xpredo script

العودة   نيو حب > المنتديات العامة > الحوار المفتوح > المنتدى الادبى > منتدى القصة
التسجيل

مزاح الشيطان

منتدى القصة

22-04-2009, 11:00 PM
ميدوlive
 
مزاح الشيطان

مزاح الشيطان

كنت بين ركاب حافلة عامة في طريقي إلى سوق المدينة، بعد أن قبضت مرتّبي من المصرف القريب . وحرصاً منّي على المبلغ المقبوض ، وضعته ضمن مظروف في أعماق جيبي لجهة القلب .. تقدّمت بي السنُّ ـ ورغم ذلك لم تعفني شيخوختي من الأعباء المنزليّة، فها أنذا أحمل قائمة طويلة بالمطالب الضروريّة لأسرة عادت صغيرة بسفر الأولاد وبانتقال بعضهم إلى ما تحت سقف الزوجيّة.
كان مرتّبي رغم ضخامته بالألوف أشبه بالشرشف القصير لا يكاد يستر من البدن عضواً إلا ليكشف عن آخر، ولهذا رحتُ أضرب أخماساً لأسداس، وأنا أتساءل:: بأي طلبات البيت أبدأ؟
وكانت حرمي المصون قد دسّتْ في جيبي قبيل أن يمتلئ قائمة بطلباتها المبهظة التي تتراوح بين المأكول من لحم وخضار وفاكهة، وبين المنظور من اللوازم المختلفة والنثريات ..
في أحد مواقف الحافلة، صعد إليها ببطء رجل عجوز يلتف بجبّة واسعة وبيده عكّاز يتوكّأ عليها . وكان أن جلس في مقعد مستقل عن يميني .
كان أغرب ما فيه وجهه الأحمر المجعّد كالهبر المسلوق، بعينين حمراوين كأقداح الجم، فوقهما حاجبان كثيفان يتلامس شعرهما مع عرقية صفراء فوق الرأس لا تخفي من تحتها شيبته، كما لم يخف الشيب في لحيته المسترسلة على غير هدى بلون أشمط متسخ .
ولا أدري لماذا ظهر هذا الرجل في نظري بمظهر الشيطان لو أنّني أتخيّله .. وكان إلى جانبي في المقعد الثنائي وعن يساري راكب لا أعرفه . شاب متواضع الهندام ، كثير الحركة والتلفّت .
كان يدنو منّي حتّى يلتصق بي تارة ، ويبعد عنّي حتّى يعتدل في جلسته تارة أخرى .
احترت في أمره، وكدتُ أندفع في لومه أو بتساؤل فضولي: ألا تستقرّ ؟!
فجأة أخرج جاري العجوز من عبّه قطعة مرآة مهشّمة ، وأبرزها في وجهي قائلاً ومتسائلاً: خذ وانظر في وجهك، أعندكَ منظر يغرّ ؟
أدهشني هذا التصرف، وأربكني السؤال المفاجئ ، وحكمتُ على الرجل بأنّه مختل العقل ، فرأيت أن أصدّه بالنفي القاطع ، دون أن أمدّ يدي إلى مرآته ، قلتُ :
- كلا ... كلا يا هذا .. سلامة نظرك ، يا وجه النحس!!
تعجّب معظم الركاب من حولي ، وأثرتُ برفع الصوت فضولهم، فمطّوا أعناقهم ، وحدّقوا بنواظرهم ليروا ما الخبر .
والتزم عجوز السوء بالصمت والاحتشام برهة ، بينما استمرت الحافلة في خط سيرها تزحف بركابها زحفاً بطيئاً ، وتنتقل من محطة إلى محطة متغلغلة إلى مركز المدينة حيثُ سوقها الكبير الذي أقصده .
والتفت إليّ الجار المشبوه كرّة أخرى ، ولم يعفني من حماقته ، فإذا به يتوجّه إليّ بسؤال واضح النبرة وفيه إصرار وجدّ :
- أعندكَ جيب يَهُرّ ؟!
أجبت بصبر نافذ وغضب :
- كلا ... قلت لك كلا ، أيها الشيطان ..
واستغرب الآخرون من حولي حدّة لهجتي في وجه العجوز ، وابتسم معظمهم ابتسامات صفراء ، وتهاويت على بعضي حرجاً ممّا يقع لي مع هذا الكائن العجيب .
وفكّرت بأن أغيّر مقعدي فأجلس في آخر الحافلة لأتخلص من بليّته ، لكنّ العجوز تشاغل عنّي بدهاء ، وتظاهر بأنّه قد كفّ عنّي وسائله ومسائله . وانقضى بعض الوقت فقام الراكب الشاب الذي كان يشاركني المقعد عن يساري وترجّل من الحافلة بعد أن دهمني بجسمه بقوّة ، واعتذر منّي بحجة أنّ فرملة السائق كانت سريعة .. فسامحته ومضى في حال سبيله ...
تناسيت ما جرى ، وتشاغلت بتصفّح بعض أوراقي ، وأعدتها إلى مكانها في جيب السترة الداخليّة ، متحاشياً تفقّد المظروف في الجهة اليسرى خشية أن ألفت نظر اللصوص والنشّالين إلى الثروة التي بحوزتي .
وطالت الهدنة بيني وبين غريمي صاحب التساؤلات حتّى حسبت أنّه لن يعود إليها ثانية أو ثالثة . وبينما كنت أحاول الابتعاد إلى جهة النافذة استوقفني بسؤال ثالث :
- أعندكَ حديث يُسرّ ؟!
كدت أخرج عن طوري فأضربه ، وصرخت في وجهه بعنف :
