصاحبه فهو الحوت الذي التقم سيدنا يونس عليه السلام ..

وأما الذين كذبوا ودخلوا الجنة فهم إخوة يوسف عليه السلام عندما قالوا لأبيهم ذهبنا لنستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، وعندما انكشف كذبهم قال أخوهم (لا تثريب عليكم) وقال أبوهم يعقوب (سأستغفر لكم) ..

أما الذين صدقوا ودخلوا النار فقال له إقرأ قوله تعالى (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ) (وقالت النصارى ليست اليهود على شئ) ..

وأما الشيئ الذي خلقه الله وأنكره فهو صوت الحمير (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) ..

وأما الشيء الذي خلقه الله واستعظمه فهو كيد النساء (إن كيدهن عظيم) ..

وأما الأشياءالتي خلقها الله وليس لها أب أو أم فهم آدم عليه السلام ، الملائكة الكرام ، ناقة صالح ، وكبش اسماعيل عليهم السلام .. ثم قال له إني مجيبك على تفسير الايات قبل سؤال الشجرة ..

فمعنى الذاريات ذروا هي الرياح أما الحاملات وقرا فهي السحب التي تحمل الأمطار

و أما الجاريات يسرا فهي الفلك في البحر أما المقسمات أمرا فهي الملائكة المختصه بالارزاق والموت وكتابة السيئات والحسنات ..

وأما الشجرة التي بها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ، فالشجرة هي السنة والأغصان هي الأشهر والأوراق هي أيام الشهر والثمرات الخمس هي الصلوات وثلاث منهن ليلاً واثنتان منهن في النهار ..

وهنا تعجب كل من كانوا في الكنيسة فقال له ابو اليزيد إني سوف أسألك سؤالا واحداً فأجبني إن إستطعت فقال له البابا اسأل ما شئت فقال : ما هو مفتاح الجنة ؟

عندها ارتبك القسيس وتلعثم وتغيرت تعابير وجهه ولم يفلح في إخفاء رعبه ، وطلبوا منه الحاضرين بالكنيسة أن يرد عليه ولكنه رفض فقالوا له لقد سألته كل هذه الاسئلة وتعجز عن رد جواب واحد فقط فقال إني أعرف الإجابة ولكني أخاف منكم فقالوا له نعطيك الأمان فأجاب عليه ، فقال القسيس الإجابة هي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله !!

وهنا أسلم القسيس وكل من كان بالكنيسة ، فقد من الله تعالى عليهم وحفظهم بالإسلام وعندما آمنوا بالله حولوا الدير إلى مسجد يذكر فيه اسم الله ..


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ



واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان - وكان سروشان مجوسياً فأسلم وكان لعيسى ثلاثة أولاد: أبو يزيد وهو أوسطهم، وآدم، وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم، وكانوا كلهم عباداً زهاداً.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته.

قال منصور وسمعت أبا عمران موسى بن عيسى يقول: سمعت أبي يقول: قال أبو يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.
وقال أبو يزيد: لا يعرف نفسه من صحبته شهوته.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي، وسئل ما علامة العارف? قال: أن لا يفتر من ذكره، ولا يمل من حقه، ولا يستأنس بغيره.

وقال: إن الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوا فخلع من خلعه فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.

وقال منصور: وسمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: لو صفت لي تهليلة ما بليت بعدها بشيء.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد يقول: هذا فلاحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذ أمنتك? وسئل بما نالوا المعرفة? قال: بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له.

وقال: اطلع الله على قلوب أوليائه، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفاً، فأشغلهم بالعبادة.

العباس بن حمزة قال: صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك.

عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير؛ بل إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.

قال: وقال أبو يزيد: لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.

قال: وقال أبو يزيد: إن في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون إلى أن يطلبوا في المعاصي.

قال: وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر.

قال: وقال أبو يزيد أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة، أولهم: الزاهد بزهده، والثاني: العابد بعبادته، والثالث: العالم بعلمه. ثم قال: مسكين الزاهد، لو علم أن الله عز وجل سمى الدنيا كلها قليلاً فكم ملك من الدنيا? وفي كم زهد مما ملك? وأما العابد فلو رأى منة الله عليه في العبادة عرف عبادته في المنة، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى الله عز وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من ذلك السطر? وكم عمل مما علم? قال: سمعت أبا يزيد يقول: ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة.

وقال: أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه.

وسأله رجل: من أصحب? فقال: من لا تحتاج أن تكتمه شيئاً مما علمه الله منك.

