xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح
التسجيل

ملحق قيم عن جلال الدين الرومى و المولوية و السماع خانة

الحوار المفتوح

26-03-2008, 04:54 PM
ahmed1981
 
ملحق قيم عن جلال الدين الرومى و المولوية و السماع خانة

العالم يحتفل بمرور 800 عام علي ميلاد جلال الدين الرومي :
استعادة مولانا

رحلة المجرٌة.. من بلخ إلي قونية




يحتفل العالم الآن بمناسبة مرور 800 عام علي ميلاد مولانا جلال الدين الرومي،ويبدو أن العالم يريد أن يؤكد احتياجه لقيم العدل والخير التي مثلها ذلك الرمز الصوفي الكبير في تلك اللحظة..
كان الرومي شاعرا وعالما دينيا فذا، تلقي العلم علي يد والده بهاء الدين ولد وسافر معه هربا من الغزو المغولي وقدر له أن يقابل عددا من العلماء الأفذاذ وأقطاب الصوفية أثناء ترحاله مثل محيي الدين بن عربي..وقد استقر في قونية وتزوج هناك وبدأ ينتظم في إعطاء الدروس الدينية غير أن حياته تغيرت بالكامل بعد أن قابل شمس تبريزي الذي وجٌه نظره نحو نوع آخر من المكابدات النورانية..


في البستان التالي ننشر قصة حياة مولانا وتأثير اختفاء تبريزي عليه ودراسة مهمة لنيزيه يوزيل عن موسيقي مولانا حيث تقوم تعاليمه علي عناصر ثلاثة يتم التعبير عنها من خلالها: الرقص والموسيقي والعشق. ففي أعماله، يجعجب مولانا بالموسيقي ويقبل عليها كفن راقي. وتبدأ الموسيقي، عنده، حينما ينتهي الكلام..

كما ننشر تحقيقا عن مسرح الدراويش أو "سماع خانه" القاهرة التي تعد من أبرز المنشآت التي خلفها المولويون(أتباع مولانا جلال الدين الرومي) في الفترة التي قضوها في مصر،وتمثل قمة التطور المعماري لهذه الطائفة ..وأيضا دراسة عن رقصة دوران الدراويش ..بالإضافة إلي دراسة عن تأثير مولانا شرقا وغربا لآن ماري شميل ومقتطفات من روائعه، الرباعيات، وفيه ما فيه، والمثنوي.
حسن عبد الموجود


لقبه كان خداوند كاري
ومعناه شيخنا
أو مولانا


اللقب حصل عليه صغيرا جدا. والده هو من أطلقه عليه، لأنه شعر بصلاحه المبكر وتقواه. وهذا اللقب يتبع عادة ب 'الرومي' نسبة إلي الأناضول، لأنه في تلك المنطقة أمضي جلٌ حياته، ومنها ذاع صيته إلي العالم الذي عرفه أيضا بهذا الاسم المميز، 'الرومي'.
في كتابه 'جلال الدين الرومي والتصوف' يذهب الباحث إيفادي فيتراي ميروفتش إلي أن والده كان أستاذا صوفيا وعالم دين، وواعظا بليغا التف حوله عدد كبير من المريدين، وذاع صيته باسم بهاء الدين ولد، ولقب ب 'سلطان العلماء' وكان ولد سنة 1148م وتوفي 1231 في مدينة قونية وخشية الغزو المغولي غادر بلخ سريعا مع عائلته 1219 وبعد سنة من مغادرة الأسرة أتي الغزو علي بلد الرومي تماما. توجه بهاء الدين بأسرته أولا إلي مكة لأداء فريضة الحج، وفي نيسابور التقوا بالشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار.


وبحسه الكبير وخبرته في الحياة توقع العطار للصغير أن يكون صاحب منزلة رفيعة في قلوب عشاق الصوفية وقدم له كتابه 'أسرار نامه'، وهذا الموقف جعل الرومي مدينا طوال القوت للعطار وكثيرا ما كان يردد: 'لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال أنا في الزاوية من ممر ضيق'!


ويروي الأفلاكي أنه بعد الترحال من بيت إلي بيت وصل بهاء الدين بصحبة أسرته إلي (لارندة) التابعة لقونية، وبعد أن أصبح جلال الدين الرومي شابا تزوج من ابنة خوجة شريف الدين لا لا السمرقندي. كان رجلا محترما وابنته فائقة الجمال وغاية في الثقافة والكمال تدعي (جوهر خاتون).


اشتغل بهاء الدين ولد عموما في وظيفته الخاصة بالوعظ والتعليم في قونية وعندما توفي خلفه جلال الدين (24 عاما)، وبعد عام جاء مريد قديم لوالده، وهو برهان الدين محقق الترمذي ليري شيخه القديم، وفوجيء برحيل شيخه فلازم جلال الدين وصار أستاذ الرومي علي مدي 9 سنوات، حيث أوفده إلي حلب للدراسة فقد كانت مركزا ثقافيا مزدهرا، بعدها أقام مولانا عددا من السنوات في دمشق، وهناك قابل واحدا من أعظم الصوفية والمفكرين. الشيخ محيي الدين بن عربي الذي كان يمضي السنوات الأخيرة من حياته. كان الرومي قد لقيه قبل ذلك عندما وصل إلي دمشق طفلا صغيرا بصحبة أبيه، ويقال إن ابن عربي عندما رآه يمشي خلف بهاء الدين صرخ: 'سبحان الله، محيط يمشي خلف بحيرة'!


وبعد غياب دام سبع سنوات عاد الرومي إلي قونية واستقر في مدرسته، ومن سنة 1240 إلي 1244 تولي تعليم الشريعة ومباديء الدين في هذه المدرسة كما تولي التوجيه الروحي.
كانت حياته تشي بأنها ستسير هكذا إلي أن وجد نفسه في موقف غيٌر حياته وجعله صوفيا محترقا بالمحبة الإلهية: 'كنت نيئا، ثم أنضجت والآن أنا محترق' فما الذي حدث؟

بصحبة شمس تبريزي

عندما وصل شمس تبريزي إلي قونية كان مولانا يجلس بالقرب من نافورة وقد وضع كتبه بجانبه. أشار إليها شمس وسأل: ما هذه؟
وأجاب مولانا: هذه كلمات. لماذا أنت مهتم بها؟!
وسحب شمس الكتب في حركة مفاجئة وألقي بها في مياه النافورة. وسأله مولانا ربما بجذع : 'ماذا فعلت؟ في بعض من هذه الكتب كان ثمة مخطوطات مهمة ورثتها عن والدي ولايمكن أن توجد في موضع آخر'..
وللمرة الثانية يفاجيء شمس.. مولانا، حيث مد يده إلي الماء وأخرج الكتب واحدا واحدا دون أن يصاب أحدها بالبلل.


وكان طبيعيا أن يسأل مولانا: 'ما هذا السر؟'.
وأجاب شمس: ذلك يدعي الشوق إلي الله.
وكما يقول إيفادي: شمس سأل مولانا: ما الغاية من المجاهدات والمكابدات الروحية وما الغاية من تكرار الصلاة ومن العلم؟
أجاب مولانا: 'لفهم التقليد ورسوم الدين'.
قال شمس: 'هذا كله شيء خارجي'؟
وسأل مولانا: 'فما الذي بعد ذلك؟'.
أجاب شمس: العلم أن تنتقل من المجهول إلي المعلوم، وألقي هذه الأبيات من شعر سنائي:
'اذا لم يحرر العلم النفس من النفس
فإن الجهل خير من علم كهذا'


هنا وقع مولانا علي قدمي شمس وتخلي عن تعليمه


يشير المؤلف إلي أن عمل الرومي كله وحياته كلها صارا صدي للانبهار بذلك اللقاء'.
وبعد أن أمضيا معا 16 شهرا قرر شمس الذهاب إلي دمشق لأنه كان دائما عرضة لهجمات مريدي الرومي الذين كانوا شديدي الغيرة من تأثيره في عقل شيخهم.
وقد أرسل جلال الدين الحزين ابنه سلطان ولد إلي شمس يتوسل إليه ليعود إلي قونية، ووافق شمس لكن المضايقات بدأت من جديد، واختفي شمس لتنتشر الشائعات وأكثرها قسوة أنه قتل وكان من بين القتلة أحد أبناء الرومي. علاء الدين بالتحديد.


وسافر الرومي إلي دمشق مرتين علي أمل أن يلقي 'شمس' ولكن لم يحدث. وقد نظم في ذكري شيخه مجموعة من الأناشيد تحمل اسمه: 'ديوان شمس تبريزي' (أيها السيد تعال، أيها السيد تعالي، أيها السيد عد).


مرحلة صلاح الدين فريدون


فقد مولانا كل أمل في ظهور شمس فاختار صلاح الدين فريدون زركوب صديقا وجعله شيخا لمريديه. صلاح الدين كان أيضا مريدا لبرهان الدين محقق الترمذي وكان يسكن في مدينة قونية، وفي أحد الأيام جاء إلي المدينة بينما مولانا يخطب في المسجد. تقدم ووقع علي قدمي الرومي، متلازمين حتي وفاة صلاح الدين 657 هـ. وقد تزوج سلطان ولد، ابن الرومي من فاطمة خاتون ابنته.


خلال صداقة مولانا بصلاح الدين تجددت نار الغيرة في قلوب المريدين، وعاملوا صلاح الدين بشكل سييء، والرجل لم يكن سوي عامل طلاء بسيط. كانوا يحدثون أنفسهم: 'أنقذنا من الأول (يقصدون شمسا) وكل ما يقال أننا وقعنا في فخ، هذا الرجل أسوأ من صاحبه الأول، لايتمتع بمهارة الكتابة وليس عنده علم أو فصاحة، جاهل من الجهلة'.


مولانا أشار إلي عداوة مريديه لصلاح الدين في 'فيه ما فيه' كما تحدث عنه في 'ديوان شمس تبريز'. واختار مولانا حسام الدين جلبي الاستاذ التالي لمريديه، وأضفي عليه قدرا عظيما من التبجيل، وربما بسببه نظم 'المثنوي'، فقد اقترح حسام الدين أن يؤلف الرومي رسالة شعرية تتضمن آراءه وتعاليمه. وقال له الرومي انه فكر في هذا الموضوع من قبل وانه سيبدأ فعلا في هذا..


هكذا انتهي مولانا من نظم كتابه الرائع، المثنوي، هو يرتجل وحسام الدين يكتب الأبيات وينشدها، والكتابة أحيانا كانت تستغرق الليل كله وهذا يوضح إلي حد كبير الجهد الذي بذله الاثنان للانتهاء من هذا العمل. غير أن العمل توقف لمدة عامين لوفاة زوج حسام الدين، ثم استأنف الرومي نظمه حتي رحل إلي ربه.


منابعه الأولي


يذكر الدكتور عناية الله الأفغاني في كتابه 'جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام' أن التربية في بلخ مسقط مولانا لم يكن لها شكل معين، بل كان الآباء ومن يحذون حذوهم يقومون بتكوين الصغار، وكانت أسرة والده بهاء الدين معروفة بالأدب وحسن الخلق، وأخذ مولانا علوم عصره من والده. كان يحضر محاضراته ومجالسه الصوفية ويدخل في مناقشات خاصة بقضايا أكبر من سنه، وبعد وفاة الوالد لم يكتف جلال الدين وبدأ في البحث عن منابع أخري للعلم، وأخذ يرتب مؤلفات الوالد: 'لا أزال بحاجة إلي الاستفادة مما تركه والدي'..
والسؤال لماذا سيطرت الصوفية علي عقل الرومي؟


يقول عناية الله: كانت هجرة أسرة جلال الدين البلخي من بلخ إلي تركيا هجرة من أرض الفكر والتصوف إلي أرض الفكر والتصوف يتوسطهما الاقامة المؤقتة ببعض البلدان العربية المعروفة بتربية الصوفية.


يقول مولانا في كتابه 'فيه ما فيه': 'لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك وينشر برك، تعلمه شيئا من أمر دينك أو تتعلم منه في الدين' وهذا يدل علي أنه كان متأثرا بالبيئة التصوفية وبأقوال الصوفية.


حكايات مولانا
تبدو حكايات مولانا أقرب إلي الأساطير، ولكنها ذلك النوع من الأساطير النورانية التي تناسب شخصيته.


في يوم من الأيام شكل أصدقاؤه حلقة علي ضفاف بركة. يقول الأفلاكي: 'كان شيخنا المحاط ببحر من الأنوار يحكي لنا حقائق عالم الظاهر، وبالمصادفة أخذت كل الضفادع في البركة في النقيق معا، صرخ بها أستاذنا بصوت مخيف: (ما هذا الضجيج؟ أمن حقك أن تتكلمي أم من حقنا؟) توقفت كلها حالا، لفها الصمت، وكل الحيوانات كانت صامتة، وعندما انتبه الشيخ مضي إلي البركة وعمل إشارة تعني (من الآن فصاعدا يسمح لك بالتحدث)، ومباشرة استأنفت الضفادع جميعا نقيقها.


كما كان مرة يخطب حول مباديء التصوف في أهل قونية الذين اجتمعوا في السوق، وفي وقت صلاة العشاء شكلت الكلاب حلقة حوله، كان يسترق النظر إليها باستمرار ثم يواصل شروحه، كانت الكلاب تهز أذنابها ببهجة. قال الشيخ: 'أقسم بالله العظيم ان هذه الكلاب تدرك معرفتنا الروحية' ثم قال: 'هذا الباب وهذا الجدار يحكيان أشياء دقيقة، النار والماء والتراب كلها تحكي حكاياتها'


وفي أحد الأيام كان صديق له يدق مسمارا في جدار واحدة من حجرات المدرسة فقال له الرومي: 'هذه الحجرة كانت حجرة شيخنا شمس الدين، ألا تخاف من دق مسمار فيها؟ لاينبغي لأحد أن يفعل هذا، أحس كأن أحدا يدق المسمار في قلبي'..
يقول إيفادي:


ولم يفرق مولانا ولامريدوه بين الأديان، وأي شخص في مقدوره أن يغدو جزءا من بطانته. وبعد وفاة زوجه الأولي، التي تركت له طفلين صغيرين، تزوج مولانا من امرأة نصرانية، هي خيرة خاتون من قونية، وقد اعتنقت الاسلام. كان محبوبا من أبناء الجالية المسيحية، ومن أبناء الأديان الأخري. وقد امتد تسامحه أيضا إلي غير المؤمنين. وكان يقول: 'الناس جميعا مصنوعون من أجزاء شخص واحد، وهو ما يمثله حديث النبي غ 'اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون' قومي، أي، أجزائي المكونة للكل، لأنه ان لم يكن غير المؤمنين جزءا منه، فإن 'قومي' لن يكونوا الكل'.


آثر أن يستشهد بقول السنائي: 'الإلحاد والإيمان يسيران معا علي طريق الرب. ويشدد علي وحدة الهدف الذي يسعي البشر جميعا لتحقيقه. 'هناك طرق كثيرة للبحث لكن غاية البحث واحدة دائما. ألا تري أن الطرق إلي مكة مختلفة كثيرا، واحد يأتي من بيزنطة، الآخر من الشام، أخري في البر أو البحر؟ الطرق مختلفة، والهدف واحد... وعندما يصل الناس إلي هناك تحل كل الخلافات أو النزاعات أو التباينات التي حدثت في الطريق. وأولئك الذين كان بعضهم يقول لبعض في الطريق: 'أنت مخطيء'، أو 'كافر' ينسون خلافاتهم عندما يصلون لأن:


القلوب هناك تكون في انسجام'.


أمضي مولانا جلال الدين بقية حياته في قونية، يؤلف عملا ضخما وينشر تعليمه الروحي بين نظرائه وأصدقائه وتلاميذه. ويلتقي الأخيرون ضمن الطريقة الصوفية التي أوجدها والتي ظلت دائما موسومة بسماته الشخصية: الإنسانية، والأخوة، والتواضع، والسماحة.




الاحتفال الأعظم في التاريخ




احتفال العالم بمرور ثمانمائة عام علي مولد مولانا جلال الدين الرومي هذا العام، لم يكن مجرد احتفال بأكثر الفلاسفة سموا وأعظم كاتب صوفي علي الإطلاق فحسب، بل كان بمثابة احتفال بالتسامح الديني وفتح نافذة للتعرف علي المباديء الإسلامية وإشارة إلي أن العالم كله يحتاج إلي مولانا في ذلك التوقيت.

منظمة الامم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو) اعلنت الخميس 6 سبتمبر موعدا لبدء الاحتفال، بعد تلقيها رسالة من الوفد التركي الدائم بالأمم المتحدة مدعومة من وزارة خارجية أفغانستان في 14 يناير 2005 يطلب منها المشاركة في الاحتفال، ووافقت اليونسكو علي الاحتفال بمولانا باعتباره سيد التحرر الروحي وصاحب أعمال وأفكار لايزال صداها يتردد حتي يومنا هذا، وتتخطي حدود تركيا وأوروبا كلها.

الاحتفالية شهدت تقديم محاضرات من مثقفين ومتخصصين شرحوا فيها تاريخ وأعمال وشعر جلال الدين الرومي. كما تم عرض أعمال فنية ومخطوطات وكتب مرتبطة بأعماله بالاضافة الي تأدية فرق صوفية من إيران وافغانستان وتركيا لعدة رقصات وأناشيد من التراث الصوفي، وعقب الحلقة الدراسية تم افتتاح معرض للكتب والمخطوطات واللوحات المرتبطة بجلال الدين الرومي وأعماله، كما احتفلت اليونسكو بهذا الحدث من خلال إصدار ميدالية تذكارية شرفية باسم جلال الدين الرومي.

كما أعدت المؤسسات الإيرانية برامج لتعريف العالم بأن ايران هي موطنه الأصلي وإصدارات بلغات عدة.

علي جانب اخر خصص معرض طهران الدولي للكتاب بجناح 'أهل القلم' ثلاث جلسات بحثية للاحتفال بمولانا حملت عناوين : 'مولانا والشباب' و'فهم لسان مولانا'، و'اقتباسات مسرحية من آثار مولوي'. كما يعمل المخرج الإيراني المسرحي صابري علي مسرحية تعرض قريبا بعنوان 'شمس الطائر' تتناول حياة الرومي وتحولاته الفكرية بعد لقائه المؤثر بالعارف شمس التبريزي.

وتشارك مؤسسة الترويج للغة والأدب الفارسي في هذه الاحتفالية عبر إصدارين الأول يتعلق بكتاب المثنوي ويحوي شروحا للاصطلاحات التي وردت فيه من عدة لغات، في حوالي 900 صفحة من مقدمة باللغة الإنجليزية، أما الكتاب الآخر فيحمل عنوان 'الرحمة والغضب الإلهي من منظور مولانا جلال الدين محمد البلخي'.

كما تشارك مؤسسة مدينة الكتاب ومقرها طهران في هذه الفعاليات عبر جلسات تعقد كل أربعاء يشارك فيها نقاد وأدباء تتركز في مجملها حول شرح المثنوي وغزليات شمس، كما عقدت المؤسسة جلسات متخصصة بمشاركة باحثين من داخل ايران وخارجها.

وفي هذا الإطار نظمت الجامعات الإيرانية فعاليات مشابهة في جامعات طهران ومشهد وشيراز ، تحضيرا للمؤتمر العالمي الذي سيعقد بمشاركة باحثين عالميين في نوفمبر القادم.
واحتفالا بتلك المناسبة نظم المجمع التونسي للعلوم والآداب بالتعاون مع السفارة الإيرانية بتونس، ندوة فكرية شاركت فيها مجموعة من الباحثين والمتخصصين في دراسة اشعار جلال الدين الرومي، منهم سيد محمد صدر هاشمي، وتوفيق بن عامر، وعبدالقادر النفاتي، وابو ايوب المرزوقي، وقد تم النظر في عدة جوانب تتعلق بأوجه التشابه بين محيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وتجربة الإرادة عنده، بالإضافة إلي مرتكزات فلسفة السماع في تجربته.
اما تركيا فتعد نفسها لعشرات النشاطات داخل البلاد وخارجها للتعريف بجلال الدين الرومي وفلسفته ونشر ما يدافع من أفكار حول التسامح والانفتاح. وقد أخذت بلدية 'قونيه' علي عاتقها تحمل المسؤولية الأكبر في برنامج الاحتفالات حيث أعدت لأكثر من 150 نشاطا، خصوصا في امريكا والعواصم الاوروبية ضمن برنامج متنوع يتضمن عروض الدراويش ومحاضرات وحفلات موسيقية ومعارض وقراءات في مؤلفات الرومي النثرية والشعرية.
أكبر وأهم الاحتفالات كانت مطلع يونيو الماضي في اسطنبول، حيث شارك 800 من أتباع الطريقة في أكبر حلقة تجري حتي الآن بالإضافة الي تقديم برنامج موسيقي يقدم من خلاله كبار الموسيقيين العالميين من أمريكا وإيران والهند أهم معروفات الطريقة المولوية.
نظمت دار الاوبرا المصرية بالتعاون مع وزارة الثقافة والسياحة التركية احتفالية تضمنت تقديم الحضرة المولوية بمناسبة دعوة اليونسكو الي اعتبار العالم الجاري احتفالية عالمية بالذكري ال 800 لميلاد الشيخ الصوفي جلال الدين الرومي.

وتضمنت الاحتفالية تقديم عرض لفرقة إسطنبول للموسيقي التاريخية التركية التي تأسست في عام .1991

وأنشد المطرب أحمد أوزهان خلال الفاصل عددا من مدائح الرسول تلاها تقديم الحضرة المولوية.

ومع نهاية الحضرة المولوية تمت دعوة الحضور الذين ملاؤا قاعة المسرح الكبير إلي المسرح المكشوف حيث عزفت فرقة الجيش العثماني العسكرية اناشد الجيش العثماني.
وتتبقي اشارة الي ان الاحتفال بالذكري ال 800 لجلال الدين الرومي سيتم في اكثر من 18 بلدا تمتد من الارجنتين وصولا الي إندونيسيا وسيتم خلاله تقديم الحضرة المولوية والموسيقي الصوفية والعسكرية التركية.

وللتذكير فقط، فالرومي هو اليوم بين الشعراء الأكثر شعبية في الولايات المتحدة، رغم انه لم يكن معروفا فيها قبل عشرة أعوام. وأكبر مقياس علي شهرته، هو قيام مجموعة من نجوم السيما والمطربين تتقدمهم الفنانة الشهيرة مادونا بتسجيل أشعاره والترويج لها هناك.
كبار المتخصصين يرون باختصار ان شعبية الرومي وتزايد الإقبال علي قراءته يعودان إلي مايعانيه كثيرون من ظمأ روحي وفلسفي كبير. فتساؤلاته التي طرحها.. لا أعلم من أين جئت، ولا أعرف مايجب أن أفعل'، تعبر عن مشاعر أكثر من شعب وحضارة في العالم.




د. السباعي محمد السباعي.. وفيه مافيه:
تجاهل الرومي جزء من إدماننا إضاعة التراث






انتبه البحث العلمي في مصر إلي أهمية فكر وفلسفة مولانا جلال الدين الرومي، وأن حدث ذلك متأخرا وتحديدا منذ أربعين عاما عندما تقدم الباحث السباعي محمد السباعي برسالة لقسم اللغات الشرقية بكلية الآداب جامعة القاهرة لنيل درجة الماجستير وكانت الرسالة بعنوان 'جلال الدين الرومي وكتابه فيه ما فيه' والدكتور السباعي بحث لفترة طويلة في تراث جلال الدين الرومي، وهو استاذ ورئيس لقسم اللغات الشرقية بكلية الاداب، وهو ايضا خبير بمجمع اللغة العربية للغتين الفارسية والتركية.