- كلا ... كلا .. قلتُ لك كلا يا مجنون ! ...
تراجع صاحب السؤال وتلملم في مقعده ، ونظرت في وجوه الركاب في اتجاهات عدة ، فرأيت ضحكاتهم بين غمز ولمز ، وفضّلت أن أترجّل من الحافلة في أقرب محطة ، وأتدرّج إلى السوق مشياً فيما تبقّى من مسافة .. وما كدت أنهض من مقعدي وأتّجه للنزول من باب الحافلة الأمامي حتّى اشتدّ العجوز المتطفّل في إثري ، ولكزني بعصاه في ظهري لكزة خفيفة بقصد التنبيه ، وقال :
- إذا كنت بلا مظهر يغرّ ، ولا جيب يهرّ ، ولا حديث يسرّ ، فلماذا تعيش ؟ ... اذهب وادفن نفسك وأنت حي ، أعان الله زوجتك عليك ..
وأخذت طريقي في النزول غير مبال فاستوقفني لحظة وهو يقول :
- طفح عليك الكيل أليس كذلك ؟! .. لا تؤاخذني فقد كنت أمزح .. كنت أمزح ... ها ها ها ...
زممتُ شفتي في خلقته مستخفّاً دون أن أنطق بحرف ، وترجّلت من الحافلة دون أن أعيره التفاتاً ، حتّى مضت برهة وتأكّدت من أنّه لم يعدْ ورائي ، فتنفست الصعداء ، وزفرت زفرة طويلة ، ومضيت في طريقي وأنا أشعر أنّه معي وفي داخلي ..
بلغت السوق واشتريت أولى حاجاتي ولمّا تفقدت المظروف الذي فيه مرتبي لم أجده وتحريت جيوبي جميعاً بلا فائدة ، فتأكدت من أنّه سرق ، واعتذرت من البائع، فقبل عذري، وأشفق على حالي مردداً :
- لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
وشيّعني بنظرات التأثر والأسف ...
وبعد مشوار طويلٍ ملأته الهواجس وصلت إلى البيت ، وتسللت إلى غرفتي لأغير ملابسي ، وكانت منّي التفاتة إلى المرآة ، فوجدتها تصفني كما وصفني جار الحافلة فمنظري لا يسرّ !
وخرجت إلى الردهة فاستقبلتني زوجتي ، فقلت لها بلهجة ساخرة :
أبشري يا ست نوال .. لقد سُرق منّي الراتب كلّه .. وعلينا أن نمضي الشهر ونحن على الحديدة ..
قالت وهي تلطم وجهها بكفيها :
- ماذا تقول ؟ .. ماذا تقول ؟ يا ويلك ويا سواد ليلك يا نيّول .. حدّثني كيف سُرقت .. قلت لها :
- بالاختصار ، سُرقت خلال ركوبي الحافلة في طريقي إلى السوق .. لقد كان إلى جانبي في المقعد شاب مشبوه الحركات ، ويبدو أنّه هو الذي سرقني ..
- قالت زوجتي وقد عراها من الغضب وسوء الأدب ما لم أعهده فيها من قبل :
- - خائب مغفل ، لا منظر يغرّ ، ولا جيب يهرّ ، ولا حديث يسرّ ..
ضحكت مليّاً بناء على ما سمعت من صفاتي المكرّرة ، وتماسكت بعد أن أوشكت أنفاسي أن تنقطع من الضحك ، ثم قلت:
- أعوذ بالله من الشيطان .. أعوذ بالله من الشيطان .. هذا هو الشيطان .. هذا هو الوسواس الخنّاس زحف إلى مناخرك بل تلبّسك تلبّساً .. قولي : أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم .. أجابت بحيرة وغضب :
- لماذا لا تعترف بأنّك أنت من تلبّسه الجنون ؟ فها أنت تضحك بعد أن سُرقت منك ثروة الشهر بحالها .. قلت لها :
- أعذريني يا ستي لاعذرك .. إنّه الشيطان حقاً ، شيطان الحافلة المشؤوم ..
نظرت إليّ زوجتي نوال نظرة مرتابة متشكّكة ، لكنها مالت رويداً رويداً إلى الهدوء والتعقل ورحت أسرد عليها حكايتي مع العجوز ذي الوجه الشيطاني ، وكيف سمّم بدني ومزاجي بأسئلته السخيفة حتّى شُغلت بها عن رقابة المرتب الذي أودعته قريباً من القلب فسرقه منّي سارق محترف وفرّ به .. قلت لها :
- لست أقلّ منك حزناً وأسفاً ، ولكنّني دهشت لتوارد الأفكار والعبارات بينك وبين هذا الذي حسبته الشيطان .
فضحكت عوضاً عن الغضب أشد الضحك ، وهم يقولون: شرّ البليّة ما يُضحك .. قالت أم العيال زوجتي نوال :
- ولكنّني لم أنعتك إلا بكلمات مثل معروف لدى جميع الناس ..
سامحني فلقد هالتني المصيبة ، وأخرجتني عن طوري فهاج ثوري ..
ضحكنا معاً ، وتهيّأنا للتسليم بالمقدور ، وقالت لي شريكتي :
- قم بنا لنتغدى من حواضر البيت ..
جلسنا اثنين على مائدة التفاهم ، وأنا ألعن في سرّي شيطان الحافلة الذي مهّد للسارق ، وأدار أفكاره برأس زوجتي ، وأطلق عباراته على لسانها ، حتّى كاد يوقعنا في هوّة الخصام باسم المزاح .