قال عبيد بن عبد القاهر: قال أبو يزيد، غبت عن الله عز وجل ثلاثين سنة وكانت غيبتي عنه ذكري إياه، فلما خنست عنه وجدته في كل حال: فقال له رجل: ما لك لا تسافر? قال: لأن صاحبي لا يسافر، وأنا معه مقيم. فقال السائل: إن الماء القائم قد كره الوضوء منه. فقال أبو يزيد: لم يروا بماء البحر بأساً، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. ثم قال: قد ترى الأنهار تجري لها دوي وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحس بها ماء البحر، ولا ظهرت فيه زيادة، ولا إن خرجت منه استبان فيه.

قاسم الحداد قال: خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة فالتقى به الشيطان فحول وجهه ثم قال: وعزتك إنك تعلم أني ما عبدتك قط لهذا، فلا تحجبني به عنك.

عبد الصمد بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور على السور إلى وقت طلوع الفجر، يريد أن يقول لا إله إلا الله فيغلبه ما يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه، فلما كان وقت طلوع الفجر نزل فبال الدم.
الحسن بن علويه قال: قال أبو يزيد: قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي فهتف بي هافت من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.

الحسن بن علي قال: قال أبو يزيد: أبعد الخلق من الله أكثرهم إشارة إليه.

عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها، وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، اليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم.

أبو الحسن المروزي قال: سمعت امرأة أبي يزيد تقول: سمعت أبا يزيد يقول: دعوت نفسي إلى الله فأبت علي واستعصت، فتركتها ومضيت إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم? قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها. ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء.

علي بن المثنى قال: سمعت عمي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في المنام، فقلت: يا بار خدا، كيف الطريق إليك? قال: اترك نفسك ثم تعال.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت رجلاً يسأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي عز وجل، فقال: أحبب أولياء الله تعالى ليحبوك فإن الله تعالى ينظر إلى قلوب أوليائه فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب وليه فيغفر لك.

عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال: كان أبو يزيد يعظ نفسه فيصيح عليها فيقول: يا مأوى كل سوء، المرأة إذا حاضت طهرت بثلاثة أيام أو أكثره بعشرة، أنت يا نفس قاعدة منذ عشرين وثلاثين سنة بعد ما طهرت فمتى تطهرين? إن وقوفك بين يدي طاهر ينبغي أن يكون طاهراً.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك? قال: المحبة والرضا.

عن أبي موسى الديبلي، عن أبي يزيد قال: نظرت فإذا الناس في الدنيا متلذذون بالنكاح والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت لذتي في الدنيا ذكر الله عز وجل وفي الآخرة النظر إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: قلت لأبي يزيد: من أصحب? قال: من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عليك ومن يعلم منك ما يعلمه الله منك.

جعفر بن علي الترمذي أن أحمد بن خضرويه قال: رأيت رب العزة في منامي فقال لي: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ذكر أبو نعيم الأصبهاني أنه لا يعرف لأبي يزيد حديث مسند أصلاً إلا حديث واحد رواه أبو الفتح الحمصي بإسناد له عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله".

قال أبو نعيم: وهو مركب على أبي يزيد، وليس من حديثه، والحمل فيه على الحمصي فقد عثر منه على غير حديث ركبه.
قلت وهذا الحديث الذي أشار إليه أبو نعيم هو الذي ذكره له أبو عبد الرحمن السلمي، ووجدت أنا لأبي يزيد ثلاثة أحاديث أخر مسندة، منها حديثان لا يثبتان فلم أذكرهما، والثالث قريب الحال فاقتصرت عليه.

قال أبو موسى الديبلي، ابن أخت أبي يزيد البسطامي، أنبأ أبو يزيد البسطامي، يعني طيفور بن عيسى، قال: أنبأ محمد بن منصور الطوسي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير، عم أم سلمة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة: لعل فيهم المكره. قال: إنهم يبعثون على نياتهم.
توفي أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ


كان أبو يزيد البسطامي رحمه الله من كبار العارفين بالله ، فقد سلط الله عليه امرأته ، وكان كلما دخل البيت ، ركبت على ظهره تأمره بأن يُكنس البيت ، وأن يغسل الملابس ، وأن يُعد الطعام ، وكان بيدها حذاء كانت تضربه بها وهي فوق ظهره ، لم يطق العيش معها ؛ فخرج من البيت هاربا منها ، ومن بطشها وعدوانها ، ذهب إلى منطقة جبلية ، فرأى من بعيد عددا من الرجال معتزلين الناس ، يعبدون ربهم ، رغب أبو يزيد أن يعيش معهم ، ولكنه فكّر وقال : من أين يأكلون ويشربون ؟ وكيف لي أن أحضر الطعام والشراب كما يحضرون ؟