وحول علاقته بجلال الدين الرومي، كان هذا الحوار.
يقول الدكتور السباعي: بدأت علاقتي بمولانا جلال الدين الرومي منذ كنت طالبا بالسنة الثانية بكلية الاداب حين كان يدرس لي استاذي احمد السعيد سليمان مادة الشعر الفارسي، وكان أستاذي عاشقا لجلال الدين الرومي، رغم ان تخصصه الأساسي في الطرق الصوفية في الاناضول والادب التركي، وكان يحاول جاهدا ان يبرز المعاني الصوفية لهذا الشاعر الكبير، وكان بجواره الدكتور عبدالسلام كفافي وهو الذي تخصص في تراث جلال الدين الرومي، وقدم أول ترجمة للمثنوي وأظهر مجلدين الأول والثاني المثنوي الذي يقع قي 6 مجلدت، وبدأ د.كفافي الثالث، ولكن لم يمهله القدر فتوفي دون ان يتمه وبعد الوفاة لجأت اسرته الي كي أكمل المجلد الثالث فأكملته، ولم تكن الأبيات الناقصة كثيرة، لكنها كانت مهمة جدا لاتمام العمل، وكان هدف الاسرة نشر هذا المجلد، وقد أوضحت فيه أنني قمت بالترجمة من البيت رقم كذا الي نهاية المجلد، حتي تكون هناك تفرقة واضحة بين عمل استاذي الكبير المتخصص وبين تلميذه وهو انا، ولم يسعفني الحظ ان ان ادرس جلال الدين الرومي علي يد استاذي د. كفافي لانه قد سافر الي بيروت للعمل فيها، ودرست جلال الدين الرومي علي يد استاذي احمد السعيد سليمان صاحب الرؤية الصوفية، وفي نفس الوقت قرأت عمل استاذنا د. محمد عبدالسلام كفافي وهي ترجمة مزودة بتحقيق ودراسة وبيان المعاني الصوفية المختلفة.

وأضاف د. السباعي: وأحالنا د. احمد السعيد سليمان الي العمل الاول الذي تناول جلال الدين الرومي وهو العمل الذي قدمه استاذنا الرائد عبدالوهاب عزام حيث قدم للمكتبة العربية كتابا ضخما يضم فصولا من المثنوي وفي تلك الاثناء فان زميلي د. ابراهيم الدسوقي شتا قد بدأ التفكير في اصدار ترجمة كاملة للمثنوي، وأتيح لي وللدكتور شتا ان نسافر معا الي طهران، فأخذنا نجوب مكتباتها بحثا عن الشروح والتعلقيات والتفاسير المختلفة للمثنوي فجمعنا ما صدر من شروح المثنوي باللغات الفارسية والتركية والانجليزية، وكان هناك شرح باللغة العربية بعد ذلك وكان للدكتور شتا رؤيته في ان يبدأ في ترجمة المجلد الاول من المثنوي، ثم الثاني، والثالث وقام بنشره المجلس الاعلي للثقافة في ستة مجلدات ومن حسن حظي ان د. عبدالسلام كفافي كان ضمن لجنة مناقشة الرسالة التي اعددتها عن جلال الدين الرومي.
وعن كتاب جلال الدين الرومي 'فيه ما فيه' قال د. السباعي كنت متأثرا في اختياري لهذا الموضوع بآراء أستاذي د. احمد السعيد سليمان الذي أوضح لنا في الدرس ان جلال الدين الرومي اذا كان مشهورا بأعماله الشعرية فإن أعماله النثرية علي جانب كبير من الاهمية ولم يسلط الضوء علي اعماله النثرية الا قليلا، وقد ظهرت ترجمة لكتاب 'فيه ما فيه'.. باللغة التركية في تركيا، وبدأت العمل في الرسالة وعند المناقشة تم تشكيل اللجنة لتضم د. احمد السعيد سليمان، د. محمد عبدالسلام كفافي، وكان لي بعض الاراء والملاحظات التي كنت اناقش فيها د. سليمان، وكانت بعض هذه الاراء تتمثل في أسئلة وجهتها الي د. كفافي عن تفسير لبعض الرؤي الصوفية عند جلال الدين الرومي.




ولماذا اخترت كتاب 'فيه ما فيه'؟

لانه لم يحظ بالدراسة الكافية، ولم يدرس عند ابناء العربية حتي ذلك الوقت، ومن هنا تميز الموضوع بالدقة والجودة، وهما شرطان اساسيان لأي بحث علمي جاد.




وما ابرز الدروس الحياتية التي استخلصتها من جلال الدين الرومي؟

الدراسات النظرية بصفة عامة لها تأثيرها في بناء الانسان وفكره فنحن ازاء دراسة لشخصية سامية مجددة، فلاشك ان هذا ينعكس علي الإنسان، فسيرة حياة جلال الدين الرومي نموذج لما ينبغي ان يكون عليه من يتصدي للفكر، وقد أفدت كثيرا من ارائه وأفكاره المتنوعة وموضوعاته المتعددة، فكل عمل من اعماله يتضمن افكارا متميزة عن الحياة والنفس الانسانية، والكون او علاقة الانسان بنفسه، وعلاقته بالاخر، وعلاقته بخالقه، وكل هذه امور في غاية الاهمية ولاتتبع المعارف الانسانية الا باحتواء ودراسة هذه الافكار وفهمها فهما جيدا، وهنا يتضح لنا اهمية الدراسات الانسانية التي يمثل الأدب شعرا ونثرا رافدا اساسيا من روافد هذه الحياة.




ما مغزي احتفال الغرب بجلال الدين الرومي واهميته؟

بدأ اهتمام الغرب بالاداب الشرقية سواء العربية او الفارسية او التركية منذ القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وذلك مع حركة النقل والترجمة، وظهور حركة الاستشراق التي يمكن ان يختلف الرأي حولها، ولكنها دون شك قد قدمت لنا نماذج من الفكر الاوروبي جدير ان نتوقف عنده وان نفيد منه، فالآداب الشرعية بعامة كلها كانت محل دراسة عند الاوروبيين فقدموا اعلام الأدب العربي ونشروا متونه بعد تحقيقها وكذلك الادب الفارسي، وحظي الفردوسي وحافظ الشيرازي، وسعدي الشيزازي وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار صاحب منطق الطير باهتمام المستشرقين الاوروبيين، وكذلك عمر الخيام وكانوا سببا في انتشار الاداب الشرقية في اوروبا، وفي إخراج كثير من المتون باللغة الفارسية وغيرها بعد تحقيقها وترجمتها الي القاريء الشرقي والاوروبي.




لماذا تجاهل الشرق جلال الدين الرومي، ولماذا لم يعرف في العالم العربي إلا للمتخصصين، هل هذا قصور في الترجمة؟!

اولا نحن في الشرق منذ عصر النهضة التي كان من روادها رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الافغاني، ومحمد عبده، وأقطاب الفكر الاسلامي في المشرق، واصحاب الفكر الاسلامي الحديث المعاصر، بدأ هؤلاء يبرزون دور الغرب، وظهرت الاتجاهات المختلفة في الفكر الاسلامي الحديث والمعاصر باتجاهاته الثلاثة، اتجاه ينادي بالسلفية واخر ينادي بالحداثة، وترك كل ما هو قديم، ثم ظهر اتجاه وسط لا يبغي السلف، ولايقبل اقبالا تاما علي حركة الغربنة، وبدأ الاهتمام بالدراسات الشرقية مع نشأة الجامعة المصرية، ورأينا استاذنا د. طه حسين بقامته العلمية كيف اهتم بالفكر الاوروبي، ويطالب بادخال وتدريس اللغة اليونانية واللاتينية في الجامعات المصرية، ومن هنا كان الاتجاه الي الغرب وسيلة لتحديث الشرق.
وأشار د. السباعي الي انه بعد طه حسين ظهر الدكتور عبدالوهاب عزام الذي رغم اهتمامه بالغرب، ورغم معيشته في أوروبا، وهو خريج مدرسة القضاء الشرعي، فقد دخل الجامعة وحصل علي اول رسالته في الادب الفارسي في التصوف وحملت عنوان 'التصوف وفريد الدين العطار' وكانت رسالة للدكتوراة في ملحمة الشهنامة للفردوسي فنحن نري ان الدكتور عزام والذي اسميه انا في كتابي 'عزام رائدا ومفكرا' نراه يضع اجابة شافية لسؤالك يقول ما معناه 'كل الذين يولون وجوههم صوب الغرب، إبدأوا بأنفسكم فاعرفوها، وبمآثركم فعظموها، ثم اعرفوا للاخرين اقدارهم وتبخسوا الناس اشياءهم'.

فلاضير ابدا ان نتجة للغرب، ولكن قبل الاتجاه، يجب ان ندرس انفسنا وذاتنا.
ونحن نتجاهل الرومي لأننا نتجاهل انفسنا ولانهتم بأنفسنا وتراثنا.

وقال اذا كان د. طه حسين له من تلاميذه الكثير الذين تبنوا دعوته وفكرته، فلم يكن لعبدالوهاب عزام من التلاميذ من يؤدي دورا كبيرا من اداء تلاميذ طه حسين.
هل أهمية جلال الدين الرومي تكمن في كونيته؟

ان قيمة جلال الدين الرومي تكمن في عالمية فكره لان افكاره ترقي بالفكر العالمي، وليست مقصورة علي جنس او طبقة معينة، فكانت البشرية عامة موضوع فكره وادبه، والانسان المسلم والانسان عامة هو مجاله الخصيب.




الوجه الأكمل لرحلة المولوية:

مسرح الدراويش



مسرح الدراويش أو "سماع خانه" القاهرة هي أبرز المنشات التي خلفها المولويون(أتباع مولانا جلال الدين الرومي) في الفترة التي قضوها في مصر،وتمثل قمة التطور المعماري لهذه الطائفة كما تمثل أبلغ درجات التعبير عن الرموز الهندسية والكونية والتي تحددها وظائف وأبعاد المساحة المعمارية التي يتم فيها "السمع" أو الرقص الصوفي عند المولويين، وكانت سماع خانه القاهرة أيضا آخر سماع خانه ظلت تعمل بعد قرار إغلاق التكايا وحل طوائف الدراويش التركية.

ورغم قله المعلومات الموجودة عن المكان فإن الكتيب الإرشادي للتكية المولوية يوضح أن قصة هذا المكان ترجع إلي عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون،الذي تميزت فيه مصر برفاهية نسبية وثراء .وكما يذكر المقريزي فقد انغمس الكثيرون في ظل الصراع علي السلطة في بذخ بلا حدود وفي المتع حلالا وحراما ،وفي نفس الوقت فضل البعض الآخر الابتعاد وانخرطوا في التصوف والعلوم والفنون لذلك انتشرت العمارة والبناء بشكل كبير فشيدت المساجد والمدارس ،وتشهد الوثائق بأن سنقر السعدي ­الذي كان وزيرا لأهم وزارتين في عهد قلاوون وهما الداخلية والدفاع­ قد أنشا العديد من الأبنية الضخمة ومن أهمها "مجموعة ومدرسة سنقر السعدي بشارع السيوفيه" هذا العمل يعد من أهم الأعمال التي قام بها سنقر السعدي وكانت هذه المجموعة المعمارية تتكون من "كتاب" لتعليم القران و"رباط" للسيدات والأرامل واليتامي وأخيرا الضريح الذي كان يريد أن يدفن فيه،ويوضح الدكتور حجاجي إبراهيم خبير الآثار الإسلامية والذي قضي فترة طويلة في دراسة هذا المكان أن رغبة سنقر السعدي بأن يدفن في مجموعته لم تتحقق حيث أجبرته خلافات خطيرة مع قوصون مالك القصر المجاور له­والذي كان علي علاقة قوية بالسلطان­ علي مغادرة البلاد والرحيل إلي سوريا حيث قضي نحبه هناك عام 1328م 728ه وبمرور الوقت استخدم الشيخ ناصر صدقه وحفيده حسن صدقه مدرسه سنقر السعدي الأثرية الرائعة ولازالت تحمل اسم حسن صدقه حتي اليوم ويشير د.حجاجي أنه وإذا لم يحقق سنقر السعدي رغبته في الدفن داخل الضريح الذي أعده لنفسه فقد تحقق ما أراد بالنسبة لحسن صدقه حيث عثرت البعثة الأثرية علي حفر بالتابوت يؤكد أن سنقر السعدي قد أعد هذا التابوت لسيدي حسن صدقه وربما أراد أن يدفن بجواره لكن لم يتمكن من تحقيق رغبته.


بعدها الحق بالضريح ملجأ لليتامي والأرامل.وتشير بعض النصوص التركية التي تتحدث عن الطريقة المولوية التابعة لمولانا جلال الدين الرومي إلي رحيل وإقامة بعض أعضاء الطريقة في مصر وتؤكد بعض هذه الوثائق علي تواجدهم قبل الفتح العثماني وعلي أي حال فانه حتي وإن لم يكن الفتح العثماني عنصرا حاسما بالنسبة لتواجدهم فعلي الأقل وفر مقرا دائما لهم، ففي عام 1607م ­1016ه حصل المولويون الذين أقاموا في القرن السابع عشر علي ضريح حسن صدقه وعلي كل المنطقة المجاورة له والتي كانت تشغلها بقايا المجموعة المعمارية لسنقر السعدي كوقف من الأمير يوسف سنان وان كان د.حجاجي إبراهيم يؤكد خطأ المعلومة السابقة حيث يؤكد انه وجد مخطوطه تحوي أجور الفنانين العاملين في المسرح مسجلة بتاريخ 1005ه بما يعني أن المسرح كان قائما قبل هذه الفترة ،وكانت المباني كما أكدت أعمال التنقيب الأثري بعد ذلك في حالة من الإهمال والخراب واقتصر المولويون علي استخدام الأجزاء الصالحة فقط من المنطقة وكانت "السماع" أو الرقصة الشعائرية تتم في الإيوان المجاور للضريح ولم يكن يستخدم من المدرسة التي كانت قد تحولت بعض أجزائها إلي أطلال سوي الملحقات والغرف الصغيرة المحيطة بالصحن الرئيسي ثم تلت ذلك بوقت طويل الترميمات والأعمال التكميلية التي أعطت للمجموعة المولوية المعمارية شكلها النهائي وذلك بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بفضل الأوقاف الإضافية التي حصلوا عليها وفي بعض الأحيان بسبب اهتمام السلطات الحكومية ذاتها.


ومع توسع المجموعة المعمارية للدراويش المولوية في المنطقة التي تتوسط بقايا كل من مدرسة سنقر السعدي وقصر يشبك استخدموا بقدر الإمكان الآثار الموجودة من قبل وهيأوها للوظيفة الجديدة ،بتوسيع جناح جديد علي شارع السيوفيه وفتح باب للمكان يؤدي مباشرة إلي الشارع .وقد استلهم المولويون عملهم من المساحة الموجودة والمتاحة ومن المواصفات المعمارية للبيت الأم في قونية والعديد من المجموعات التقليدية لنفس الطائفة ،وعلي ذلك فان المجموعة المعمارية تمثل قمة التطور المعماري لهذه الطائفة واتسمت في نهاية الأمر بمنطق تعبيري كما انه المكان الوحيد الذي يجمع بين الفكرين السني والشيعي فنجد 8 وحدات زخرفيه و8 شبابيك دلاله علي أن الجنة لها 8 أبواب وكذلك حملة عرش الرحمن ومن الفكر الشيعي نجد 12 عامود وعلي كل منهم اسم من أسماء الأئمة الاثني عشر ويمكن تقسيم المجموعة إلي أربع قطاعات: الأول هو منطقة التعبد نظرا لوجود السماع خانه والضريح في هذه المنطقة ،ثانيا منطقة الحياة النسكيه وتتألف من الحجرات التي كانت تحيط بالحديقة مع وجود الفسقية في الوسط ،ثالثا منطقة الأنشطة اليومية المشتركة حيث تعقد الاجتماعات الخاصة والصلاة والمطعم والمطبخ ،وأخيرا نجد المنطقة العامة وفيها مناطق للاستقبال تفصل المجموعة عن الشارع الذي يضم مدخل التكية وحديقة كبيرة حيث يتم استقبال الزائرين الذين يتوقفون في التكية أو الفقراء الذي يأتون لطلب الطعام.


ويوضح الكتيب الإرشادي أن اللوحة الموجودة فوق "البوست" حيث يجلس شيخ الطريقة أثناء الشعائر والموقعة من الشيخ عبد العزيز الرفاعي بتاريخ 1341ه وتحمل عبارة "ياحضرت مولانا" تعبر عن فترة زمنية مليئة بالنشاط للطريقة التي كانت موجودة بشارع السيوفيه،واستمرت الطريقة في عملها وانتشرت انتشارا كبيرا وفي 13 يونيو 1928 كتبت الكاتبة مي زيادة مقالا طويلا في الأهرام وصفت فيه السماع الذي شهدته في التكية،وبعدها شاركت المجموعة المولوية بثمانية مقطوعات موسيقية في مؤتمر الموسيقي العربية الذي عقد في القاهرة عام 1932 وربما كانت هي آخر الأنشطة التي قامت بها المجموعة ففي حوالي عام 1945 تم حل الطائفة المولوية في القاهرة وهجرت السماع خانه بالإضافة إلي ضريح حسن صدقه وفي 1946 احتل المكان العجزة والمساكين مع ما تبقي من الدراويش وفي 1952 قامت الثورة وطرد الدراويش وانحلت أيضا اللجنة التي كانت قد دعمت العمل للحفاظ علي منطقة المولويين وانتقلت وظيفتها في عام 1953 إلي لجنه حفظ الآثار والتي قامت بفضل الدكتور عبد الرحمن عبد التواب بإنشاء سور للمدخل الرئيسي للسماع خانه ليتجنب أضرارا أكيده فضلا عن تلك الأضرار التي نجمت عن الافتقار إلي الصيانة.


ويرجع الفضل في الاهتمام بالسماع خانه مرة أخري في أواخر السبعينات إلي مديرة المعهد الثقافي الايطالي بالقاهرة في ذلك الوقت د.كارلا ماريا بوري التي استحوذ علي اهتمامها المنظر المسرحي الداخلي للمبني الذي يرجع إلي العصر العثماني والذي كان وقتها في حالة انهيار وعجلت بطلب الترميم سواء من السلطات المصرية أو الايطالية وبالفعل بدا منذ عام 1979 علي يد البروفيسور ج.فانفوني إقامة موقع عمل كمدرسة لترميم المجموعة المعمارية المولوية وتم تأسيس هيئة خبراء الترميم وهي مركز التأهيل المهني للترميم وفي عام 1988 وبمناسبة إعادة افتتاح السماع خانه للجمهور تم أيضا افتتاح المركز الايطالي المصري لترميم الآثار ،بناء علي برتوكول تنفيذي بين الحكومتين المصرية والايطالية ومازال يعمل حتي الآن في دراسة وترميم المنطقة الأثرية والتي تمثل أيضا مقر المركز نفسه إضافة إلي الحفاظ علي المباني المرممة بالتعاون مع المجلس الأعلي للآثار.وأصبح هذا المكان القبلة الوحيدة لعشاق المولوية وفنونها.




تأثير مولانا في الشر ق والغرب
كل من يقرأ المثنوي صباحا ومساء،
تكون نار جهنم عليه حراما
فالمثنوي المعنوي لمولانا،
هو القرآن باللفظ البهلوي..
ماذا سأقول في مدح هذه الشخصية النبيلة؟
ليس نبيا، ولكن لديه كتاب


تلك هي الكيفية التي مدح فيها ملا جامي 'ت 897هـ / 1492م'، وهو آخر شاعر كلاسيكي في ايران، مولانا جلال الدين. ومقولتاه المتمثلتان في أن مثنوي جلال الدين بأبياته الأكثر من ستة وعشرين ألفا هو تقريبا ترجمة كاملة للقرآن بالفارسية، وأن مولانا لديه تقريبا وضع نبي أتي بكتاب مقدس لأمته، رددهما بين الفينة والأخري المعجبون بجلال الدين الرومي وأتباعه في كل زاوية من العالم.


الاعجاب الذي أظهر بالرومي في الشرق والغرب بلغ ذروة جديدة سنة 1973م، وهي ذكري مرور سبعمائة سنة علي وفاته. ليس في قونية فقط، حيث يدفن الشاعر الصوفي، وفي تركيا علي الجملة حيث عقدت اللقاءات الدولية، ونشرت الكتب العلمية الرصينة والمبسطة: بل احتفلت ايران أيضا بذكري الشاعر العرفاني الأعظم في اللغة الفارسية. وقد نظمت محاضرات عديدة حول الرومي والمظاهر المختلفة لشعره وتعاليمه في باكستان وأفغانستان، وحتي أيضا في بلدان الغرب. والعلماء وعشاق مولانا جمعوا حولهم كثيرا من المعجبين في سنة الرومي: هولندا وألمانيا وبريطانيا العظمي وجامعات مختلفة من الولايات المتحدة شاركت في لقاءات الذكري، كما فعل مستشرقون في ايطاليا وسويسرا وبلدان أخر.


وفي لحظة كهذه قد نسأل أنفسنا: لم كان للرومي مثل هذا التأثير العميق في ملايين الناس، وكيف تجلي تأثيره الروحي علي امتداد القرون في الشرق والغرب؟ لعلنا نكون قادرين علي الظفر باجابة مناسبة لهذا السؤال.


وقبل أن ينظم جامي أبياته في أواخر القرن التاسع الهجري '15م' بزمان طويل، كان الاعجاب بآثار جلال الدين الرومي واسع الانتشار في دنيا الاسلام. والحق أن المصنفات الأولي التي ألفت حوله في قونية نفسها تظهر قبلج كل سمات التبجيل العميق والاحترام الفائق للشيخ التي قدر لها أخيرا أن تصبح أمرا مألوفا. وهي تشكل فعليا حجر الزاوية لكل المحصول الادبي الذي كتب حوله وحول آثاره الشعرية التعليمية في القرون السبعة التي تلت وفاته.
لم يكن الابن الأكبر المحبوب لمولانا سلطان ولد '623 ­- 712هـ/1226 -­ 1312م' المنظم للمولوية في طريقة مضبوطة معروفة في الغرب بالدراويش الدوارة فقط: بل هو أيضا/ الكاتب الأول لسيرة حياة والده كان قادرا علي تسجيل أحداث حياة والده كما عاينها هو نفسه منذ طفولته الأولي وما تلاها. مجيء برهان الدين محقق الي قونية اثر في الصبي ذي السنوات الست ثم بعد ذلك ارسل سلطان ولد ليرجع المعشوق الصوفي لوالده، شمس الدين، من سورية وكان هو الذي تزوج ابنة صلاح الدين زركوب الذي توجه إليه الرومي في عشقه الصوفي بعد اختفاء شمس الدين.


كان سلطان ولد مريدا مخلصا لوالد زوجته الذي بوساطته ألهم نظم القريض وعلي النحو نفسه كان مخلصا لحسام الدين جلبي، اذ رأي فيه خليفة والده وأطاعه في إخلاص تام إلي أن توفي هذا الصديق الشاب لمولانا فاحتل سلطان ولد 'الذي أخذ والده من يده'، كما قال هو، منزلة شيخ الطريقة المولويٌة وحكاياته الشعرية هي التفسير الأكثر إخلاصا لحياة والده وتعاليمه، رغم أنه أحيانا يميل الي استخدام معلومات تاريخية مفككة نسبيا، لكنه بأسلوبه المتواضع وطريقته البسيطة في شرح بعض فكر مولانا الأكثر تعقيدا وهو يسرد قصصه مرة أخري، مصدر ممتاز من أجل فهم فكر جلال الدين. وشخصية سلطان ولد نفسه ستكون جديرة بالتحقيق والبحث: فبعد الشخصية الغريبة والمبهمة لجده بهاء الدين ولد والجمال المتألق والقوة لدي مولانا نفسه، يبدو هذا الرجل من الجيل الثالث مغمورا الي حد ما. وهو يقينا لم يكن عقلا مبدعا بل مفسرا أمينا، لم يكن روحا متقدا بل ماسك مرآةي لأولئك الذين عشقهم وحاول شعره أن يعكس روعتهم.


اما الموسيقي التركية الكلاسيكية فلايمكن تصورها دون التقليد المولوي، والألحان المؤلفة للرقص الصوفي 'السماع' هي اليوم مؤثرة وباعثة للوجد كما كانت منذ قرون.