مجلّة الجيل

مزاح الشيطانمزاح الشيطانمزاح الشيطان
من مواضيع : ميدوlive مزاح الشيطان
23-04-2009, 12:17 AM
شذا&
 
سلمت يداك قصة رائعة

وفيها العبرة والحكمة

جزاك الله كل خير



من مواضيع : شذا&
23-04-2009, 12:45 PM
ميدوlive
 
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شذا&
سلمت يداك قصة رائعة


وفيها العبرة والحكمة

جزاك الله كل خير




شكراً لكِ يا شذا على المرور
نورتِ صفحتي بتواجدك اللطيف
تحياتي لكِ
من مواضيع : ميدوlive مزاح الشيطان
24-04-2009, 10:39 PM
تـيـنـهـيـنـان
 
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ...

كيف انساه في الحافلة على توخذي الحذر بالغضب و اهتمامه بغضبه
و كيف انه كاد ان يزرع فتيل الخصام بينه و زوجته
اعوذ بالله من شيطان الرجيم
لعنة الله عليه،،
شكرا اخي ميدو على القصة ، بارك الله فيك

من مواضيع : تـيـنـهـيـنـان قصة جميلة اقل شيء يقال عليها
الغني و الفقير
قصة لمعنى التضحية من أجل هذا الدين من فتاة روسية
قصة ذكرنا باعز شخص في هذه الدنيا OoOoامOoOo
مكان جميل ..قصة لـ : عزيز نيسين
28-04-2009, 12:12 AM
ميدوlive
 
شكراً على مرورك يا صديقتي
تحياتي لكِ
من مواضيع : ميدوlive مزاح الشيطان
 

الكلمات الدلالية (Tags)
مزاج, الشيطان

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
موضوع شامل وخطير عن عبده الشيطان سبحان الله
تعرف على عبدة الشيطان ..

مزاح الشيطان

الساعة الآن 12:27 PM.