تمكن أبو يزيد من الوصول إليهم ، واختبأ خلفهم يراقبهم سرا ؛ ليعرف من أين يحضرون الطعام والشراب كي يحضر مثلهم ، ووجد أن رجلا منهم يصعد على أعلى مكان في الجبل ، ويصلي ركعتين ، ثم يطلب من الله الطعام والشراب قائلا : اللهم ببركة صبر أبي يزيد البسطامي على زوجته أكرمنا برزقك ، فإذا بطعام شهي يأتي به ملك من السماء ، يأخذه الرجل ثم يذهب به إلى أصحابه ، كان أبو يزيد يسمع ويرى ، وقال في نفسه : الناس تتقرب إلى الله بصبري على زوجتي وأنا هارب منها ، عاد أبو يزيد أدراجه إلى بيته مستعدا لأن تفعل زوجته به أعظم ما كانت تفعل به من قبل ، وعندما دخل بيته ، فاجأته زوجته باستقبال حافل وتكريم كبير لم يعهد مثله من قبل ، وقالت له : لقد انكشف السرُّ . ( بمعنى أنها كانت من كبار الصالحات وكانت امرأة مكاشفة بنور الله ، أراد الله أن يختبره عندما سلطها عليه )


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ


لقد كان أبو يزيد البسطامي (ت 261**ه*) من الصوفية الذين غلبت عليهم أحوال الجذب والوجد واختطفوا عن أنفسهم بالكلية. ولذا فاضت الأقوال المأثورة عنه بالتعبير عن الفناء والغيبة والسكر ونحو ذلك مما يشير الى أنه كان في أغلب أحواله مأخوذا مشغولا عن نفسه وعن كل ما سوى الله بالله وحده.

1- ذكر عن أبي يزيد أنه قال: رفعني (أي الله تعالى) مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد ان خلقي يحبون أن يروك. فقلت زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني الى أحديتك حتى اذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك.

2- ويقول أبو نصر السراج: سمعت ابن سالم يقول في مجلسه يوما: فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد رحمه الله لان فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، والرب يسمى به المخلوق فيقال: رب الدار، ورب البيت، وقال أبو يزيد رحمه الله: سبحاني! سبحاني. وسبوح وسبحان اسم من اسماء الله تعالى الذي لا يجوز أن يسمى به غير الله تعالى,

3- وقيل عنه أنه اجتاز بمقبرة اليهود فقال: معذورون. ومر بمقبرة المسلمين فقال: مغرورون.

4- "طاعتك لي يارب أعظم من طاعتي لك".

5- "لان تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة".

6-"غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.

7- "سبحاني، سبحاني ما أعظم شأني! ما فى الجبة إلا الله".

8- خضنا بحورًا وقفت الأنبياء بساحلها

9- خرجت من الحق إلى الحق حتى صاح فيّ : يا من أنت أنا

10- أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أحدكم: حدثنا فلان عن فلان وأين فلان قالوا مات، وأما أحدنا فيقول: قلبي عن ربي

11- وقال: ما النار؟ لاستندن إليها غداً وأقول: اجعلنى لأهلها فداء أو لأبلعنها. ما الجنة؟ لعبة صبيان.

12- ان الله جعل لى معراجا كما للنبى معراج فأخرجه أهل بسطام من المدينة

13- كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة

وهكذا يعبر البسطامي من خلال الشطحات عن الحب الالهي في أساليب رمزية مملوءة بالالغاز كعادته في معظم أقواله. فنراه يصف الصوفي في حبه لله ومعراجه اليه بأنه طائر يسبح في فضاء اللانهائية متحرراً من قيود الزمان والمكان، يطير في سماء "الهوية" ويدخل في فلك "التنزيه" ويشاهد شجرة الاحدية (بدلا من شجرة المنتهى التي شاهدها الرسول (ص) في معراجه) له جناحان من "الديمومة" يطير بهما في ميدان "الازلية" ويعلق الدكتور عفيفي على ذلك الشطح البسطامي قائلا: ان هذا كلام رجل مأخوذ عن نفسه، مسلوب عن صفاته، خارج عن حدود ذاته الزمانية والمكانية. فزمانه في حال جذبه "الديمومة" ومكانه "اللانهاية" وسماؤه "الهوية" وشجرة منتهاه "الاحدية"، وكل هذا وصف للحال التي يسميها الصوفية بالفناء.