ولأن الاتراك العاديين لديهم إلمام ضئيل، أو ليس لديهم أي إلمام، بالفارسية، اضطلع عدد من العلماء المولويين بمهمة التعليق علي المثنوي، أو ترجمته الي اللغة التركية أما أفضل شارحين للأدب الفارسي في أوج ازدهار الامبراطورية العثمانية، وهما شمعي وسروري، فقد ألف كل منهما شرحا في سنتي 1000 هـ/1591م و 1001 هـ/1592م. ولم تمض سوي سنوات قليلة حتي كتب إسماعيل رسوخي الأنقرويٌ 'ت 1041هـ / 1631م' شرحا لايزال يعد أعمق مقدمة لهذا الأثر العظيم، وقد صار معروفا في أوروبا من خلال التحليل الجيد لمحتوياته الذي قام به العالم النمساوي جوزف فون هامر ­ بورغشتال سنة 1276ه / 1851م.
وبعد إسماعيل الأنقروي بقرن أعد إسماعيل حقي بورصلي 'ت 1137هـ/1724م'، الذي يعد بحق شاعرا صوفيا جيدا، مقدمته المسماة 'روح المثنوي' وفي الوقت نفسه تقريبا نجح سليمان نحيفي 'ت 1150هـ/ 1738م' في ترجمة المثنوي إلي الشعر التركي علي وزنه الأصلي. وفي أيامنا، يعمل كثير من العلماء الأتراك في ميدان دراسات مولانا: أسهم عبدالباقي كلبينارلي الذي لا يعرف التعب بدراسات قيمة جدا في مجال المعلومات المتصلة بحياة مولانا وتاريخ الطريقة المولوية: ونقل أيضا الشعر الغنائي 'ديوان شمس' الي التركية الحديثة ونشر رواية محققة لترجمة ولد ايزبوداق للمثنوي. اما كتاباه/ 'مولانا جلال الدين الرومي' و'المولوية بعد مولانا'، فيستحقان يقينا الترجمة إلي احدي اللغات الغربية. وحديثا جدا، بدأت المؤلفة العرفانية الشهيرة سميحة آيوردي بنشر شرحها الذي انتظر طويلا.
والفهرست الخاص لمولانا الذي جمعه محمد أوندر بمناسبة مرور سبع مائة سنة علي وفاة الرومي، يعكس الإسهام التركي في الدراسات التحقيقية والمبسطة علي نحو واضح جدا. واذا كانت القائمة الطويلة من أسماء الكتاب غير كافية لإظهار عشق الاتراك لمولانا جلال الدين الخاص بهم، فان آلاف الزوار الذين يحضرون الاحتفال بالذكري السنوية لوفاة الرومي في قونية في كانون الأول من كل عام، وأولئك الذين يجيئون من كل أنحاء تركيا حتي يدعوا عند عتبته، سيثبتون كيف تعمق هذا العشق أفئدة الأتراك حتي بعد نصف قرن من اغلاق أتاتورك زوايا الدراويش وحظره علي نحو صارم أي نشاط للطرق الصوفية.


ظلت الطريقة المولوية مقصورة علي الامبراطورية العثمانية. ووجدت فروع قليلة في البلدان العربية التي دخلت تحت السيطرة التركية سنة 923هـ/1517م. ومهما يكن من شيء فإن الاختلافات الأسلوبية بين العربية والفارسية كانت من القوة بحيث إن العرب لم يهتموا علي نحو جاد بآثار الرومي بل ظلوا الي حد ما أوفياء لتقليدهم في الشعر الصوفي. ورغم ذلك، فإنه في أوائل القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي ألف أحد أبناء الطريقة، الشيخ يوسف بن أحمد، شرحا للمثنوي باللغة العربية بعنوان: 'المنهج القوي لطلاب المثنوي'.
وفي أخرة نشرت جامعة طهران ترجمة شعرية عربية للمثنوي بعنوان 'جواهر الآثار' اعداد عبدالعزيز صاحب الجواهر. ونقل عبدالوهاب عزام مقاطع شهيرة قليلة من مثنوي الرومي و'الديوان' الي اللغة العربية ورغم هذه المحاولات يستحيل الحديث عن 'تأثير' حقيقي لشعر جلال الدين الرومي في العرب وحتي عن معرفة مناسبة لاسمه بينهم. ورغم ذلك، ومجاراة للاهتمام الجديد بالتقليد الصوفي الذي يشاهد في السنوات الاخيرة في الشعر العربي الحديث يظهر اسم الرومي في امكنة غير متوقعة:في قصيدة لطيفة حول شكوي الناي، أعدها الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي لذكري الشاعر اليساري التركي ناظم حكمت، حيث يكون روح الرومي علي نحو مفاجيء تماما حاضرا في جمال تام.


مختلف تماما الوضع في ايران والبلدان الواقعة شرق ايران. اذ يقال ان مصلح الدين سعدي الشيرازي 'ت 691 هـ /1292م' طلب منه أن يختار أحسن قصيدة يعرفها، فاختار أحد أغزال الرومي، وحتي لو كان هذا قصة ملفقة علي نحو رائع فإننا قادرون علي التأكد من أن كثيرا من الفرس حتي زماننا هذا سيصدرون حكما مماثلا.


وايران، علي غرار تركيا، يمكن أن تفخر بعدد كبير من شروح المثنوي: في مطلع القرن التاسع الهجري '15م'، كتب كمال الدين حسين بن حسن الخوارزمي الكبروي 'ت حوالي 840 هـ / 1440م' كتابه 'كنوز الحقائق في رموز الدقائق' الذي يسمي أيضا 'جواهر الأسرار وزواهر الأنوار' الذي يحتفظ بجزء منه فقط. وفي العصر نفسه، جمع نظام الدين محمود داعي آثاره العرفانية الخاصة به التي تتضمن، بين أشعار أخر، سبعة 'مثنويات' في أسلوب الرومي، وكتب تعليقا علي 'مثنويه'.


ويذكر جامي بعدئذ أنه في القرن التاسع الهجري '15م' اعتاد مرشد الطريقة النقشبندية المبكرة في شرقي إيران، محمد بارسا، أن يأخذ الفأل من 'ديوان شمس' للرومي مثلما يستخدم خلق كثير ديوان حافظ من أجل معرفة المستقبل. والظاهر أن النقشبندية، برزانتهم واعتدالهم المعهود، حافظوا علي اهتمامهم بأعمال الرومي عبر القرون: لأن حسين واعظ كاشفي، مؤلف الكتب التعليمية الغزير الانتاج في مدينة هراة 'ت 910 هـ/ 1506م' ألف أيضا حول المثنوي.


ورغم أنه خلال المرحلة الصفوية وما بعد الصفوية لم تعد دراسة التصوف رائجة في ايران كما كانت سابقا، كتب بعض الفلاسفة الكبار شروحا موسعة وصعبة جدا للمثنوي حاولوا فيها أن يجدوا كل حكمة ممكنة: وبشأن الأزمة المتأخرة، يقدم شرح ملاهادي سبزواري 'ت 1289 هـ/1872م' مثالا نمطيا لهذا التناول.


وفي زماننا، يتجلي الاهتمام الايراني بآثار مولانا علي أمثل وجه في الطبعة الفخمة التي أعدها بديع الزمان فروزانفر ل 'كليات شمس' التي تتضمن أكثر من 3000 غزل وحوالي 2000 رباعية. وإلي جانب الأعمال الأخري العديدة لفروزانفر حول الرومي، كشف مصادره الأدبية ونشره الكتب المتصلة به أيضا، فإن المجلدات العشرة للكليات 'أو الديوان الكبير' تمكن الدارس لأول مرة من أن يدرس أسلوب الرومي علي نحو مركز. وإن جامعة طهران منهمكة بمشروعين كبيرين من الطبيعة نفسها، وهما: اعداد معجم للمثنوي، وشرح جامع للأثر نفسه.


وبالإضافة إلي ذلك، تجتلي أشعار الرومي باستمرار بين الجماعات الصوفية المختلفة، والطرق وفروع الطرق في ايران، مثل الخاكسار الذين تشكل لديهم هذه الأشعار صميم حياتهم الروحية. علي أن الاهتمام المتزايد نفسه بآثار مولانا بوصفها مصدرا لبعث الحياة الروحية يمكن أن يشاهد في كتاب عالم النفس الايراني الأصل رضا آراسته المسمي: Rumi the persian. Rebirth in Creativity and love
ومثل أي مكان بين استانبول ولاهور، تعد مقتطفات من المثنوي، وطبعات للأطفال، ورويات مبسطة. والترنم بأشعار جلال الدين حي في ايران علي غرار الاهتمام بتراثه الموسيقي.
ومهما يكن من شيء، فان أقوي تأثير لآثار الرومي في بلدان شرق سوئز مشاهد في شبه القارة الهندية ­ الباكستانية. والأسماء الهندية علي كثير من شواهد القبور القديمة في /قونية تشهد للزائرين الأتقياء الذين أمضوا شطرا من حيواتهم في الحضرة الروحية لمولانا.
ومن اللافت للنظر تماما، انه في شبه القارة الهندية يرتبط اسم جلال الدين وشيخه الروحي، شمس الدين التبريزي/ بتقليد روحي آخر: في مدينة ملطان، ضريح شخص اسمه شمس تبريز هو مزار للمؤمنين. وفي أية حال، ينتمي البناء البسيط المزخرف بالآجر الأزرق والابيض مع سرو زيني، الي المبشر الاسماعيلي الشهير 'شمس تبريز'.


كما دلل علي ذلك وايفانوف. حتي ان 'شمسا' الأسطوري ظفر بمرتبة أحد الشيوخ الخمسة 'بنج بيري' 'بالفارسية' وهم مجموعة من خمسة أولياء ظلوا زمنا طويلا محل توقير كبير في أجزاء من الهند خاصة في وادي السند.


صار شمس، الاستاذ الصوفي للرومي، شخصية شهيرة في الشعر العامي لمسلمي الهند. ويذكر اسمه مجموعا مع اسم الشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار 'ت 618هـ/1220م': كل منهما استشهد بسبب عشقه المفرط 'رغم أن ذلك عصي علي التأكيد في حال العطار' وفي مناسبات كثيرة، يثني علي 'شمس' في الشعر السندي والبنجابي المتأخربوصفه شهيدا للعشق، مثل 'منصور الحلاج' 'ت 309هـ/922م'، قتله الفقهاء بقسوة لأنهم رأوا أن عشقه المتقد وزعمه أنه هو 'المعشوق' خطير ومثير. ويعرف أدب السند، الذي يخلط دائما بين معشوق الرومي والمبلغ الاسماعيلي، أساطير كثيرة حول شمس تبريز: لكن الجمع بين الحلاج وشمس وجلال الدين الرومي ألهم حتي 'تعزية' باللغة الفارسية، تسمي 'مجلس الحلاج وشمس والملا الرومي'. وهذه القطعة الممتعة ألقي الضوء عليها الباحث والدبلوماسي الافغاني أ.ر.فرهادي.


وتبجل أفغانستان، بالمناسبة، ذكري جلال الدين، الذي يسمي هنا 'البلخي' تبعا لمكان ميلاده بلخ: علي أن الوصف الشعري الحديث 'من بلخ إلي قونية' لخليل الله خليلي ليس الشهادة الوحيدة علي السحر العاطفي للرومي لدي الافغاني في العصر الحديث. وقد حقق الخليلي أيضا بعض المتون الكلاسيكية المرتبطة بجلال الدين نصوص بشتوية من المرحلة الاولي متصلة بآثار الرومي، حققها أخيرا البروفسور عبدالحي حبيبي: وهي تظهر تأثير المثنوي في المناطق المتحدثة بلغة البشتو علي نحو رائع. الذكري المئوية السابعة لوفاة مولانا احتفل بها علي نحو مؤثر جدا من خلال مأدبة دولية، ترددت أصداؤها علي نطاق واسع في صحافة أفغانستان.


وفي الهند، لم يكن عشق مولانا الرومي مقصورا البتة علي الطرق الصوفية. ويمكننا أن نقول دون مبالغة إن المثنوي كان مقبولا بوصفه 377 مرجعا مهمافي كل انحاء/الهند في العصور الوسطي. الامبراطور أكبر 'حكم من 963 ­- 1013هـ/ 1556 ­ -1605م' أحب المثنوي ونقرأ أن شيدا شاعر بلاط شاه جهان 'حكم من 1037 ­- 1068هـ/ 1627­- 1658م' اقتبس في الدفاع عن النفس نصا لمولانا الرومي فأطلق سراحه الوريث المسلم به لامبراطورية المغول، دار شوه بن شاه جهان 'ت 1069هـ/1659م' نسخ 'مثنوي' سلطان ولد 'ولدنامه' بيده. وكان، وهو الذي حاول عبثا أن 'يوحد محيطي' الإسلام والهندوسية بمحاولاته الارتقاء بفهم أعمق للتقليد الصوفي الهندي في المحيط الاسلامي، معجبا كبيرا بالرومي لدرجة أن واحدا من أعماله يتألف في الجملة من مقتبسات من أشعار مولانا، أخو دارا الشاب، أورنكزيب 'حكم من 1069 -­ 1118هـ/ 1658­- 1707م' الذي اضطهده وأخيرا قتله، كان أيضا مولعا بشعر جلال الدين لدرجة أن معلمه الذي يتولي تعليمه العلوم الإلهية، ملا جوان، ألف تفسيرا للمثنوي. وأحد رجال بلاطه قال لشيخ دارا شكوه، ملا شاه بدخشي:
كثيرا ما كان لي شرف أن اقرأ أمام أورنكزيب مقاطع من مثنوي جلال الدين الرومي. وكثيرا ما كان الامبراطور يتأثر لدرجة أنه يذرف الدمع.


وتؤكد مصادر أخر اعجاب هذا الحاكم القاسي المتعصب بالاشخاص الذين كانت لديهم مهارة في انشاد المثنوي بطريقة مؤثرة. وتتضمن المصادر الهندية الباكستانية معلومات كثيرة حول قراء المثنوي المشهورين الذين امتازوا بقراءة أشعار الرومي. ومن هؤلاء نستطيع أن نذكر شخصا اسمه سيد سعد الله بورابي 'ت 1138 هـ/1726م' ألف رسالة في أربعين بيتا من المثنوي: مثلما اختار المسلم الورع أربعين حديثا نبويا، اختار الصوفية أربعين بيتا من 'القرآن باللغة البهلوية' وعلقوا عليها.


علي أن المقتطفات من الشعرالفارسي المدونة في القرن الحادي عشر وأوائل الثاني عشر الهجري 'السابع عشر واوائل القرن الثامن عشر الميلادي' تمدنا باشارات الي الرومي ومقتبسات من آثاره في الدفقات الغنائية لكل شاعر كبير أو صغير تقريبا. وعندما يقول لنا الشاعر الكشميري صفيا، الذي نظم مقطعات شعرية علي وزن 'مثنوي' مولانا، إن:
مثنوي المولوي المعنوي يعطي حياة جديدة لمن مات لمدة مائة عام فانه متفق تماما مع كثيرين من الشعراء المسلمين الهنود الآخرين الذين اثنوا علي المثنوي بوصفه مصدرا للإلهام، أوحاكوه/ علي انحاء مختلفة. وتتحدث كتيبات السير عن شعراء كثيرين 'تملكهم عشق مفرط للمثنوي' وقد نظم صائب، الشاعر الفارسي البارز في القرن الحادي عشر الهجري '17م' عددا من القصائد في محاكاة أغزال الرومي ومنذ أن صار زيا نظم 'نظائر' للقصائد الكلاسيكية، لم يحاول الشعراء محاكاة حافظ وخاقاني وأنوري ومضاهاتهم فحسب، بل مولانا أيضا. وليس آخر ممثل كبير للأسلوب الهندي، وأكثر شاعر اثارة للاعجاب في التقليد الطاجيكي، أي الشاعر بيدل 'ت1133هـ/1721م' استثناء من هذه القاعدة، وتصرفه في غزل صغير للرومي:


من كل قطعة من قلبي تستطيع أن تصنع عندليبا..


ناجح جدا: وبالاضافة الي ذلك، فان اشارات الي الناي، وإلي النار التي يلقيها في القصباء، وإلي صور أخري من شعر الرومي توجد في ديوان بيدل، رغم أن ذلك يأتي غالبا في صورة مشوهة جدا. نظرته الكلية إلي العالم، التي تتركز علي فكرة الحركة الصاعدة الدائمة لكل شيء محدث، تحمل مشابهات مع نظرة الرومي الي العالم المفعمة بالحركة والنشاط، لكن هذه المشابهات الظاهرة لاتزال تنتظر البرهان العلمي.


وفي السند، كما هي الحال في أجزاء أخري من الهند وباكستان، لم يكن الاعجاب بالمثنوي مقصورا علي طريقة صوفية واحدة، ليس فقط الجشتية بل القادرية والنقشبندية أيضا عولتا كثيرا علي هذا الكتاب، ويحكي أن واحدا من قادة النقشبندية في السند في القرن الثاني عشر الهجري '18م'، محمد زمان أول، أعطي مكتبته كلها واحتفظ لنفسه بثلاثة كتب فقط، هي القرآن، والمثنوي، وديوان حافظ وهذا في الظاهر لم يكن/ شيئا غير مألوف، أما مريد محمد زمان، عبدالرحيم كرهوري، الذي استشهد وهو يحاول تحطيم صنم لشيفا في قرية مجاورة، فيقتبس من المثنوي في رسائل الشكوي التي أرسلها إلي حكام البلاد.


علي أن تأثير مولانا الرومي في الشعر الصوفي في وادي السند يتضح جيدا في آثار شاه عبداللطيف من أهل بهت 'ت 116 هـ/1752م' مجموعة أشعاره المسماة 'رسالو' في السندية تمثل لدي أي إنسان يتكلم السندية، سواء أكان هندوسيا أم مسلما، متنا أصليا لمعرفة نظرته الي العالم: ولاتزال أشعار من هذه المجموعة من الشعر العرفاني معروضة للبيع في مكتبات تلك البلاد. وحتي الغريب عليه أن يسلم بأن 'رسالو' تنتمي إلي التعبيرات الشعرية الأكثر سحرا في التصوف الاسلامي، وأن طريقة شاه لطيف في دمج الحكايات الشعبية السندية البسيطة بالتأملات العرفانية المحلقة جديرة بالملاحظة.


وقد عبر ليلارام وتنمال أحد أوائل المؤلفين 'الهندوس' الذين كتبوا عن الشاعر الصوفي من أهل بهت، عن رأيه في أن القرآن والمثنوي كانا دائما في يد الشاعر، إلي جانب بعض الأشعار الصوفية السندية، ثم إنه:


يحكي أن نور محمد كلهرة، حاكم السند آنئذ، الذي أصبح شاه لطيف مشمئزا منه، استعاد رضا الشاعر باهدائه نسخة جميلة من المثنوي.


وبعد خمسين سنة، مضي الموظف المدني البريطاني هـ. ت. سورلي الذي خصص كتابا مفيدا للشاعر السندي، إلي حد تصور أن شعر شاه عبداللطيف ليس سوي 'تطوير إسلامي' هندي لفلسفة جلال الدين الرومي و'أنه سيكون كافيا لمؤلف 'رسالو' أن يكون مطلعا علي المثنوي وحده ولاشك في أن سورلي علي حق، لكنه لم يثبت نظريته علي نحو مفصل. وهذا، في اية حال، سيكون أمرا سهلا. وقد أقحم شاه عبداللطيف في شعره الفكرة الشهيرة بشأن العميان والفيل، واثنتين من الاشارات الأخر الي المثنوي. علي أن المثال الأكثر روعة هو المثال الموجود في Sur Sasui Abri '1 ، 8'.


أولئك الذين فيهم ظمأ ­ الماء ظميء إليهم أيضا.


هذا المقبوس من المثنوي 'ج 1 ، 1741' يشير الي حقيقة أن الحق والانسان يعملان معا ­ لو كان 'منبع العشق' غير عطشان لشوق الإنسان، فكيف يمكن للإنسان أن يجرؤ علي الاشتياق لمنبع الحياة البعيد الغور هذا؟


وفي سلسلة طويلة من الأبيات في Sur Yaman kalyan 'ج10­ 15' يعترف الشاعر السندي علي نحو واضح بأنه مدين/ للرومي. كل بيت يبدأ بالبيان: 'هذه فكرة مولانا الرومي' وبعدئذ يشرح نظريات الوحدة والكثرة، والعشق والاشتياق.


ومعروف أيضا أن شاه لطيف كان علي وفاق تام مع شاه اسماعيل الصوفي 'ت 1144هـ/1732م' الذي كان مشهورا بتلاوته للمثنوي.


وبين شعراء السند المتأخرين، الذين عرفوا جميعا آثار الرومي جيدا، يمكن أن نذكر بيدل الروهري 'ت 1289هـ/1872م' الذي قرأ المثنوي علي واحد من قادة العرفان الكبار في السند، الشيخ علي كوهر شاه أصغر الذي لعبت أسرته دورا مهما في تاريخ التصوف في وادي السند. ويحدثنا المؤرخون عن أن بيدل كان مرتاحا في أثناء مرضه بتلاوة المثنوي، ويتضمن شعره في اللغة السندية والسيرايكية والأوردية والفارسية اشارات عديدة الي أشعار الرومي وإلي شمس تبريز. وقد ألف أيضا كتابا غريبا يسمي 'مثنوي دلكشا'، يتألف من مجموع من المقبوسات القرآنية والأحاديث النبوية وأشعار من المثنوي وأشعار من 'رسالو' لشاه عبداللطيف: هذه العناصر الأربعة وضعت معا لتظهر طريق التصوف الأسمي.


أما كم هو قوي عشق مولانا بين السنديين في الوقت الحاضر فيمكن أن يفهم من حقيقة أنه منذ سنوات قليلة فقط، بدءا من سنة 1362 هـ/1943م، أعدت في حيدر آباد/السند ترجمة شعرية سندية ممتازة للمثنوي كاملا: ومؤلف هذا العمل، المسمي 'أشرف العلوم' كان دين محمد أديب، وهو معلم في حيدر آباد 'ب 1393هـ/1973م'.


ويبدي مسلمو الهند أيضا اهتماما بالعمل النثري للرومي 'فيه مافيه': ترجم عبدالرشيد تبسم هذا الكتاب إلي الأوردية في قرننا، بعد أن تولي عبدالمجيد دريابادي مهمة تحقيقه لأول مرة سنة 1340هـ/1922م، وقد تلقي فكرة النهوض بهذا العمل من الفيلسوف الشاعر السير محمد إقبال، 'الأب الروحي لباكستان'.


وإقبال نفسه دون ريب المثال الأكثر سحرا لتأثير الرومي في شاعر ومفكر مسلم معاصر.
معظم الشروح في لغات المسلمين فسرت 'مثنوي' الرومي علي أنه تعبير كامل عن التصوف وفق نظام وحدة الوجود: لأن مؤلفي ما بعد القرن السابع الهجري '13م' كانوا واقعين بقوة تحت تأثير عرفان ابن عربي 'ت 638 هـ /1240م' الذي توصل فيه فلسفة وحدة الوجود إلي استناجاتها النهائية. وقد تابعت تفسيرات فكر الرومي في الغرب علي العموم مثالهم. وطبيعي لذلك.


أن مسلما هنديا مثل محمد إقبال '1294 ­ 1357هـ /1877 ­ 1938م' كتب في بحثه للدكتوراه الذي قدمه إلي جامعة ميونخ سنة 1907م.


كل احساس بالانفصال.. جهل، وكل 'غيرية' مجرد مظهر، حلم، ظل، تميز ناشيء عن ارتباط ضروري لادراك الذات للمطلق. النبي العظيم للمدرسة هو 'الرومي الممتاز'، كما يسميه هيغل. تبني الفكرة القديمة للأفلاطونية المحدثة حول 'روح العالم' الذي يعمل في العوالم المختلفة للوجود، وعبر عنها بطريقة حديثة جدا في الروح مما دفع كلود الي أن يدخل المقطع في عمله 'قصة الخلق'..


والبيت الذي يقتبسه اقبال للتدليل علي هذه النظرية:


ظهر الانسان أولا في طبقة الجمادات.....


قدر له أن يصبح أخيرا في آثاره دليلا علي السلم الصاعد ل 'الذاتية' التي في هذه الدنيا تبلغ أوجها في الانسان وتفضي أخيرا الي الانسان الكامل في التصوف الاسلامي. والتغير في النظر الي الاشياء الذي يضحي واضحا في آثار اقبال بعد عودته الي لاهور سنة 1326 ه/1908م ربما نشأ عن كتاب صغير، اسمه 'سوانح مولانا الرومي'، وهو سيرة للرومي كتبها المستشرق الهندي الكبير مولانا شبلي النعماني 'ت 1332ه/1914م' يختم شبلي كتيبه بمقارنة بعض فكر الرومي بالنظريات الحديثة في الارتقاء ويوضح صور التشابه مع دارون، مستشهدا بالمقطع:
مت من الجمادية وصرت ناميا..
المقطع الذي كان أساسيا للتفسير العلمي الزائف الحديث لفكر الرومي.


بعد سنة 1329ه/1911م، كشف مولانا الرومي نفسه لإقبال ليس بوصفه شارحا لوحدة الوجود الشاملة بل بوصفه المدافع عن الارتقاء الروحي، أو عن صلة العشق بين الانسان وذات الحق، أو عن البحث الدائب عن وصال الحق 'سبحانه'. هذه الفكر يمكن بسهولة استبانتها في المثنوي، بل أيضا في أغاني الرومي، التي ربما درسها اقبال أولا في اختيار ر.ا.نيكلسون الجميل من 'ديوان شمس'، الذي نشر سنة 1315ه/1898م.


أصبح التوجه الجديد لاقبال ملموسا في 'مثنويه' الأول باللغة الفارسية، المسمي 'أسرار خودي' أي 'أسرار الذات' '1333 ه/1915م'، حيث يحكي 'كيف أن جلال الدين الرومي ظهر له في رؤيا وأمره أن ينهض وينشد.


ثم، كما يكتب ر.ا.نيكلسون في ترجمته الأسرار:


بقدر ما يكره إقبال نمط العرفان الذي قدمه حافظ، يجل العبقرية الصافية والعميقة لجلال الدين رغم انه يرفض مبدأ افناء الذات الذي علمه الصوفي الفارسي الكبير ولا يرافقه في تحليقاته القائمة علي وحدة الوجود.


والربط الذي رسخ في 'أسرار الذات' ­ أي النظر إلي الرومي علي أنه شيخ اقبال، مرشده الصوفي ­ استمر الي اللحظات الأخيرة من حياة الشاعر. ومثنوياته الفارسية جميعا منظومة علي الوزن السهل المتدفق لمثنوي الرومي، مما يمكنه من اقحام أشعار للرومي في شعره دون صعوبة. والقرآن والمثنوي كانا عند اقبال، كما هي الحال عند كثير من شعراء العرفان في الهند المسلمة، الكتابين الأساسيين للتربية الروحية للإنسان: ولذلك نصح الباحثين الشباب بأن يقرؤوا المثنوي مرات ومرات ويستلهموا منه.


وفي 'أسرار الذات'، يظهر مولانا الرومي ليس بوصفه الدليل الروحي للشاعر فقط: ففي الفصل 16 يوصف لقاؤه الأول الاسطوري مع شمس تبريز، مما سيرمز الي لحظة الإلهام من خلال العشق. يضحي الرومي الخضر عند اقبال، ذلك العبقري الذي يوجه السالك الصوفي، العارف لنبع ماء الحياة الذي يوجه مريده نحوه. وفكرة كون الرومي 'خضر الطريق' نفسها تعرض مرة أخري في حوار في 'بال جبريل' 'أي: جناح جبريل'، وهو ديوان شعر باللغة الاوردية نشر بعد خمس عشرة سنة من نشر قصيدة اقبال العظيمة الأولي التي حملت هذا العنوان في المجموعة الاولي من أشعاره الاوردية المسماة 'بانك درا' 'أي: صلصلة الجرس' '1340ه/1922م'. وفي المثالين كليهما يضع إقبال مشكلاته أمام مرشده الذي يحلها بأشعار مختارة اختيارا ذكيا من المثنوي:


الشيخ الرومي هو المرشد ذو القلب المضيء،
أمير قافلة العشق والسكر،
الذي منزله أرفع من القمر والشمس،
والذي يصنع من المجرة طنبا لخيمته


والرومي، الذي يمدح بهذه الكلمات في مقدمة المجموعة الفارسية من شعر اقبال المسماة 'بس جه ­ بايد كرد' 'ماذا ينبغي أن نفعل؟' '1350 ه/ 1932م' هو: 'مصباح طريق الانسان الحر'، والمرشد الذي يكشف سر الحياة والموت، لأن نور القرآن يسطع في وسط صدره. يغدو الرومي عند إقبال الدليل خلال العالم الآخر، ويقوده في تحليقه الروحي في الأفلاك كما يوصف ذلك بألوان متقدة في ديوانه 'جاويدنامه' 'أي: رسالة الخلود' '1350ه/1932م'.
والإشارات الي أشعار الرومي متكررة في شعر اقبال:


يأخذ جمال العشق من نايه
نصيبا من جلال الكبرياء


تلك هي الكيفية التي استخدم فيها الشاعر الحديث رمز الناي، الذي يسمع صوته في الأبيات الأولي من المثنوي، ومن المثير أن نلاحظ أن اقبالا يشير هنا الي مفهوم 'الكبرياء' الذي هو علي الحقيقة احدي الكلمات الرئيسية في فكر الرومي: وهذا المثال المتواضع يظهر عمق الفهم الحدسي عند اقبال لفكر مرشده. ويغدو الناي نفسه رمزا للإبداع من خلال الاشتياق: فالبعد عن القصباء يجعل الناي قادرا علي أن يغني ويشرح آلام اشتياقه. ويرمز إلي آدم الذي، بعد أن أبعد عن الجنة وهدوئها، بدأ بالعمل واختراع الفنون والحرف، ذاك لأن الفراق وحده يجعل الانسان مبدعا ومخترعا.


علي أن الغزلية الشهيرة للرومي المقفاة بالكلمة 'الفارسية' 'آرزوست' أي: 'أملي' تفيده بوصفها نوعا من التعويذة السحرية، لأنها تتحدث عن اشتياق الانسان الي رجل الله، الولي الكامل، كما كشف نفسه لإقبال بصورة مولانا. فالرومي، الذي هو معلم العشق والشوق، صار عند اقبال القوة المواجهة لقوي العقل البارد والفلسفة الجافة. وقد صار اسمه واسم ابن سينا الفيلسوف مجرد رمزين لتقابل القلب والعقل واختلافهما: فهو أستاذ التأمل العشقي الذي يطير مباشرة إلي الحضرة الإلهية بينما تتثاقل الفلسفة وراء علي طرق ترابية والدليل الروحي الوحيد الشبيه بالرومي هو في نظر اقبال الشاعر الالماني غوته: ولذلك يخترع مشهدا في الجنة حيث يلتقي هذان المرشدان. كل منهما ليس نبيا لكن لديه كتابا: مولانا لديه المثنوي. وغوته لديه فاوست، وكل منهما يقر بأفضلية العشق، نصيب آدم، علي العقل الشيطاني.
عرف إقبال أنه:


لن يطلع رومي آخر من رياض شقائق النعمان في ايران، ولذلك أخذ المهمة من دليله الروحي بعد أن تعلم دقائق العشق منه. حرق نفسه في حروفه، ويأمل الآن أن يفتح ثانية 'حانة الرومي' لأن المجتمع المسلم نسي الخمرة الروحية للعشق الإلهي.
لأن:


من عين الرومي الثملة استعرت
السرور من مقام الكبرياء


تلك هي الكيفية التي يحول فيها اقبال البيت المعروف لشاعر عراقي حول الخمرة الأولي التي استعيرت من العينين الثملتين لساقي الأزل.


يؤثر المعجبون باقبال أن يسموه 'رومي عصرنا' لكن مثل هذا التشبيه لا يمكن قبوله إلا بشيء من التردد. ذاك لأن اقبالا يفتقر الي تجربة العشق القوية الغلابة التي حولت جلال الدين الي شاعر: وليس اقبال، كما يعترف هو نفسه، شاملا مثل مرشده الصوفي، وأشعاره يمكن أن تفسر بمعني واحد فقط: فهي لا تنقل، مثل شعر الرومي، صورة متغيرة، مملوءة بتوهجات ذات ألوان مختلفة. وإقبال، مثل الموشور، لم يأخذ إلا اشعاعات ذات طول موجي محدد من شعر الرومي، مركزا اياها كالزجاجة الحارقة ليشعل بها قلوب مواطنيه.
وقد ألهمت فكر اقبال عددا من الباحثين الباكستانيين أن يتولوا تفسير فكر الرومي من جديد.. والسيرة الانجليزية الكبيرة الوحيدةلحياة مولانا أعدها دبلوماسي باكستاني هو أفضل اقبال. وبين أعمال الباحثين والمعجبين الكثيرين الذين نجحوا تقريبا في تأليف عدد كبير من الكتب والمقالات حول الرومي، والرومي واقبال واقبال والرومي... تستحق دراسات خليفة عبدالحكيم، بالانجليزية والاوردية، تنويها خاصا بها.


ومهما يكن، فإن التفسير البارع للرومي الذي أعده اقبال يظل في الطليعة. وكما ينبغي أن يكون الأمر، فإن المعجبين الاتراك باقبال بجلوا ذكراه بنصب تمثال صغير ولكنه قيم من أجله في حديقة ضريح مولانا، متحف مولانا في قونية، في سبيل تأكيد الاتصال الروحي الوثيق بين الشاعرين اللذين أحياهما علي نحو عميق جدا العشق الإلهي. وينتصب وعاء صغير من المرمر فيه تراب من قونية فوق قبر اقبال في لاهور.


لم يظل تأثير الرومي مقصورا علي منطقة الحضارة الاسلامية. فقد اجتذبت آثاره اهتمام الباحثين الاوروبيين في مرحلة مبكرة نسبيا من دراسات المستشرقين.

وطبيعي تماما أن المظهر الخارجي للمولوية، الرقص الدوار، هو الذي كان قد أثر أولا في الرحالة الطارئين علي الامبراطورية العثمانية، الذين لم يألوا جهدا في وصفه في يومياتهم. ومهما يكن فان تحقق المشاهد الغربي من أن الحركة الدورانية للمولوية ليست حركة ابتهاجية فوضوية، بل هي فن متناغم تحدد فيه كل خطوة وفقا لطقس ثابت، أخذ وقتا طويلا، وربما لايزال يأخذ وقتا/ وليس ثمة شيء من الحركة الهائجة التي كثيرا ما تربط، خاصة في اللغة الالمانية، بتعبير 'الدرويش الدوار' ومهما يكن، فانه من الانصاف أن نضيف هنا أن تجربة الدراويش الدوارين قد اغرت نفرا من الكتاب الانجليز علي أن يعبروا عن فكرهم في مجال التحليق الصوفي باستخدام رمز الصوفي الذي ينضم الي الرقص الكوني وهو يدور حول نفسه.


وكان الدبلوماسيون الاوروبيون اول من حاول فهما عميقا لآثار الرومي. شاب فرنسي، هو ج. دي ولنبورج 'ت 1806م' عمل خلال اقامته التي استمرت ست سنوات في استانبول علي اعداد ترجمة فرنسية للمثنوي: ومن المؤسف أن عمله أتي عليه تماما أثناء الحريق الهائل في برا Pera سنة 1799م. وقد تبعه في محاولاته التعريف بمولانا في الغرب الدبلوماسي والمستشرق النمساوي النشيط جدا جوزف فون هامر ­ بورغشتال '1774 ­ 1856م' الذي شجع أولا ف. فون هسرد '1788 ­ 1850م' علي ترجمة مقاطع مختارة من المثنوي لمجلة 1 des Orients وهي المجلة الاستشراقية العلمية الاولي في اللغة الالمانية.
وكان هامر ­ بورغشتال نفسه أحد المعجبين الكبار بمولانا، وفي كتابه
Geschichte der schonun Redekunste Persiens
وهو أول تاريخ جامع للأدب الفارسي، يتناول تناولا مفصلا الرومي 'ص 163 وما بعد' الذي يعد مثنويه 'دليل كل الصوفية من حدود الغانج الي حدود البوسفور'.


وكان هامر أيضا أول من يدرك الأهمية البالغة لديوان شمس الذي يكتب عنه في جمل محلقة تضاهي أسلوب الرومي في فخامته القوية:


ويعني ذلك 'علي أجنحة اسمي العواطف الدينية، التي هي أسمي من كل الصور الظاهرية للأديان القائمة، يتعبد الوجود الأزلي البعيد تماما عن كل الأشياء المادية والارضية، هناك حيث أصفي معين للنور الأزلي: اذ لا يؤرجح مولانا نفسه فوق الشموس والاقمار فحسب، علي غرار سائر الشعراء الغنائيين ومنهم حافظ نفسه، بل فوق الزمان والمكان، وفوق الخلق والمال، وفوق الميثاق الاول' 'عهد ألست'، وفوق يوم الحساب، حيث اندمج بالوجود الأزلي بوصفه عابدا أزليا، وبالعشق اللانهائي بوصفه عاشقا لانهائيا، في الأحد'.

والترجمات التي قدمها هامر في الكتاب نفسه، من ديوان شمس والمثنوي، مثل ترجماته السابقة من شعر حافظ ليس لها قيمة شعرية عالية:/ ورغم ذلك تعطي انطباعا أوليا عن الرمزية الثرية، القوة المتقدة لأغزال مولانا. وقد نشر أيضا بعض مقاطع مما يسميه 'كتاب أدعية الدرويش' وهو عبارة عن قصائد صغيرة تغني أثناء السماع.


ورغم أن ترجمة هامر ديوان حافظ ألهمت غوته أن يؤلف 'ديوانه الغربي الشرقي' فإن النماذج من شعر الرومي التي عرضها لم تجتذب اهتمام غوته البتة. وعلي العكس، فان حكمه بشأن الشاعر الصوفي العظيم كما هو مدون في تعليقاته ومقالاته انتقادي الي حد ما. وما ازعجه كان فيما يبدو الاتجاه القائم علي وحدة الوجود الذي جعله يعتقد أن مولانا قد تحول بقوة الي نظريات غريبة ومبهمة بسبب الوضع المضطرب المشوش لسياسات الشرق الادني في القرن السابع الهجري '13م' 'وهي فكرة شائعة هذه الايام بين مستشرقي الكتلة الشرقية' وبعدئذ يمضي الي القول:


تعامل مع قصص ضعيفة وحكايات ملفقة وأساطير ونوادر وأمثال، ومشكلات، في سبيل أن ييسر فهم تعليم مبهم لا يعرف هو نفسه علي نحو دقيق ما هو.
هذا الحكم يقينا بعيد عن الهدف.


صورة مشابهة للرومي بوصفه من أصحاب وحدة الوجود بادية علي نحو واضح تقريبا في منشورات أخر ظهرت في الوقت نفسه تقريبا من أقلام مستشرقين غربيين: الباحث البريطاني جراهام وقف طويلا عند غزل منسوب الي الرومي كان يعد لأمد طويل أحد تعبيراته الشعرية الأساسية:


ما التدبير أيها المسلمون، فأنا لا أعرف نفسي:


لست مسيحيا، ولا يهوديا، ولا مجوسيا، ولا مسلما.


هذا الغزل الذي يظهر الصوفي وراء الزمان والمكان، وراء الحدود المخلوقة بين الأعراق والأديان، كثيرا ما كرر انشاده في الغرب: ومهما يكن فإنه غير موجود في الطبعة المحققة ل 'كليات شمس'، وهو يشبه في اتجاهه العام الي حد ما فيوض شعراء متأخرين قليلا في المناطق المحدثة بالفارسية والتركية: اذ يعيدون فكرا مشابهة بين الفينة والأخري.
بعد سنتين من نشر ما كتبه جراهام، نشر الوزير البروتستانتي الالماني ف. ا . د. تورلوك مقدمته القصيرة للتصوف الاسلامي، التي اتخذت لها عنوانا لاتينيا طنانا هو: 'التصوف أو المعرفة الإلهية الفارسية وفق مفهوم وحدة الوجود '1821م' وتتضمن مقبوسات كثيرة من المثنوي.


علي أن مقت تورلوك لأي شيء بدا شبيها بتصوف وحدة الوجود أمر معروف، وصار مولانا شاهده الرئيس من أجل تفسير 'صوفي' للإسلام، ويستشهد به بوصفه مدافعا عن نظرية 'هذا العالم هو السجن لأرواحنا'، التي تعني دفاعا عن تقليد 'الجسد سجن الروح' الصوفي القديم. وهذا أيضا لا يمكن قبوله إلا بتردد: لأنه رغم أن الرومي تحدث كثيرا عن الروح وهي في المنفي، فان تناوله الكامل لعالم المادة أكثر تعقيدا مما يمكن أن تبين الامثلة القليلة التي عرفها تورلوك: ليست المادة شرا في ذاتها بل هي علي الاصح شيء ينبغي أن يجعل مشرقا وشفافا بقوة العشق مما يمكن النور الألهي من أن يسطع فيه.


كذلك يعرض كتاب تورلوكBluthenammlung aus der morgenlandischen Mystik وهو اختيار من الحكمة الصوفية نشر سنة 1825م، ترجمات قليلة من آثار الرومي، لكنه في هذه الاثناء ظهر كتيب كان له أن يقدم حقا مولانا الشاعر في العالم الناطق بالالمانية.

انه كتاب 'اغزال' لجريدريك روكرت '1788 ­ 1866م' وفي هذه المجموعة الصغيرة ترجم روكرت، الشاعر الموهوب والمستشرق المثقف، أربعة وأربعين غزلا للشاعر الصوفي بالطريقة الأكثر تجانسا وادخل أيضا الشكل الشعري الفارسي للغزل في الادب الالماني حيث أصبح، سريعا، شكلا غنائيا مقبولا. وفي أشعار ذات جمال أخاذ يتحدث روكرت عن العشق، والشوق، والوصال، مستخدما معجم مولانا اللغوي، وبناءه الايقاعي، وصوره المجازية بأناقة مدهشة لدرجة أن عمله مايزال يقدم أحسن مدخل الي العبقرية الشعرية للرومي. والاغزال الاربعة والاربعون التي تعكس تقريبا كل شكل للفكر تبلغ ذروتها في ترنيمة الوصال العظيمة:

أنا ذرات أمام وجه الشمس، أنا قرص الشمس،
وللذرة أقول: ابقي، وللشمس أقول: واصلي دورانك،
وصيري بعيدة عني


علي أن مجموعة ثانية من الأغزال بأسلوب الرومي نشرها روكرت سنة 1836م. ولم يعرف القراء الألمان ماذا يصنعون بهذه القصائد، متسائلين في دخائل أنفسهم عما اذا كانت ترجمات أو شيئا آخر. فقد عدها مستشرق شهير مثل جراف شاك شعرا ألمانيا أصيلا بكل ما تنطوي عليه الكلمات من معني: وأقره نقاد آخرون علي هذا، ورأي اخرون أشعار روكرت انعكاسا تاما لروح مولانا.


وقد أضاف روكرت فيما بعد بعض الحكايات والترجمات لبعض مقاطع من المثنوي الي تصرفاته الشعرية في أغزال الرومي. لكن 'الأغزال' هي التي تركت تأثيرا عميقا في جمهور القراء الألمان. ومن خلال هذه الاشعار اطلع هيجل علي 'الرومي' الممتاز الذي بدا له يشكل نموذجا كاملا للفكر القائم علي وحدة الوجود. ومسألة الي أي مدي يمكن تشبيه جدل هيغل بفكر الرومي، أو حتي ما اذا كان مستمدا منها، عرضها أخيرا محققون من بلدان الكتلة الشرقية. وأيا كانت الاجابة، يظل الرومي منذ هيغل محببا لدي الفلاسفة ومؤرخي الاديان ومؤرخي الادب الاوروبيين، رغم أن معظم اولئك المحققين يعتمدون حصرا علي روكرت أو، في أيامنا، علي اختيارات ر.ا.نيكلسون، وتأثير قصته الشهيرة حول دعاء الرحمة، التي اكتشفها تورلوك أول مرة، في مؤرخي الدين الأوروبيين 'من سودربلوم الي فريدريك هيلر وتلامذتهم' بحث في الفصل الثالث، المقطع .7


وفي العالم الناطق بالالمانية، نشر ف. فون روزنتزفايغ شوانو. v وهو مستشرق نمساوي من مدرسة هامر، اختيارا من شعر الرومي سنة 1838 'بعنوان: مختارات من ديوان جلال الدين الرومي' ورغم حسناته لايقارن بصنيع روكرت الاكثر شعرية، وفي سنة 1849م، عرض الدبلوماسي الالماني جورج روزن علي الجمهور ترجمة شعرية ألمانية للجزء الأول من المثنوي، هاجمها هامر بورغشتال هجوما عنيفا. ونظرا الي أن كتاب روزن طبع طبعة محدودة النسخ كثيرا، لم يقيض له الانتشار: علي أن طبعة جديدة نشرها ابنه، فريدريك روزن، مع مقدمة علمية سنة 1913م نفدت حالا.


وفي غضون ذلك، أضحي علماء من كل أنحاء العالم الغربي مهتمين بآثار مولانا الرومي. وقد أثني عليه هرمان ايته في عمله المسمي Grundriss der iranischen Philologie'1898 ­ 1902م' واصفا اياه بانه: 'أعظم شاعر صوفي في الشرق وفي الوقت نفسه أعظم شاعر من أصحاب وحدة الوجود في العالم كله'.


وعلي قدر ما سيستحسن المرء النصف الأول من العبارة، لا يكاد البيان الأخير يكون مقبولا اليوم، رغم أنه قبل علي الجملة في نهاية القرن. وقد صارت أجزاء من المثنوي في متناول الايدي لدي جمهور عريض بفضل العالمين البريطانيين سيرجيمس ردهوس 'ت 1881م' و ه. وينفيلد 'ت 1887م' اللذين نقلا في مقدمتيهما القيمتين مادة مفيدة كثيرا حول حياة مولانا وآثاره.


جاءبعدهما ر. ا. نيكلسون الذي ابتدأ سيرته العلمية ب 'الأشعار المختارة من ديوان شمس تبريز' التي نشرت سنة 1898م. ومايزال هذا الكتاب واحدا من المداخل الأكثر افادة والاكثر امتاعا أيضا الي خصائص شعر الرومي وسيبقي واحدا من أفضل الكتب في الشعر الصوفي الاسلامي، رغم أن بعض آراء نيكلسون أتي عليها الزمان. ولم ينصرف المؤلف المتنور عن الرومي، رغم عمله العلمي في صوفية وشعراء عرب وفرس آخرين: وعمله العظيم هو تصحيح المثنوي وترجمته مع شرحه المسهب. وهذا الشرح منجم ذهب حقيقي يقدر المتخصص عمقه كلما أطال دراسته.


ومع هذه الطبعة للكتاب، قدم المستشرقون الأوروبيون أسمي آيات التبجيل للعظمة الروحية التي تمتع بها مولانا الرومي، ووضعوا الأسس لبحث أوسع في/ تفاصيل المحيط الهائل للمثنوي ودقائقه.


وقد نشر كل من نيكلسون وخليفته ا. ج. آربري شعر الرومي في كتب عديدة: وترجم آربري أيضا عمل مولانا النثري 'فيه مافيه'، بعنوان 'أحاديث الرومي' وهو اضافة مفيدة جدا الي الآثار الشعرية. وكون عدد من الباحثين والمحبين من الطبقة الثانية والثالثة كتبوا ولايزالون يكتبون كتبا حول مولانا من نافلة القول: وبدت قراءة الرومي خالية من الصعوبات اذا ما قريء في الترجمات السلسة المتوافرة في الانجليزية والالمانية، ويمكن أن يفسر بسهولة وفقا لذوق أي انسان وادراكه.


فرنسا وايطاليا لم تفتقرا في الاهتمام بآثار الرومي. وكان المستشرق الفرنسي س. هوار أول من ترجم 'مناقب العارفين للأفلاكي الي لغته الام تحت عنوان Les Saints des Dervishes Tourneurs'باريس 18 ­ 1922م'، ورغم أن ترجمته ليست موثوقة تماما لاتزال تفيد في غرضها. أما لوي ماسينيون، فإنه في أثناء عمله في الصوفي الشهيد الحلاج 'ت 309ه/1922م' استخدم شعر الرومي علي نطاق واسع. سيرة حياة المرشد الكبير أعدتها أخيرا ايفا مييروفتش التي تشدد أولا، في أية حال، علي المضامين الفلسفية لآثار الرومي. وقد ترجمت في أخرة أيضا كتاب الرومي 'فيه مافيه' تحت عنوان: Lelivre du Dedans


وفي ايطاليا كان ألساندرو بوزاني خاصة هو الذي درس جوانب عديدة من آثار مولانا: وهو أيضا مهتم أساسا بالمضمونات الدينية ­ الفلسفية للمثنوي، كما أثبت في بعض المقالات المثيرة للتفكير.