فضلا عن كون ظاهرة الشطح غريبة في مصدرها وغريبة في منهجها فهي كذلك غريبة بل خطيرة فيما يترتب عليها وينجم عنها من أقوال وأفعال. وتأتي خطورتها في أنها تمثل أقوالا يأباها الوجدان الديني العادي، بما فيها من عبارات أقل ما يقال عنها انها عدم تأدب مع ذات الباري العظيم، وأكثر ما يقال عنها انها كفر. ومع التسليم بكون التصوف تجربة ذوقية _ ويعتبر البعض أن الشطح داخل فيها_ إلا أنه ليس كل مسلم مطالبا بخوض تلك التجربة حتى يحكم عليها. فهي اذن تجارب يصعب الحكم عليها، ومن خلال صعوبة الحكم عليها يمكن أن تكمن بعض الاتجاهات السلبية طالما أن المسألة تجربة (نسبية) وبعيدة عن العقل والوعي، وليس لها حدود من منطق، كما أنها ليس لها محك خاص يمكن أن تقوم بواسطته سوى (الذوق) نفسه حيث "ذق مذاق القوم ثم انظر ماذا ترى!".



ما روي عن احد طلاب ابو يزيد البسطامي انه تغيب عن درس ابو يزيد ، وكان في بيته ، يقول جائني خاطر" ان ابو يزيد على الباب فقم افتح الباب " يقول فتجاوزت الخاطر الاول ، فجائني نفس الخاطر مرة آخرى "ان ابو يزيد بالباب فقم وافتح الباب " فتجاوزته مرة آخرى .. فجائني نفس الخاطر للمرة الثالثة ، فقمت ففتحت الباب ، واذا ابو يزيد البسطامي على الباب وهو يقول لي لماذا لم تفتح من الخاطر الاول ...!!!


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ



ومن أقوال أبي يزيد:

قوله ناعياً على علماء الشريعة مفاخراً لهم: ((أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات)).

(الفتوحات المكية ج1-ص365 ، والمواهب السرمدية صفحة 49 , والأنوار القدسية 99 , وطبقات الشعراني 1ـ5 , وتلبيس إبليس صفحة 344, والرحمة الهابطة صفحة 309).

وقال الغزالي غفر الله له: ((وكان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالِم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالِم الذي يأخذ علمَهُ من ربِّه أيّ وقتٍ شاء بلا حفظٍ ولا درسٍ!)) (الإحياء: 3ـ24).

ويحدثنا عنه أبو حامد الغزالي فيقول: ((حُكي أن شاهداً عظيم القدر من أعيان أهل (بسطام) كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يوماً: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئاً، وأنا أصدق به وأحبه!

فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة!! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك، وقل.. كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك!!

فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك.. "سبحان الله" شرك!! قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره. فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك.. إنك لا تقبل..!)) (إحياء علوم الدين 4 ـ 358).

ويذكر البسطامي كذلك عن نفسه ما يأتي: ((رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا)) (اللمع: صفحة461).

وحكى القشيري في ترجمة أبي يزيد البسطامي ((وسئل عند ابتدائه وزهد , فقال: ليس للزهد منـزلة , فقيل له: لماذا ؟ فقال: لأني كنت خلال ثلاثة أيام في الزهد , فلما كان اليوم الرابع خرجت منه , ففي اليوم الأول زهدت في الدنيا وما فيها , وفي اليوم الثاني زهدت في الآخرة وما فيها , وفي اليوم الثالث زهدت فيما سوى الله تعلى , فيما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله تعالى فَهِمْتُ , فسـمعت قائلا يقول: يا أبا يزيد لا تقو معنا , فقلت: هذا الذي أريد , فسمعت قائلا يقول: وجدت وجدت. (الرسالة القشيرية صفحة 395)

قال أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه المحن: وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم معراج فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام.

وقال القشيري: ((قيل لأبي يزيد: ما أشد ما لقيت في سبيل الله.؟ فقال: لا يمكن وصفه , فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك.؟ قال: أما هذا فنعم , دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة)). (الرسالة القشيرية صفحة 395)

وكان يوماً يرتدي جبة ففتحها وقال: ((سبحاني ما أعظم شاني ، ما في الجبة إلا الله)). (شذرات الذهب 2ـ142 ، وفيض القدير 1ـ456).

ونقل ابن الجوزي عن أبي يزيد أنه قال: ((إن لله عباداً لو بصقوا على جهنم لأطفؤوها ولقد وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم , فسأله رجل: و لم ذاك يا أبا يزيد ؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة الله للخلق)) ثم قال: ((اللهم إن كان في سابق علمك أن تعذب أحداً من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري)) وقال: ((وما النار.؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتي)) ( تلبيس إبليس 341 و343 و346).
من مواضيع : ahmed1981 كبار أعلام الصوفية
الأزهر و عظماؤه
طوفان نوح
أروع ما قيل فى نهر النيل
كتاب الحضارة للدكتور حسين مؤنس
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أعلام, الصوفية, كبار

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

كبار أعلام الصوفية

الساعة الآن 05:10 AM.