تتوافر اليوم ترجمات لقصائد مفردة من أشعار مولانا في كل لغة أوروبية تقريبا: وتوجد ترجمات كاملة أو مختصرة للمثنوي حتي في اللغة السويدية والهولندية الترجمات. التشيكية الأولي لبعض الاغزال نشرت منذ اوائل سنة 1895م وقد ألهم شعر الرومي المؤلف الموسيقي البولوني الحديث آي. زيمانوفسكي سيمفونيته 'أغنية الليل' حيث استخدم ترجمة ميسينسكي، التي تعتمد هي أيضا علي ترجمة شعرية ألمانية لواحدة من قصائد الرومي عمل رائع أيضا سيرة الرومي الجيدة باللغة الروسية التي أعدها راديج فيش وقد ظهرت في موسكو سنة 1972م.


وفي ألمانيا يستمر الاهتمام الذي اشعله روكرت وهامر حتي يومنا.


ونلقي اسم مولانا في تواريخ الأدب ودراسات الدين، ونجده في المواضع التي يستبعد وجوده فيها، كما في كتاب ألفه فرانسيس برابازون هو 'ابق مع الله' الذي ألف في تفسير الحركة الصوفية لمهر بابا، ونشر في استراليا: يلعب مولانا والوفاة المأساوية لشيخه الذي يعشقه 'شمس' دورا بارزا بين الصوفية الذين يستشهد بهم المؤلف، ورغم أن القصص محرفة نسبياتظل حماسة العشق معكوسة في الجمل الطويلة الملتوية لهذه الملحمة الصوفية الحديثة. وهذا الاحساس ب 'قوة عشق الرومي' لشمس التي هزمت المعني العادي للفراق العقلي 'كما كتب أحد طلابي في المرحلة الجامعية الأولي في مقدمة رسالته لنهاية الفصل' ربما يكون خصيصة الرومي التي تروق كثيرا القاريء الحديث حتي من خلال حجاب الترجمات الناجحة تقريبا. وقد يحس، كما أخبرت أخيرا، في صلة الرومي وشمس تبريز بشيء شبيه بعظمة صداقة البطلين الأسطوريين جلجامش وانكيدو.


ليست هذه سوي جوانب قليلة لفكره وتأثيره، ولا ندعي أننا أتينا علي ذكر كل المضمونات الممكنة لأشعاره. أفلم يقل الرومي نفسه في احدي حالاته الذهنية المتوهجة في رباعية فتانة يتلاعب فيها بالمعني الثنائي لكلمة 'بيت' التي تعني في الوقت نفسه 'بيت الشعر' و'المنزل':


قلت بيتا: فتألم مني المعشوق،
قال: 'وزنني بوزن البيت' 'بيت الشعر، أو بيت السكني'!
قلت: 'لم تخرب بيتي هذا'؟
قال: 'في أي بيت سأجد متسعا؟
حقا، في أي بيت شعر، وفي أي بيت سكني، وفي أي كتاب يمكن أن يجد مولانا جلال الدين متسعا؟


لعله فقط في قلوب أولئك الذين يعشقونه..
من مواضيع : ahmed1981 الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران
الكنز الثمين فى الرد على المتطرفين
كتاب البلاغة الواضحة
سيرة بعض رؤساء هيئة الآثار المصرية
أعلام الإفتاء فى مصر
26-03-2008, 04:57 PM
ahmed1981
 
فيه ما فيه
هذه القطرة من ذلك اليمٌ

قال مولانا: الادعاء الذي ادعوه علي هذه الفتاة كذب، ولن يتقدم أكثر، لكن شيئا قر في وهم هذه الجماعة. وإن وهم الانسان وباطنه مثل الدهليز في البدء يدخل الناس الدهليز، وبعدئذ يدخلون البيت. هذه الدنيا كلها مثل منزل واحد. كل ما يدخل مدخله، الذي هو الدهليز، لابد من أن يظهر في المنزل ويغدو مرئيا. مثلا، هذا المنزل الذي قد جلسنا فيه، ظهرت صورته في قلب المهندس، وعندئذ جاء هذا المنزل إلي الوجود. ومن هنا قلنا: إن هذه الدنيا كلها منزل واحد.. والوهم والتصور والفكر هي دهليز هذا المنزل.. كل ما رأيته ظاهرا في الدهليز، اعلم حقيقة انه يري في المنزل.. وكل هذه الأشياء التي تظهر في الدنيا، من خير وشر، ظهرت أولا في الدهليز، وبعدئذ هنا.


عندما يشاء الحق تعالي أن يظهر في هذا العالم الأشياء المختلفة من غرائب وعجائب وحدائق وبساتين ومروج وعلوم وتصنيفات مختلفة يضع أولا الرغبة في ذلك والتوق إلي ذلك في أعماق القلوب حتي تظهر هذه الأشياء بسبب تلك الرغبة. وعلي النحو نفسه، كل ما تراه أنت في هذا العالم، أعلم أنه سيكون في ذلك العالم. فكل ما تراه في القطرة، مثلا، أعلم أنه سيوجد في اليم! لأن هذه القطرة من ذلك اليم.


والأرض والعرش والكرسي والعجائب الأخري، وضع الحق تعالي طلبه في أرواح السابقين، وهكذا طبعا ظهر العالم من أجل ذلك.


الناس الذين يقولون: إن العالم قديم، كيف يسمع كلامهم؟ بعضهم يقول: إنه حادث، وأولئك هم الأولياء والأنبياء الذين هم أقدم من العالم.


وقد وضع الحق تعالي طلب خلق العالم في أرواحهم، وعندئذ ظهر العالم. وهكذا فإنهم يعرفون علي الحقيقة، وهم يخبرون عن مقامهم أن العالم حادث. فعلي سبيل المثال، نحن الذين قد أقمنا في هذا المنزل عمرنا ستون سنة، أو سبعون، وقد رأينا أن هذا المنزل لم يكن موجودا، وقد مضت الآن سنوات عديدة علي إقامته. فاذا ما ولدت في هذا المنزل أحياء فنمت في باب هذا المنزل وجدرانه، كالعقارب والفئران والحيات والحيوانات الحقيرة التي تعيش في هذا المنزل، فإنها تكون قد ولدت في المنزل ورأته وهو مبني. ولو أنها قالت: 'إن هذا المنزل قديم' لما كان ذلك حجة علينا، لأننا كنا قد رأينا أن هذا المنزل حادث. ومثل تلك الأحياء التي تمت في باب هذا المنزل وجدرانه ولاتعرف ولاتري شيئا غير هذا المنزل، هناك خلق نموا في منزل هذه الدنيا. ليس فيهم جوهر، منبتهم في هذا المكان، وعلي النحو نفسه ينزلون في هذه الدنيا. ولو أنهم قالوا: إن العالم قديم لما كان ذلك القول حجة علي الأنبياء والأولياء الذين كان لهم وجود قبل العالم بمائة ألف ألف ألف سنة، ولم الحديث عن السنين وعن أعداد السنين، في الوقت الذي ليس لهؤلاء الأنبياء والأولياء حد ولا عدد؟ فقد رأوا حدوث العالم، مثلما رأيت أنت حدوث هذا المنزل.


وبعد ذلك، يقول ذلك المتفلسف للسني: 'كيف عرفت حدوث العالم؟!' أنت أيها الحمار، كيف عرفت قدم العالم؟ بعد كل شيء، قولك: إن العالم قديم، معناه أنه غير حادث، وهذه شهادة مبنية علي نفي.


ومهما يكن، فإن الشهادة المبنية علي إثبات أسهل من الشهادة المبنية علي النفي.. لأن الشهادة المبنية علي النفي معناها أن هذا الانسان لم يفعل الفعل الفلاني. والاطلاع علي هذا مشكل، اذ ينبغي أن يكون هذا الشخص من أول عمره حتي آخره قد لازم ذلك الشخص ليلا ونهارا في المنام واليقظة حتي يقول علي نحو قاطع: 'إنه لم يفعل هذا الفعل'. وحتي ذلك ربما لايكون حقيقة: إذ يحتمل أن الشخص الذي يقدم مثل هذا البيان قد غلبه النعاس مرة، أو أن ذلك الشخص قد ذهب لقضاء الحاجة، علي نحو يمكن معه ألا يكون هذا الشاهد ملازما لمن يقدم عنه الشهادة. ولهذا السبب تكون الشهادة المبنية علي النفي غير مشروعة، لأن الشاهد يقول: 'كنت معه لحظة، فقال كذا، وفعل كذا'.


لاشك في أن مثل هذه الشهادة مقبولة، لأنها في طوق البشر. والآن، أيها الكلب، أن يشهد الانسان بالحدوث أسهل من أن تشهد أنت بقدم العالم، لأن محصلة شهادتك أن العالم ليس حادثا، ولذلك تكون قد قدمت شهادة مبنية علي النفي. وهكذا، لأنه ليس ثمة دليل علي الاثنين كليهما، ولم تر أنت نفسك أن العالم حديث أو قديم، تقول له: 'كيف عرفت أنه حادث؟' فيجب أيضا: 'أيها الديوث، كيف عرفت أنت أنه قديم'؟.. وإذن دعواك أمر مشكل ومحال.

ضيوف العشق

هؤلاء الاشخاص الذين درسوا ويدرسون يظنون أنهم عندما يداومون علي المجيء إلي هنا ينسون كل ما تعلموه ويتركونه، والأمر عكس ذلك، فإنهم عندما يأتون إلي هنا تكسب علومهم روحا. ذلك لأن العلوم كلها كالصور، عندما تكتسب روحا تكون مثل الجسد الذي لاروح فيه، ثم يبث فيه الروح.


أصل هذه العلوم جميعا من هناك، وقد انتقلت من عالم اللاحرف واللاصوت إلي عالم الحرف والصوت. في ذلك العالم يكون القول من دون حرف ومن دون صوت.


(وكلم الله موسي تكليما) (النساء4/164).


تكلم الحق تعالي مع موسي عليه السلام. ومهما يكن، فإنه لم يتكلم بالحروف والأصوات، ولا بالحنجرة واللسان. لأن الأحرف لابد لها من حنجرة وشفة لكي تظهر، تعالي الحق وتقدس، وهو منزه عن الشفة والفم والحنجرة. وهكذا فإن للأنبياء في عالم اللاحرف واللاصوت حديثا واستماعا مع الحق مما لاتصل إليه أوهام هذه العقول الجزئية ولاتستطيع إدراكه. لكن الأنبياء ينزلون من عالم اللاحرف إلي عالم الأحرف ويغدون أطفالا من أجل هؤلاء الاطفال، فقد 'بعثت معلما' ، والآن، رغم أن هذه الجماعة التي بقيت دائما في الحرف والصوت لم تصل إلي أحوال النبي، تظل تستمد منه القوة فتكبر وتنمو وترتاح إليه. مثل الطفل، برغم أنه لايعرف أمه ولايدركها علي جهة التفصيل، يأنس بها ويقوي. ومثل الفاكهة، ترتاح علي الغصن وتحلو وتنضج، برغم أنها لاتعرف شيئا عن الشجرة. وهكذا الحال بشأن ذلك الولي العظيم وأحرفه وأصواته، برغم أن جمهرة الناس لايعرفونه ولايصلون إليه، يستمدون منه القوة ويتغذون من مائدته.


ثابت لدي كل نفس أن وراء العقل والحرف والصوت شيئا، وعالما عظيما. ألا تري كيف أن الخلق جميعا يميلون إلي المجانين ويذهبون لزيارتهم؟ ويقولون: 'لعل' هذا يكون ذلك، وهو صحيح. مثل هذا الشيء موجود: ولكنهم أخطؤوا المحل. ذلك الشيء غير موجود في العقل. ولكن ليس كل شيء غير موجود في العقل هو موجود.


والقول: 'كل جوز مدور، وليس كل مدور جوزا' دليل علي ذلك.


نقول: 'برغم أن لمثل هذا الانسان حالا لايمكن التعبير عنها بالقول والكتابة، فإن العقل والروح يستمدان منه القوة وينميان. وهذا غير موجود في هؤلاء المجانين الذين يدورون حولهم، وأولئك الذين يزورونهم ولايتحولون عن الحال التي هم عليها ولايجدون راحة لدي مثل هذا الانسان، وبرغم أنهم يظنون أنهم قد وجدوا الراحة، فليس ذلك ما نسميه راحة. مثلما أن الطفل الذي يفصل عن أمه يجد راحة للحظة لدي أخري، ولانسمي ذلك راحة، لأن الطفل قد أخطأ.


ويقول الأطباء: إن كل ما يوافق المزاج ويشتهيه المزاج يعطي الانسان قوة ويصفي دمه. وهذا صحيح فقط مادام الانسان صحيحا لايعاني من علة. وعلي سبيل المثال، إذا وافق الطين أكل الطين، فإننا لانسمي ذلك الطين مصلحا للمزاج برغم أنه يوافقه. وكذلك، توافق الأشياء الحامضة المصاب بالصفراء ولا يوافقه السكر، ولا قيمة لتلك الموافقة، لانها مبنية علي مرض. الشيء الموافق حقيقة هو ما يكون موافقا للانسان في المنزلة الأولي قبل أن يمرض. فلو أن يد أحد الناس مثلا قطعت أو كسرت ثم ربطت معوجة، فجاء الجراح فأقام اعوجاجها وأعادها إلي وضعها الأول، لما وافق ذلك هذا الانسان ولآلمه، بقدر ما وافقه الاعوجاج. يقول الجراح: 'وافقك ذلك في الأول لأن يدك كانت مستقيمة، ووجدت راحة في ذلك. وعندما جعلت معوجة تألمت وتأذيت. وفي هذه الساعة، إذا وافقك الاعوجاج فإن هذه الموافقة كاذبة، وليس لها أي اعتبار'.


وعلي النحو نفسه وجدت الأرواح في عالم القدس بهجة بسبب ذكر الحق والاستغراق في الحق، مثل الملائكة. فاذا ما مرضت وسقمت بسبب اتصالها بالأجسام واستطابت أكل الطين، فإن النبي والولي، اللذين هما طبيبان، يقولان: 'لا يوافقك هذا علي جهة الحقيقة. وهذه الموافقة والاستطابة كاذبة. يوافقك شيء آخر كنت قد نسيته. ما هو موافق لمزاجك الاصلي والصحيح هو ما كان منذ البدء موافقا لك. هذه العلة توافقك الآن، وتخال أنت أن هذا موافق، ولاتؤمن بالحقيقة'.


كان أحد العارفين جالسا عند نحوي. فقال النحوي: 'الكلمة لاتخرج عن هذه الثلاثة: اسم، أو فعل، أو حرف فمزق العارف ثيابه وصاح: 'واويلتاه، عشرون سنة من عمري وسعيي وطلبي ذهبت أدراج الرياح. لأنني بذلت المجاهدات الكثيرة علي أمل أن ثمة كلمة أخري غير هذه والآن أضعت أملي.


وبرغم أن العارف قد ظفر علي الحقيقة بتلك الكلمة التي كانت مقصودة، تكلم علي هذا النحو ابتغاء أن ينبه النحوي.


يحكي أن الحسن والحسين رضي الله عنهما عندما كانا طفلين رأيا شخصا يتوضأ علي نحو غير صحيح ومخالف للشرع. فأرادا أن يعلماه الوضوء النحو الصحيح.. جاءا إليه فقال أحدهما: 'هذا يقول لي: إنك تتوضأ علي نحو غير صحيح. ونحن الاثنين نتوضأ الآن أمامك، فانظر وضوء أي منا هو الصحيح والمشروع'. توضأ الاثنان أمامه. فقال: 'أيها الولدان، وضوؤكما مشروع وصحيح ورائع. أما وضوئي، أنا المسكين، فقد كان خاطئا'.
كلما كثر الضيوف وسع المنزل، وكثر الأثاث، وأكثر الطعام، ألا تري أنه عندما تكون قامة الطفل الصغير قصيرة تكون فكره أيضا، وهي الضيوف، مناسبة لمنزل جسمه؟ لايعرف غير الحليب والمرضعة. وعندما يكبر فإن الضيوف، وهي فكرة، تتزايد أيضا، ويتسع منزل عقله وإدراكه وتميزه. وعندما يفد ضيوف العشق لايتسع لهم المنزل ويخربون المنزل، ويعمر من جديد.


ان ستر الملك وخدم الملك وجيشه وحشمه لايتسع لهم منزله. وتلك الستر غير لائقة بهذا الباب، ولابد لأولئك الحشم الذين لانهاية لهم من مقام لاحد له. وعندما ترفع ستر الملك تقدم كل سطوع وتزيل الحجب وتظهر الخفايا، بخلاف ستر هذا العالم التي تزيد الحجاب. هذه الستر علي عكس تلك الستر.


إني لأشكو خطوبا لا أعينها
ليجهل الناس عن عذري وعن عذلي
كالشمع يبكي ولايدري أعبرته
من صحبة النار أم من فرقة العسل

قال أحدهم: هذان البينان قالهما القاضي أبو منصور الهروي.
فقال مولانا: إن القاضي منصور يتكلم علي نحو غامض ومتردد ومتلون. أما منصور فلم يمتلك نفسه، وتكلم بصراحة. العالم كله أسير القضاء، والقضاء أسير الجمال، والجمال يظهر ولايختفي.
قال أحدهم: أقرأ صفحة من كلام القاضي.


فقرأ مولانا، وبعد ذلك قال: ان لله عبادا كلما رأوا امرأة في خيمة أمروها: 'ارفعي النقاب، لكي نري وجهك، فأي شخص وأي شيء أنت؟ لأنك عندما تمرين محجبة ولانراك سينشأ لدينا ضرب من التشويش: من كانت هذه، وأي شخص هي: ولست بذلك الشخص الذي اذا رأيت وجوهكم فتنت بكم وصرت عبدا لكم. ومنذ وقت طويل خلصني الله منكم ولم يشغلني بكم. فأنا آمن من ذلك اذا رأيتكم، فلن تشوشوني وتفتنوني. لكنني عندما لا أراكم أكون مشوشا متعجبا أي ضرب من الأشخاص كان 'هؤلاء الرجال مختلفون جدا عن تلك الطائفة الأخري، أهل النفس. إذا رأوا وجوه الحسان فتنوا بهن وشوشوا.


وهكذا فإنه بشأن هؤلاء، من الخير لهم ألا يظهروا وجوههم حتي لايغدوا فتنة لهم. أما بشأن أهل القلوب فإنه من الخير أن يظهروا وجوههم، لكي يتخلصوا من الفتنة.
قال أحدهم: ليس في خوارزم عاشق، لأن الحسان في خوارزم كثيرات.
عندما يرون حسناء وتتعلق قلوبهم بها يرون بعدها واحدة أخري أجمل منها، فتهون تلك لدي قلوبهم.


فقال مولانا: إذا لم يكن هناك عشاق لحسان خوارزم، فإن خوارزم ينبغي أن يكون لها عشاقها، فإن فيها من الحسان ما لايحصي. وخوارزم تلك هي الفقر، الذي فيه مالا يحصي من الحسان المعنويات والصور الروحانيات. إذ كلما حططت عند واحدة وأقمت عندها أظهرت واحدة أخري وجهها، فنسيت الأولي، وهكذا إلي مالا نهاية. وهكذا فلنكن عشاقا للفقر نفسه، فإن فيه مثل هذه الحسان.

ترك الجواب جواب

جوهر خادم السلطان سأل: في أثناء حياة الانسان يلقنونه خمس مرات. وهو لايفهم الكلام ولا يضبطه، بعد الموت عم يسأل، وهو بعد الموت ينسي حتي الأسئلة التي تعلمها؟
قتل: اذا نسي ماتعلمه فسيغدو حقا صافيا ومهيأ للأسئلة التي لم يتعلمها.


في هذه الساعة التي تسمع فيها أنت كلماتي من تلك الساعة حتي الآن، تقبل بعضها، مما سمعت مثله وقبلته قبل، وتقبل بعضها نصف قبول، وتتردد ازاء بعضها الاخر، ولا أحد يسمع هذا الرد والقبول والبحث الباطن من جانبك، لأنه لاتوجد آلة لذلك، وبرغم انك تصغي ، فإنه لا يأتي صوت الي أذنك من داخلك، ولو فتشت داخلك لما وجدت قائلا. ومجيئك هذا لزيارتي هو عين السؤال دون حنجرة ولسان: 'بين لي الطريق، وذلك الذي بينته اجعله اكثر بيانا'، وجلوسي هذا معك، سواء أكنت صامتا ام متكلما، إجابة لاسئلتك الخفية. وعندما ترجع من هنا الي خدمة الملك، يكون ذلك سؤالا موجها الي الملك وجوابا، وكل يوم يسأل الملك عبيده دون لسان : 'كيف تقفون' ؟­ وكيف تأكلون؟ وكيف تنظرون؟' واذا كان لاحد منهم نظر أعوج في داخله فلابد ان يأتي جوابه أعوج، ولن يكون في مقدوره السيطرة علي نفسه لكي يقدم جوابا صحيحا، مثل الشخص الذي يتمتم، كلما اراد أن يتكلم كلاما صحيحا عجز عن ذلك، الصائغ الذي يحك الذهب بالحجر يسأل الذهب، فيجيب الذهب 'هذا أنا.. خالص اومخلوط'.


تخبرك البوتقة نفسها عندما تكون ملطخا
بأنك ذهب خالص، او نحاس مطلي بالذهب.


الجوع سؤال من طبيعة: 'ان في بيت الجسم خللا.. هات قرميدة. هات طينا'.. الاكل جواب 'خذ' وعدم الاكل جواب ايضا 'الآن، لا حاجة، تلك القرميدة لما تجف حتي الان، لايحسن الضرب علي تلك القرميدة'.. يأتي الطبيب فيأخذ النبض. ذلك سؤال، نبض العرق جواب. فحص البول سؤال وجواب دون تفاخر وتباه، وضع البذرة في الأرض سؤال، 'أريد كذا ثمرة'.. ونمو الشجرة جواب دون تفاخر باللسان، ولان الجواب دون حرف، ينبغي ان يكون السؤال دون حرف، وبرغم ان البذرة كانت قد تعفنت، لم تطلع الشجرة، ذلك ايضا سؤال وجواب 'أما علمت ان ترك الجواب جواب'.


قرأ ملك رقعة ثلاث مرات، ولم تكتب جوابا، فكتب المتظلم شكوي يقول فيها : 'ثلاث مرات عرضت الأمر علي مقامكم، فليتني اعلم ما اذا كان طلبي يقبل او يرد' فكتب الملك علي ظهر الرقعة: 'أما علمت ان ترك الجواب جواب، وجواب الأحمق سكوت'.


عدم نمو الشجرة ترك للجواب، ولذلك فهو جواب، كل حركة يقوم بها الانسان سؤال، وكل مايحدث له من غم وسرور جواب، اذا سمع جوابا سارا فعليه ان يشكر، ويعبر عن الشكر باعادة نوع السؤال نفسه علي من تلقي هذا الجواب لذلك السؤال، واذا سمع جوابا غير سار استغفر حالا، ولم يسأل مثل ذلك السؤال مرة اخري.


'فلولا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم' (الانعام 6/43)
يعني انهم لم يفهموا ان الجواب مطابق لسؤالهم.
(وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) 'الانعام 6/43'


أي: انهم رأوا الجواب لسؤالهم فقالوا: هذا الجواب القبيح غير لائق بذلك السؤال'.. لم يعرفوا ان الدخان من الحطب وليس من النار.. وكلما جف الحطب قل دخانه، اسلمت حديقة الي بستاني، فاذا جاءت من تلك الناحية رائحة غير طيبة، فاتهم البستاني لا الحديقة، قال رجل، 'لم قتلت امك'؟ ­ فأجابه الاخر: 'رأيت شيئا غير لائق' فقال الرجل الاول: ينبغي ان تقتل ذلك الغريب'.


فقال الرجل الثاني 'عندئذ اقتل كل يوم شخصا'.. ولذلك الان، في كل مايعرض لك، ادب نفسك، حتي لاتقتتل كل يوم مع شخص، اذا قالوا. 'كل من عند الله' قلنا 'حقا ان لوم الانسان نفسه والتخلص من إسار الدنيا هو من عند الله ايضا'.


وهذا مثل ذلك الشخص الذي انزل المشمش من الشجرة، فاكله، فطالبه صاحب البستان قائلا: 'الا تخشي الله؟' فقال الرجل: 'ولماذا اخشي؟ ­ الشجرة لله وانا عبد الله، اكل عبد الله من مال الله' فقال المالك، 'تمهل وانظر اي جواب سأقدم لك، هاتوا حبلا، واربطوه علي هذه الشجرة واضربوه، حتي يظهر الجواب' ! فصاح: الا تخشي الله'؟ فقال المالك: و'لماذا أخشي؟ ­ أنت عبد الله، وهذه عصا الله، اضرب عبد الله بعصا الله'.


والحاصل ان العالم مثل الجبل، كل ماتقوله، من خير وشر، تسمعه من الجبل، واذا حملت فكرة 'تكلمت حسنا فرجعه الجبل قبيحا' .. فان هذا محال. عندما يغني البلبل في الجبل، ايمكن ان يعود غناؤه من الجبل صوت غراب او صوت انسان او صوت حمار؟ استيقن عندئذ انك أتيت بصوت كصوت الحمار.


حسن الصوت عندما تمر بالجبل
فلم تتكلم امام الجبل بصوت كصوت الحمار؟
السماء الزرقاء ترجع دائما صدي صوتك العذب
من كتاب 'فيه ما فيه' لمولانا جلال الدين الرومي
ت: عيسي علي العاكوب
الناشر: دار الفكر





الصعود للسماء رقصا
بعد وفاة مولانا "جلال الدين الرومي" أصبحت رقصة دوران الدراويش جزءا أساسيا من الشعائر الصوفية،كرمز للخلود وعلامة التوق الي الله،وفي كتاب أصدره قسم النشر بالجامعة الأمريكية تحت عنوان "الرومي و دوران الدراويش " قدم المؤلف "شمز فريدلاندر" بعد زيارته لمدينه" قونيا" سنة 1973 توثيقا فوتوغرافيا لرقصة دوران الدراويش،ملتقطا صورا لهم في مقرهم الأساسي المعروف بالتكية،يظهر فيه الراقصون المؤدون للشعائر الصوفية ذووالتنورات البيضاء التقليدية والقبعات العالية التي ترمز الي شواهد قبورهم مأخوذين بالحضرة الإلهية،كما يمدنا الكتاب بنظرة عن قرب لتلك الاحتفالات التي عادة يمنع العامة من حضورها،بالإضافة الي قصة حياة "الرومي"، وجميع فصول الكتاب مرصعة بأجزاء من أشعار الرومي و تعاليم كبارالصوفية، بالإضافة لاحتوائه علي وصف تفصيلي للتكية القديمة و شرح المعاني الرمزية لرقصةالدراويش وسر اختيار الناي ،كما يقدم نظرة شاملة متعمقة حول الموسيقي المصاحبة لدوران المولوية،بالإضافة الي تخصيص فصل كامل حول عالمية رسالة الحب للرومي و قصة حياته .

وللمؤلف كتاب آخر عن الرومي يحمل عنوان "الرومي : الكنوزالمخفية"،كما أنه كتب و أخرج و أنتج فيلما وثائقيا تحت اسم " الرومي: أجنحة الحب".


في فصل عن رقصة الدراويش بعنوان"تحييد الالتصاق بالأرض" كتب المؤلف أن الرقصة المولوية يؤديها الدراويش بهدف تحييد جاذبية الأرض، بدأه بعبارة أن كل شئ في الكون خفي عدا ما نجعله نصف مرئي،فعن طريق الوعي،يمكن لكل الأشياء أن تصبح مرئية،ويحاول الدرويش فتح عيون القلب لإدراك لانهائية الخلود،بهدف تحرير نفسه من جاذبية الأرض مع تحرير الذات من الإدراك الحسي الذي يشكل قيدا عليه،ليصبح متوحدا في الله،متلمسا طريقا الي نوره،للدخول الي عالم اللامطلق، .فالجسد بالنسبة للدرويش بمثابه معبد للإله ، أو كما قال " محيي الدين بن عربي" هو وعاء يكمن داخله سلام الرب" و حركة الدراويش تطهير لذلك الوعاء.


ويتساءل المؤلف حول اهتمام الإنسان بسربساط الريح والمكان الذي يظن أنه سوف يحمله اليه،هل نحو عالم الخيال والأحلام،أم نحو خارج نفسه حيث يمتلك كل وجود سلاما نفسيا وحرية؟ ففي أحد الأيام كانت "رابعة" في بيتها وطرق عليها الباب أحد الأصدقاء قائلا لها :"أخرجي للنظر في خلق الله " أجابت: " أدخل كي تري الخالق" .


وفي المثنوي قال جلال الدين الرومي :


في بستان فسيح، يمتلئ أشجارا و فاكهة
أشجار الكرم و الخضرة،جلس صوفي عيناه مغمضتان،"ساجدا" واضعا رأسه بقرب ركبتيه،مستغرقا بعمق في حالة من التأمل و الصوفية:تساءل شخص "لماذا لا ندرك علامات رحمة الله من حولنا _والتي تدعونا للتأمل؟ أجاب : "العلامات؟" " أنا أنظر للباطن،هل عدا العدم سوي رموز الإشارات".


تجربة النظر الباطني تكشف الغطاء عن الكنز الدفين الذي نموته و نعيشه في التو واللحظة،وهو ما تتم ترجمته من خلال رباط الصوفية.


وقد تحدث الشيخ المظفر المتخصص في توحد الدراويش باسطنبول واصفا نسيج البساط السحري قائلا:" نحن نؤدي الذكر كي نفتح عيون قلوبنا،المهم أن تري بعيون قلبك،وليس بعينيك،إذا رأيت من خلال قلبك سوف تعرف كل الناس و كل الأشياء،سوف تري كما لو كنت تنظر من خلال تليسكوب ذي عدسات حادة،إذا رأيت من خلال عينيك فقط لن تختلف عن الحيوان،الذي له رأس و عينان و أنف وعضلات وجلد و أذنان و أنت مثله عدا قدرتك علي الرؤية بقلبك عندئذ تنفتح لك كل مجالات الرؤية،الإنسان هو البساط السحري،والقدرة علي الطيران من أجل الارتفاع فوق كل الأشياء، هو المكمل لعملية نسج البساط السحري،و المعني الباطني(السري) لسير المسيح علي الماء و حمل البراق للنبي محمد (صلي الله عليه وسلم) من المدينة الي المسجد الأقصي ثم نحو السماء.


في علم الأساطير الهندية يحمل الطائر العملاق "جارودا" الآلهة الي الجنٌة ،و عن طريق إدراك الروح(الحياة) يمكن للإنسان فعليا امتطاء أنفاسه و الارتفاع فوق كل الأمور الدنيوية،كما أشار "الرومي" : الطائر عندما يرتفع عاليا لا يصل للسماوات،انما أقصي ما يصل إليه هو أسطح المنازل وبذلك يهرب ".


و يختبر الدراويش عند أدائهم رقصة الدوران نوعا مماثلا من التحرر ،ربما لا يصل الي مرحلة الإنسان المثالي،لكنه ينال الخاصية السحريه في الحياة التي تحيٌد التصاقه بالأرض محررة إياه من الاهتمامات العامة و المخاوف .


كان مولانا "جلال الدين الرومي" مهتما بالحركة و الصوت علي كوكب الأرض،و"السما"أو رقصة الدراويش الدوٌارة هي تعبير عن الإستمتاع الكوني الذي يجحس بواسطة تزامن تأثير التلاشي مع ذكر الله عز وجل،و قد وصف مولانا تلك الرقصة بعدة طرق قال انها " شهادة علي حالة من الإحساس بغموض الله من خلال أنعجم الألوهية "،وهي صراع مع النفس،للخفق أوالرفرفه،بيأس،كطائر نصف مذبوح ملطخ بالدم،يتمرغ في الوحل و التراب، ساعتها يصبح مدركا لحزن يعقوب،في سبيل الوصول الي إرتعاشة مقابلة يوسف ورائحة قميصه، تلك الرقصة وحدها لغز فهي الطريق الي الوصول لمكان حتي الملائكة لا يمكنهم الوصول اليه !،و الدرويش الحقيقي لا يسأم أبدا،لأنه لا يكرر شيئا مرتين أبدا،انه رجل يسافر بشكل مستمر في دائرة ذاته،مكررا أعمال ماضيه،حاصرا نفسه داخل شبكة من ابتكاره الخاص،فمنذ الأزل،دفنت جمجمة هابيل أول إنسان مات علي الأرض _ و دفن الإنسان معها مقدساته و خرائط حريته .


ومنهج الصوفية هو الِِِِِِِّّّّّّّّّّّذكر بتكرار "لا إله إلا الله"،وبعض الصوفيه يكررون فقط كلمة الله،لاعتقادهم أن الإنسان قد يموت في أية لحظة،و يجب أن يكون لفظ الجلالة آخر ماينطقه اللسان وآخر ما يرد علي القلب،فالذكر يفتح الباب إلي العالم الروحي الذي يجفتح بفضل الله ،وصلاة المتصوف تتمثل في الذكر والفكر،و مجرد وجوده يحرك قلب الحجر،علي راحتي يده مكتوب أسماء الله الحسني،وفي شعر الرومي المعروف بالمثنوي كتابة حية تضئ أرواح ما لاحصر له من البشر،عبر فيها الرومي ببساطة عن ناموس الحياة في سلسلة من الحكايات تستقي منها العبر ،متأثرا بالصوفي فريد الدين عطار الذي اختار الناي رمزا للترحل عبر بقاع الأرص بصندل موسي،كما تحدث"حضرة عناية خان" عن قصبة الناي باعتبارها رمزا روميا يشير الي الإنسان )هناك صورة جميلة رسمها الرومي مفسرا كيف تمس الحان قصبة الناي شغاف القلب،أولا لأنه تم فصلها عن فرعها الأم،ثم تم عمل فتحات في قلبها،و عندما يحدث ذلك ينكسر القلب و يشرع في البكاء،و بروح الرسول و روح "المعلم"، بالقدرة علي التحمل _ تصبح ذاته مجوفة مثل قصبة الناي،وتلك غاية العازف عند آداء اللحن) .


عندما يتحول كل شئ الي العدم،يصيغه العازف لحنا، أما إذا تبقي منه شيئا،فلن يتمكن العازف من استخدامه،فعلي أحد طرفي الناي شفتي نبي، وعند الطرف الآخر كما لو نسمع صوت الإله،الله يخاطب كل الناس وليس فقط الأنبياء والمعلمين،يتحدث لآذان كل قلب لكن ليس كل قلب يمكنه سماعه،صوته أعلي من الرعد،و نوره أسطع من الشمس،فقط إذا تمكن أحد من رؤيته،وإذا تمكن أحد من سماعه،ولكي نراه و كي نسمعه،علي الإنسان أن يزيل جدرانه،و العوائق التي يصنعها لنفسه."عندها يصبح هو نايا لعازف مقدس يؤدي لحنا أسطوريا،قادرا علي تحريك حتي قلب الحجر ." . ومن أجمل أشعار الرومي حكاية الناي التي يصف فيها انقطاع الإنسان وحنينه للعودة إلي أصله النوراني فيقول:
استمع للناي كيف يقص حكايته
إنه يشكو آلام الفراق فيقول:
منذ قطعت من منبتي والجميع رجالا ونساء يبكون لأنيني
أنشد بصدري الذي مزقه الفراق
لأشرح له ألم الاشتياق
فأيما إنسان بعيدا عن أصله أقام
عن زمان وصاله يظل يبحث.


وتلك المعاني تقتصر علي تلقي سيدنا "محمد" (صلي الله عليه وسلم) لكلمات الله،الرسالة الممنوحة له في صورة قرآن كريم، كرسالة سلام،ولذلك أطلق علي هذا الدين الإسلام وليس المحمدي ، النبي محمد (صلي الله عليه وسلم) يمثل فيها الناي الذي من خلاله منح الله رسالته للإنسان.


الرمز الروحي للناي لم يبدأ مع " الرومي"بالرغم من أن حياته أعلي مثال لتوق قصبة الناي للتوحد مع أصلها،هناك أسطورة صينية قديمة عن أول موسيقي عزفت علي قطع صغيرة من عيدان الغاب،فقد صنع الموسيقي البدائي فتحات في قطعة من الغاب تبعد عن بعضها مسافة إصبعين،فأصبحت نايا،وفي الأساطير الهندية تظهر صورة "كريشنا" إله الحب في صورة عازف ناي،فالحب الإلهي يتملك الإنسان و يتغلغل في وجدانه و يستولي علي كيانه،الناي هو قلب الإنسان،وقلب به ثقوب يصبح نايا يعزف عليه إله الحب،و الآلام والأحزان التي تعانيها الروح خلال رحلة الحياة هي ثقوب في قصبة ناي،وقلب الإنسان قصبة في المقام الأول،صنعت منها المعاناة والآلام نايا يمكن للإله استخدامه في صنع موسيقاه.


هنا يكمن سر الشخص في الذكر الصوفي،ويجب التخلص من كل شهوات القلب بتكرار الإنكار(لا إله) و الإحلال بحب الله ( إلا الله) وعندما لا يبقي في الذاكرة سوي الله،يصبح الذكر نقيا خالصا، الدراويش في دورانهم يرددون الذكر كأنما يتحولون إلي خلفية موسيقية نائحة لصوت الناي،إنهم يفرغون قلوبهم من كل شئ عدا التفكير في الله،يدورون في حركة إنجذابية صوفية للذات الإلهية _ فصوت الناي مصنوع من أنفاس العازف وهو حتما مستسلم للحضرة الإلهية،و بالرغم من أن الناي مجوف،إلا انه مانح للحياة بأنفاس عازفه، ودون أنفاس يتحتم علي الإنسان الموت ،والموسيقي في عرف الصوفية لا تعتبرمصدرا للإلهاء و الإمتاع علي الإطلاق،بل هي تأمل في الوجود.


و بسبب عالمية و انتشار تعاليمه في أنحاء الأرض قاطبة،أصبح "الرومي" معروفا كسلطان للحب،وجسده المدفون تحت التراب،بمثابة بذرة حب للإنسانية،تطرح ثمارها في قلوب العارفين بالله،مولانا متحدث عن عالم سماوي من الكنوز المكنونة المعبقة بحب الله،لقد عاش نحو استكمال نسج البساط السحري_ و كشف مغزاه الحقيقي لمن يعتقد أن الأرض منبسطة.أما صاحب المثنوي نفسه فموقفه تلخصه عبارة كتبت علي قبره في قونية بتركيا تقول "يا زائري،لا يهم من تكون ولا من هو أستاذك تعال يا أخي لنتكلم عن الله".





دولة الحب أقبلت!
عندما نتناول، نحن العرب، جلال الدين الرومي الشاعر لا نستطيع ان نتحدث عنه بالعمق الذي يتحدث عنه قاريء الفارسية او التركية، واحيانا، للأسف، قاريء الانجليزية.
لماذا؟


لأنه لم يترجم الي اللغة العربية ترجمة تليق بمعماره الشعري البسيط والمركب في آن، الروحاني المحلق في أعالي السماء والأرضي في الوقت نفسه. لقد عكف المترجم المصري الراحل ابراهيم دسوقي شتا سنين طويلة علي (المثنوي) وترجمه في ستة مجلدات كبيرة. كنت متلهفا لقراءة هذا الاثر الشعري والصوفي الكبير عندما حصلت عليه في احدي زياراتي للقاهرة، ولكني ما إن طالعت الصفحات الأولي منه حتي أدركت أنني أطل علي حطام الرومي وليس علي جنائنه المعلقة. المرحوم (شتا) كان يعرف الفارسية وكان استاذها في جامعة القاهرة، ولكنه لم يكن شاعرا، لم يكن أديبا، ولم تسعفه لغته شبه الاكاديمية في نقل جماليات الأثر ولا شحنات توتره ولا الظلال الشعرية التي ينطوي عليها (المثنوي)، فجاء اقرب الي ترجمة نثرية متواضعة منه الي عمل شعري حكائي محكم كما هو في لغته الأصل.
هكذا لا تستطيع، نحن الذين لم نقرأ الرومي في لغته أن نتحدث عن تلك الكنوز الشعرية التي تنطوي عليها اثاره، عن ذلك اللهب الازرق الذي يسطع بين الوردة والعندليب، وقصاري ما يمكننا التحدث به هو جانبه الصوفي، افكاره في التصوف، حكمته الانسانية العارية. اي اننا نستطيع التحدث عن الجانب (النظري) عند الرومي وليس عن جانبه الابداعي، ولا شك ان الاخير لا يقل اهمية عن الاول.


اهمية الرومي، مع التشديد علي التحفظات التي اشرت اليها، تكمن في انه لم يكن شاعر شطحة، كما هو حال الحلاج، ولا كاتب شذرة مثل النفري، ولا منظٌرا صوفيا وفيلسوفا توسل الشعر من أجل ايصال فكرته كما هو فعل ابن عربي، بل هو شاعر ذو انتاج غزير ومنهج محكم. انه شاعر مشروع كامل وليس شاعر شطحة او نفحة او شذرة او حكمة عابرة. (المثنوي)، حتي في حطامه العربي، يرينا، عبر عالمه الحكائي الشاسع وسفره في الارض والامثال، هذا الجانب الخلاق عند الرومي.










نحن، الآن، في رحاب الذكري الثمانمئة لميلاد الرومي، أو (مولانا) بحسب تعبير مريديه، وقد افردت (اليونسكو) هذا العام للاحتفال بذكراه.
اما لِمّ ظل العالم مهتما بهذا الشاعر والمتصوف الكبير، فأظن أن الأمر يتعلق بقدرته علي تجاوز قوقعة اللغة والقومية والدين ليعبر الي الفضاء الانساني الاوسع. فهو امتلك قدرة مخاطبة اعمق مشاعر الانسان وما يمكن ان نسميه ب (المشترك الانساني). ورغم انطلاق تصوف الرومي من الارث الاسلامي (والشرقي عموما) الا انه استطاع مخاطبة بشر ينتمون الي اصقاع جغرافية بعيدة واديان ومذاهب مختلفة. هذا ما نسميه ب (البعد الانساني) الذي تمكن الرومي من القبض عليه، وهو أمر يشترك فيه آخرون من اعلام التصوف الاسلامي (كابن عربي مثلا) الذين تجاوزوا حدود اللسان والدين والجسد المتعين وخاطبوا المشترك الانساني.










نعرف جلال الدين الرومي ولا نعرفه. إنه بيننا في شوارده ونفحاته، ولكنه بعيد عنا. نسمع موسيقي، حضٌّ عليها ولا نعرف انه في أنفاس نايها. ونري رجالا يدورون حول أرواحهم ونسمي دورانهم رقصة التنورة ! يالابتذال تلك التسمية الشائعة في السياحة الركيكة.

رأيت، يوما، شابا مصريا يؤدي الرقصة المولوية، في مطعم لندني. دار الفتي المصري حول نفسه كما لو كان لولبا، أو بلبلا. وعندما انهي رقصته وجاء الي الطاولة التي كنت أجلس اليها، كان قد خلع (التنورة) و(الطربوش). بدا شابا ينتمي إلي (جينز) هذا العصر الأمريكي. قلت له: أحسنت في تأدية المولوية . فلم يفهم.
قلت له: أقصد رقصتك. فقال: آه.. التنورة!

سألته ان كان يعرف أصل هذه الرقصة، فقال لي انها من الفلكلور المصري. ادركت طبعا انه لم يكن يعرف شيئا عن المولوية. لا شيء عن جلال الدين الرومي الذي رأي فريد الدين العطار يعبر مدن الحب السبع وهو لما يزل في الزاوية، الذي رأي، لاحقا، شمس الدين التبريزي.. فأشرقت شمس أبدية في نفسه وقال: دولة الحبٌّ أقبلت.










لم يقيض لنا شاعر مثل روبرت بلاي ليعطي ترجمة الرومي الأكاديمية الي شاعر آخر يدعي كولمان باركس ويقول له: خذ هذه القصائد المحبوسة في قفص، وفك أسرها ، لتحصل اللغة الانكليزية علي ترجمة للرومي تنتشر مثل النار في الهشيم. كان أجدر بنا أن نفعل ذلك. نحن أقرب إلي الرومي ولغته الفارسية وعروضه العربي من روبرت بلاي، أحد أعلام قصيدة النثر الامريكية. لكن هذا لم يحصل.

لم يشتغل المرحوم شتا علي (المثنوي) مع شاعر. ترجم الأثر ب(أمانة) أتت علي أنواره وظلاله. نجت الحكاية في ترجمة شتا ومات الشعر.










قرأت مؤخرا ترجمة لبعض رباعيات الرومي بقلم العراقي عمار كاظم محمد ما جعلني اتساءل ان كنت اقرأ ريلكه ام شاعرا رحل قبل 800 عام. اليكم واحدة من هذه الرباعيات:
خذ هذه اللحظة الي قلبك
وعندما تغادرك
ستظل تبحث عنها طويلا
كما لو انها تختفي
مع مئات المصابيح والعيون .





موسيقي الدراويش
تقوم تعاليم مولانا علي عناصر ثلاثة يتم التعبير عنها من خلالها: الرقص والموسيقي والعشق. ففي أعماله، يجعجب مولانا بالموسيقي ويقبل بها كفن راقي. وتبدأ الموسيقي، عنده، حينما ينتهي الكلام، وهي لديها المقدرة أن تحتوي وتعرض ما تعجز الكلمات عن ذكره. فلغة الموسيقي لغة عالمية. إنها لغة العاشقين. وأثناء زمن مولانا، كانت موسيقي "الرباب" تجسمع غالبا في "قونيا". وانتقد بعض الرجال العدول في المدينة موقف "مولانا" تجاهها. وقال "سيد شريف الدين": "إنني أيضا أنصت إلي موسيقي الرباب، لكنني لا استطيع أن اسمع موسيقي السماء، كما يسميها جلال الدين، ولا أفهم منها شيئا". فأجاب مولانا بأننا نسمع صوت باب السماء يجفتح، لكن شريف الدين المسكين يسمع فقط صوته يجغلق.
إن الموسيقي التي يقرها مولانا كانت هي التي يسميها "إسماعيل حقي البرزي": "موسيقي التركيز". فحينما ينصت المرء، يركز في حب الله. ومن أجل هذا، فهي تسمي "موسيقي الحكمة". وأول أدواتها الرباب والناي. وفي هذه الموسيقي، الناي هو رمز الإنسان. وفي "المثنوي"، تحفة "مولانا" العظيمة (25700 بيت شعري)، يبحث في "الرمزية". ووفقا لرؤيته، فإن الناي يعاني من الانفصال عن الله، ذلك الانفصال الذي ينتهي بالموت.
انصت إلي الناي كيف يحكي قصته، يشكو البين
قائلا: "أبدا منذ انتجزِعت من أعواد الغاب وأنيني جعل الرجال والنساء ينتحبون.
إنني أحتاج قلبا مزقه البين، إليه يمكنني أن أشكو ألم العشق.

أساسيات الموسيقي المولوية


ليست لدينا معلومات كثيرة عن الموسيقي المولوية أثناء فترة حياة "مولانا"، لكننا نجد أحيانا أسماء ومعلومات عن موسيقيين معاصرين لفترة "مولانا". وفي قصائد "مولانا" توجد أيضا معلومات عن التقنيات الموسيقية. إن الموسيقي المولوية التي ظلت معروفة لقرون واستمرت تتقدم باطراد، يكون الإيقاع فيها والصوت مهمين إلي جانب اللحن الذي يساعدهما الاثنين معا. وتعمل هذه العناصر الثلاثة جنبا إلي جنب بهذه الطريقة علي خلق رتابة موسيقية، هي الهدف الأساسي للموسيقي المولوية. فينبغي أن يكون الإيقاع والصوت متصلين أثناء انسيابها، لكنهما في الأساس مستقلان. إن أداة الإيقاع يمكنها أن تخلق موسيقي بمفردها تماما مثلما يمكن أن يفعل الصوت بمفرده. إن اللحن يوحد بينهما ويضمهما مثل صدفة المحارة الخارجية. فهذه الموسيقي الرتيبة تجذب انتباه الرجال وتقودهم صوب التأمل. فعندما نركز في الموسيقي، نتوحد مع أنفسنا ونستكشف بصائرنا الجديدة.


وتنمو الحكمة التي هي الغرض من الموسيقي. إننا لا نستمتع بالموسيقي، بل هي تجعلنا نتفكر. ربما تضجرنا، لكنها سوف تحسننا. إن موسيقي مولانا ليست للسماع: وإنما للمشاركة. ومن خلال المعرفة بمولانا وتعاليمه، نحن نشارك في الاحتفال بالعزف علي آلة أو بالرقص. وجدير بالذكر أن كل العناصر الموسيقية الثلاثة، إلي جانب الرقص، والتوحد مع مولانا أساسية في الاحتفالية أو إقامة الشعيرة. إن فقد أي عنصر منها يجخِل بقدسيتها، ويجعل أدائها غير ذي جدوي.

أصول وتقنيات الموسيقي المولوية


بدأت الموسيقي المولوية بمولانا. إنها الموسيقي التي كان يفضلها: إذ إنها الموسيقي التي صنعها مريدوه الأحباب، وهي أيضا موسيقي آسيوية. فقد كان مولانا آسيويا، وللمكان الذي يعيش فيه المرء تأثير علي حياته بالكامل، وعلي كل سلوكه. وسواء أكان المرء يعزف أم يستمع، فليس هناك فرق، لأن الموسيقي تعكس الروح. ففي الموسيقي المولوية نحن نستشعر توهج الجبال الآسيوية وطاقتها المتفجرة، مثلما نحس بجلال سهوبها وصفائها. فلم تكن الموسيقي منذ البداية بغرض الاستمتاع، بل إنها كانت وسيلة لنقل كلمات مولانا وأفكاره، إنها كانت أيضا من أجل فيثاغورث وهوميروس وأورفيوس.


إن الموسيقي المولوية هي جزء من الموسيقي الدينية التركية، التي هي بدورها جزء من الموسيقي الكلاسيكية التركية. فالموسيقي التركية لها فرعان رئيسان. الفرع الأول هو موسيقي المسجد: أما الثاني فهو الموسيقي الروحانية التي تجيء الموسيقي المولوية كجزء منها.


إن الشعائر المولوية تتكون من تركيبات مؤلفة بدقة. وتنقسم هذه الشعائر إلي أربعة أجزاء، كل جزء منها يسمي: سلام (تحية). ويتصل كل جزء منها من خلال الغناء. وفي السلامين الأول والثاني، تجغني مختارات من "الديوان الكبير" لمولانا، أو "المثنوي". وفي الجزء الثالث، يمكن أيضا أن تجغني قصائد من الأشعار الأخري لمولانا.


وتجعزف الموسيقي الدينية والموسيقي الروحية بطرق مختلفة. كما أن الموسيقي المولوية الروحانية تحوي داخل إطارها أنماطا مختلفة. فالموسيقي بشكل عام يوجهها ويتحكم فيها كبير الطبالين. إنه المسئول عن توجيه التدفق الموسيقي، ويقرر ما إذا كانت تجعزف بسرعة أو ببطء. فالجو الروحاني في مجمع الشعيرة يؤثر في قراره، وعلي الرغم من ذلك فهو بنفسه الذي يتحكم في العلاقة بين الموسيقي والرقص. وسواء استشعر "كبير الطبالين" أن الحجرة هادئة أو ساكنة، فإنه سوف ينقل هذا التأثير إلي الموسيقي. ومما هو جدير بالملاحظة، أنه من المحتمل ألا يكون "كبير الطبالين" متنبها لكونه متأثرا بسبب تركيزه واندماجه في الشعيرة. وكما ذكرنا، فإن التركيز العالي يجلب قلة الانتباه، ومن ثّمٌّ التلقائية.


وعلي الرغم من أن الاختلافات بين الأجزاء والإيقاعات محددة سلفا وأن كبير الطبالين مسئول فقط عن سرعة الموسيقي، فإنه يكفيه فقط أن يحدد التوتر الروحي للشعيرة.
الناياتي (كبير عازفي الناي)


العنصر الآخر المهم في الموسيقي المولوية هو الصوت. فالصوت يجستحضر أولا من خلال الناي بسبب أن موسيقاه قريبة الشبه من الصوت الإنساني. كذلك فالناي يجستخدم بالمثل كآلة في الموسيقي الكلاسيكية غير الدينية، لكنه حينما يجستخدم في الموسيقي المولوية فإنه يكون أكثر قداسة وعمقا. إن عازفي الناي يتم توجيههم عن طريق "الناياتي" خلال الشعائر المولوية. وتوجد في الموسيقي التركية الكلاسيكية أنواع كثيرة من "المقامات" أو الطرز، وتتكون الشعائر المولوية من مقامات كثيرة مختلفة. وتسمي كل شعيرة من الشعائر علي اسم المقام الذي تتألف منه. إن كبير عازفي الناي (الناياتي) يرتجل ارتجالات طويلة لكل مقام من المقامات، فيما يسمي "تقسيم". وأحيانا، يكلف أحد "نافخي الناي" بهذا الواجب. ويعتمد هذا الارتجال علي المشاعر الروحانية للناياتي أو عازف التقاسيم. فهو يتذكر اللحن أو النغمة التي هم بسبيلهم إلي عزفها، متأثرا في ذلك بالجو السائد في المحفل بطريقة تشبه كثيرا طريقة كبير الطبالين. ويصل المشاركون في الشعيرة إلي الخطوة الأولي تماما من التركيز مع هذا التقسيم.


إن الناي نفسه هو مجرد قطعة مصمتة من الخشب لها سبع فتحات محفورة فيها. وتنبعث الحياة في الناي من خلال أنفاس عازف الناي عندما يكرر ذكر "اسم الله".

المنشدون


إن معظم الشعيرة يجؤدي شفاهيا. فالكلمات هي شعر مولانا والشعراء الآخرين من القرن الثالث عشر. ولما كانت لغة هذا القرن هي الفارسية، فإن المنشدين من أجل أن يحسنوا الأداء ينبغي أن تكون لديهم بعض المعرفة باللغة الفارسية. فالقصائد المختارة علي وجه العموم هي قصائد غنائية، وعلي هذا فالموسيقي إيقاعية، والشعر يتوحد لتكوين موسيقي الحكمة. فالكلمات، وحتي المقاطع من الشعر، ينبغي أن تكون متصلة مع الجمل الموسيقية. وينبغي أن تجفهم الكلمات بوضوح بمعني أن اللحن لا ينبغي له أن يطغي علي الكلمات التي لها معاني أعمق. فهذه هي الطريقة التي تمليها خصائص الموسيقي المولوية.

أجزاء الشعيرة


تنقسم الشعيرة إلي جزئين. يتألف الجزء الأول منها من النعت أو المديح (قصيدة تمتدح الرسول محمد)، وارتجال علي الناي (تقسيم)، و"حلقة سلطان فيلد " (سلطان فيلد هو ابن مولانا). ويتكون الجزء الثاني من أربع "سلامات"، والموسيقي المساعدة النهائية، وتلاوة القرآن، والصلاة.


أ "نعت". شكل في الموسيقي الدينية. إن "النعت" في الموسيقي المولوية ألفه "بوهوريز مصطفي إتري" (1640­1712)، لكن الشعر ينتمي إلي "مولانا". (يشير الموسيقيون الأتراك غالبا إلي مقام "الراصد" علي أنه أساس النظرية الموسيقية). ويجترجم "النعت" كالآتي:


يا مولانا، ياصاحب الحق،
يا جمالك يا حبيب الله.
نبي لا مثيل له للخالق،
جميل الخلق طاهر اختاره الله من بين خلقه.
يا حبيبي وسلطاني،
يا جميل المحيا نور يتجلي للأبدية،
أكمل وأقدس خلق البرية،
أنت الجميل يا مصطفي من بين الأنبياء ونور عيوننا.
يامولانا، ياصاحب الحق!
يا حبيبي وسلطاني،
يا رسول الله،
أنت العليم كم خلقك ضعفاء لا حول لهم.
أنت نصير الضعفاء الأرواح المقهورة،
أطلق الحقيقة، ياسلطاني،
أنت شجرة السرو الجميلة في بستان الأنبياء،
أنت فصل الربيع الجميل في عالم المعرفة،
أنت الياقوت الجميل وشجرة الورد في بستان الأنبياء،
أنت عندليب العلا،
شمس التبريزي يتغني بعظمة النبي،
أنت الجميل الطاهر المصطفي، الجليل العظيم، أنت يا شافي القلب،
يا حبيب الله!


إن "النعت"، أو المديح الذي ليس له إيقاع أو وزن شعري، يجغني بطريقة ابتهالية من أحد "المنشدين"، الذين يقفون عندما يغنون.


ب التقسيم. التقسيم الذي ناقشناه من قبل هو الجزء الأكثر إبداعا في الشعيرة أو الاحتفال المولوي.


ج حلقة سلطان فيلد: كانت هذه هي المشاركة في الاحتفالية أو الشعيرة من ابن مولانا، "سلطان فيلد". وفي أثناء هذه الحلقة، يمشي الدراويش الذين شاركوا في الدوران حول "السيماهان " (حجرة الشعيرة أو الدراويش) ثلاث مرات، ويحيون بعضهم البعض أمام "المقام". وبهذه الطريقة هم يتناقلون الأسرار فيما بينهم.


إن الموسيقي التي تجعزف في هذا الوقت هي موسيقي وسيطة، وتسمي "بشرف ". إن "بشرف" هو شكل مشهور من أشكال الموسيقي، يتكون عادة من أربعة أجزاء، مع أنماط إيقاعية طويلة، وتجعزف في بداية الأداء الموسيقي الكلاسيكي. ويكون مصدر موسيقي "البشرف" علي وجه العموم من خلال مؤلف الاحتفالية أو الشعيرة. ويتواصل هذا حتي تنتهي حلقة "السلطان فيلد" (ابن مولانا). ويسمي إيقاع "حلقة السلطان فيلد" الحلقة العظمي. إن الجمل الموسيقية للإيقاع 56/4 هي الجمل الإيقاعية الأطول المستخدمة في الموسيقي المولوية. فالإيقاع يخلق التأثير الموسيقي، علي الرغم من أنه يجعزف بدون مصاحبة صوت. وعند نهاية "حلقة سلطان فيلد"، تجعزف علي الناي ارتجالية أخري، ويبدأ الجزء الثاني من شعيرة الدوران أو الذكر.


السلامات الأربع


أ السلام الأول. تكون النغمات في العادة طويلة. ويسمي الإيقاع المستخدم حلقة المشي. ودقاتها 14/8. وأحيانا يجستخدم إيقاع يسمي دويق (اثنان إلي واحد).


ب السلام الثاني. ويجسمي نموذج إيقاع هذا السلام إيفير ، وتتكون دقاته من 9/8.
ج السلام الثالث. وهو مقسم إلي جزئين، يتضمنان نغمة وإيقاعا. وتسمي هذه الحلقة في الجزء الأول الحلقة، لكنها حلقة تختلف عن تلك المستخدمة في حلقة السلطان فيلد. فدقاتها 28/4. كما أن الجزء الثاني من هذا السلام الثالث يوجد فيه "اليوروك سيماي" (نوع من الفالس)، وتكون دقاتها 6/8. ويوجد إيقاع انتقالي فيما بين الاثنين يسمي "أكساك سيماي" (الفالس البطئ)، ويتكون نموذجه من دقات 10/8.


إن أسرع جزء في الشعيرة المولوية هو الجزء الأخير للسلام الثالث. فإيقاع الفالس المستخدم (6/8) في هذا الجزء، يعطي للمؤلف إمكانية تعويض الجزء الأكبر من التأخير. فأداء هذا الجزء يمنح الفرصة للإحساس بأعلي درجة من الابتهاج بالموسيقي والتعبير عن هذه الفرحة. وهنا، تصل المشاعر الروحية إلي الذروة، وتتحول إلي النشوة. إن الرابطة بين الدراويش الذين يدورون والموسيقيين قد أصبحت كاملة.


د السلام الرابع. النمط الإيقاعي مرة أخري يكون "إفير" (9/8). إن إيقاع "إفير" بطئ وطويل، ومن ثّمٌّ تقل النشوة السابقة. فكل من أصبح منفعلا بشدة أو نشوانا أثناء نقرات أو دقات 6/8، يبدأ في التركيز مرة أخري.

الموسيقي الأخيرة التي تؤديها الآلة


ومع نهاية السلام الرابع، ينتهي الجزء الشفوي. ويكون "البشرف" الأخير هو الخاتمة، وهو يأخذ أنماط 4/4. إن فالس "اليوروك سيماي"، الثاني في أنماط إيقاع 6/8 هو نهاية الشعيرة. وبعد هذا القسم الموسيقي الوسيط، يأتي تقسيم الناي. ويمكن أحيانا عزف هذه الموسيقي بالآلات الوترية.

تلاوة القرآن والصلاة

وبعد انتهاء الموسيقي، يتلو حافظ من المنشدين من القرآن. تستمر شعيرة الدوران حتي يبدأ القرآن. وحينما يبدأ الحافظ تلاوته، يتوقف فجأة الدراويش عن الدوران، ويخطون إلي الخلف إلي حدود الحجرة ويجلسون. ويختار "الحافظ" النص الذي يعجبه. وبعد أن ينتهي، يقف "كبير الدراويش" ويبدأ في الصلاة أمام شيخه. وتكون الصلاة طويلة. وقبل سنة 1923، كانت الصلاة من أجل صحة السلطان وحياته. وبعد تأسيس الجمهورية التركية، أصبحت الصلاة من أجل صحة مؤسسي الجمهورية وحكامها. (وقد انتهي كل هذا في سنة 1925، حينما اعتجبِر "أصحاب التكيات" و"أصحاب الطرق" خارجين عن القانون). وتكون الصلاة أيضا من أجل مولانا وكل الرجال المباركين في الطريقة المولوية، الذين يجذكرون بالاسم. وبعد انتهاء الصلاة، يقف كل فرد. ويتلو الشيخ نوعا من الابتهال يسمي "جولبانج "، وهو ينتهي بالكلمة "هوٌج " (بمعني الله). وتقول المجموعة بأكملها "هوٌج " معا. وبعد ذلك، يمضي الشيخ ليتقدم بضع خطوات، ويحيي "كبير الدراويش": ويرد "كبير الدراويش" التحية. وفي أثناء هذه التحية فإن كل منهما يوحد صوته في النغمة نفسها ويطيلان التحية لبضع ثواني. وبعد ذلك، يأخذ الشيخ بضعة خطوات أكثر ويكرر العملية مع "كبير عازفي الناي". وبعد ذلك، يترك الشيخ حجرة الشعيرة، أو مكان الدراويش، وتنتهي الشعيرة.


إن كلمات "الله " التي كانت تجغني من كل الطرق "الصوفية"، تشترك فيها الكثير من الطرق. فكلمات "الله" نفسها التي استخدمها اتباع "هالفيتي" في شعائر الذكر، تجسمع أيضا في تجمعات الرفاعية أو القادرية


الملحنون


إسماعيل ديد


لقد أبدع إسماعيل ديد مدرسة موسيقية جديدة، كما غير بالمثل من مظهر الموسيقي التركية الكلاسيكية للقرن التاسع عشر. (مازالت المئات من أعماله غير الدينية تجعزف في شتي أرجاء العالم). لقد عاش في أسطنبول، حيث وجلٌِد سنة 1777. وتوفٌّيٌّ في مكة سنة 1845. وبسبب أن والده كان يعمل حارس حمام، فقد كان يجسمي "حماميزاد" (ابن حارس الحمام). لقد كانت قدرته الموسيقية بارزة جدا وصوته بالغ الصفاء، حتي أنه في اليوم الأول له في المدرسة الابتدائي، أجختير كرئيس لكورس إنشاد المدرسة.


ونجد أنه مدوٌّن في سجل الدراويش لمجمع دراويش "يانيكابي "، أن "ديد" قد شارك أولا في المجمع حينما كان عمره واحد وعشرين عاما (1798). وأكمل خلوته لألف يوم ويوم 1001، وتم قبوله باعتباره "ديد" (الدرويش الذي أتم الخلوة). وتعلم في هذا الوقت أيضا "الدوران". واشتهر "إسماعيل ديد" بعد أن بدأ في تلحين الأغاني. وتلقي دعوة إلي قصر السلطان من سليم الثالث.


ومع سبعة مؤلفات مولوية في رصيده، كان "ديد" هو الملحن لأكبر عدد من الشعائر المولوية. وقد ألف أيضا موسيقي المسجد، وموسيقي للطوائف الأخري. كان "ديد" الملحن القدير الذي حول قدرته لإبداع أشكال جديدة فقط بعد أن تمكن من التقنيات القديمة في التلحين.
وتأسيسا علي ذلك، فإن الموسيقي التركية تنقسم إلي جزئين، جزء ما قبل "ديد"، وجزء ما بعده. وفي نهاية العصور الوسطي، تراجعت الموسيقي الشرقية في صفاتها وفقدت تميزها. لكن "ديد" قلب هذا الاتجاه، وأدخل عليها إصلاحا مثل عصر النهضة في الموسيقي الشرقية. وقد وضعت هذه النهضة حد النهاية لموسيقي العصور الوسطي، وأسست لها الدعائم الجديدة. ولقد انتقد بعض الباحثين الموسيقيين "ديد" لأنه قد قضي علي ما كان جميلا في الموسيقي القديمة، لكن الحقيقة هي أن ما كان يحاول فعله هو تأليف الموسيقي التي تصل إلي أكبر عدد من الناس.


إن موسيقي الدراويش، كما لاحظنا من قبل، هي موسيقي الحكمة. لقد غير "إسماعيل ديد" شكل الوصول إلي تلك الحكمة. فالشعائر السبع التي لحنها هي مختلفة اختلافا كليا عن ألحان "ناي عثمان ديد ". ففي بعض هذه الألحان، تجاوز "إسماعيل ديد" القواعد المتعارف عليها من أجل الفن وحده. فعلي سبيل المثال، في شعيرة "نيفا " تكون الموسيقي مبهجة ومرحة. فالدرويش يتخلي عن كآبته ويغادر الحجرة الروحية ويمشي في الحقول يجمع الأزهار. إن هذه الأفكار الثورية لا ينبغي أن تجهاجم بالضرورة لمجرد أنها مختلفة. فهي قبل كل شيء طريقة لمناجاة الله.


كانت الموسيقي القديمة تجريدية. أما الموسيقي الجديدة فقد كان لها أدوات جديدة للتعبير، ونظرا لأنها كانت جامدة، فقد أصبحت روتينية. لقد كان عمل "إسماعيل ديد" النقطة الفاصلة واللحظة الحاسمة في موسيقي الدراويش. فعلي الرغم من أنه قد حظي بالإعجاب للتغييرات الجذرية التي أدخلها علي الموسيقي، إلا أن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في أنه قد أجنجِز وفقا لعلم الموسيقي الحديث، بما يتيح لنا الفرصة لأن نعرف ونقدر هذا الذي كان من قبل. إننا نحترم "ديد"، لكن يتعين علينا أيضا أن نعرف الموسيقي المولوية التي سبقته.


ناي عثمان ديد


بدأت الموسيقي التركية في وسط آسيا، وامتدت إلي الأناضول، وخصوصا فيما بين الطبقات الدنيا. وتأثرت الطبقة العليا والموسيقي المولوية إلي درجة كبيرة بالعرب والموسيقي الفارسية. وبداية من القرن الثامن عشر بدأوا ينضوون تحت لواء النفوذ الغربي. إن الممثل الأخير للثقافة العثمانية الآسيوية الخالصة، كان هو "ناي عثمان ديد". إن "ناي عثمان ديد" هو المعلم الأول للحقبة الثالثة من الموسيقي المولوية.


وفي أعمال "عثمان ديد" الفنية الرائعة، يمكننا أن نري بسهولة تأثيرات العصور المزدهرة للشرق الأوسط. ففي ألحانه، تمتزج الحكمة والموسيقي معا، وتكمل إحداهما الأخري.
وفي سنة 1672 عجيٌن شيخ "مجمع دراويش جالاتا . وكان "جافسي ديد "، شيخ "الدرجة " نفسها معلمه في السابق. إن الباحثين الذين يذكرون "عثمان ديد" في أعمالهم، يزعمون أن معلومات "ديد" عن الصوفية قد ورثها من "جافسي ديد". فقد تعلم "عثمان ديد" أن يعزف الناي في مجمع الدراويش. وخلال تعليمه، أصبح هذا العازف الماهر والمشهور الذي سمي: "نايي"، ومعناه عازف الناي. لقد ألف أربعة شعائر [مقامات مولوية رائعة. وهي تسمي: رصد ، وشارجة ، وأوشاك ، وحجاز وكانت الشعيرة الثالثة، "أوشاك"، تجعزف في سنة 1973 في شعائر "قونيا". وقد توافر في كل هذه المؤلفات الطول المطلوب ولاقت القبول باعتبارها الأعمال الرئيسة للموسيقي المولوية الأصلية. ومن حسن الحظ أن هذه الشعائر الأربع دونت في النوتات الموسيقية في سنة 1963 علي يد مجموعة من الموسيقيين في المعهد الموسيقي في أسطنبول.


وقبل "عثمان ديد" كانت توجد خمس شعائر مولوية. وكانت الثلاث الأول "بينشجاه " و"دوجاه" و"حسيني " قد جري تأليفها مبكرا جدا، ومؤلفوها مجهولون. ويسمي المؤلٌّف الرابع ل"كوشيك درويش مصطفي "، المتوفي سنة 1683، "بياتي ". والخامس، "سيجا "، من تأليف "مصطفي إتري "، المتوفي سنة 1711. ومعا، بالإضافة إلي المؤلفات الأربعة ل"نايي عثمان ديد"، فهذه هي التحف الرائعة الأساسية للموسيقي المولوية.


وبعد أن ظل شيخ "مجمع دراويش جالاتا" (المولويانة) لمدة ثمانية عشر سنة، ألف "عثمان ديد" قصيدة حول صعود النبي محمد (المعراج). ومازالت الموسيقي ومازال الشعر يجتلي في مساجد أسطنبول. وهي تستغرق ثلاث ساعات في الأداء، وكانت كثيرة جدا علي عصرها لدرجة أن قلة من الناس فقط هم من يعرفون تركيبها.


وقد ألف "عثمان ديد" معزوفات موسيقية ثمينة. وكذلك بالمثل، إلي جانب كونه ملحن وعازف ناي، فقد كان "عثمان ديد" خطاطا. وتقع مقبرته بالقرب من محفل الدراويش في مجمع مولوية جالاتا.


الآلات


طبلة الكودوم (الطبلة المزدوجة)


الكودوم، هو طبلة مزدوجة صغيرة، تستخدم لضبط الإيقاع في الموسيقي المولوية، وتجقرع بعصي. وتوجد ثلاثة أنواع من "الكودوم": الكودوم المستخدمة للموسيقي الشعبية، والنوع المستخدم في الفرق العسكرية، والكودوم المستخدمة في الموسيقي الروحية أو موسيقي العقل والحكمة. وفي الفلكلور الأناضولي، تسمي الكودوم: "شيفت نارا " (الصيحة المزدوجة)، ويصنع أحيانا جسمها أو كأسها المعدنية من الطين.


وتسمي الكودوم العسكرية: "شيفت نيكار "، وتكون كأسها من النحاس . وفي الموسيقي الروحانية أو الصوفية تكون الكودوم آلة مقدسة، لكنها في الموسيقي العسكرية هي علامة علي الاستقلال. إن القائد الذي يأمر بقرع طبلة "شيفت نيكار" في فرقته العسكرية، فهو يعلن الاستقلال لأمته أو طائفته. فمن المألوف مشهد الطبول المتصلة بالأعلام أثناء المعارك. وتكون الطبول المستخدمة في الموسيقي الروحية أو موسيقي العقل والحكمة من نوعيتين: الكودوم الرفاعية والكودوم المولوية.


إن طبلة الكودوم الرفاعية هي إحدي ثلاث آلات من المجموعة الموسيقية. (الآلتان الأخريتان هما الآلة الموسيقية الصنج : [هالايل ، والمزهر (المزاهر)، وهي آلة تشبه الدف تتكون من حلقة خشبية مفرود عليها جلد). وتكون الكودوم الرفاعية آلة من قطعة واحدة، يجدق عليها بحزام جلد بدلا من القرع بالعصا. ويكون كأسها المعدني دائما من الزنك.


أما طبلة الكودوم المولوية فتجدق بزوج من العصي تسمي: "زاهم "، وتكون كأسها المعدنية مصنوعة من النحاس المطروق بمطرقة. ويجستخدم جلد الجمل أو الأغنام في تغطية أعلي هذه الطبلة، وكذلك في الأوتار التي تربط بإحكام جسم الطبلة. وبعد ربط هذا الجلد مع جسم الكودوم، يوضع الغطاء الجلدي علي كأس الطبلة. ويوضع فيما بين الكأس وهذا الغطاء "كيتيك" (نوع من الحشو). ويجشّد الجلد علي الكأس في حمام (حمام تركي). ويستمر الشد لبضعة أيام، وعند هذه النقطة يبدأ الجلد في الارتخاء. وبعد أن يجف الجلد والأوتار، فإن الجلد يجشد بإحكام لآخر مرة بعد إعادة شد الأوتار. إن الجلد الجاف والكأس النحاسية مع الحشو حولها، يعطيان طبلة الكودوم صوتها العميق الذي يشبه كثيرا دقات القلب ووجيبه.
إن الرفاعيين يدقون طبولهم الكودوم حينما يكونوا واقفين، ممسكين بها علي ذراعهم الأيسر، بينما يدقون عليها بيدهم اليمني. لكن المولوية يجلسون علي الأرضية، ويضعون كودومين أو طبلتين، أمام ركبتيهما فتصدران أصواتا مختلفة. إن النحاس والجلد في الطبلة علي الجانب الأيمن أكثر في سمكهما من نظيريهما علي الطبلة في الجانب الأيسر، ومن ثّمٌّ تصدر نغمة أقل. ومن الناحية النظرية ينبغي أن يكون هناك فرقا مقداره أربع درجات أو علامات موسيقية فيما بين الكودومين أو الطبلتين: فإذا كانت اليمني تعطي صوت F، فيجب أن تعطي اليسري B. ومن أجل المحافظة علي موضع الكودوم، تجوضع وسادة جلدية مستديرة جامدة تحت كل كودوم.


الرباب
الرباب هي آلة كمان شرقية قديمة، مازالت شائعة الاستخدام في الشرق. وأول من استخدمها هم الأتراك في العصور الوسطي، وقد سموها "إكليج ". وفيها يجربط الشعر المأخوذ من ذيل حصان إلي سهم ويجلعب عليه بقوس بدلا من النقر بالريشة. ويلاحظ في أقدم المصادر أن الرباب مصنوعة من قشرة جوز الهند التي يغطيها جلد حيوان. وهي لها بالفعل يد طويلة، ووتران من شعر ذيل الحصان مشدودين إلي جانب بعضهما البعض.


إن الفرق في أصوات الشعر ينبغي أن يكون خمس علامات أو نغمات موسيقية. وفي بعض الأجزاء من آسيا الوسطي سججِلت ربابات عليها رؤوس مقوسة للخيول. وربما يعكس هذا أهمية الحصان في ميثولوجيا آسيا الوسطي.


ويتضمن القاموس المكتوب في سنة 1403 الأوصاف التالية للرباب الكلاسيكية: جلد دب مشدود علي قشرة جوز الهند. وينبغي أن تجصنع اليد من خشب صلد، إما من من خشب الأبنوس أو خشب اللوز. وينبغي أن يكون أحد وتري شعر ذيل الحصان أكثر سمكا من الآخر.
ونظرا لأنه كان من الصعب العزف علي الرباب التقليدية، فقد جري تحديث الآلة في بداية القرن، بإحلال الأوتار المعدنية. ولسوء الحظ، فإن الأوتار المعدنية لا يمكنها أن تعيد بث الأصوات الدافئة لأوتار شعر ذيل الحصان، ومن ثّمٌّ فإن اتباع مولانا بالتالي لا يقبلون بالرباب الجديدة. (الرباب ذات الأوتار المعدنية تناسب الأنغام والإيقاعات السريعة وبغرض إنتاج أصوات جديدة في حد ذاتها). أما الصوت في الموسيقي المولوية فهو أكثر أهمية من اللحن، وبسبب صوتها المعبر، فإن الرباب التقليدية تمدنا بنفسها بأعلي درجة من درجات الخبرة الروحية. وفي إحدي روائعه، يذكر مولانا أن صوت الرباب يقطع أحشاء الإنسان الذي يصغي إليها. وتشير الأوتار المصنوعة من مادة شبه حية إلي الاتحاد مع الحياة باسم الله.
إن الرباب، مثلها مثل الناي، هي مجرد آلة صماء، حتي تداعبها أنامل الموسيقي. عندها فقط يلمس صوتها نغمة في قلب من يستمع إليها.


ويشجع هذا الصوت الدرويش الذي يدور علي أن يدخل إلي حالة التوحد مع الحبيب، ويعبر بالأذرع الممدودة عن الفرحة بقهر أهوائه الدنيا.

الناي


إن الصوت الحزين للناي (فلوت من الغاب له إطار ينفخ فيه) هو أداة مهمة للشعيرة المولوية. فهذه الآلة اللحنية ونغمتها الحزينة المتأملة كانت رمزا للتوق والحنين في الشعر الإسلامي لقرون عديدة. وبدون أنفاس العازف يظل الناي قطعة مصمتة من الخشب. ومع النفّس للصوت "هو "، يصبح الناي حيا، ويعبر عن الاشتياق إلي خالقه بصوت منتحب رنان يمكن أن تستعمل في الشعيرة


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

البستان : من جريدة أخبار الأدب - الأحد 14 من أكتوبر 2007 م - العدد 744
من مواضيع : ahmed1981 دافع عن العراق .. صورة معبرة أعجبتنى
سدوم و عمورة المؤتفكات قوم لوط
سيرة بعض رؤساء هيئة الآثار المصرية
كبار أعلام الصوفية
مخالفات الحى الثانى عشر بمدينة 6 أكتوبر
26-03-2008, 05:14 PM
ahmed1981
 
مختارات من مثنوي كل من يقرأه صباحا ومساء تحرم عليه نار جهنم


استهلال
­ استمع الي هذا الناي يأخذ في الشكاية، ومن الفرقات يمضي في الحكاية.
­ منذ ان كان من الغاب اقتلاعي، ضج الرجال والنساء في صوت التياعي.
­ أبتغي صدرا يمزقه الفراق، كي أبث شرح آلام الاشتياق.
­ كل من يبقي بعيدا عن أصوله، لايزال يروم ايام وصاله.
­ نائحا صرت علي كل شهود، وقرينا للشقي وللسعيد.
­ ظن كل امريء ان صار رفيقي، لكنه لم يبحث من داخلي عن اسراري.
­ وليس سري ببعيد عن نواحي، لكن العين والأذن قد حرمتا هذا النور.
­ وليس الجسد مستورا عن الروح ولا الروح مستورة عن الجسد، لكن احدا لم يؤذن له بمعاينة الروح.
­ وان هذا الانين نار وليس هواء، وكل من ليست لديه هذه النار ليكن هباء.
­ ونار العشق هي التي نشبت في الناي، وغليان العشق هو الذي سري في الخمر.
­ والناي صديق لكل من افترق عن أليفه، ولقد مزقت أنغامه الحجب عنا.
­ فمن رأي كالناي سما وترياقا؟، ومن رأي كالناي نجيا ومشتاقا؟
­ ان الناي يتحدث عن الطريق المليء بالدماء، والناي هو الذي يروي قصص عشق المجنون
­ وهذا الوعي محرم الا علْي من فقد وعيه، كما انه لامشتر للسان الا الأذن.
­ لقد صارت الأيام تسعي في احزاننا بغير وقت، واصبحت قرينة للاحزان والمحن.
­ فان مضت الايام فقل لها اذهبي ولاخوف، ولتبق انت يامن لامثيل لك في الطهر.
­ ولقد مل هذا الماء من ليس بحوته، وطويل يوم من لاقوت له منه.
­ ان احوال الكمل العارفين لايدركها فج ساذج، ومن ثم ينبغي ان نقصر الكلام.. فسلاما.
­ ولتحطم القيد ولتكن حرا يا بني، فحتام تظل عبدا للفضة وعبدا للذهب؟
­ وانك ان تصب البحر في اناء، فكم يسع؟ نصيبا يكفيك ليوم واحد.
­ وان انية اعين الحريصين لم تمتليء قط، وما لم يقنع الصدف لايمتليء بالدر.
­ وكل من مزق ثوبه من عشق ما، فقد بريء تماما من الحرص ومن كل العيوب.
­ ولتسعد اذن ايها العشق الطيب، ياهوسنا، ياطبيبا لكل عللنا.
­ يا دواء لكبريائنا وعنجهيتنا، يامن انت لنا بمثابة افلاطون وجالينوس.
­ لقد سما الجسد الترابي من العشق حتي الافلاك، وحتي الجبل بدأ في الرقص وخف.
­ أيها العاشق، لقد حل العشق بروح طور سيناء، فثمل الطور وخر موسي صعقا.
­ وانا لو كنت قرينا للحبيب، لكنت كالناي، ابوح بما ينبغي البوح به.
­ لكن كل من افترق عمن يتحدثون لغته، ظل بلا لسان، وان كان لديه ألف صوت.
­ والورد عندما مضي 'اوانه' وماتت روضته، فلن تسمع البلبل بعد يروي سيرته.
­ الكل معشوق، والعاشق مجرد حجاب، والمعشوق حي، والعاشق الي موت.
­ ولو لم يقم العشق برعايته، يبقي طائر بلا جناح، ويل له.
­ فكيف يكون لي علم بما امامي وبما ورائي، ان لم يكن نور حبيبي امامي وورائي.
­ ان العشق يريد ان يصدر مني هذا الشعر، وان لم لم تكن المرأة منبئة فماذا تكون؟
­ اتدري لماذا لاتنبيء مرآتك؟ ذلك لان الصدأ لم يجل عن وجهها.




عشق الملك لجارية مريضة
وتدبيره من أجل شفائها
­ استمعوا أيها الأصدقاء الي هذه الحكاية، انها في الحقيقة تصفية لاحوالنا.
­ كان هناك احد الملوك فيما مضي من الزمن، كان قد جمع ملك الدنيا وملك الدين.
­ واتفق ان ركب الملك مع خواصه، ذات يوم من أجل الصيد.
­ ورأي الملك جارية في طريقه، فصار غلاما لها ذلك الملك.
­ وعندما اخذ طائر روحه يتخبط في قفص 'جسده'، دفع المال واشتري تلك الجارية.
­ وعندما اشتراها وقر عينا، شاء القضاء ان تسقط تلك الجارية مريضة.
­ لقد كان عند احدهم حمار ولم يكن لديه سرج له، وعندما وجد السرج اختطف الذئب الحمار.
­ وكان لديه الاناء ولم يكن علي الماء، ولما حصل علي الماء انكسر الاناء.
­ وجمع الملك الاطباء عن يمين ويسار، وقال: ان روح كل منا امانة بين ايديكم.
­ والامر بالنسبة لروحي انا سهل، لكنها روح روحي، فأنا مريض مهدم وهي دوائي.
­ وكل من يكتشف العلاج الناجع لروحي، فله مني الكنوز والدر والمرجان.
­ فقالوا جميعا: سوف نبذل كل ما في وسعنا، ولنضم خبراتنا ونشترك في هذا الامر.
­ فكل واحد منا مسيح عصره وأوانه، ولكل الم عندنا مايصلح من دواء.
­ ولم يقولوا 'بمشيئة الله' بطرا من عند انفسهم ومن ثم ابدي لهم الله تعالي عجز البشر.
­ وما اقصده ان ترك الاستثناء من قبيل القسوة، ولس الامر بالقول، فالقول عرض من الاعراض.
­ وكثيرون هم الذين لم ينطقوا بهذه العبارة، لكنها تكون مقترنة بأرواحهم اقترانا.
­ ومهما بذلوا من علاج ومن دواء، زاد في المرض، ولم يجعل حاجتهم مقضية.
­ فصارت الجارية من مرضها في نحول الشعرة، وجرت عين الملك بالدموع الدامية.
­ لقد شاء القضاء ان يؤدي كل علاج الي عكس مفعوله، فالخل بالعسل زاد في الصفراء وزيت اللوز ادي الي الامساك!!
­ والاهليلج ادي الي انقباض المعدة بحيث فقدت طبيعتها، والماء صار مددا لنار 'الجوف' وكأنه النفط.




ظهور عجز الحكماء عن معالجة الجارية واتجاه الملك الي الحضرة الالهية ورؤيته أحد الأولياء في النوم
وعندما رأي الملك عجز الحكماء، اسرع الي المسجد حافيا.
­ ودخل المسجد، واتجه صوب المحراب، واصبح موضع سجوده مبللا من دمعه.
­ وعندما عاد الي وعيه من استغراقه في الفناء، انطلق بلسان فصيح في التحميد والدعاء.
­ قائلا: يا من أقل عطية من عطاياك ملك الدنيا، ماذا اقول وأنت العالم بالسر؟.
­ ويا من أنت الملجأ علي الدوام لحاجاتنا، لقد أخطأنا الطريق مرة ثانية.
­ لكنك قلت: وبالرغم من اني اعرف سرك، هيا اجعله سريعا واضحا عليك!!
­وعندما صرخ صرخة من اعماق الروح، بدأ بحر العطاء في الجيشان
­ وبينما هو في بكائه غلبه النوم، فرأي شيخا في ما يراه النائم.
­ وقال له: ايها الملك، بشراك، حاجتك مقضية، اذ يأتيك غدا من لدنا غريب.
­ وعندما يأتيك فهو حكيم حاذق، واعلم انه صادق، لانه بالفعل امين وصادق.
­ وانظر في علاجه الي السحر المطلق، وانظر في مايمزجه من دواء الي قدرة الحق!!
­ وعندما حل الموعد وطلع النهار، وبزغت الشمس من المشرق حارقة للأنجم.
­ كان الملك منتظرا في الشرفة، حتي يتحقق مما ابدي له من سر.
­فرأي شخصا فاضلا وقورا، شمسا 'بازغة' في قلب الظل.
­ كان يقترب من بعيد وكأنه الهلال، كان عدما ووجودا.. كأنه الخيال.
­ ان الخيال يكون كالعدم بالنسبة للنفس، فانظر الي عالم بأكمله قائم علي خيال.
­ فصلحهم وحربهم قائمان علي خيال، وفخرهم وعارهم مستندان علي خيال.
­ وتلك الخيالات التي هي فخاخ الأولياء، هي انعكاس لحسان بستان الله.
­ وذلك الخيال الذي رآه الملك في النوم كان يتجلي في طلعة الضيف
­ وتقدم الملك بدلا من الحجاب نحو ذلك الضيف القادم اليه من الغيب.
­ وكلاهما ينتمي الي هذا البحر تعلما السباحة فيه، وروحاهما متصلتان دون رتق.
­ قال 'الملك': لقد كنت انت محبوبي لاتلك الجارية، لكن الامور في هذه الدنيا تفضي الي بعضها.
­ يامن انت لي كالمصطفي انا لك كعمر، فلأشمر عن ثيابي في خدمتك





سؤال الله ولي التوفيق الي رعاية الأدب في كل الاحوال وبيان وخامة ترك الأدب ومضاره
­ اننا نسأل الله التوفيق الي الادب، فمن لا ادب عنده صار محروما من لطف الرب.
­ وما أساء عديم الادب الي نفسه فحسب، بل اضرم النار في كل الافاق.
­ كانت هناك مائدة تنزل من السماء، بلا شراء ولابيع ولامساومة او قيل وقال.
­ وكان هناك عدد من معدومي الادب بين قوم موسي، فقالوا: اين الفوم والعدس؟
­ فانقطعت مائدة السماء وخبزها، وبقي لنا شقاء الزراعة والفأس والمنجل!!!
­ ثم ان عيسي عندما تشفع لهم، أرسل الينا الغنيمة والمائدة الحاضرة
­ فترك الوقحاء الادب، وأخذوا كالمتسولين يتخاطفون قطع اللحم.
­ فلامهم عيسي قائلا: انها دائمة.. ولن تنقطع عن الارض.
­ ان ممارسة سوء الظن وإبداء الحرص، تكون من قبيل الكفران امام مائدة العظيم.
­ وبسبب أولئك العمي الذين يملكون وجوها كوجوه الشحاذين، اغلق امامهم ذلك الباب من ابواب الرحمة.
­ فالسحاب يشح بالمطر نتيجة لمنع الزكاة، ومن الزنا ينتشر الوباء في انحاء البلاد.
­ وكل مايحيق بك من اضرار واحزان، نتيجة لانعدام الخشية والتوقح.
­ وكل من يبدي عدم الخشية في طريق الحبيب، ليس رجلا.. بل قاطع لطريق الرجال.
­ ومن الادب صار هذا الفلك مليئا بالنور، ومن الادب يكون الملك معصوما طاهرا.
­ ومن الوقاحة حاق الكسوف بالشمس، وصار عزازيل من جرأته مبعدا مطرودا.





لقاء الملك مع ذلك الولي
الذي أبدي له في النوم
­ فتح ذراعيه وعانقه، واحتواه بقلبه وروحه وكأنه العشق
­ وطفق يقبل يده وجبهته، ويسأله عن موطنه وطريقه.
­ وظل يصحبه حتي صدر 'المجلس' وهو يسأله، وقال له: لقد وقعت علي كنز لكن بالصبر.
­ وقال: يانور الحق ويادفعا للحرج انت مصداق الصبر مفتاح الفرج.
­ ويا من لقياك جواب لكل سؤال، وكل مشكل له منك الحل بلاقيل او قال.
­ انك ترجمان لكل ما هو موجود في القلب، وانت اخذ بيد كل من قدمه في الطين.
­ مرحبا يا مجتبي يا مرتضي، ان تغب جاء القضاء ضاق الفضا.
­ أنت مولي القوم من لايشتهي، قد ردي كلا لئن لم ينتهي
­ عندما انتهي المجلس ورفعت مائدة الكرام، اخذ بيده وقاده الي الحرم.




اصطحاب الملك ذلك الطبيب
الي فراش المريضة ليفحصها
­ لقد قص عليه ماجري للمريضة ومرضها، ثم أجلسه من بعد ذلك اليها.
­ فجس النبض، وطالع لون الوجه، وفحص قارورة البول، كما سمع علامات المرض وماصحبه 'من اعراض'.
­ وقال: ان كل علاج قاموا به لم يكن اصلاحا، بل كان تخريبا.
­ لقد كانوا عن حال الباطن غافلين، 'استعيذ الله مما يفترون'.
­ وادرك سر الالم، وانكشف له المستور، لكنه كتمه ولم يبح به للسلطان.
­ لم يكن تعبها من الصفراء او من السوداء، فرائحة كل حطب 'يحترق' تبدو من دخانه.
­ لقد ادرك من تأوهها انه تأوه القلب، فالبدن معافي، لكنها عليلة القلب.
­ والعشق بين من مرض القلب. ولامرض هناك مثل مرض القلب.
­ وعلة العاشق غير بقية العلل، فالعشق هو الاصطرلاب لاسرار الاله.
­ والعشق سواء من هذه الناحية او من تلك الناحية، انما يقودنا في النهاية الي تلك الناحية.
­ وكل ما اقوله شرحا وبيانا للعشق، اخجل منه عندما اصل الي العشق نفسه.
­ وبالرغم من ان تفسير اللسان موضح ومبين، لكن العشق اكثر وضوحا دون لسان.
­ ومهما كان القلم مسرعا في الكتابة، فإنه عندما وصل الي العشق تحطم وصار بددا.
­ والعقل في شرحه عجز كحمار في وحل، فشرح العشق احساس يتحدث به العشق نفسه.
­ والشمس تكون دليلا علي الشمس، فان اعوزك الدليل، لاتشح عنها بالوجه.
­ والظل وان كان يدل عليها، الا انها في كل لحظة تنشر نورا من انوار الروح.
­ والظل يأتي بالنوم وكأنه السمر، وعندما تسطع الشمس ينشق القمر.
­ وليس هناك من غريب في هذا العالم مثل الشمس، لكن شمس الروح باقية فليس لها من امس.
­ وبالرغم من ان الشمس الخارجة عن 'الذات' وحيدة في بابها، الا انه يمكن تصوير مثلها.
­ لكن الشمس التي منها ابدع الاثير، لايكون لها نظير في الذهن او خارج الذات.
­ فأني للتصور استيعاب ذاته؟ بحيث يمكن له ان يتصور مثلها.
­ وعندما تطرق الحديث الي طلعة شمس الدين البهية، توارت شمس الفلك الرابع بالحجاب.
­ ومن الواجب مادام اسمه قد ذكر، ان نقدم رمزا من رموز انعامه.
­ ان هذا النفس قد امسك بتلابيب روحي، فقد وجدت فيه رائحة قميص يوسف.
­ قائلا: بحق صحبة السنين، هلا اعدت علي مسامعنا رمزا من ألوان السعادة؟
­ حتي تصبح السماء ضاحكة والارض ضاحكة، وحتي تكون قوة العقل والروح اضعافا مضاعفة.
­ لاتكلفني فإني في الفنا، كلت افهامي فلا ابغي ثنا
­ كل شيء قاله غير المفيق، ان تصلف او تكلف لايليق
­ وماذا اقول؟ وليس في عرق في وعيه، عن ذلك الحبيب الذي لانظير له.
­ فاترك الان تفسير هذا الهجران وهذه المشقة الي وقت اخر.
­ 'قال اطعمني فإني جائع، واعتجل فالوقت سيف قاطع'
­ والصوفي هو ابن الوقت ايها الرفيق، وليس قول غدا من شرط الطريق.
­ ألست انت نفسك رجلا صوفيا؟ فاعلم اذن ان من النسيئة يحيق العدم بالموجود.
­ قلت: من الافضل ان يكتم سر الحبيب، فاستمع اليه من خلال الحكاية.
­ ومن الافضل لأسرار الاحبة، ان ترد خلال احاديث الاخرين.
­ قال: تحدث حديثا صريحا مباشرا، ولاتتدخل انت.. هيا يا صاحب الافضال.
­ ولترفع الحجب ولتتحدث حديثا صريحا، فلست اطيق حسناء تتستر بملابسها
­ قلت: لو انها انكشفت عيانا، فلن تبقي انت ولاعناقك.. ولا مابيننا
­ فاشته.. لكن في حدود، فإن القشة لاتتحمل الجبل.
­ والشمس التي اضاءت هذا العالم، ان اقتربت قليلا احرقته كله
­ ولاتطلب الفتنة والتمرد وسفك الدماء، ولاتتحدث اكثر من هذا عن شمس الدين التبريزي.
­ ولا آخر لهذا الامر فتحدث عن البداية، وعد وقص علينا بقية الحكاية

مثنوي مولانا جلال الدين الرومي

الناشر: المشروع القومي للترجمة


ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

البستان : من جريدة أخبار الأدب - الأحد 14 من أكتوبر 2007 م - العدد 744
من مواضيع : ahmed1981 فرعون و موسى
الأحقاف و الجغرافيا
أهل الكهف
أروع ما قيل فى نهر النيل
موضوع مفيد عن فيلم ويلى ونكا و مصنع الشيكولاتة المنتج 1971- من ترجمتى الخاصة
02-09-2008, 12:43 AM
naifhhh
 
شكرالالالالالالالالالالال الالالالالالالالالالالالا لالالالالالالالالالالالال الالالالالالالالالالالالا لالالالالالالالالا
من مواضيع : naifhhh
09-10-2008, 03:11 AM
الدونش
 
Ss7008

اجعل كلامك مفيد
واجعله مدعم بالمافات والكتب الفعليه
وارجو منك الرد والاجابة
من مواضيع : الدونش
 

الكلمات الدلالية (Tags)
أمحق, المولوية, الدين, الرومي, السماع, دماء, جاوب, عن, قيل

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة رمضان
حدث فى مثل هذا اليوم :غرة شوال
القاهرة كما لم تعرفها من قبل ........موضوع للتاريخ........(أرجو التثبيت)
القاهرة كما لم تعرفها من قبل ........موضوع للتاريخ........(أرجو التثبيت)
قراقوش يتحدي فؤاد المهندس

ملحق قيم عن جلال الدين الرومى و المولوية و السماع خانة

الساعة الآن 12:54 AM.